قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 14 يونيو 2026

عن الدكتور عصمت سيف الدولة في ذكرى رحيله بقلم د عقيل البكوش


 


 

" لست أشك لحظة واحدة في أننا حين نحصد حصادنا ذات يوم لنلتمس بين سنابله وأعواده فلسفة عربية، سيكون الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه "أسس الاشتراكية العربية" بين الطلائع القوية التي أسهمت في تكوين الفلسفة العربية المعاصرة"

                                                                 الدكتور زكي نجيب محمود

فمن هو الدكتور عصمت سيف الدولة؟

ولد عصمت سيف الدولة عباس محمد إسماعيل جوده في قرية الهمامية، وهي قرية صغيرة بمركز البداري بمحافظة أسيوط في 20 أوت 1923، أكمل تعليمه الأساسي في قريته ثم انتقل إلى القاهرة ليكمل تعليمه الجامعي فحصل على الإجازة في الحقوق عام 1946 ثم على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي عام 1951 ودبلوم الدراسات العليا في القانون العام سنة 1952 ثم انتقل إلى باريس فحصل من جامعتها على دبلوم الدراسات العليا في القانون عام 1955 والدكتوراه في القانون عام 1957.

انتمى إلى الحزب الوطني، الحزب الذي تبنّى خيار الثورة والمقاومة المسلحة للاستعمار البريطاني وناضل في صفوفه وهو شاب واثقا أنّ خيار الثورة ومقاومة الاستعمار واسترداد الوطن بالقوة هو أقصر الطرق وأنجعها للوصول إلى شاطئ الحرية.

شارك في الكفاح المسلح وقاد كتيبة محمد فريد في العباسية، وقد كان يُعرف عن هذه الكتيبة أنها بقدر ما تحمل من سلاح بقدر ما تحمل من كتب.

شارك في الدفاع عن ثورة يوليو 1952 دون أن ينتمي إلى أي من أجهزتها، فقد احتفظ باستقلاليّته الفكريّة وبحرية التفكير والحركة إلى درجة أثارت انتباه البعض ممن يدّعون ولاءهم للثورة فلم يحفل بذلك وواصل دعوته الجماهير العربية لكي تلتقي بقائدها.

فُجع كما بقية الشعب العربي برحيل القائد جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 وتجاوز تفكيره الفجيعة في المفقود إلى الفجيعة في المنشود أي مستقبل النضال العربي.

اتهمته الأجهزة الأمنية في بداية المرحلة الساداتية بالتخطيط لتشكيل تنظيم قومي يهدف إلى إسقاط الأنظمة العربية وبناء دولة الوحدة وأُودِع السجن في 15 فيفري 1972 ليخرج منه سنة 1973 ثم أُودِع السجن مرة ثانية سنة 1981 مع مجموعة كبيرة من المثقفين والسياسيين ليخرج منه إثر مقتل أنور السادات في عملية المنصة الشهيرة.

وباعتباره محاميا فقد تصدى للدفاع عن سجناء الرأي من طلبة وعمال وقادة وكوادر أحزاب سياسية ومنظمات اجتماعية وحقوقية.

له مرافعات مشهورة، مرافعة عن المتهمين في انتفاضة 1977 التي نعتها أنور السادات ب  : " انتفاضة الحرامية" ضمنها كتابه :" دفاع عن الشعب" وكذلك مرافعة عن اليساريين نشرت تحت عنوان :" دفاع عن الوطن" ، وأيضا مرافعة ذائعة الصيت عن تنظيم ثورة مصر الناصرية بقيادة خالد جمال عبد الناصر والمجاهد البطل محمود نور الدين السيد، وكان هذا التنظيم قد اتهم بقتل صهاينة وأمريكيين في قلب القاهرة، وقد نشرت المرافعة تحت عنوان :    " دفاعا عن ثورة مصر العربية". وقد أرفق مرافعته بوثيقة صهيونية تتضمن مخططا صهيونيا لمزيد تقسيم الوطن العربي وتفتيته ومنه مصر.

كان في شبابه مقاتلا في صفوف المقاومة المسلحة، فلما امتد به العمر وداهمته الكهولة امتشق سلاح الكتابة وأخذ يكتب ويكتب ويدخل معارك قومية وإقليمية يدافع فيها عن حرية الإنسان وحرية الأمة العربية، يدافع عن هويتها وعن قيمها وعن مستقبلها المنشود ويدعو الشعب العربي في كل مناسبة إلى الثورة على الظلم، على الاستبداد، على الحيف الاجتماعي، على القهر، على الإقليمية، على الصهيونية، على الامبريالية، من أجل الحرية، من أجل الوحدة، من أجل العدل، من أجل الكرامة، من أجل استرداد الحقوق.

كان يواجه الضخ الإعلامي الرهيب الذي يستهدف توجيه الرأي العام العربي واغتصاب عقله، وبدأ عملا منهجيا يكشف فيه نقاط قوة هذا المخطط ونقاط ضعفه من أجل أن تركز عليها القوى الثورية وتحولها من اغتصاب للعقول إلى تحصين لها ومدها بآليات المقاومة الفكرية والعلمية منعا للاختراق الذي يؤدي إلى الاحتراق ومن ثمة تهاوي جبهة المقاومة.

لقد كان طاقة جبّارة بكل المقاييس، عندما تقرأ كتاباته تحسّ أنّ ذاكرة الرجل تُخزن كل ما كُتِب عبر التاريخ وفي كل المجتمعات، فهو مطّلع على ما كتبه أساطين الفلسفة والقانون والاقتصاد السياسي والأدب والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، مطلع على خبايا النفوس، ينهل من علم النفس كأنه أحد علمائه.

وعندما تقرأ المنهج الذي أبدعه سنة 1965 " جدل الإنسان" ثم تقرأ النتائج التي توصل إليها علم النفس العرفاني في السنوات الأخيرة تكتشف ألاّ تناقض بينهما وأنّ هذا العلم يثبت في كل نتيجة من نتائجه ما ذهب إليه مفكرنا وفيلسوفنا. ثم تستغرب أكثر عندما تعرف أنه أبدع ذلك المنهج في وقت كانت المدرسة السلوكية في علم النفس في أوج تألقها خاصة في ميدان التربية والتعليم، وهي مدرسة لا تحفل بما يجري داخل الأذهان من عمليات معالجة إنسانية للمعلومة وحل للمشكل وما يصاحب ذلك من استرجاع وتذكر وإدراك وتصور وعمليات تقييم وتعديل وانفعالات وعواطف وحاجات ... فهذه المدرسة تهتم فقط بالسلوك الظاهر من خلال التركيز على براديغم "مثير – استجابة – تعزيز".

كل هذا يجعلك تُدهش لسبقه العلمي دون أن يكون مختصا في علم النفس أو مهتما بقضاياه الأكاديمية، فتعرف أنه إلى جانب معرفته الموسوعية التي نهلت من معارف الشرق والغرب، القديم والحديث، أنه كان صاحب رأي ولم يكن مجرد ناقل للمعرفة أو مترجم لها، فقد بين أهمية العامل الاجتماعي في تملك المعرفة قبل أن تظهر أعمال فيقوتسكي.

وتقرأ تعريفه للأمة فتدرك أنه في تعريفه هذا قد تجاوز كل ما هو معروف ومتداول وأنه قد أبدع تعريفا غير مسبوق حيث أضاف عنصر الحضارة.

