الأحد، 26 يوليو 2026

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

 

  يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقيمي، مشكّلاً مادة دسمة لفهم طبيعة هذا التيار الانتهازي.
أولاً: جبهة "التقدمية".. معركة الوعي المبكرة (2010 - 2014)
قبل أن تستفيق الكثير من النخب على حقيقة الخطر الداهم لتيار الصحوة والإسلام السياسي، كنا قد أطلقنا صرخة التحذير مبكراً. ففي سويسرا، وخلال الفترة الحارقة الممتدة من 2010 إلى 2014، خضتُ بمعية الاخ الدكتور رياض الصيداوي معركة إعلامية وفكرية شرسة عبر تأسيسنا لصحيفة "التقدمية".
لقد أخذت الصحيفة على عاتقها تفكيك الخطاب المتشدد وبيان تهافته أمام الجماهير في وقت كان فيه هذا التيار في أوج تغوله. ومن فوق منبر "التقدمية"، وفّرتُ للمكتبة العربية جبهة نقدية متكاملة من خلال سلسلة مقالاتي التي نُشرت تحت تصنيف "فتاوى تقدمية" —والتي جُمعت لاحقاً في كتاب— لنسف المرتكزات الفقهية المشوهة التي اعتمد عليها دعاة التكفير والغلو، والقرني أحدهم.
ثانياً: التطرف الفكري واستغلال الطفولة (معركة الهوية في تونس)
لم يكن فكر القرني يوماً فكراً تنويرياً، بل كان قوامُه التحريض وتصدير التشدد. ولعل الحادثة الصادمة التي شهدتها تونس بعد أحداث عام 2011 تلخص هذا النهج؛ إذ استغلت طيور الظلام مناخ "الانفتاح" المؤقت، ليزور القرني البلاد ويشرف علناً على "تحجيب" طفلات صغيرات في عمر الروضة لم تتجاوز أعمارهن الثلاث سنوات.
إن إقحام طفلات في سن الزهور داخل قوالب تكليفية مشددة، وعزلهن في رياض أطفال عشوائية تفتقر لأبسط شروط البيداغوجيا الحديثة، لا يمثل فقط قمة التطرف التربوي، بل هو انتهاك صارخ لبراءة الطفولة وحقوق الإنسان. هذا السلوك يعكس رغبة عارمة في تنشئة جيل مغيّب ومنغلق، وهو ذات الفكر الذي كان القرني يبشر به في أشرطته القديمة مثل شريط "أمريكا التي رأيت" و**"فتاوى وصايا للمرأة"**، حيث كان يربط عفة المرأة واحتشامها بالانعزال التام عن الحياة العامة وتحريم مظاهر الحداثة.
ثالثاً: الفكر التقدمي القومي في مواجهة الاختراق الصحوي
هذه المحاولات لغرس فكر "الصحوة" المتشدد في التربة التونسية لم تمر دون مقاومة. فقد وقف الفكر القومي التقدمي، متسلحاً بالإرث الإصلاحي التونسي والعربي، سداً منيعاً ضد هذا الاختراق.
لقد أدركت القوى التقدمية منذ اللحظة الأولى أن مجيء هؤلاء الدعاة إلى تونس لم يكن دعوة للدين، بل كان محاولة ممنهجة لضرب "الدولة الوطنية" وتفكيك مجلة الأحوال الشخصية، واستبدال قيم المواطنة والتقدم بقيم السمع والطاعة والتشويه العقائدي. ومن هنا، خاض المجتمع المدني والقوى القومية الحية معركة شرسة لإغلاق تلك الأوكار المسماة "رياضاً قرآنية عشوائية"، وملاحقتها قانونياً لحماية أطفال تونس من جراثيم التطرف والتقسيم المجتمعي.
رابعاً: السقوط الأخلاقي والسرقة الفكرية
لا يقف الابتذال عند حدود الفكر المتشدد، بل يمتد إلى المنظومة الأخلاقية التي يتبجح بها هؤلاء الدعاة. فقد كشفت المحاكم والوثائق زيف الادعاءات التنويرية للقرني بعد أن ثبتت إدانته بالسرقة الفكرية في قضية كتاب "لا تيأس".
لقد أقدم القرني على اختلاس نحو 90% من محتوى كتاب الكاتبة سلوى العضيدان (هكذا هزموا اليأس) ونسبه لنفسه، لدرجة تطابق الأخطاء المطبعية والصياغات الحرفية ومقدمة الكتاب. ولم يجد القضاء السعودي مفرّاً من تغريمه وسحب نسخ كتابه المصادر. هذه الفضيحة الأخلاقية أسقطت ورقة التوت عن داعية ملأ الدنيا حديثاً عن الزهد والأمانة، وكشفت أن السطو على جهود الآخرين هو ديدن هذا التيار.
خامساً: التراجع المصلحي والاعتذار المتأخر
بعد عقود من التحريض، وإنتاج الخطب المتطرفة التي تبدّع المخالفين وتكفر الفكر التقدمي والقومي، خرج القرني في وسائل الإعلام ليعلن تبرؤه من ذلك الفكر وتقديم اعتذاره الشهير قائلاً: "أنا باسم الصحوة أعتذر للمجتمع عن الأخطاء التي خالفت سماحة الإسلام وعن الشدة والتنطع".
لم يكن هذا التراجع وليد مراجعة فكرية عميقة بقدر ما كان انحناءً للعاصفة السياسية واستجابة للمتغيرات الجديدة، ليؤكد أن هؤلاء "الدعاة" يتبعون بوصلة مصالحهم أينما دارت، ولا يتورعون عن التضحية بمريديهم لتأمين مواقعهم.
إن عائض القرني، بسرقته الفكرية وغلوه الذي لم يسلم منه حتى الأطفال في رياض تونس، يمثل بامتياز أحد هؤلاء "الدعاة على أبواب جهنم" الذين شوهوا العقول وتاجروا بالقيم. وستبقى المقاومة الفكرية والسياسية لهؤلاء وجهاً أساسياً من وجوه النضال القومي التقدمي من أجل نهضة عربية حقيقية وعقلانية.

السبت، 25 يوليو 2026

عبد الله رشدي: الردة العقلية وتأميم المقاصد باسم التراث بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة: دعاة على أبواب جهنم


   يدخل الوطن العربي القرن الحادي والعشرين وهو يئن تحت وطأة أزمات مركبة، لعل أخطرها هي أزمة "تأميم العقل" واختطاف الجوهر الإنساني والتحرري للدين لصالح قراءات نصية جامدة. وفي هذا السياق، يبرز نموذج الشيخ عبد الله رشدي كظاهرة صوتية وإعلامية وجدت كل التشجيع المالي والاعلامي والسياسي لانها تجسد السلفية المعاصرة في أقسى تجلياتها التراثية. إن خطابه لا يمثل مجرد رأي فقهي مغاير، بل هو قفزة إلى الوراء، و"ردة عقلية" كاملة الأركان تنقلب على المقاصد العليا للإسلام، وتستبدل النص الإلهي الحي باجتهادات بشرية تاريخية أُلبست ثوب القداسة زوراً وبهتاناً.

