مدخل: التراث بين التقديس والنقد
حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالرديء، والثابت بالمتحوّل، والديني بالبشري اختلاطًا بالغ العمق، جعل من عملية الغربلة والتمييز مهمةً شاقةً ومحفوفةً بمزالق الرفض المجتمعي، إذ تراكمت على هذا التراث طبقات من التقديس حتى كاد المساسُ به يُعدّ ضربًا من الكفر في أذهان كثيرين
.
ولا ريب أن الحضارة الإسلامية في أوج عطائها أبدعت في شتى ضروب المعرفة من تفسير وفقه وكلام وتصوف وعمارة وأدب، بيد أن هذا الإبداع – بطبيعته – صنيعُ بشر في زمان ومكان بعينهما، لا ينبغي أن يُرفع إلى مرتبة المقدّس كما نزل الوحي القرآني.(1)
وقد زاد الطينَ بِلَّةً أن استغلّ المتاجرون بالدين هذا التقديسَ ذريعةً لصون مكانتهم وامتيازاتهم، وأضحى من يجرؤ على المساءلة والنقد عُرضةً لحملات التكفير والتشهير. غير أن الواقع يُلزمنا – بحكم العقل والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة – بتجاوز هذا الجمود، والانطلاق من الوحي الإلهي الثابت قرآنًا كريمًا نحو ثقافة دينية رشيدة تُحكّم العقل وتُصوّب المسار.
أولاً: ظاهرة الفتوى السياسية وتشوُّه مؤسسة الإفتاء
الأصل الشرعي في الفتوى أنها تنبثق من نص قرآني أو سنة نبوية ثابتة، ثم يأتي بعدها اجتهاد الفقهاء ضمن ضوابط أصول الفقه المعروفة. وقد أكد القرآن الكريم هذا المنهج بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7)، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (النساء: 59).(2)
بيد أن هذا الأصل بات مخترَقًا في عالمنا العربي المعاصر، إذ تحوّلت مؤسسات الإفتاء في غير دولة إلى أدوات في خدمة السلطة السياسية، تُبرّر للحكام ما يشاؤون وتُسبغ على قراراتهم قداسةً زائفة. وقد رصد ابن حزم في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" مراحل تطور الإفتاء منذ عهد الصحابة والتابعين، ذلك الإفتاء الذي كان حرًّا مستقلاً قبل أن تبتلعه الأجهزة الرسمية المُسيَّسة.
وفي هذا السياق تبرز ظاهرة يوسف القرضاوي الذي منحته دويلة قطر – بثروتها النفطية الهائلة وآلتها الإعلامية المتمثلة في قناة الجزيرة – منبرًا واسعًا، فأصدر فتاوى تنسجم مع السياسة القطرية الرامية إلى تفتيت الوحدة العربية وإذكاء نار الفتنة الداخلية، في حين غابت عن فتاواه الدعوةُ إلى الجهاد في فلسطين المحتلة، ولم يصدر عنه ما يُلزم الأمة بمواجهة الاحتلال الصهيوني.(3)
ثانياً: النموذج السعودي والتوظيف الوهابي للإفتاء
أسّست المملكة العربية السعودية هيئة الإفتاء العامة ورابطة العالم الإسلامي – ومقرها مكة المكرمة توظيفًا للمكانة الرمزية – لا انطلاقًا من إرث علمي راسخ كالأزهر أو الزيتونة، بل خدمةً لأجندة سياسية ترتكز على نشر المذهب الوهابي بديلاً عن الإسلام الحق.(4)
ويتجلّى هذا التوظيف في وقوف الرياض إلى جانب نظام الإمام البدر الرجعي في مواجهة مصر عبد الناصر إبان الحرب اليمنية، وهو ما استنزف الطاقة المصرية وأسهم في إضعافها قبيل نكسة 1967. كما يظهر هذا التوظيف في تبرير الوجود العسكري الأجنبي، والصمت المريب حيال القضية الفلسطينية، بينما تُصدَّر الفتاوى التي تُحرّض على الاقتتال الداخلي بين العرب والمسلمين.