وتعلم أنه يمتلك فكرا نسقيا شيده تشييدا غاية في الدقة والوجاهة، كيف لا والتعريف في حد ذاته يحل مشكلة العلاقة بين العروبة والإسلام، فلا هو ينحاز إلى فكرة العروبة المنعزلة عن إسلامها ولا هو ينحاز إلى فكرة الإسلام المستغني عن العروبة. بل هو يقول عن فكرة العروبة المعادية للإسلام إنّها فكرة منافقة، ويقول عن فكرة الإسلام المستغني عن العروبة إنّها فكرة ظالمة وإنّ الفكرتين تنمان عن جهل بالعروبة والإسلام كليهما، وإنّهما تثيران عاصفة غبراء من الجدل العقيم تكاد تلهي الشعب العربي عن غاياته القويمة، فالعروبة والإسلام بالنسبة إليه سبيكة واحدة، وإنّه لا ينكر العروبة إلا من ينكر الثورة الحضارية للإسلام، وإنّه لا ينكر الثورة الحضارية للإسلام إلا منكر لوجود الأمة العربية ذاتها، غير واع بالسياق الزمني للأمة باعتبارها تالية لمراحل سبقتها هي مراحل القبائل والشعوب وسابقة لمراحل ستليها : تكوينات اجتماعيّة أكبر من الأمة.

ثم يبني على كل ذلك أن الوجود الموضوعي للأمة العربية الواحدة يقتضي وحدة مصيرها وأن مصير الأمة العربية الواحدة لا يكون إلا في ظل الدولة العربية الواحدة، وأن هذه الدولة، إذ ترفع الاعتداء الخارجي عن الشعب العربي فيسيطر على أرضه وثرواته ويتطور بما هو متاح له أن يتطور به، لابد أن تجسد حرية الإنسان فردا كان أو جماعة وأن الديمقراطية هي التجسيد السياسي لحرية المواطن العربي، وأن الاشتراكية هي التجسيد الاجتماعي لهذه الحرية.

ثم يؤكد أن لا خلاص من الاستعمار والاستبداد والتجزئة والتخلف إلا بمواجهة المعتدين والثورة عليهم في المكان والزمان المناسبين.

ولعلّك إذ تقرأ نظرية الثورة العربية تدرك الإضافة المهمة التي أضافها الدكتور عصمت سيف الدولة في نظرية الأسلوب بالذات، ذلك أنه على خلاف كل المفكرين القوميين من سابقيه أو ممن عاصروه أو حتى ممن جاؤوا بعده، لم يقف عند حدود التبشير بدولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية بل تجاوز ذلك إلى وضع معالم على الطريق إليها، فبين أن الوحدة لا يبنيها إلا الوحدويون وأن الثورة لا يصنعها إلاّ الثوار.

وقد بين بكل طريقة ممكنة أن الطريق الإقليمي إلى الوحدة طريق مضلل ومسدود، وأن طريق الثورة على صعوبته هو الطريق الوحيد الممكن علميا، ذلك أن أعداء الأمة العربية ذوي المصلحة في تخلفها وتجزئتها لن يهدونا الحرية والوحدة والاشتراكية على طبق من ذهب، وأن مهمة الثوريين العرب إفهامهم بالطريقة التي يفهمونها أننا لن نساوم على حريتنا ووحدة أمتنا، وهو هنا يذكرنا، دون أن يصرح، بما قاله الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر:" ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".

ثم هو لا يفوته أن ينبهك أنه لا يستطيع أن يسلك هذا الطريق الصعب إلا الصادقون الشجعان الذين يختزنون في أنفسهم كل القيم العربية الإسلامية النبيلة، الذين هم على استعداد أن يقدموا أرواحهم فداء لأمتهم، لحريتها ووحدتها. وهو إذ ينبه إلى ذلك يشترط في كل ثوريّ وحدويّ مناضل من أجل بناء دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية صلابة الخلق كحجر زاوية تبنى فوقه وحدوية الغاية وتقدمية الاتجاه وقومية الفكر وتكون تلك الصلابة أساس كل البناء، لا كينونة له بدونها، أما وحدوية الغاية وتقدمية الاتجاه وقومية الفكر فهي الفانوس الذي ينير ما أعتم من الطريق.

هذا الفكر الممنهج علميا هو فكر مبني بناء متماسكا لا ينفع معه أن تختار أو تنتقي ما يناسبك وأن تستبعد ما لا يناسبك، فإمّا أن تقبله جملة وإمّا أن ترفضه جملة، فإن أنت استبعدت بعضه انتقض البناء كله، فأوله يؤدي إلى آخره وآخره يحيلك إلى أوله، فلا هو بالترف الفكري ولا هو تمارين ذهنية يُختبر فيها الذكاء والفهم والذاكرة. فهو ليس موجّها إلى المثقفين يتداولونه في الصالونات الثقافية وهم يحتسون القهوة ويدخنون السيجار. بل هو دليل عمل ثوري عميق يبدأ من الأخلاق ويمر بالفكر لينتهي بالالتزام النضالي في الميادين الممكنة أو التي يجب أن تكون، يبدأ من صلابة الخلق (الصدق والشجاعة والتواضع والتضحية والتفاني والإخلاص والأمانة والاحترام والأخذ بأيدي الآخرين وتفهم مشاكلهم وبذل الجهد لحلها). فالقومي التقدمي، في رأي فيلسوفنا، مدرسة في صلابة الخلق ومدرسة للوعي، والقومي التقدمي ليس مجترّا لمقولات فكرية يلوكها إرضاء لرغبة نفسية في التفوق وإثبات الذات، بل مناضل في الميادين بين صفوف شعبه، فهو النقيض التقدمي لنموذج الإنسان الذي شكله أسلوب الحياة الليبرالي وحددت ملامحه الهجينة سوق المنافسة الرأسمالية، ذلك النموذج الذي يكذب ويخون ويغدر ويقوم بكل ما من شأنه أن يعزّز فرديته ويجلب له الربح ومزيدا من الربح والنفع الشخصي، القومي التقدمي هو النقيض الذي يعطي بدون حساب إلا حساب ربح أمته وشعبه وتحقيق مبادئه في الواقع. وهو بهذا تجسيد للأخلاق التي بشرت بها الأديان وخاصة ديننا الإسلامي الحنيف.

هنا تلتقي عند القومي التقدمي الأخلاق كما تلقاها من الإسلام والأخلاق كما عرفها من العلم (جدل الإنسان) فيكون أغنى خلقا من الذين تأثروا بالدين وحده وأغنى خلقا من الذين اتبعوا العقل وحده.

وقد كان فيلسوفنا صلب الخلق بشهادة خصومه الذين رافع عنهم في المحاكم ورفض مهاجمتهم حتى لا يكون شريكا للمستبدين في الإجهاز عليهم وسكت عنهم رغم اختلافه معهم حتى يتجاوزوا محنتهم، ويمتلكون الأداة التي يردون من خلالها.

ومن آيات تواضع فيلسوفنا أنه لم يكتب سيرته الذاتية رغم إلحاح الملحين وآثر أن يكتب سيرة قريته في" مذكرات قرية" و" مشايخ جبل البداري" التزاما منه بأن الإنسان المفرد لا وجود له وأن الإطار الاجتماعي والتاريخي الذي ينتمي إليه هو حقيقته ومردّ أمره وجماع شخصيته، وقد تفهم بعد ذلك أنه موجود في تفاصيل كل شخصية من شخصيات روايته وأن ما يجمعه بهم وما يجمع هذه الشخصيات جميعا هو شخصية العربي من المحيط إلى الخليج بعيدا عن التشويهات التي نثرتها جرثومة الليبرالية على النسيج الخارجي على هذه الشخصية.