أولاً: معضلة "التاريخانية" وتحويل البشري إلى إلهي
تكمن الأزمة البنيوية في فكر عبد الله رشدي في عجزه العضوي عن التفرقة بين "الدين" كقيم مطلقة وعابرة للزمان والمكان، وبين "التدين" كتمثل بشري محكوم بظروف اللحظة التاريخية.
إن الفقه الذي يستميت رشدي في الدفاع عنه ويقدمه كقالب إلزامي للمسلم المعاصر، هو نتاج بيئات عباسية ومملوكية كان لها موازين قواها، ونظامها الاجتماعي، ومنظومتها المعرفية. وحين يُصر هذا الخطاب على إسقاط حلول القرن الرابع الهجري على إشكاليات القرن الحادي والعشرين، فإنه يمارس عملية "تحنيط للعقل المسلم"، ويحرم المجتمع العربي من حقه الطبيعي في التطور والتقدم والنهوض.
ثانياً: شواهد "الردة الفكرية" من واقع الخطاب (توثيق المواقف)
لم يكن هذا النقد نتاج تجني، بل هو قراءة متأنية في مواقف وفتاوى موثقة أطلقها رشدي عبر منصاته، والتي تعكس بوضوح الصدام مع قيم العصر والمواطنة:
  • مأزق التكفير وإقصاء الآخر المذهبي والديني: في أكثر من مناسبة (أبرزها تصريحاته الشهيرة عقب وفاة الدكتور مجدي يعقوب والجدل حول موقفه من غير المسلمين)، أصر رشدي على إحياء أدبيات "الولاء والبراء" وتصنيف المواطنين على أساس عقدي ضيق. هذا الفكر يضرب مفهوم "الدولة الوطنية الحديثة" في مقتل، ويهدم قيم المواطنة والعيش المشترك التي ناضلت من أجلها القوى التقدمية والقومية العربية لعقود.
  • تسليع المرأة وهدر كرامتها الإنسانية: يمثل خطاب رشدي تجاه المرأة ارتداداً عن المكتسبات التحررية. فمن خلال تبريراته لقضايا مثل "زواج القاصرات" (بدعوى وجود أصل تراثي له)، أو تصريحاته المثيرة للجدل حول "التحرش" وربطه بملابس المرأة، يثبت أنه ينظر للمرأة من خلال عدسة "الحيازة والوصاية" البيولوجية التراثية، معطلاً المقصد الشريعي الأسمى وهو "حفظ الكرامة الإنسانية للرجل والمرأة على حد سواء".
  • شرعنة العنف الفكري والاستعلاء الحِجاجي: يعتمد رشدي أسلوباً مناظراتياً يقوم على "إفحام المخالف" وسحقه معنوياً بدلاً من محاورته. هذا السلوك يعيد إنتاج عقلية "الفرقة الناجية" التي ترى في كل قراءة تجديدية أو عقلانية خروجاً عن الملة، مما يغلق باب الاجتهاد بالكامل ويشرعن مناخ التطرف الفكري.
ثالثاً: الانقلاب على المقاصد العليا للشريعة
إن المقاصد الكبرى للإسلام (حفظ النفس، العقل، الدين، النسل، المال) جاءت لخدمة الإنسان وتحريره. لكن الخطاب السلفي الرشدي يقدم "الوسيلة التراثية التاريخية" على "الغاية الإنسانية".
حين يصبح حفظ الدين فتاوى تكفيرية، وحين يصبح حفظ العقل إلغاءً لمنجزات العلوم الإنسانية الحديثة، نكون أمام "انقلاب مقاصدي". لقد حوّل هذا الفكر الدين من طاقة دافعة للتحرر والعدالة الاجتماعية والبناء الحضاري، إلى سياج من الممنوعات والشروط الشكلية التي تستنزف طاقة الشباب العربي في معارك وهمية وهامشية.
رابعاً: المنظور القومي التقدمي ومواجهة التخدير السلفي
من موقعنا القومي والتقدمي، نرى أن ظاهرة عبد الله رشدي وأقرانه ليست مجرد "ظاهرة دينية"، بل هي أداة وظيفية لتخدير الجماهير العربية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الأمة العربية إلى حشد طاقاتها لمواجهة التبعية الاقتصادية، والجهل، والتخلف الحضاري، ومخططات الهيمنة الخارجية، يأتي هذا الخطاب ليشغل العقل الجمعي بقضايا الحجاب، والقبور، وعذاب القبر، ونكاح ملك اليمين!
إنها تهميش متعمد للصراع الحقيقي؛ صراع التحرر والنهضة. إن التدين التراثي البشري الذي يبشر به رشدي يعزل الإنسان العربي عن قضايا أمته المصيرية، ويصنع مواطناً مستسلماً للماضي، عاجزاً عن صناعة الحاضر أو استشراف المستقبل.
خاتمة: نحو ثورة فكرية تصحح المسار
إن مواجهة الفكر السلفي الجامع الذي يمثله عبد الله رشدي لا تكون بالمنع أو الإقصاء، بل بالثورة الفكرية الشاملة التي تعيد للاجتهاد العقلي اعتباره، وتنزع القداسة عن أفكار البشر التاريخية. الإسلام في جوهره ثورة تقدمية على الجمود والتقليد ("إنّا وجدنا آباءنا على أمة")، والعودة إلى هذا الجوهر الثوري والمقاصدي هي السبيل الوحيد لإنقاذ العقل العربي من الهاوية التي يقوده إليها دعاة يقفون، بوعي أو بدون وعي، على أبواب جهنم التخلف الحضاري.

دعاة على أبواب الجحيم: أبو إسحاق الحويني وتسليع الإنسان باسم الدين بقلم: الناصر خشيني


   في الوقت الذي تخوض فيه أمتنا العربية معركتها الوجودية من أجل التحرر، والتقدم، واللحاق بركب العصر، يصر التيار السلفي الوهابي على ارتداد قسري بالوعي الجمعي نحو غياهب القرون الوسطى. وضمن سلسلة "دعاة على أبواب الجحيم"، نتوقف اليوم أمام ظاهرة فكرية بالغة الخطورة، يمثلها "أبو إسحاق الحويني"، أحد أبرز رموز السلفية "المدارسية" في مصر والعالم العربي، والذي تكشف أطروحاته عن أزمة عميقة في بنية العقل السلفي المعزول عن حركة التاريخ ومقاصد الإسلام الحقيقية.