وقد تجلّت هشاشة هذا النموذج حين رأينا كيف أن بعض حكام الخليج – وهم مرجعيةُ هذه الفتاوى – يُخطئون في قراءة النصوص المكتوبة بأبسط الأساليب، ومع ذلك يُمجّدهم فقهاء السلطان ويُلبسونهم هالة القداسة الدينية تحت ذريعة طاعة أولي الأمر، متناسين قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (التوبة: 24).(5)
ثالثاً: تونس ما بعد الثورة وفوضى الإفتاء
لم تسلم تونس من هذه الآفة، إذ شهدت مرحلة ما بعد 2011 تسرُّبَ أصوات إفتائية لا تستند إلى رصيد علمي معتبر؛ فبدلاً من أن تتصدر الساحةَ الكفاءاتُ المؤهَّلة من خريجي الزيتونة وأصحاب الاختصاص، برزت وجوه لا صلة لها بالعلم الشرعي تُصدر "فتاوى" حول تحريم سفر المرأة دون محرم، أو تحريم عصيدة الزقوقو في المولد النبوي، أو تعدد الزوجات في مجتمع تُنهكه البطالة والتهميش، في حين غابت عن هؤلاء القضايا الجوهرية للشعب.
وفي هذا يمكن القول إن الثورة التونسية جرى توظيفها لإفراغ مطالبها الحقيقية من مضمونها، وذلك بإشغال المجتمع بنقاشات فقهية هامشية بدلاً من التركيز على بناء دولة المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية.(6)
رابعاً: الفتوى السلطانية في التاريخ الإسلامي
ليس توظيف الدين لخدمة السلطة أمرًا مستحدثًا، فقد ضرب بجذوره في أعماق التاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى، حين انحاز بعض الصحابة – كعمرو بن العاص وأبي هريرة – إلى معاوية بن أبي سفيان في مواجهة علي بن أبي طالب، فتحوّل الخلاف السياسي إلى خلاف ديني مُقوْلَب، بل وصل الأمر إلى تبادل التهم بين من كانوا في صف واحد، كما جرى بين علي وعبد الله بن عباس والي البصرة.(7)
ثم جاءت الفرق الكلامية والسياسية التي ادّعت كل منها امتلاك الحقيقة الدينية الكاملة، ووظّفت الدين لإقصاء خصومها وتكفير منافسيها، وكانت المحصّلة سنواتٍ من الاقتتال والانقسام أضرّت بالأمة أيّما ضرر.
في المقابل، وقف الأئمة الأربعة الكبار – أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد – موقفًا مشرّفًا من سلطة الحكام، فرفضوا أن يكونوا مُفتين للسلطان، وتعرّضوا لذلك للسجن والتعذيب والمضايقة، مما أكسبهم ثقةَ الأمة ومنح تراثهم الفقهي استمرارًا وحضورًا عبر القرون.(8)
خامساً: الإيجابي والسلبي في موروثنا الحضاري
ثمة ضرورة منهجية للتمييز بين مستويين في تراثنا: مستوى الوحي الإلهي الثابت المتمثل في القرآن الكريم، ومستوى الاجتهاد البشري الذي أفرز علوم التفسير والحديث والفقه وأصوله والكلام والتصوف والفنون المعمارية وآداب اللغة. فالثاني – مهما بلغ من الإتقان – يبقى صنيع عقول بشرية تأثّرت بظروف زمانها ومكانها، وليس في رُقيِّه ومكانته ما يُبيح تقديسه أو الدفاع عنه بمنطق القداسة.
وقد فعلت الحضارات الكبرى ما لم نفعله نحن؛ فالغرب انطلق من الإرث اليوناني والروماني، انتقى منه، وبنى عليه، وتجاوزه في آنٍ واحد، دون أن يُقدّسه أو يتوقف عند حدوده. أما نحن فقد آثرنا في أغلب الأحيان أن نعيش على أطلال الماضي رافضين أي تجديد، متذرّعين بمقولة "ليس في الإمكان أبدع مما كان".(9)
ومن أبرز الإشكاليات التي ينبغي معالجتها في هذا السياق:
في العقيدة: اشتاع لدى الناس التوجّه بالدعاء وطلب البركة من الأولياء وتقديم النذور لهم وإقامة المهرجانات في أضرحتهم، وهو سلوك يُفضي حتمًا إلى الشرك بالله، بعد أن أكد القرآن الكريم في آيات عديدة أنه لا واسطة بين العبد وربّه. ولا يختلف عن هذا ما ذهب إليه الشيعة من جعل الإمامة جزءًا من العقيدة، وهو ما يُصادر حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم.
في العبادات: كثيرًا ما يُقدَّم المسنون والمندوبون على الواجبات، كمن يُنفق أموالاً طائلة على احتفالات الختان ثم يتخلّى عن أداء فريضة الحج، أو من تحفل موائده في رمضان بصنوف الطعام في حين يغيب الجوهر وهو إحياء روح العبادة.