ولعل كل الذي ذكرنا هو الذي دعاه إلى أن ينادي في كل سطر مما كتبه إلى استبعاد الشخصنة والزعاماتية وعبادة الذوات واستبدال كل ذلك بزعامة الفكرة والمبدإ، أي الاحتكام إلى المبادئ والأفكار عوض الاحتكام إلى ذكاء الأشخاص أو حكمتهم أو مقدرتهم ولو كانوا قوميين تقدميين ولو كان منهم عصمت سيف الدولة نفسه، فإن الأسماء الكبيرة تؤدي إلى المهالك الكثيرة مادامت ذواتها هي المقياس لا المبدأ والفكرة والعلم وما دامت هي عنوان الوحدة الفكرية لا الوحدة الفكرية هي عنوانها أو هي التي تقودها.

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّه لو كان يعيش بيننا وقرأ ما نكتب لاستشاط غضبا ولاتهمنا بأننا غير قوميين وأن عبادة الفرد قد سيطرت علينا فنسينا سلطان الفكرة، وأننا لم نفهم ما كتب أو فهمنا ولم نعمل به، فليس أبغض إلى قلبه من عبادة الأشخاص إذ هو يعتبر ذلك مرض الليبرالية البغيض، وقد علمنا أنه عند زيارته لتونس قد ضاق أشد الضيق بتعبير " العصمتيين" الذي سمعه يتردد وصفا للقوميين الذين يتبنون نظرية الثورة العربية، فهو يريدهم أن ينتسبوا إلى أمتهم وشعبهم لا أن ينتسبوا إلى أي فرد فيها ولو كان هو نفسه.

غير أن ما يشفع لنا أننا نكتب ما نكتب بعد وفاته بِسِتَّ عَشْرةَ سنةً، فلسنا نكتب ما نكتب نفاقا أو تزلفا وإنما نكتبه لنعطي لمفكر عبقري الحق الذي يستحق، والذي غمطه فيه رواد فكره قبل خصومه.

كما نكتب ما نكتب لا ابتغاء تشييد صنم له وإنما لنذكّر بالطريق إلى الحرية والوحدة والاشتراكية في وقت تتكالب علينا الأمم، ويعلن أعداؤنا دون إخفاء وفي وضح النهار أنهم يريدون الإجهاز على هذه الأمة المثخنة بالجراح يبغون مزيد تفتيتها وتفكيكها، وتزداد الهجمة على العقل العربي استعارا ونشاهد اليوم بأمّ أعيننا ونسمع بآذاننا ونكاد لا نصدق انقياد العقول للآلة الاستعمارية الرهيبة، انقيادا غبيا كأنّ هذه العقول مبرمجة لتنفذ ما يريد أعداء الأمة وأعداء الحرية وأعداء الإنسان فنفتقد العقول الحصينة الثائرة، نفتقد الدكتور عصمت سيف الدولة الذي رحل عنا يوم 30 مارس 1996 وترك لنا خير الزاد نواجه به المستقبل. رحمه الله رحمة واسعة وجازاه عن أمتنا العربية كل الخير.

                                                                                  عقيل البكوش

                                                                       13 مارس 2012



--

 

الأستاذ نزار الفجاري - بيان ما فات مشروع قانون المساواة في الإرث - محاضرة

 الأستاذ نزار الفجاري - بيان ما فات مشروع قانون المساواة في الإرث - محاضرة.                                                         الأستاذ نزار الفجاري باحث في الفقه و تاريخ الفقه ويشغل منصب قاض من الرتبة الثالثة بمحكمة الاستئناف بالقيروان.     تقديم الدكتورة منية العلمي من جامعة الزيتونة      


السبت، 13 يونيو 2026

تجارة الموت الأبيض وهندسة استئصال الأجساد في تونس بقلم الباحث: الناصر خشيني نابل تونس

 





 تجارة الموت الأبيض وهندسة استئصال الأجساد: حينما تتقاطع مأساة "الدواء المغتصب" بـ "أعضاء البشر" المهرّبة في تونس


إنّ الجريمة المنظمة العابرة للحدود لم تعد مجرّد فصول من سيناريوهات الرعب البعيدة، بل تحوّلت إلى واقع ملموس يخترق النسيج المجتمعي والأمني، متمثلاً في أخطر ثنائيات القرن الحادي والعشرين: احتكار الأدوية الحيوية وتهريبها، وشبكات المتاجرة بالأعضاء البشرية. هذه الأنشطة الإجرامية لا تقتصر خطورتها على كونها تجارة اقتصاد أسود غير مشروع، بل إنها تُمثل انتهاكاً صارخاً للحق الكوني في الحياة والصحة المضمونين قانوناً، وتستغل بشكل بشع الأزمات الاقتصادية الخانقة، والظروف المعيشية القاسية للضحايا المستضعفين لإرساء أركان هندسة القتل البطيء وتفكيك الأجساد.

أولاً: الأخطبوط الإجرامي الإقليمي والدولي (خارطة التورط والأدوار)
تُدار الجريمتان عبر توليفة معقدة وشبكات دولية دقيقة تتداخل فيها مسارات الفساد الإداري والمحلي بالمافيات عابرة الحدود، وتتقاسم الأدوار عبر آليات منظمة كالتالي:
1. مافيات تهريب واحتكار الدواء والمنظومات الصيدلانية
  • عصابات التهريب الإقليمية: مجموعات تعمد إلى تحويل مسار الأدوية المدعومة والمخصصة للمواطنين المحتاجين والأسواق المحلية، لتهريبها عبر الحدود وتسييلها بأسعار مضاعفة في الأسواق الموازية.
  • الفاسدون في المفاصل الصحية: تتورط في هذا الملف جهات من الإداريين، والمسؤولين داخل بعض المنشآت الصحية والاستشفاية، وبعض الصيادلة ممن يسهلون تسريب الشحنات وتفويض سحب الأدوية الحيوية والمفقودة.
  • العصابات الرقمية والمنصات الافتراضية: شبكات إلكترونية توظف الفضاء الافتراضي لترويج وتوريد مستحضرات دوائية مجهولة المصدر، أو مغشوشة ومقلدة، متجاوزة القنوات الرقابية الطبية والصيدلانية الرسمية [مرجع رقم 2].
2. شبكات استئصال الأجساد والاتجار بالأعضاء البشرية
  • سماسرة "اصطياد المستضعفين": وسطاء محليون يبحثون عن الأفراد الذين يعيشون تحت وطأة الفقر الشديد والمشقة المالية، مستغلين حاجتهم لإغرائهم أو الضغط عليهم للتفريط في كُلاهم أو أعضائهم مقابل فتات مالي.
  • أطقم طبية ومختبرية مارقة: ينضم إلى هذه المنظومة في بعض الأحيان أطباء جراحون، ممرضون، ومسؤولو مصحات ومختبرات خاصة يقومون بالغطاء الطبي للفحوصات والتحاليل وإجراء العمليات الخطيرة بعيداً عن أعين الرقابة.
  • مافيات "سياحة زراعة الأعضاء": شبكات تنسق لنقل المستفيدين (المرضى الأثرياء) والضحايا (المانحين المجبرين) إلى دول ومصحات أجنبية توفر مناخاً آمناً لإجراء عمليات النزع والزرع غير القانونية [مرجع رقم 1].