صدمة "https://youtu.be/muN4NCshbsA?si=0zNqpVQEL1ejekow

السبي": العقل الفقهي عندما يتحول إلى تاجر رقيق
لم يكن تصريح الحويني الشهير حول "السبي" مجرد زلة لسان، بل هو انعكاس بنيوي لمنهج يقدس النصوص التراثية دون وعي بسياقها التاريخي. لقد صدم الحويني الضمير الإنساني والعروبي عندما ربط الأزمة الاقتصادية بترك "جهاد الطلب" (الغزو)، معتبراً أن غزو المجتمعات الأخرى وسبي نسائها وأطفالها وبيعهم في "أسواق النخاسة" يمثل حلاً مالياً واقتصادياً للأمة!
هذا الفكر الشاذ لا ينتهك كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية فحسب، بل يسيء إساءة بالغة للاستراتيجية الاقتصادية الإسلامية، ويحول رسالة الإسلام الأخلاقية من رسالة تحرير للبشر إلى مشروع استعماري يعتاش على الاسترقاق والمغانم. إن المنهج السلفي هنا يعاني من "عمى تاريخي"؛ فهو لا يدرك أن الإسلام تجاوب مع واقع دولي قديم كان يبيح الرق، لكنه وضع آليات وتشريعات لتجفيف منابعه تدريجياً، لتكون الغاية النهائية هي الحرية المطلقة.
النظرة الدونية للمرأة: تغييب نصف المجتمع
لا تتوقف خطورة أطروحات الحويني عند "السبي"، بل تمتد إلى رؤيته المقرفة والتقليدية للمرأة المعاصرة. فالمرأة في هذا الفكر ليست شريكة في النضال القومي، ولا قوة إنتاجية في معركة البناء، بل هي "عورة" يجب حجبها، ومصدر للفتنة يجب محاصرته.
تتجلى هذه الرؤية في:
  • تحريم العمل والإنتاج: التضييق على خروج المرأة وتجريم دورها التنموي في المجتمع.
  • الاختزال البيولوجي: حصر دور المرأة في المتعة والخدمة المنزلية، وتجريدها من أهليتها الفكرية والسياسية.
  • التأصيل للاستبداد الذكوري: استخدام الدين كأداة لتكريس سلطة بطريركية (أبوية) تقمع تطلعات المرأة التقدمية.
السلفية وعمى الحقيقة: الصدام مع روح العصر ومقاصد الشريعة
إن المأزق الحقيقي للحويني والتيار الذي يمثله يكمن في جمود المنهج السلفي وقصوره عن استيعاب "مقاصد الشريعة الإسلامية". فالإسلام في جوهره جاء لتحقيق قيم الحرية، والعدل، والمساواة، والكرامة الإنسانية ("ولقد كرمنا بني آدم").
بينما يعمل الفكر السلفي المتشدد على:
  1. تقديس الوسائل التاريخية: التعامل مع "الوسائل المعيشية والسياسية" للقرون الأولى وكأنها "غايات تعبدية" صالحة لكل زمان ومكان.
  2. معاداة التطور الإنساني: رفض القوانين الدولية، وحقوق الإنسان، والمواثيق العالمية التي جرمت العبودية والتمييز ضد المرأة، واعتبارها مؤامرة غربية، بينما هي في العمق تلتقي مع الجوهر التحرري للإسلام المعياري.
خاتمة: نحو ثورة ثقافية وتنويرية
إن أطروحات أبو إسحاق الحويني وأشباهه من دعاة الظلام تؤكد أن معركة التحرر القومي العربي لا يمكن أن تكتمل دون ثورة ثقافية وتنويرية جذرية تفكك هذا الفكر المتكلس. إن أمتنا اليوم بحاجة إلى فقه تقدمي، فقه يربط الأرض بالسماء، ويجعل من الإنسان وعقله وحريته القيمة الأسمى، ويرفض بقوة تسليع البشر أو احتقار المرأة باسم الدين. لن ينصلح حال الاقتصاد بـ "السبي والغزو"، بل بالعلم، والعمل، والعدالة الاجتماعية، ومواكبة العصر.

المراجع الفكرية والتوثيقية للمقال:
  1. التسجيلات والردود الرسمية: التسجيل الصوتي الشهير للشيخ الحويني (2011) المأخوذ من محاضراته بمسجد حاتم بالإسكندرية حول "جهاد الطلب والسبايا"، والردود الصحفية اللاحقة التي نشرها تلاميذه للدفاع عنه تحت تبرير "التأصيل الفقهي التاريخي".
  2. أدبيات نقد الفكر السلفي: كتاب "بنية العقل السلفي" للدكتور عمار علي حسن (تحليل آليات التفكير والجمود داخل التيار السلفي المصري).
  3. الفقه المقاصدي والردود الرسمية: بيان دار الإفتاء المصرية ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف حول "مفهوم الجهاد في الإسلام وتجريم الرق والسبي في العصر الحديث"، وتفنيد ربط الغزو بالاقتصاد.
  4. الفكر القومي والتقدمي: كتابات المفكر العربي نصر حامد أبو زيد ("نقد الخطاب الديني") في تفكيك الرؤية السلفية للمرأة والنصوص التاريخية.


غرف مغلقة... وصنابير أكثر إغلاقاً: مأزق تونس الصيفي بقلم: الناصر خشيني



مدخل

في كل صيف تونسي، يتكرر المشهد ذاته: انقطاع الكهرباء يضرب حياً بعد حي، صنابير المياه تلهث جفافاً في ساعات الذروة، وألسنة النيران تلتهم ما تبقى من الغطاء الغابي في الشمال الغربي [1][2][3]. ومع تكرار هذا المشهد، يتكرر أيضاً خطاب سياسي جاهز يريد اختزال أزمة بنيوية معقدة في "مؤامرة" تُحاك في الخفاء، أو في العكس تماماً: تبرئة كاملة للمنظومة من أي مسؤولية. الحقيقة لا تكمن في طرف واحد، بل في تقاطع مركّب بين إهمال هيكلي متراكم منذ عقد ونصف، وبين توظيف سياسي انتهازي يحاول أن يصطاد في الماء العكر.

أولاً: الكهرباء بين العطب الهيكلي والاستنزاف الخارجي

لا يمكن لأي متابع منصف أن يُحمّل انقطاعات الكهرباء المتكررة لـ"مؤامرة معارضة" ببساطة، لأن جذر المشكلة إداري وتقني بامتياز. فقد سجّل هذا الصيف طلباً على الطاقة بلغ نحو 6000 ميغاواط في مقابل قدرة إنتاجية لا تتجاوز 4400 ميغاواط فقط [4]، وهو ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اللجوء المتكرر إلى "التخفيف الدوري للأحمال" في مختلف الجهات [5][6]، وصل الأمر إلى حد فتح النيابة العمومية أبحاثاً عدلية بخصوص ملابسات بعض الانقطاعات المطوّلة [7]. الشركة تُرجع الأزمة إلى موجة الحر القياسية والاستهلاك المكثف لأجهزة التكييف، إضافة إلى عطب في محطة إنتاج بالجزائر أثّر على الشبكة التونسية [8]، لكن مراقبين يرون أن الأزمة تعكس مشكلة هيكلية أعمق تحتاج حلولاً طويلة المدى لا إجراءات ظرفية فقط [1][9]. يُضاف إلى ذلك أزمة الوقود العالمية المستمرة منذ سنوات، واتفاقيات مع مستثمرين أجانب في الطاقة البديلة تُصدَّر عبر خطوط الشبكة الوطنية نفسها، فتزيد العبء على منظومة أصلاً منهكة دون أن تُترجم إلى فائدة مباشرة للمستهلك التونسي.

ثانياً: المياه... حين تكون الوفرة عاجزة عن كسر الشح

المفارقة الصادمة هذا العام أن نسب امتلاء السدود تحسّنت نسبياً بفضل موسم أمطار جيد [10]، ومع ذلك لم يشعر المواطن بأي تحسن يُذكر: مناطق مثل نبر بالكاف وطبرقة وأحياء في سوسة والمنستير لا تزال تعاني انقطاعات متكررة أو تدفقاً ضعيفاً لا يتجاوز ساعات محدودة [11]. والسبب شبكة توزيع متهالكة: كشف مسؤول جهوي بالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه أن هناك نحو 70 كسراً يومياً في القنوات وحوالي 200 ألف تسرب سنوياً، ما يجعل مردودية الشبكة لا تتجاوز 75% مقابل فقدان 25% من المياه بسبب التسربات والأعطاب [12]. خبراء مختصون يؤكدون أن التحدي لا يكمن في توفر الموارد بقدر ما يكمن في إيصالها، مع تراجع في جودة المياه وارتفاع مخاطر تلوثها نتيجة تقادم البنية التحتية [13]، فيما تشير تقارير أخرى إلى ضعف استثمار في المناطق الريفية القريبة من السدود نفسها [14]. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وصف الوضع بأنه "صمت رسمي إزاء جريمة معلنة" [15]. أزمة المياه إذن ليست أزمة ندرة بقدر ما هي أزمة حوكمة وصيانة وضبط، تضاف إليها سرقات المياه المنظمة التي تنخر الشبكة دون رادع فعلي.