في العادات والتقاليد: أضحت مناسبات الزواج والوفاة ساحةً لإهدار الأموال في احتفالات مُترفة لا صلة لها بالدين، بل تُثقل كاهل المجتمع وتحصر الزواج في أصحاب اليسار، مما يُفضي إلى تفشّي الفساد الاجتماعي.(10)
سادساً: الكلفة البشرية للفتاوى السياسية
إن الأثر التدميري للفتاوى السياسية لا يقتصر على المجال الفكري والثقافي، بل يمتد إلى الدماء المُراقة والأرواح المُزهَقة؛ فقد أودت فتاوى سياسية بأرواح ما يزيد على مئة وخمسين ألف مسلم في ليبيا، ومليون ونصف المليون في العراق، وتجاوز عدد ضحايا الفتاوى الحارضة على الاقتتال في سوريا نصف مليون روح، فضلاً عن آلاف آخرين في أفغانستان.(11)
وعلى المقابل الآخر، لم تصدر فتوى واحدة معتبرة تُلزم الأمة بالجهاد لتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، ولم يُصدر مُفتو السلطان أي موقف مما تتعرّض له القدس من تهويد ممنهج. وهذا الصمت المدوّي أمام القضية المركزية للأمة يفضح التناقض الصارخ في أولويات هؤلاء الفقهاء الذين يتقاضون ثروات طائلة ثمنًا لفتاواهم.
وفي هذا يُذكّرنا القرآن الكريم بالتجارة الحقيقية فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الصف: 10-11).(12)
خاتمة: نحو فقه تحرّري يُعلي قيمة الأمة
إن المشهد العام الذي رصده هذا المقال من فتاوى سلطانية ومتاجرة بالدين وتقديس للتراث البشري، لا يعني أن الساحة خلت من العلماء الربانيين الذين يجهرون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم. فلا يزال بين ظهرانينا مشايخ كرام يرفعون راية الحق ويعرّون المزوّرين والانتهازيين، وهذا في حد ذاته بشارة بالخير.
غير أن هذا لا يُعفينا من المضي قُدُمًا في مشروع النقد العلمي والمراجعة الحضارية الشاملة، إذ الواجب يقتضي منا:
أولاً: التمييز الصارم بين الوحي الإلهي الثابت في القرآن الكريم، وبين الاجتهادات البشرية القابلة للنقد والمراجعة في ضوء العلم ومقاصد الشريعة.
ثانياً: تجفيف منابع الفتوى السياسية بفصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية وعن الثروة النفطية الخليجية.
ثالثاً: استعادة الأمة حقها في المحاسبة والمراقبة وإدارة شؤونها بعيدًا عن ذريعة التفويض الإلهي للحكام.
رابعاً: تربية الشباب العربي على منهج التفكير النقدي والتمحيص قبل الاتباع، وتحصينهم من أن يكونوا وقودًا لحروب تخدم مصالح الممولين لا مصالح الأمة.(13)
وإننا لنستحضر ههنا مسيرة علماء الأمة الصادقين عبر التاريخ ممن آثروا السجن والتعذيب على ذل الخضوع للحاكم، لعلّ في ذكراهم استلهامًا للهمة وتجديدًا للعزيمة في مواجهة هذه المحنة التي تعصف بأمتنا.
المصادر والمراجع
(1) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط3، 2000، ص 444 وما بعدها.
(2) القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 7؛ وسورة النساء، الآية 59.
(3) الجزيرة نت، ملف يوسف القرضاوي والتحولات السياسية في منطقة الربيع العربي، www.aljazeera.net، تاريخ الاطلاع: 2018.
(4) حمادي الموسوي، الوهابية من الدعوة إلى الهيمنة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2010، ص 88-120.
(5) القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 24.
(6) برهان غليون، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط4، 2004، ص 201-230.
(7) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، ج5، ص 63-78.
(8) ابن حزم الأندلسي، علي، الإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث، القاهرة، ج5، ص 89 وما بعدها.
(9) الجابري، محمد عابد، نقد العقل العربي: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط8، 2009، ص 15-47.
(10) الغزالي، محمد، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، دار الشروق، القاهرة، ط6، 1999، ص 33-55.
(11) منظمة هيومن رايتس ووتش، تقارير حالة حقوق الإنسان في العراق وليبيا وسوريا، 2013-2017، www.hrw.org.
(12) القرآن الكريم، سورة الصف، الآيتان 10-11.
(13) غليون، برهان، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1992، ص 44-67.