ثانياً: تونس تحت مجهر العدالة (أحكام قضائية نافذة تدين المتورطين)
لم تكن تونس بمنأى عن هذا الاختراق الإجرامي، إلا أن الملاحقات الأمنية وبسط سلطة القانون أسفرا عن أحكام قضائية صارمة صادرة عن المحاكم التونسية، كشفت بوضوح عن تورط جهات وموظفين محليين في ملفين هزا الرأي العام:
1. زلزال الصيدلية المركزية: سرقة الدواء واحتكاره
حققت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس اختراقاً كبيراً في تفكيك خلايا الفساد الصيدلاني، وأصدرت أحكاماً ردعية قاسية:
  • الأحكام القضائية: قضت المحكمة بعقوبات سجنية نافذة تتراوح بين 6 سنوات و11 سنة سجناً مع النفاذ العاجل في حق أربعة موظفين سابقين [مرجع رقم 3].
  • تكييف التهمة: وُجّهت إلى المتهمين تهم ثقيلة تشمل "استيلاء موظف عمومي على منقولات كانت تحت يده بمقتضى وظيفه"، وتكوين وفاق بغاية غسيل الأموال، ومخالفة التراتيب المنظمة لتوزيع الأدوية [مرجع رقم 3].
  • التعويضات والخطايا: ألزمت المحكمة المدانين بدفع خطايا مالية ثقيلة ناهزت 140 ألف دينار تونسي لفائدة الصيدلية المركزية كتعويض عن الأضرار الفادحة التي ألحقتها هذه السرقات بالخزينة العامة ومسالك التوزيع الرسمية [مرجع رقم 3].
2. خيوط شبكة تهريب الأعضاء البشرية بين تونس وتركيا
استناداً إلى المقتضيات الصارمة للقانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته، تصدت المحاكم التونسية لشبكات نزع الأعضاء الدولية:
  • الحكم القضائي: أدانت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس وسيطة تونسية وقضت في حقها بالسجن لمدة 8 سنوات وخطية مالية قدرها 30 ألف دينار [مرجع رقم 4].
  • تفاصيل الجريمة: ثبت تورط المدانة في لعب دور حلقة الوصل لصالح مصحة طبية خاصة في تركيا، حيث تركز نشاطها على استقطاب شبان تونسيين يمرون بضائقة مالية، وإقناعهم بالسفر لنزع وبيع كُلاهم مقابل مبالغ مالية، مع تكفل الشبكة بمصاريف التذاكر والإقامة [مرجع رقم 4].
  • الموقف الحقوقي والرسمي: صنّفت الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص هذه الأفعال كجنايات موصوفة عابرة للحدود، تقوم على الاستغلال الفج لحالة الاستضعاف والمشقة الاقتصادية التي يعيشها الشباب [مرجع رقم 5].

ثالثاً: تفكيك ترسانة الردع (مرسوم المضاربة غير المشروعة عدد 14 لسنة 2022)
يمثل المرسوم الرئاسي عدد 14 لسنة 2022 نقطة تحول جوهرية في المنظومة الجزائية التونسية، حيث نقل المشرّع التونسي بموجبه تهم احتكار المواد الأساسية والحيوية—وفي مقدمتها الأدوية—من مجرد جنح اقتصادية بسيطة إلى مصاف الجنايات الخطيرة التي تهدد الأمن القومي والصحي للبلاد [مرجع رقم 6].
  • العقوبة الأساسية والمشددة: وضع المرسوم عقوبة السجن لمدة 10 سنوات وبخطية مالية قدرها مائة ألف دينار لكل من يرتكب جرائم المضاربة غير المشروعة في المواد الأساسية، وتُشدد العقوبة إلى 20 سنة سجناً وبخطية مالية قدرها مائتا ألف دينار إذا كانت المضاربة تتعلق بمواد حيوية مثل الأدوية والمستلزمات الطبية [مرجع رقم 6].
  • العقوبة القصوى (السجن المؤبد): يرفع المرسوم العقوبة إلى السجن المؤبد وبخطية مالية قدرها خمسمائة ألف دينار إذا ارتكبت الجريمة في ظروف الأزمات الصحية والأوبئة، أو إذا ارتكبت من قبل وفاق إجرامي منظّم أو شبكات تهريب عابرة للحدود [مرجع رقم 6].
  • المصادرة والحرمان: ينص المرسوم على المصادرة الوجوبية لجميع الأدوية والمستلزمات المحجوزة، ووسائل النقل والمعدات المستخدمة في التهريب، مع غلق المحلات أو المخازن المتورطة ومنع المحكوم عليهم من ممارسة أي نشاط تجاري مرتبط بالقطاع مستقبلاً [مرجع رقم 6].

رابعاً: الاستراتيجية الوطنية والرقابة الشعبية (آليات المواجهة والتبليغ)
لا يمكن لترسانة القوانين أن تحقق الردع الكامل ما لم تقترن باستراتيجية ميدانية محكمة تنسق بين أجهزة الدولة، ورقابة مجتمعية نشطة تمكن المواطن من التحول إلى عنصر فاعل في حماية الأمن الصحي والاجتماعي.
1. الاستراتيجية الوطنية التونسية لحماية التوزيع والأشخاص
تعتمد الدولة التونسية خطة مشتركة تجمع بين وزارة الصحة، وزارة الداخلية، ووزارة التجارة لحصار شبكات الاحتكار والاستغلال عبر مسارات دقيقة [مرجع رقم 7]:
  • التأمين الرقمي لمسالك التوزيع: اعتماد منظومات تتبع رقمية لشحنات الأدوية الحيوية والمستوردة منذ لحظة وصولها إلى مخازن الصيدلية المركزية التونسية وحتى تسليمها للمستشفيات العمومية والصيدليات الخاصة.
  • الفرق المشتركة والمداهمات الميدانية: تشكيل فرق رقابية مختلطة (تضم متفقدين بوزارة الصحة، وأعوان المراقبة الاقتصادية، والوحدات الأمنية) للقيام بحملات تفتيشية فجائية على المخازن العشوائية والمناطق الحدودية [مرجع رقم 7].
  • رصد المؤشرات المبكرة للاتجار بالأشخاص: تدريب الوحدات الأمنية بالمطارات والمعابر الحدودية بالتنسيق مع الهيئات الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص لكشف مسارات السفر المشبوهة للشباب المستهدف من قبل السماسرة [مرجع رقم 5].
2. قنوات الرقابة الشعبية وطرق التبليغ الرسمية
أتاحت الدولة التونسية قنوات مباشرة وسرية للمواطنين للإبلاغ عن أي تجاوزات أو شبهات تمس قطاع الدواء أو كرامة الإنسان، وتشمل [مرجع رقم 7]:
  • الرقم الأخضر لوزارة التجارة (80100191): المخصص للإبلاغ الفوري عن مخازن احتكار الأدوية والبيع بأسعار غير قانونية في الأسواق الموازية.
  • موقع "بلغ" (Ballegh): المنصة الرقمية الرسمية التابعة لوزارة الحوكمة ومكافحة الفساد لتلقي شكاوى الفساد الإداري داخل المؤسسات الصحية والصيدليات الحكومية.
  • الخط الساخن للهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص (80105500): لتلقي الإشعارات حول شبكات الاستدراج، والوساطة للسفر المشبوه، وننزع الأعضاء.