ثالثاً: الحرائق... حين يلتقي الإهمال بالتوظيف

حرائق الغابات أضافت بُعداً آخر لهذا المشهد المركّب: أكثر من 900 حريق سُجّل خلال 72 ساعة فقط في منتصف جويلية [16]، وحرائق متزامنة في عين دراهم وجندوبة [17][18]، وصولاً إلى حصيلة تجاوزت 4400 هكتار من الغابات المحروقة في الكاف وحدها [19]، وهو ما استدعى تعبئة الحماية المدنية وأعوان الغابات والمتطوعين في عمليات إطفاء متواصلة [20]. وبين التغيرات المناخية التي تزيد من حدة موجات الحر، وبين ضعف الجاهزية اللوجستية، تبقى مسألة الفعل الإجرامي المتعمد احتمالاً لا يمكن استبعاده كلياً، خاصة أن جزءاً من هذه الحرائق يُسجَّل كل صيف "ضد مجهول" [21]. غير أن القفز مباشرة إلى استنتاج "التآمر المنظم" دون أدلة ملموسة يُسيء إلى جدية النقاش العمومي بقدر ما يُسيء التستر الكامل وراء "الكوارث الطبيعية" إلى حقيقة التقصير الإداري.

رابعاً: خطاب "الغرف المغلقة"... حين تتحول الأزمة إلى مطية سياسية

في خضم هذا الواقع المرهق، برزت تصريحات المنصف المرزوقي التي تحدّث فيها عن أن البديل السياسي "يتم إعداده في الخارج في الغرف المغلقة"، وأن مصير تونس "يتقرر في الخارج" على حد تعبيره [22]، وهي تصريحات أثارت موجة غضب واسعة واتهامات مباشرة له بالعمالة من نشطاء وبرلمانيين تونسيين [22][23]. كما دعا في مناسبات سابقة إلى تحرك شعبي ضد رئيس الجمهورية بعبارات وصفها متابعون بغير المسؤولة [24]. وقد لاحظ عدد من المعلقين أن هذا الخطاب برز تحديداً بالتزامن مع أزمة انقطاع المياه والكهرباء واندلاع الحرائق، معتبرين أن بعض الأطراف السياسية تسعى لاستغلال الظروف الاستثنائية لتحقيق أهداف سياسية [25]. وهذا يكشف مفارقة بنيوية: فمن يتحدث عن مؤامرات خارجية يقدّم نفسه، في المقابل، كبديل يُفترض أن يحظى بثقة تلك الأطراف الخارجية ذاتها التي يزعم فضح تآمرها. الهدف هنا ليس تحليل الأزمة بل توظيفها: تحويل معاناة المواطن اليومية من عطش وظلام واحتراق الغابات إلى وقود لمعركة سياسية تستهدف العودة إلى موقع السلطة. وهذا نمط خطابي رعناء بامتياز، لأنه يستثمر في الألم الجماعي بدل أن يقترح حلولاً واقعية له.

خامساً: هل هناك من يؤجج الأوضاع من داخل مؤسسات الدولة؟

في مقابل الاتهامات الموجهة للمعارضة، يُطرح سؤال مشروع أيضاً حول احتمال وجود عناصر داخل مفاصل الإدارة تتعمد تعطيل الحلول أو تأخيرها، سواء بدافع الحفاظ على مواقع نفوذ أو بدافع التصفية السياسية لمرحلة سابقة. هذا الاحتمال يستحق تحقيقاً جدياً وشفافاً بدل أن يبقى حبيس التلميحات والتخمينات المتبادلة بين مختلف الأطراف.

سادساً: نحو حلول عاجلة وآجلة

على المدى العاجل:

خطة طوارئ صيفية لإدارة الكهرباء بالتنسيق بين الستاغ ووزارة الصناعة، مع أولوية للقطاعات الحيوية.

تكثيف فرق الصيانة الطارئة لشبكات المياه في نقاط التسرب الأكثر حدة، وحملة رقابية صارمة ضد سرقات المياه.

تعزيز الجاهزية اللوجستية لمكافحة الحرائق قبل نهاية الموسم الصيفي.

فتح تحقيقات معمقة وشفافة في كل حادثة حريق يُشتبه في تعمدها، دون تسييس النتائج قبل ظهورها.

على المدى الآجل:

برنامج استثماري وطني لبناء محطات إنتاج كهربائي جديدة، مع مراجعة اتفاقيات تصدير الطاقة البديلة بما يضمن أولوية السوق الداخلية.

تجديد شامل لشبكات توزيع المياه المتهالكة عبر خطة استثمارية متعددة السنوات.

إصلاح مؤسسي يعزز الشفافية والمساءلة، يقطع الطريق أمام أي توظيف سياسي للأزمات الخدماتية، من أي جهة أتى.

تحصين الخطاب العمومي من الانزلاق نحو نظرية المؤامرة الفضفاضة، عبر نقاش وطني هادئ يفرّق بين المحاسبة السياسية المشروعة وبين استثمار معاناة الناس.

خاتمة

أزمة الكهرباء والماء والحرائق في تونس ليست لغزاً مستعصياً، بل نتاج تراكمات إدارية وهيكلية يمكن تفكيكها بالتحليل الهادئ والإصلاح الجاد. أما اختزالها في مؤامرات معارضة أو تبرئة كاملة للدولة من كل تقصير، فهو هروب من المسؤولية الحقيقية، يدفع ثمنه المواطن الذي ينتظر فقط كهرباء لا تنقطع، وماء لا يُسرق، وغابات لا تحترق.

الناصر خشيني

المراجع:

[1] الجزيرة نت، "وسط موجة حر قياسية.. انقطاع الكهرباء والمياه يؤجج غضب التونسيين"، 17 جويلية 2026.

[2] كابيتاليس، "تونس تعيش على وقع أزمة خانقة في التزود بالماء"، 15 جويلية 2026.

[3] ويب مانجر سنتر، "حرائق الغابات في تونس تدق ناقوس الخطر: 4400 هكتار"، 24 جويلية 2026.

[4] جريدة الخبير، "تونس تحت ضغط الصيف الكهربائي... 6000 ميغاواط طلباً مقابل 4400 متاحة"، 24 جويلية 2026.

[5] تونس الآن، "انقطاعات مؤقتة للكهرباء"، 20 و23 جويلية 2026.

[6] وطن، "تونس تحت مقصلة الظلام والحر"، 19 جويلية 2026.

[7] ألترا تونس/عربي، "تونس.. فتح أبحاث عدلية بخصوص ملابسات قطع الكهرباء"، 22 جويلية 2026.

[8] موقع تفنيد، حوار إذاعي على ديوان إف إم، 15 جويلية 2026.

[9] ديوان إف إم، "لماذا أصبحت الكهرباء في تونس أزمة وطنية؟"، 23 جويلية 2026.

[10] موقع أجقا، "سدود تونس المتهالكة تهدد بفقدان الموارد المائية".

[11] الجزيرة نت، مرجع سابق [1].

[12] تونس الآن، "رغم تحسن السدود.. الصوناد تكشف أسباب اضطرابات التزود بالماء".

[13] ألترا تونس، "بعد خمس سنوات من حكم سعيّد.. التونسيون يواجهون استمرار انقطاعات الكهرباء وشح المياه".

[14] موقع أجاي، "تونسيون يعانون من العطش على تخوم السدود".

[15] كابيتاليس، مرجع سابق [2]، بيان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 14 جويلية 2026.

[16] ويب مانجر سنتر، "مفزع: تونس تسجل 900 حريق خلال 72 ساعة"، 22 جويلية 2026.

[17] كابيتاليس، "جندوبة: نشوب حريقين في نفس الوقت بغابات عين دراهم"، 19 جويلية 2026.

[18] تونس الآن، "عين دراهم/ السيطرة على 3 حرائق غابية"، 20 جويلية 2026.

[19] جريدة الخبير، مرجع سابق [3]، 24 جويلية 2026.

[20] ويب مانجر سنتر، "آخر مستجدات عمليات إخماد حرائق عين دراهم"، 20 جويلية 2026.

[21] ألترا تونس، "حريق يلتهم 6 هكتارات من غابات منطقة ببوش في عين دراهم".

[22] إرم نيوز، "المرزوقي يثير عاصفة غضب وانتقادات في تونس".