الهوامش والتوثيق الرقمي 
  • [مرجع رقم 1] مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان؛ تقرير مفصل حول "بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال" (بروتوكول باليرمو لعام 2000 المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عابرة الحدود).
  • [مرجع رقم 2] منظمة الإنتربول الدولية (INTERPOL)؛ النشرة الرسمية بخصوص "مكافحة الجريمة الصيدلانية والمستحضرات الطبية المزيفة والمهربة عبر الحدود".
  • [مرجع رقم 3] المحكمة الابتدائية بتونس (الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي)؛ منطوق الحكم القضائي الصادر بحق أربعة موظفين سابقين بالصيدلية المركزية التونسية (أحكام سجنية تتراوح بين 6 و11 سنة سجناً، وخطية مالية بقيمة 140 ألف دينار).
  • [مرجع رقم 4] المحكمة الابتدائية بتونس (الدائرة الجنائية)؛ منطوق الحكم القضائي الصادر في شبكة الاتجار بالأعضاء البشرية الناشطة بين تونس وتركيا (حكم بالسجن لمدة 8 سنوات وغرامة مالية بـ 30 ألف دينار ضد وسيطة الشبكة الدولية).
  • [مرجع رقم 5] الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص في تونس؛ التقرير السنوي الصادر عن الهيئة لرصد حالات الاستغلال ونزع الأعضاء البشرية تحت طائلة الحاجة الاقتصادية والخصاصة بموجب القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته.
  • [مرجع رقم 6] الرائد الرسمي للجمهورية التونسية؛ المرسوم الرئاسي عدد 14 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022، المتعلق بمقاومة المضاربة غير المشروعة وعقوباتها المغلظة في قطاع الدواء والمستلزمات الطبية.
  • [مرجع رقم 7] وزارة التجارة وتنمية الصادرات التونسية؛ البلاغات والتقارير الدورية حول نشاط الفرق المشتركة لمراقبة مسالك توزيع المواد الحيوية والأدوية وتفعيل قنوات التبليغ المباشرة للمواطنين

الاتفاق الأمريكي-الإيراني المحتمل: تفكيك "التفاهم الإجرائي" ومناورات حافة الهاوية في الشرق الأوسط بقلم: الناصر خشيني (كاتب ومحلل سياسي تونسي)

 



تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تحول دبلوماسي متسارع بعد جولة من التصعيد العسكري العنيف كادت تعصف بالبنية التحتية الإقليمية. فبعد أسابيع من التهديد والوعيد والتلويح بضربة أمريكية وشيكة تستهدف المنشآت النفطية والحيوية الإيرانية، أطل علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن بصورة دراماتيكية أن "اتفاقاً مبدئياً" قد تم التوصل إليه، وأن وثيقة التفاهم سيتم توقيعها يوم الأحد (14 يونيو 2026) [1.1.1، 1.1.5]. هذا التحول اللامتوقع يفرض علينا تفكيكاً عميقاً للخلفيات، والبنود المسربة، وحقيقة الأرقام المالية المتداولة، لمعرفة ما إذا كنا أمام سلام دائم أم مجرد "تأجيل" مواجهة حتمية في ظل اختلال موازين القوى الإقليمية.
أولاً: دبلوماسية "حافة الهاوية" والوساطة الإقليمية
لم يكن إعلان ترامب وليد رغبة أمريكية مفاجئة في السلام، بل جاء نتاج حسابات استراتيجية معقدة ومخاوف جادة من تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي وخطوط إمداد الطاقة [1.1.4، 1.1.5]. لقد نجحت الوساطة الدبلوماسية المكثفة التي قادتها أطراف إقليمية (أبرزها قطر، باكستان، والإمارات) في نزع فتيل الانفجار الشامل [1.1.1، 1.1.2].
ومع ذلك، فإن هذا الاندفاع البراغماتي الأمريكي قوبل بـ "تحفظ حذر" في طهران؛ حيث تحرص القيادة الإيرانية على عدم إظهار التراجع، معتبرة أن أي اتفاق يجب ألا يمس خطوطها الحمراء المتعلقة بالسيادة الوطنية، وهو ما تجلى في تصريحات الخارجية الإيرانية التي حاولت التخفيف من حدة الاستعجال الأمريكي لتأكيد أن المفاوضات تجري من موقع الندية الإقليمية.
ثانياً: البُعد الجيوسياسي لثروات الطاقة والممرات المائية
لا يمكن قراءة هذا التراجع الأمريكي النسبي بمعزل عن "جيوسياسية النفط والغاز" وحرب الممرات المائية؛ فمضيق هرمز يمثل الشريان الأبهر للاقتصاد الرأسمالي العالمي، حيث يتدفق عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط. إن أي مغامرة عسكرية أمريكية لتدمير المنشآت الإيرانية كانت ستقابل بحظر نفطي واقعي ورد متبادل يشل الملاحة في الخليج وباب المندب، مما يرفع أسعار برميل النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة تضرب الأسواق الغربية في مقتل وتعمق أزمة التضخم العالمية. طهران تدرك جيداً وزن "سلاح الطاقة" وخطوط الإمداد كأوراق ضغط استراتيجية، ونجحت في استخدام جغرافيتها السياسية لفرض التراجع على إدارة ترامب التي ترفع شعار "أمريكا أولاً" وتخشى الانهيارات الاقتصادية الداخلية.
ثالثاً: فرية الـ 300 مليار دولار وسياق التعويضات
ارتبط الإعلان عن الاتفاق بضجيج إعلامي حول بند مالي ضخم يتحدث عن دفع الولايات المتحدة مبلغ 300 مليار دولار لإيران. ومن خلال القراءة المتأنية لمسارات التفاوض، يمكننا تفكيك هذا اللبس وفق الآتي:
  1. النفي الاستعراضي لترامب: سارع ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" إلى نفي دفع أي أموال سائلة من خزينة واشنطن، محاولاً المزايدة على الإدارات الديمقراطية السابقة ومؤكداً أن عهد "الشيكات المفتوحة" قد ولى.
  2. أصل الرقم وسياق إعمار الحرب: إن مبلغ الـ 300 مليار دولار ورد في المسودات المسربة من الجانب الإيراني كـ "سقف تفاوضي" ومطالبة قانونية بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن الحصار والعمليات العسكرية [1.1.6، 1.1.11].
  3. مخرج "الصندوق الدولي" والاستثمارات: القراءة الواقعية تشير إلى أن التسوية لن تشمل نقل أموال مباشرة، بل تتمحور حول تأسيس "صندوق استثماري دولي" لإعادة الإعمار، إلى جانب تسييل تدريجي للأصول الإيرانية المجمدة أصلاً في الخارج (والبدء بالإفراج عن 24 مليار دولار) لتوظيفها في ملفات إنسانية واقتصادية عبر قنوات وسيطة [1.1.10، 1.1.11].
رابعاً: قراءة في البنود الـ 14 المسربة (مذكرة التفاهم الإجرائية)
رغم محاولات الإدارة الأمريكية التشكيك في دقة التفاصيل المسربة لوسائل الإعلام الإيرانية، إلا أن الخطوط العريضة المنشورة تكشف عن ملامح "صفقة إجرائية موقتة" تهدف بالأساس إلى شراء الوقت (هدنة مدتها 60 يوماً) [1.1.1، 1.1.11]. ويمكن تبويب أهم هذه البنود المسربة في أربعة محاور دلالية:
  • المحور العسكري والأمني: وقف شامل لكافة العمليات القتالية على مختلف الجبهات (بما فيها الجبهة اللبنانية)، وإعادة فتح مضيق هرمز فورا للملاحة الدولية، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية خلال 30 يوماً [1.1.4، 1.1.5، 1.1.11].
  • محور السيادة والتموضع الإقليمي: تعهد الولايات المتحدة بالحد من تدخلها في الشؤون الداخلية الإيرانية وتخفيف الحشد العسكري المحيط بالبلاد، وهو ما تعتبره طهران اعترافاً ضمنياً بنفوذها.
  • المحور المالي والاقتصادي: تعليق العقوبات المفروضة على تصدير النفط والبتروكيماويات، والبدء بآلية الإفراج عن الأموال المجمدة على مراحل زمنية مرتبطة بمدى الالتزام بالاتفاق [1.1.5، 1.1.11].
  • الملف النووي وحظر الاستبعاد: الاتفاق أقر هدنة تفاوضية فنية لمدة 60 يوماً للتعامل مع معضلة اليورانيوم عالي التخصيب وآليات الرقابة، مع تأكيد إيران على سلمية برنامجها [1.1.1، 1.1.3]. واللافت هنا هو نجاح طهران في استبعاد برامجها الصاروخية الدفاعية وملفات حلفائها الإقليميين من جدول الأعمال الحالي، مما يعد انتصاراً تكتيكياً لمنطق المقاومة والممانعة الدبلوماسية.
خامساً: الموقف الصهيوني المأزوم ومحاولات التخريب
في المقابل، يتضح للمراقب حجم المأزق الذي يعيشه الكيان الصهيوني؛ حيث ينظر قادة الاحتلال إلى هذا التقارب الأمريكي-الإيراني المفاجئ باعتباره "طعنة في الظهر" وخروجاً عن سيناريو المواجهة الشاملة الذي طالما سعوا لجر واشنطن إليه لتدمير المشروع النووي الإيراني. إن حكومة الاحتلال، التي تجد نفسها اليوم معزولة وتواجه استنزافاً على جبهات متعددة، ترى في تجميد العقوبات النفطية الإيرانية والاعتراف بنفوذ طهران الإقليمي خطراً وجودياً يُنهي أسطورة "الردع الصهيوني". لذلك، تشير التقارير الأمنية إلى أن تل أبيب قد تلجأ خلال فترة الـ 60 يوماً القادمة إلى تنفيذ عمليات اغتيال نوعية، أو هجمات سيبرانية تخريبية داخل إيران، في محاولة يائسة لخلط الأوراق وإفشال توقيع الاتفاق النهائي.
خاتمة واستشراف
إن توقيع هذه المذكرة الإجرائية يوم الأحد لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية الصراع الأمريكي-الإيراني، بل هو انتقال من المواجهة الخشنة إلى "المواجهة الناعمة" فوق طاولات التفاوض. إن الـ 60 يوماً القادمة ستكون محفوفة بالمخاطر؛ فالشيطان كامن في التفاصيل التقنية لتفكيك الترسانة النووية وبقايا الغبار الذري [1.1.3، 1.1.5]، فضلاً عن تحركات الكيان الصهيوني الساعية بكل ثقلها لإجهاض هذا المسار الاستراتيجي. ستبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف مدى قدرة الأطراف على الالتزام بتعهداتها، في منطقة لا تحتمل مغامرات جديدة غير محسوبة العواقب.

الهوامش والمرجعيات:
  1. تقارير ومراسلات القنوات الدبلوماسية القطرية والباكستانية حول "الاتفاق المبدئي" لعام 2026، وكالة أكسيوس الإخبارية، يونيو 2026.
  2. مسودة مذكرة التفاهم المشتركة والبنود الـ 14 المسربة، نشرة وكالة "مهر" للأنباء (طهران)، يونيو 2026.
  3. دونالد ترامب، تصريحات وتدوينات على منصة "Truth Social" حول تفاصيل الاتفاق وإعادة إعمار إيران، واشنطن، يونيو 2026 [1.1.1، 1.1.10].
  4. عباس عراقجي (وزير الخارجية الإيراني)، مؤتمر صحفي حول الخطوط الحمراء الإيرانية ومستقبل العقوبات، طهران، يونيو 2026 [1.1.3، 1.1.4].
  5. تقرير مركز دراسات الطاقة الدولي (CIES) حول أمن الممرات المائية وجيوسياسية مضيق هرمز، لندن، مايو 2026.
  6. تقديرات الموقف الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني (INSS) حول "الخيار العسكري المنفرد ضد إيران وعزلة تل أبيب"، حزيران/يونيو 2026.
  7. الناصر خشيني، التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط، دراسة تحليلة منشورة، مركز الدراسات والبحاث، مايو/يونيو 2026 [1.2.3، 1.3.3].

الغزالي في زمن الحروب الصليبية: الموسوعية الدينية والتحوّل الصوفي ونبذ العقلانية بقلم الناصر خشيني