[23] العربي الجديد، "تونس: الحكم على المنصف المرزوقي ومساعديه بالسجن 22 عاماً".

[24] موزاييك نيوز، "دعوات خطيرة للفوضى في تونس: تصريحات منصف المرزوقي تثير موجة رفض واسعة"، 13 ماي 2026.


[25] موزاييك نيوز، "محرز الغنوشي يهاجم المنصف المرزوقي"، 24 جويلية 2026.

ظاهرة الشيخ الشعراوي: قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي بقلم الناصر خشيني

 


 مقدمة: صناعة الوعي الزائف وتخدير الجماهير

لا يمكن فصل صعود ظاهرة الشيخ محمد متولي الشعراوي عن السياق التاريخي والسياسي الذي عاشته الأمة العربية بعد منتصف السبعينيات. ففي الوقت الذي تراجعت فيه المدود القومية والاشتراكية، جرى توظيف "الدعاة" كأدوات لتمرير سياسات الانفتاح الاقتصادي، والصلح مع الكيان الصهيوني، وضرب القوى التقدمية. اتسم الشعراوي بأسلوب مسرحي يعتمد على التمثيل الدقيق والتلاعب بالعبارات لامتصاص الصدمات السياسية وتحويل الأزمات البنيوية والمصيرية إلى قضايا غيبية تُحل بالاستسلام والقدرية.

أولاً: نكسة 1967 وسجود الشكر (تكريس الهزيمة النفسية)
يُعد موقف الشعراوي بالسجود شكراً لله فور سماعه بنبأ هزيمة يونيو 1967 مؤشراً خطيراً على طبيعة الفكر الرجعي الذي يمثله:
  • مناهضة المشروع التحرري: برر الشعراوي سجوده بأنه شكر لعدم انتصار مصر وهي في أحضان "الشيوعية"، وهو تبرير يخدم مباشرة البروباغندا الإمبريالية.
  • ضرب معنويات الأمة: في اللحظة التي كان ينبغي فيها شحذ الهمم القومية للمقاومة وإعادة البناء، قدم الشعراوي طاقة تبريرية تكرس الاستسلام وتعتبر الهزيمة العسكرية أمام العدو الصهيوني "مشيئة إلهية" لتأديب الشعوب.

ثانياً: التوسع في فترة الوزارة وشرعنة الاقتصاد "الكمبرادوري"
شكّل تعيين الشعراوي وزيراً للأوقاف عام 1976 ذروة التحالف بين المؤسسة الدينية التقليدية وسلطة الانفتاح الساداتي:
  • تأسيس البنوك الإسلامية: ساهم الشعراوي بشكل فعال في وضع حجر الأساس لما يُسمى "الاقتصاد الإسلامي" عبر دعم تأسيس بنك فيصل الإسلامي وشركات توظيف الأموال، والتي تبين لاحقاً أنها غطاء لرأسمالية طفيلية امتصت مدخرات الفئات الشعبية.
  • تفكيك المنجز الاشتراكي: استُغلت الفتاوى الدينية في تلك المرحلة لتشريع القوانين التي تراجعت عن الإصلاح الزراعي وإعادة الأراضي للملاك الإقطاعيين القدامى، مما أدى إلى إفقار الفلاحين وتدمير المكتسبات الاجتماعية لثورة يوليو.
  • تسييس المنبر لصالح التبعية: تحولت وزارة الأوقاف في عهده إلى أداة لملاحقة الخطباء التقدميين واليساريين، وتهيئة المناخ الثقافي والاجتماعي لقبول نهج كامب ديفيد والارتداد عن العمق القومي العربي لمصر.

ثالثاً: قضايا المرأة وعرقلة التنمية الاجتماعية
تُمثل قضية المرأة حجر الزاوية في تقييم أي فكر تقدمي؛ حيث تكشف فتاوى الشعراوي عن نزوع بطريركي (أبوي) يعوق تحرر نصف المجتمع:
  • التبرير الفقهي للعنف: إن شرعنة ضرب النساء كوسيلة للتأديب، وتقييد عمل المرأة خارج المنزل، يضرب في الصميم أسس الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والعدالة الاجتماعية.
  • تنميط الأدوار: ساهمت خطبه في ترسيخ نظرة دونية للمرأة، بدلاً من الدفع بها كعنصر منتج ومشارك في معركة البناء والتنمية القومية ضد التخلف والتبعية.

رابعاً: تسطيح الوعي الاجتماعي والحقوقي (أزمة مفهوم الاغتصاب)
في تفسيره لجرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي، تجلى قصور المنهج السلفي الغيبي في استيعاب المفاهيم الحقوقية الحديثة:
  • تخفيف مسؤولية الجاني: من خلال تداول آراء تقترح أن العملية الجنسية لا تتم قهراً كاملاً بالمفهوم المطلق، وضع الشعراوي الضحية في موضع الشبهة والمساءلة.
  • غياب الوعي الحقوقي: هذا الطرح يعكس غياب الإدراك لطبيعة جرائم القهر والسلطة الإكراهية، ويعبر عن عقلية فقهية قديمة تعجز عن مواكبة التشريعات الإنسانية والتقدمية التي تحمي كرامة الإنسان وجسده.

خامساً: تهاوي الفكر الرجعي ولحظة الارتداد والندم
رغم التوظيف السياسي الطويل لخطابه، إلا أن اصطدام هذا الفكر بالواقع التاريخي المرير للأمة كشف عن مأزقه البنيوي، وهو ما قاد الشيخ نفسه إلى مراجعات متأخرة:
  • الندم على سجدة الشكر: اعترف الشعراوي لاحقاً في حوارات مسجلة وموثقة بندمه الشديد على سجوده ليلة الهزيمة، معتبراً أن موقفه ذاك كان انفعالاً متسرعاً غير صائب ومجافياً لواقع الألم القومي.
  • زيارة ضريح عبد الناصر: في خطوة رمزية بالغة الدلالة على تهاوي الطروحات الإخوانية والرجعية، زار الشعراوي ضريح القائد الخالد جمال عبد الناصر وقرأ الفاتحة على روحه، في إقرار ضمني متأخر بعظمة المشروع القومي التحرري وصوابية بوصلته ضد الاستعمار والتبعية، بعدما تكشفت له الآثار الكارثية لسياسات الانفتاح والصلح مع العدو.

خاتمة: نحو وعي عربي تنويري ومقاوم
إن تفكيك ظاهرة الشعراوي وأمثاله من "دعاة على أبواب جهنم" التخلف والتبعية، ليس مجرد نقد لشخص، بل هو معركة فكرية ضرورية لاستعادة العقل العربي التنويري. إن مراجعات الشعراوي المتأخرة وندمه يثبتان أن الفكر الرجعي لا يمكنه الصمود أمام حقائق التاريخ والضرورة القومية. لا يمكن للأمة العربية أن تخوض معارك التحرر والوحدة وهي مكبلة بوعي غيبي يبرر الهزيمة؛ وبديلنا التقدمي هو الوعي العلمي، والمواطنة الكاملة، والفكر المقاوم الذي يرى في الإنسان صانعاً لمصيره وتاريخه.