 الغزالي في زمن الحروب الصليبية: الموسوعية الدينية والتحوّل الصوفي ونبذ العقلانية

دراسة في السياق التاريخي والبنية الفكرية لمشروع الإمام الغزالي
الناصر خشيني — كاتب وباحث في الشؤون الفكرية والسياسية، تونس — يونيو 2026
ملخّص
يتناول هذا المقال مشروعَ الإمام أبي حامد الغزالي (450-505هـ / 1058-1111م) في ضوء سياقه التاريخي المتّسم بصدمة الحروب الصليبية وما أحدثته من ذعرٍ وجودي في الوجدان الإسلامي. ويُحاجج المقال بأن موسوعته الكبرى "إحياء علوم الدين" لم تكن مجرّد مؤلَّف فقهي أو صوفي، بل كانت مشروعًا دفاعيًا شاملًا لحفظ الهوية الحضارية الإسلامية في مواجهة الغزو الخارجي. كما يدرس المقال كتابَه "تهافت الفلاسفة" باعتباره تعبيرًا عن نبذ العقلانية الفلسفية لصالح المعرفة الروحية الإشراقية، ويُحلّل رحلتَه الوجدانية في "المنقذ من الضلال" حيث يُقدّم الغزالي اليقينَ الإلهي الموهوبَ بديلًا عن الدليل العقلي المبحوث. ويخلص المقال إلى أن هذا المسار أسّس لتحوّل فكري عميق في الحضارة الإسلامية جعل التصوّف والدفاعية الدينية يحتلّان مساحةً كانت للفلسفة والعلم.
الكلمات المفتاحية: الغزالي — الحروب الصليبية — إحياء علوم الدين — تهافت الفلاسفة — المنقذ من الضلال — التصوّف الإسلامي — نقد الفلسفة — اليقين الإلهي
أولًا: المشهد التاريخي — العالَم الإسلامي بين فكّي الكماشة
وُلد أبو حامد محمد الغزالي الطوسي عام 450هـ / 1058م في طوس بخراسان، وتوفّي عام 505هـ / 1111م، أي بُعيد سقوط القدس في يد الحملة الصليبية الأولى عام 1099م بما يزيد على اثني عشر عامًا.[1] وقد عاش الغزالي في حقبةٍ بالغة الاضطراب شهدت تداعيَ الدولة العباسية من الداخل وتمزّقَها في الصراع بين الخلافة السنّية في بغداد والخلافة الفاطمية الإسماعيلية في القاهرة، في حين كانت قوى مجهولة النيّة تزحف من الغرب في شكل حملات صليبية.[2]
أسهمت هذه اللحظة في إنتاج ما يمكن تسميته بـ**"الصدمة الهوياتية الكبرى"** في الوعي الإسلامي الكلاسيكي؛ إذ لم يكن الخطر مقتصرًا على الغزو العسكري، بل كان يشمل التهديدَ الثقافي الذي تمثّله الفلسفة اليونانية كما رسّختها ترجمات القرن التاسع الميلادي، والاختراقُ العقدي الذي مثّله الإسماعيليون والباطنيون.[3] وكان على الغزالي أن يواجه هذه التحديات الثلاثة معًا: الهجمةُ العسكرية الصليبية، والفلسفةُ اليونانية التي تُطمس خصوصية الوحي، والمذاهبُ الباطنية التي تُقوّض مرجعية العلماء.
يذهب المؤرّخ مارشال هودجسون إلى أن الغزالي كان يعيش في لحظة قلقٍ حضاري حقيقي، حيث كانت التيارات الفكرية الوافدة تُزعزع اليقينيات الدينية الراسخة وتفتح أبواب الشك في كلّ ما هو مقدّس.[4] وفي هذا السياق بالذات جاء مشروع الغزالي الفكري ليكون ردّ فعلٍ حضاريًا شاملًا، لا مجرّد إنتاجٍ أكاديمي متأمّل.
ثانيًا: "إحياء علوم الدين" — الموسوعة الدفاعية أو صون الهوية في مواجهة الغازي
ألّف الغزالي "إحياء علوم الدين" في أربعة أرباع تضمّ أربعين كتابًا، وقد فرغ منه نحو عام 1096م في خضمّ الحروب الصليبية الأولى.[5] ويُمثّل هذا العمل الموسوعي في جوهره مشروعَ إعادة تنظيم شامل للمعرفة الإسلامية، بما يضمن بقاءها وتماسكها في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.
وقد حدّد الغزالي في مقدّمة الكتاب غرضَه الجوهري بوضوح: إحياءُ العلوم الدينية التي أصابها الوهن بفعل انتشار علوم الجدل والكلام وتغلغل الفلسفة في عقول الخاصة، مما أفرز فجوةً بين العلماء والعوامّ وأضعف الوظيفة التربوية للدين.[6] فالكتاب ليس موسوعةً في الفقه وحسب، ولا في التصوّف وحده، بل هو محاولة تركيبية لوصل الشريعة بالتربية الروحية والأخلاق الفردية.
ولعلّ ما يُضيء الطابعَ الدفاعي لهذا العمل أنه جاء ليُوفّر للمجتمع الإسلامي مرجعيةً داخلية ذاتيةً تُغنيه عن اللجوء إلى التراث الفلسفي اليوناني أو الإشكاليات الكلامية المُقلَّدة. يقول المستشرق ونجيت مونتغمري وات إن الغزالي بنى مشروعه الإحيائي بوعيٍ كامل بوجود خطر على الهويّة الإسلامية، وأن ما قدّمه لم يكن استسلامًا للتصوّف بل تطويعًا له في خدمة الشريعة والمجتمع.[7]
يرى فضل الرحمن أن الغزالي في "الإحياء" أحكم مزجَ الفقه بعلم النفس الأخلاقي والمقامات الصوفية، مما جعل المؤلَّف يعمل على مستويات متعدّدة في آنٍ واحد: فهو للفقيه كتابُ أحكام، وللزاهد كتابُ سلوك، وللعامّي دليلُ حياة.[8] وفي هذا تجلّت عبقريةُ الغزالي في فهم الحاجة إلى توحيد المرجعية في زمن التشظّي والخطر.
ثالثًا: "تهافت الفلاسفة" — نبذ العقلانية أم تأسيس لعقلانية بديلة؟
ألّف الغزالي "تهافت الفلاسفة" (485هـ / 1095م) في بغداد حين كان يشغل كرسيّ التدريس في المدرسة النظامية، في اللحظة عينها التي كانت الحملة الصليبية الأولى تشقّ طريقها نحو الشام.[9] وكان المشروعُ الفلسفي الإسلامي قد بلغ ذروته في أعمال الفارابي وابن سينا، وصار يُشكّل تحدّيًا جدّيًا للسلطة الدينية والعقلية التفسيرية للفقهاء.
ووجّه الغزالي في "التهافت" عشرين انتقادًا للفلاسفة، أعلن فيها التكفيرَ عن ثلاث مسائل جوهرية: القولُ بقِدَم العالم، وإنكارُ علم الله بالجزئيات، وإنكارُ البعث الجسماني.[10] غير أن الأمر لا يُختزل في التكفير؛ فالغزالي كان يُدرك الفلسفةَ ويُتقنها ويُفرّق بين فروعها، وقد صرّح بأن المنطق والرياضيات والطبيعيات لا إشكال فيها، بل أبدى إعجابَه ببعض جوانب الفلسفة.[11]
بيد أن النقطة المحورية في موقف الغزالي هي رفضُ مزاحمة العقل الفلسفي للوحي في الميدان الذي يختصّ به الوحي، وهو معرفةُ الله وأسماؤه وأفعاله والغاية من الوجود الإنساني. يقول أوليفر ليمان إن الغزالي لم يرفض الفلسفة بالمطلق، بل رفض ادّعاءات الفلاسفة في تجاوز حدودهم المنهجية والتكلّم فيما لا تُصلح أدواتُهم للكلام فيه.[12]
ومن منظور التاريخ الحضاري، جاء "التهافت" ليُحصّن الفضاء الفكري الإسلامي من هيمنة نموذج معرفي وافد قد يُفضي إلى تفريغ الدين من محتواه التعبّدي والروحي. وقد أعاد ابن رشد الردّ عليه في "تهافت التهافت" بما أحيا الجدل المنهجي، غير أن الأثرَ الثقافي الأعمق كان للغزالي لا لابن رشد، إذ انتشر "الإحياء" في المشرق والمغرب واحتلّ مكانةً لم يبلغها أيّ مؤلَّف فلسفي.[13]
رابعًا: "المنقذ من الضلال" — رحلة الشكّ ونور الله المُلقى في الصدر
يُعدّ "المنقذ من الضلال" (نحو 499هـ / 1106م) من أندر ما كتبه الغزالي، إذ هو أقرب إلى السيرة الفكرية والروحية الذاتية منه إلى المؤلَّف العلمي. وفيه يُحدّثنا الغزالي عن أزمته الوجودية التي استغرقت نحو شهرين أو أكثر أصابه فيها عجزٌ عن اليقين وانهيارٌ في القدرة على الكلام والتدريس.[14]
بدأ الغزالي شكّه من الحواسّ والعقل معًا، إذ رأى أن الحواسّ تُخطئ وأن العقل يُفنّد أحكامها، لكنّه لا يأمن هو الآخر من التناقض والوهم. وهنا يُوصف الغزالي بأنه سبق ديكارت في منهج الشكّ المنهجي بقرون، وإن اختلفت الغاية جذريًا.[15] فقد أدرك الغزالي أن العقل لا يُزيل الشكّ من الشكّ، وأن اليقين الحقّ لا يأتي بالبرهان فحسب.
والنقطة المركزية في فلسفة الغزالي المعرفية تكمن في ما يُسمّيه "النور الذي قذفه الله في الصدر"، وهو ما جاء في معرض وصفه للخروج من أزمة الشكّ في "المنقذ". يقول الغزالي: "ثمّ إن الله تعالى شفاني من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، وعادت الضروريات العقلية مقبولةً موثوقًا بها... وذلك ليس بترتيب دليل وتأليف كلام بل بنورٍ قذفه الله تعالى في صدري."[16]
يُقدّم هذا التصوّر قطيعةً جوهرية مع نموذج المعرفة الفلسفي؛ إذ إن اليقين الغزالي ليس مُكتسبًا بالجهد الاستدلالي بل مَوهوبٌ من الله بوصفه نعمةً خاصة تمرّ عبر القلب المُصفّى. وهذا ما يجعل الغزالي يلتقي بالتيار الصوفي الكبير القائل بأن "القلب" — لا "الرأس" — هو أداة المعرفة الحقيقية.[17]
وقد رأى المستشرق ريتشارد مكارثي في "المنقذ" وثيقةً فريدة في تاريخ الفكر الإنساني تُجمع فيها أبعاد نادرة: السيرةُ الذاتية، والنقدُ المنهجي للمعرفة، والتجربةُ الصوفية، والدفاعيةُ الدينية في نسيجٍ واحد متماسك.[18]
خامسًا: التحوّل الصوفي — الزهد في مواجهة الحضارة المادية للصليبيين
اعتزل الغزالي كرسيَّ التدريس في بغداد عام 488هـ / 1095م، وهي السنة عينها التي أعلن فيها البابا أوربانوس الثاني الحملةَ الصليبية الأولى في كليرمون. وقد قضى سنواتٍ في التجوّال بين الشام والحجاز وخراسان.[19]
إن الزهدَ الغزالي لم يكن نكوصًا عن الدنيا بقدر ما كان تأسيسًا لنموذج بديل للقيم. فالأندلس والمشرق الإسلامي كانا يعيشان ثروةً حضارية ضخمة، في حين كانت أوروبا الصليبية تنظر إلى بيت المقدس من منظور أشدّ تركيزًا على الزهد الديني والنعيم الأخروي المُبتغى بالجهاد. ولذا فإن توجيه المسلم نحو الزهد والمحبة الإلهية بدلًا من الانجرار إلى الفلسفة أو الترف كان يُعيد رسمَ خريطة القيم الإسلامية من الداخل.[20]
ويصف الغزالي في "الإحياء" التصوّفَ بأنه ليس قطيعةً مع الشريعة بل استيعابًا لها وتجاوزًا لصورتها الجافّة نحو روحها الحيّة. وهو يُفرّق تفريقًا دقيقًا بين العلم كمعلومة مخزّنة في الذاكرة، والعلم كنورٍ يُضيء الوجدان ويُحرّك الإرادة، معتبرًا الثاني وحده هو العلم النافع.[21]
سادسًا: أثرُ الغزالي في مسار الحضارة الإسلامية — التوطيد أم التحجيم؟
ظلّت شخصية الغزالي وإرثُه موضعَ جدلٍ لا يخمد بين الباحثين والمفكّرين العرب والمستشرقين على حدٍّ سواء. فثمّة فريقٌ يُحمّله مسؤولية تراجع الفلسفة والعلم في الحضارة الإسلامية، وفريقٌ آخر يراه مُجدّدًا أنقذ الهويّةَ الروحية للإسلام من الذوبان في الأفلاطونية المحدثة.[22]
يرى المفكّر محمد إقبال أن الغزالي هو أبرز تعبيرٍ عن الوجدان الإسلامي الراسخ في الخبرة الباطنية، وأن تأثيره الهائل يكشف عن حاجة عميقة في الذات الجمعية الإسلامية لنموذج يُوازن بين الشريعة والتجربة الروحية.[23] في المقابل يرى المؤرّخ جورج مقدسي أن الغزالي أسهم في تعزيز نفوذ مؤسسة الفقه على حساب الفلسفة، مما أفضى إلى تضييق فضاء البحث الحرّ.[24]
غير أن قراءةً تاريخية منصفة تُلزمنا بالإقرار بأن الغزالي لم يُلغِ العقل، بل أعاد صياغة دوره ضمن هرميّة معرفية وضع الكشفَ الروحاني في قمّتها. وهذا الاختيار يمكن تفهّمه حين ندرك أنه جاء في لحظة شعر فيها المسلمون بأن الهويّة الحضارية ذاتها في خطر، فكان الاحتماء بالمنظومة الروحية أشدّ إلحاحًا من رعاية فلسفة قد يبدو أثرها غير مُجدٍ في مواجهة الغزو الصليبي.[25]
خاتمة: الغزالي ودرس التاريخ
يكشف مشروع الإمام الغزالي الفكري في مجمله عن ظاهرةٍ حضارية بالغة الدلالة: حين يشعر المجتمع بأن هويّته الوجودية مُهدَّدة من الخارج، فإنه يميل إلى توطيد البنى الداخلية المُعرِّفة للذات على حساب الانفتاح النقدي على الآخر. وقد جسّد الغزالي هذا التوجّه بعبقريةٍ نادرة: فأعاد تأطير المعرفة الإسلامية في "الإحياء"، وأقام جدارًا دفاعيًا أمام الفلسفة في "التهافت"، وأسّس لنظرية معرفية تقوم على الهبة الإلهية لا الكسب البرهاني في "المنقذ"، ثم وضع كلّ ذلك في إطار صوفي زهدي يُرسّخ البُعد الروحاني للحضارة الإسلامية في مواجهة إغراء المادية والقوة الصليبية.
ومن منظور نقدي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل أنقذ الغزالي الهويّة الإسلامية من الذوبان فأدّى وظيفة حضارية ضرورية في زمانه؟ أم أنه رسّخ نموذجًا معرفيًا أطال مسافةَ المسلمين من العقلانية النقدية فأثقل تاريخهم اللاحق؟ إن الإجابةَ عن هذا السؤال لن تصدر عن الغزالي وحده، بل عن كلّ جيلٍ يُقرأ فيه التراثُ قراءةً تنظر إلى الماضي بعيونٍ واعيةٍ بمتطلّبات الحاضر.
الهوامش والمصادر
[1] ابن خلّكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، بيروت: دار صادر، 1971، ج4، ص216-217.
[2] Claude Cahen, Orient et Occident au temps des Croisades, Paris: Aubier, 1983, pp. 23-47.
[3] Carole Hillenbrand, The Crusades: Islamic Perspectives, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999, pp. 30-56.
[4] Marshall G. S. Hodgson, The Venture of Islam, Chicago: University of Chicago Press, 1974, vol. 2, pp. 181-188.
[5] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، تحقيق بديع السيد اللحام، دمشق: دار الفكر، 2008، ج1، مقدمة المحقق، ص5-12.
[6] المرجع السابق، ج1، ص3.
[7] W. Montgomery Watt, Muslim Intellectual: A Study of Al-Ghazali, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1963, pp. 143-160.
[8] Fazlur Rahman, Islam, Chicago: University of Chicago Press, 2nd ed., 1979, pp. 96-99.
[9] أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، القاهرة: دار المعارف، 1961، مقدمة المحقق، ص5-20.
[10] المرجع السابق، ص42-65.
[11] المرجع السابق، ص23-26.
[12] Oliver Leaman, An Introduction to Classical Islamic Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, 2nd ed., 2002, pp. 42-60.
[13] Averroes (Ibn Rushd), Tahafut Al-Tahafut, trans. Simon Van Den Bergh, London: Luzac, 1954, Introduction, pp. xv-xxiii.
[14] أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق جميل صليبا وكامل عياد، بيروت: دار الأندلس، 1981، ص10-18.
[15] Avital Wohlman, Al-Ghazali, Averroès et l'Usage de la Philosophie, Paris: Cerf, 2008, pp. 55-73.
[16] الغزالي، المنقذ من الضلال، مرجع سابق، ص34.
[17] محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم، الكويت: دار القلم، 1971، ص44-48.
[18] Richard J. McCarthy, Freedom and Fulfillment, Boston: Twayne, 1980, Introduction, pp. xiii-xxix.
[19] Jonathan Phillips, The Second Crusade, New Haven: Yale University Press, 2007, pp. 10-13.
[20] Karen Armstrong, Holy War, New York: Anchor Books, 2nd ed., 2001, pp. 158-175.
[21] الغزالي، إحياء علوم الدين، مرجع سابق، ج1، ص8-9.
[22] محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي — تكوين العقل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط8، 2009، ص279-310.
[23] Muhammad Iqbal, The Reconstruction of Religious Thought in Islam, Lahore: Institute of Islamic Culture, 1986, pp. 4-9.
[24] George Makdisi, The Rise of Colleges, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1981, pp. 77-102.
[25] فيصل بدير عون، الغزالي ودوره في تشكيل العقلية الإسلامية، الكويت: مجلة عالم الفكر، مج23، ع3-4، 1993، ص47-79.



 

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...