الجمعة، 24 يوليو 2026

الدكتور محمد شحرور.. ثورة القراءة المعاصرة وتحرير العقل العربي من إسار الجمود التاريخي بقلم: الناصر خشيني



لا يمكن للأمة العربية أن تحقق نهضتها السياسية والاقتصادية الشاملة أو تنسلخ من مخالب التبعية والإمبريالية ما لم تخض أولاً معركة التحرر الفكري والثقافي الكبرى. وفي قلب هذه المعركة الوجودية، يبرز اسم المفكر السوري الراحل الدكتور محمد شحرور (1938 - 2019) كأحد أهم رواد التثوير المعرفي ومؤشس منظومة "القراءة المعاصرة" للتنزيل الحكيم. إن قراءة مشروع شحرور من منظور قومي تقدمي تكشف عن محاولة جبارة لتفكيك "البنى الفقهية والتفسيرية التقليدية" التي صيغت في ظروف تاريخية وسلطوية بائدة، وإعادة بناء الوعي الجمعي العربي ليتصالح مع منطق العصر والعلم والتطور الاجتماعي.
  تفكيك العقل التراثي والتمييز بين "الكتاب" و"القرآن"
تمثلت الانطلاقة الكبرى لمشروع شحرور في كتابه التأسيسي الفذ "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (1990). وباعتباره حاصلاً على الدكتوراه في الهندسة المدنية، نقل شحرور أدوات التحليل العلمي والرياضي إلى اللسانيات والعلوم الإنسانية، معتمداً على منهج أبي علي الفارسي والجرجاني في نفي الترادف في اللغة العربية. [1]
من خلال هذا المنهج، أحدث شحرور قطيعة معرفية مع التفسيرات السلفية الجامدة عبر التمييز الحاسم بين مفهوم "الكتاب" ومفهوم "القرآن" ومفهوم "الذكر". كان يرى أن حصر النص الإلهي في قوالب تفسيرية وُضعت في العصرين الأموي والعباسي هو جناية على حركية الأمة؛ فالنص الإلهي في نظره "ثابت المحتوى، متحرك المفهوم"، مما يعني أن كل جيل عربي يمتلك الحق العضوي والتاريخي في تدبر النص وإعادة إنتاج آليات تشريعية تلائم واقعه الاقتصادي والاجتماعي المعاش، دون ارتهان لأقوال السلف التي صيغت لتلبي حاجات مجتمعات تاريخية محددة [1، 2].
2. البعد التقدمي في "فقه المرأة" ونفي الإقصاء الاجتماعي
في كتابه الهام "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة"، قدم شحرور رؤية تقدمية ثورية نسفت ركائز الفكر البطرياركي (الذكوري) المهيمن على المنظومة الفقهية التقليدية. حيث أعاد قراءة آيات الميراث، والوصية، واللباس، والعلاقات الأسرية من خلال منطق "الحدود الرياضية" (الحد الأدنى والحد الأعلى)، مبرهناً على أن التشريع القرآني يحمل مرونة لامتناهية تسمح بتمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً بما يتلاءم مع الدولة الوطنية الحديثة. [1]
إن هذا الطرح يتقاطع مباشرة مع أطروحات الفكر التقدمي العربي؛ إذ لا يمكن الحديث عن تحرر المجتمع العربي أو إقحامه في معركة الإنتاج والبناء والتنمية ونصفه الآخر (المرأة) مكبل بفتاوى ومفاهيم تراثية تعاملها كعورة مجتمعية أو كائن قاصر بحاجة للقوامة والهيمنة الشاملة.
3. تجفيف منابع الإرهاب وتفكيك أيديولوجيا الموت
واجه شحرور بجرأة فكرية نادرة التغول الظلامي والتكفيري الذي عصف بالأمة العربية في العقود الأخيرة، وصاغ في كتابه الوجيز والخطير "تجفيف منابع الإرهاب" استراتيجية معرفية لمواجهة الفكر المتطرف. وجادل شحرور بأن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تنجح عبر المقاربات الأمنية والعسكرية البحتة، بل تتطلب تفكيك البنية التحتية للفكر الفقهي العنيف الذي يشرعن "الجهاد الهجومي"، وتقسيم العالم إلى "دار إسلام ودار حرب"، ومفهوم "الولاء والبراء" الإقصائي [2، 4].
أرجع شحرور أصول هذا الفكر الظلامي إلى تضخم الروايات والأحاديث المنسوبة تاريخياً على حساب النص القرآني المتسم بالسعة والرحمة، مؤكداً أن العبقرية العروبية الحقة هي التي تقدم للعالم نموذجاً إنسانياً حضارياً يقوم على السلم، والعدالة الاجتماعية، وصيانة الحريات الفردية والعامة.
4. الدولة والمجتمع: مأسسة الحرية وإعادة صياغة الأخلاق
في كتابيه المدققين "الدولة والمجتمع" و***"الإسلام والإيمان: منظومة القيم"***، فكك شحرور المفهوم الشمولي لـ "الحاكمية" التي تتبناها حركات الإسلام السياسي، وأثبت أن التشريع الإلهي ترك مساحة شاسعة للتشريع الإنساني المدني القائم على المصلحة الشعبية والشورى الحقيقية<─.
اعتبر شحرور أن الحرية هي الأصل الوجودي والتشريعي للإنسان، وأن غاية الدين هي صيانة منظومة القيم والأخلاق العليا كالعدل والأمانة والتضامن الاجتماعي، وليست فرض قوالب شكلية قسرية. هذا الفهم المتقدم ساهم في إحداث تيار جارف وسط الشباب العربي الكادح والطلابي، الذي وجد في أفكار شحرور مخرجاً فكرياً يزاوج بين الإيمان الوجداني العروبي وبين التطلع لإنشاء نظم مدنية، ديمقراطية، وتقدمية ترفض الاستبدادين السياسي والديني [1، 4].

  5. الخاتمة: رحيل المفكر وخلود الرسالة
أدى الدكتور محمد شحرور رسالته التاريخية برصانة وهدوء العلماء، تاركاً خلفه ثروة فكرية هائلة تتجسد في مشروعه "القراءة المعاصرة" وفي أجزاء مذكراته العميقة كالقصص القرآني. ورغم الهجمات التكفيرية الشرسة وحملات التبديع والتضليل التي شنتها ضده المؤسسات الدينية التقليدية والرجعية العربية، إلا أن فكره الثوري شق طريقه بنجاح إلى عمق وعي الأجيال العربية الجديدة. [1]
رحل شحرور بجسده ليدفن في ثرى الشام الطاهر، لكن أفكاره ستبقى حجر أساس متين في بناء "الكتلة التاريخية التقدمية" القادرة على صياغة نهضة فكرية عربية شاملة، تسقط أوهام الخرافة، وتحرر الطاقات الحية للأمة لصناعة مستقبلها بأيديها وعقولها المستنيرة.
هوامش ومراجع المقال:
  1. شحرور، محمد (1990). الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. سبيلا، محمد (2005). مخاضات العقلانية العربية: قراءات في فكر التجديد والتفكيك، بيروت: دار الطليعة، ص 114-122.
  3. شحرور، محمد (2000). نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة، دمشق: دار الأهالي.
  4. أومليل، علي (2012). الفكر العربي المعاصر وسؤال التجديد الفقهي واللساني، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 205-212.
  5. شحرور، محمد (2008). تجفيف منابع الإرهاب، بيروت: دار الساقي للنشر والتوزيع. [1, 2]

 


الخميس، 23 يوليو 2026

الفريق سعد الدين الشاذلي.. باني نصر العبور والخط الناصري المقاوم في وجه الردة الساداتية بقلم: الناصر خشيني

 


 يمثل الفريق سعد الدين الشاذلي (1922 - 2011)، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، ذروة العبقرية العسكرية العروبية والالتزام القومي الناصري الخالص. لم يكن الشاذلي مجرد جنرال يخطط للمعارك، بل كان مثقفاً مشتبكاً ومفكراً استراتيجياً متميزاً آمن بالعقيدة العسكرية القومية القائمة على المقاومة ورفض التبعية. هو المهندس الفعلي لـ "التوجيه 41" وخطة العبور الفذة التي حطمت [خط بارليف] في حرب أكتوبر 1973 واجتاحت حصون العدو الصهيوني بدقة متناهية.

أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة الشاذلي:
  • العقيدة العسكرية الناصرية والتلاحم القومي: تشرب الشاذلي الفكر العروبي في مدرسة جمال عبد الناصر، وكان يؤمن بأن القوة العسكرية لمصر هي درع للأمة العربية جمعاء. تجلى ذلك في قدرته على قيادة التخطيط الحربي بروح تعتمد على الابتكار الهندسي والعسكري لجنود الأمة، بعيداً عن الاستعراض، محققاً أعظم نصر عسكري عربي في العصر الحديث [1، 2].
  • الصمود في وجه "الردة الساداتية" وتفنيد الثغرة: عندما تدخل الرئيس أنور السادات سياسياً في مسار الحرب وفرض "تطويراً هجومياً" غير مدروس متجاوزاً الخطة العسكرية بهدف إرسال إشارات سياسية لأمريكا، حدثت ثغرة "الدفرسوار". عارض الشاذلي هذا التدخل بصلابة وطالب بسحب ألوية مدرعة لحصار الثغرة وتدميرها، إلا أن السادات رفض مفضلاً توظيف المنجز العسكري لتحقيق مسار استسلامي تفاوضي، وهو ما حول النصر العسكري الاستراتيجي الباهر إلى هزيمة سياسية قادت لاحقاً إلى اتفاقية "كامب ديفيد" المشؤومة وعزل مصر عن محيطها القومي [2، 3].
  • كتاب "الخيار العسكري العربي" وسنوات النفي والاعتقال: رفض الفريق الشاذلي الرضوخ لسياسة السادات الاستسلامية والتفريط في دماء الشهداء، فآثر النفي إلى الجزائر حيث كتب مؤلفاته التاريخية البارزة وعلى رأسها كتاب "الخيار العسكري العربي" ومذكراته حول حرب أكتوبر؛ فضح فيهما بالوثائق والأرقام التواطؤ السياسي الذي أجهض النصر. وعند عودته إلى مصر عام 1992، تحمّل السجن الحربي العسكري بكرامة وشموخ، رافضاً تقديم أي تنازل أو اعتذار للنظام، مؤكداً أن كرامة العسكري العربي لا تباع في أسواق المساومات الدولية [3، 4].
هوامش ومراجع:
  1. الشاذلي، سعد الدين (1980). مذكرات حرب أكتوبر، باريس: منشورات الوطن العربي، ص 115-130.
  2. هيكل، محمد حسنين (1982). خريف الغضب: قصة السادات واغتياله، بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ص 201-215.
  3. الشاذلي، سعد الدين (1984). الخيار العسكري العربي، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 45-59.
  4. أمين، جلال (2001). ماذا حدث للمصريين؟ تحليل للتحولات الاقتصادية والسياسية في عصر الانفتاح، القاهرة: دار الهلال، ص 88-

 

الإمام محمد الطاهر بن عاشور.. رائد المقاصد التنويرية وصوت الحق في وجه تطويع الدين بقلم: الناصر خشيني 

 


لم يكن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879 - 1973) مجرد فقيه تقليدي ينكفئ على النصوص برؤية جامدة، بل كان مفكراً إصلاحياً لغوياً ومجدداً استراتيجياً أحدث ثورة فكرية من خلال إعادة الاعتبار لـ "مقاصد الشريعة الإسلامية". قاد بن عاشور، من منبر جامعة الزيتونة المعمورة، معركة شرسة لتحرير العقل المسلح بالوعي والاجتهاد من قيود الجمود، مبرهناً على أن الدين في جوهره يهدف إلى حفظ مصالح الأمة وعزتها وتقدمها الاجتماعي.

أبعاد الفكر التقدمي والموقف التاريخي لابن عاشور:
  • تأسيس علم المقاصد الاجتماعي: تمثلت عبقرية بن عاشور في كتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية"، حيث فصل هذا العلم عن علم أصول الفقه التقليدي، وجعله أداة حية لفهم الواقع وتحقيق العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان، مبرزاً أن الشريعة تهدف إلى بناء مجتمع قوي ومتماسك يرفض الاستبداد والجهل [1، 2].
  • موقف المنبر الشهير (صدق الله وكذب بورقيبة): تجسد الشموخ المبدئي لابن عاشور في مطلع الستينيات، عندما حاول رئيس تونس الأسبق الحبيب بورقيبة تطويع المؤسسة الدينية لتبرير خياراته الاقتصادية؛ حيث دعا الشعب إلى إفطار شهر رمضان بدعوى زيادة الإنتاج الاقتصادي، طالباً من المفتي بن عاشور إصدار فتوى تشرعن ذلك عبر الإذاعة. فما كان من الإمام إلا أن قرأ الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ثم أطلق مقولته التاريخية المدوية التي زلزلت أركان السلطة: "صدق الله العظيم وكذب بورقيبة" [2، 3]. هذا الموقف لم يكن مجرد دفاع عن شعيرة، بل كان رفضاً تقدمياً حاسماً لتغول السلطة السياسية وتوظيفها للدين كأداة لتمرير سياسات فوقية معزولة عن إرادة الشعب وعقيدته.
  • إصلاح التعليم والتنوير اللغوي: خاض الشيخ معارك مريرة لتطوير المناهج التعليمية في جامعة الزيتونة من خلال كتابه "أليس الصبح بقريب؟"، داعياً إلى إدخال العلوم الحديثة واللغات الأجنبية والتفكير النقدي، ومحاربة الانغلاق اللغوي والفقهي الذي يستغله الاستعمار لتجهيل الأمة [1، 4].
هوامش ومراجع :
  1. بن عاشور، محمد الطاهر (1946). مقاصد الشريعة الإسلامية، تونس: الشركة التونسية للتوزيع.
  2. السمّاك، محمد (1998). الإمام الطاهر بن عاشور رائد الإصلاح والتجديد، بيروت: دار النفائس، ص 74-81.
  3. التليلي، أحمد (1985). العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية في تونس الحديثة، تونس: دار الجنوب للنشر، ص 142-146.
  4. بن عاشور، محمد الطاهر (1915). أليس الصبح بقريب؟ كتاب في التعليم العلمي العربي الإسلامي، تونس: المطبعة الرسمية

 


اغتيال وطن في شخص شهيد: محمد براهمي.. الصوت العروبي الشامخ وجريمة الاغتيال الممتدة ضد عائلته بقلم: الناصر خشيني


    تمر الأيام والسنوات وتتجدد الذكرى، لتضعنا اليوم في 23 يوليو (جويلية) 2026 على عتبة الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد أخي وصديقي الحاج محمد براهمي (1955 - 2013). لم تكن الرصاصات الأربع عشرة الغادرة التي استهدفته أمام بيته في ذلك اليوم القائظ من تموز (جويلية) 2013، مجرد عملية تصفية جسدية لسياسي معارض، بل كانت محاولة استراتيجية من قوى الردة والظلامية لإعدام مشروع فكري وسياسي متكامل؛ مشروع "الخط القومي التقدمي الذي رأى فيه صمام الأمان لتصحيح مسار الثورة التونسية وربطها بمدارها العروبي المقاوم.

إن تفكيك هذا الاغتيال برؤية استقصائية معمقة يكشف أنه لم ينتهِ بإنهاء حياة الشهيد، بل إن الاغتيال ما زال متواصلاً وممتداً عبر استهداف ممنهج لعائلته ونضالات رفاقه سخريةً بالعدالة.
. النشأة والمنشأ: سيدي بوزيد كخزان للوعي والالتزام الطبقي
ولد محمد براهمي عام 1955 في عمق تونس المنسية، بمدينة "الحشّانة" التابعة لولاية سيدي بوزيد، وهي الجغرافيا التي لم تكن يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل كانت مختبراً حياً لمعاناة التهميش والفقر التي فرضتها خيارات الدولة البورقيبية ومن بعدها النوفمبرية على دواخل البلاد.
من هذا الرحم الاجتماعي، ومن طين الأرض التي يفلحها الكادحون، رضع براهمي فكره التقدمي. لم يدرس الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في الكتب الماركسية أو العروبية المعزولة فحسب، بل عاشها واقعاً ملموساً. ولذلك جاء نضاله الطلابي في الجامعة التونسية خلال ثمانينيات القرن الماضي متسقاً مع هذا الانحياز الطبقي الصارم، حيث انخرط في "الفصيل القومي التقدمي الطلبة العرب التقدميون الوحدويون معبراً عن صوت الفلاح والمنسحق، ومؤسساً لوعي يرفض الفصل بين التحرر الاجتماعي والتحرر القومي [1، 2].
2. شهادة دم حية: عام 1980 وجسارة براهمي في إنقاذ رفاقه من الخنق (محطة شخصية)
إن معركتنا الفكرية والسياسية مع تيار الإسلام السياسي (حركة الاتجاه الإسلامي التي تحولت إلى "النهضة" لاحقاً) لم تكن يوماً ترفاً فكرياً أو سجالاً ناعماً، بل كانت معركة وجودية تَعمدت بالدم والحديد في الساحات الجامعية منذ عقود.
وفي هذا السياق، أحمل في وجداني ونضالي الشخصي شهادة تاريخية حيّة على جسارة هذا البطل وعقيدته الرفاقية الصلبة؛ ففي عام 1980، وخلال ذروة تصاعد العنف الأعمى الذي كانت تمارسه مجموعات "الاتجاه الإسلامي" داخل أسوار الجامعة التونسية لضرب الفصائل اليسارية والقومية، تعرضتُ شخصياً لعنف شديد ووحشي من قِبل ميليشياتهم التي حاولت تصفيتي جسدياً وعمدت إلى خنق مادي كاد يودي بحياتي.
وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة، لم يكن المنقذ لي من براثن الموت إلا أخي ورفيق دربي محمد براهمي. بحكم قرب كليته من كليتنا، لم يتردد الحاج ثانية واحدة في الاندفاع نحو ساحة المعركة مقتحماً طوق الخطر ليفك الخناق عن عنقي وينقذني من موت محقق. لم تكن هذه الحادثة يتيمة، بل كان براهمي يُمثل الظهير القتالي والدرع الميداني الصلب الذي يهرع لنجدتنا ونجدة الرفاق كلما احتدم الصراع الفكري والبدني مع جماعة الاتجاه الإسلامي، مجسداً بفعله الميداني التلازم الحقيقي بين المبدأ القومي والتضحية بالذات لحماية العائلة النضالية الواحدة.
3. معارك المجلس التأسيسي: صياغة الدستور ومواجهة الردة والتبعية
عقب ثورة 14 يناير (جانفي) 2011، حمل براهمي لواء العروبة التقدمية إلى داخل أروقة المجلس الوطني التأسيسي. وكان دخوله للمجلس صدمة للنخب الفرنكوفونية والرجعية على حد سواء، وخاض معارك ضارية تمثلت في:
  • عروبة تونس: وقف سداً منيعاً أمام محاولات تمييع الهوية الوطنية والعروبية في صياغة توطئة الدستور الجديد، معتبراً أن عزل تونس عن امتدادها القومي هو تمهيد لإلحاقها بالمنظومة الاستعمارية الغربية [2، 4].
  • تجريم التطبيع: خاض معركة شرسة من أجل إدراج بند صريح يُجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني في الدستور، معتبراً فلسطين البوصلة الأخلاقية والسياسية لأي نظام ثوري تقدمي ينشأ بعد 14 جانفي.
  • الانحياز للفقراء ورفض الإملاءات: عارض بشدة السياسات الاقتصادية والمالية التي تبنتها حكومات الترويكا، وفضح ارتهانها لإملاءات صندوق النقد الدولي والدوائر الأجنبية.
4. التأسيس الأخير: "التيار الشعبي" وجبهة الإنقاذ

 عندما استشعر براهمي محاولات تدجين "حركة الشعب" وجرّها نحو مساومات سياسية لا تخدم الطبقات الشعبية، استقال وأسس مع رفاقه الخلّص "التيار الشعبي" في يوليو 2013. كان التيار الشعبي في فكر براهمي يمثل البديل التاريخي: تنظيم قومي، تقدمي، شعبي، يرفض الاقتتال الطائفي والجهوي، ويوجه الصراع نحو وجهته الحقيقية (ضد الرجعية، الإرهاب، والتبعية الكولونيالية).

5. الاغتيال المتواصل: استهداف العائلة لإنهاء مشروع الشهيد
إن الجريمة الإرهابية الغادرة التي نُفذت بـ14 رصاصة في 25 يوليو 2013 لم تتوقف عند إنهاء الحياة الجسدية للحاج محمد براهمي. ففي قراءة استقصائية لمسار الصراع السياسي في تونس، نجد أن غرف عمليات تنظيم الإخوان المسلمين ومرتزقتهم ما زالت تمارس عداءها التاريخي الممتد من الثمانينيات عبر حملات تحريضية وتتشويهية همجية تطال أرملة الشهيد وأبنائه بشكل متزامن وممنهج.
إن هذا التشويه وبث الأكاذيب ضد عائلة البراهمي لا ينفصل عن مناخ التجييش التكفيري الذي عشته أنا معه عام 1980؛ فالقوى الظلامية تدرك أن عائلة الشهيد، بوقوفها الصلب خلف مشروعه الفكري والسياسي وملاحقتها لملف الجهاز السري والاغتيالات، تمثل العقبة الكأداء أمام طمس معالم الجريمة. وبالتالي، فإن استهداف العائلة بالثلب والتحريض هو محاولة يائسة ومستمرة لتصفية الإرث الرمزي للشهيد، واغتيال معنوي متجدد لوأد الصوت القومي المقاوم الذي ترفض أرملته وأبناؤه المساومة عليه.
6. الخاتمة: رحيل الجسد وخلود الفكرة
أخي وصديقي ومنقذي الحاج محمد، ونحن نستحضر ذكراك اليوم، أسترجع ملامح وجهك وأنت تذود عني وعن الرفاق في ساحات الجامعة، وأوقن أن دماءك الزكية لم تذهب سدى. إن الهجمة الشرسة التي تشنها قوى الردة ضد عائلتك الصابرة اليوم هي أكبر دليل على أن فكرك وجسارتك لا تزال ترعبهم حتى بعد رحيلك. ستبقى "البرنس" التي كنت ترتديها، وصوتك الهادر، وثبات عائلتك منارات تضيء درب الأجيال العروبية التقدمية في تونس وفي كل شبر من وطننا العربي الكبير.
هوامش ومراجع المقال:
  1. التيار الشعبي تونس (2014). الوثيقة الفكرية والسياسية التأسيسية: الشهيد محمد براهمي ملهماً، منشورات التيار الشعبي، ص 12-18.
  2. مرزوقي، عادل (2016). اليسار والقوميون في تونس بعد الثورة: صراع الهوية والبرامج، تونس: دار النور للنشر، ص 89-95.
  3. خشيني، الناصر (1980/2026). شهادة حية موثقة من مذكرات الكاتب حول أحداث العنف الجامعي عام 1980 ودور الشهيد محمد براهمي الميداني، 
  4. محضر جلسات المجلس الوطني التأسيسي التونسي (2012-2013). مداخلات النائب محمد براهمي حول السيادة الوطنية وتجريم التطبيع، الأرشيف الوطني التونسي.
  5. بيان حزب التيار الشعبي تونس (ديسمبر 2025). بيان إدانة حول حملات التشويه الرقمي والتحريض الممنهج التي تتعرض لها عائلة الشهيد من بقايا المنظومة الظلامية الإخوانية، الأرشيف الإعلامي للحزب.

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...