قائمة المدونات الإلكترونية

الأربعاء، 10 يونيو 2026

توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلطانية بقلم الناصر خشيني





مدخل: التراث بين التقديس والنقد

حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالرديء، والثابت بالمتحوّل، والديني بالبشري اختلاطًا بالغ العمق، جعل من عملية الغربلة والتمييز مهمةً شاقةً ومحفوفةً بمزالق الرفض المجتمعي، إذ تراكمت على هذا التراث طبقات من التقديس حتى كاد المساسُ به يُعدّ ضربًا من الكفر في أذهان كثيرين


.

ولا ريب أن الحضارة الإسلامية في أوج عطائها أبدعت في شتى ضروب المعرفة من تفسير وفقه وكلام وتصوف وعمارة وأدب، بيد أن هذا الإبداع – بطبيعته – صنيعُ بشر في زمان ومكان بعينهما، لا ينبغي أن يُرفع إلى مرتبة المقدّس كما نزل الوحي القرآني.(1)

وقد زاد الطينَ بِلَّةً أن استغلّ المتاجرون بالدين هذا التقديسَ ذريعةً لصون مكانتهم وامتيازاتهم، وأضحى من يجرؤ على المساءلة والنقد عُرضةً لحملات التكفير والتشهير. غير أن الواقع يُلزمنا – بحكم العقل والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة – بتجاوز هذا الجمود، والانطلاق من الوحي الإلهي الثابت قرآنًا كريمًا نحو ثقافة دينية رشيدة تُحكّم العقل وتُصوّب المسار.

أولاً: ظاهرة الفتوى السياسية وتشوُّه مؤسسة الإفتاء

الأصل الشرعي في الفتوى أنها تنبثق من نص قرآني أو سنة نبوية ثابتة، ثم يأتي بعدها اجتهاد الفقهاء ضمن ضوابط أصول الفقه المعروفة. وقد أكد القرآن الكريم هذا المنهج بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7)، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (النساء: 59).(2)

بيد أن هذا الأصل بات مخترَقًا في عالمنا العربي المعاصر، إذ تحوّلت مؤسسات الإفتاء في غير دولة إلى أدوات في خدمة السلطة السياسية، تُبرّر للحكام ما يشاؤون وتُسبغ على قراراتهم قداسةً زائفة. وقد رصد ابن حزم في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" مراحل تطور الإفتاء منذ عهد الصحابة والتابعين، ذلك الإفتاء الذي كان حرًّا مستقلاً قبل أن تبتلعه الأجهزة الرسمية المُسيَّسة.

وفي هذا السياق تبرز ظاهرة يوسف القرضاوي الذي منحته دويلة قطر – بثروتها النفطية الهائلة وآلتها الإعلامية المتمثلة في قناة الجزيرة – منبرًا واسعًا، فأصدر فتاوى تنسجم مع السياسة القطرية الرامية إلى تفتيت الوحدة العربية وإذكاء نار الفتنة الداخلية، في حين غابت عن فتاواه الدعوةُ إلى الجهاد في فلسطين المحتلة، ولم يصدر عنه ما يُلزم الأمة بمواجهة الاحتلال الصهيوني.(3)

ثانياً: النموذج السعودي والتوظيف الوهابي للإفتاء

أسّست المملكة العربية السعودية هيئة الإفتاء العامة ورابطة العالم الإسلامي – ومقرها مكة المكرمة توظيفًا للمكانة الرمزية – لا انطلاقًا من إرث علمي راسخ كالأزهر أو الزيتونة، بل خدمةً لأجندة سياسية ترتكز على نشر المذهب الوهابي بديلاً عن الإسلام الحق.(4)

ويتجلّى هذا التوظيف في وقوف الرياض إلى جانب نظام الإمام البدر الرجعي في مواجهة مصر عبد الناصر إبان الحرب اليمنية، وهو ما استنزف الطاقة المصرية وأسهم في إضعافها قبيل نكسة 1967. كما يظهر هذا التوظيف في تبرير الوجود العسكري الأجنبي، والصمت المريب حيال القضية الفلسطينية، بينما تُصدَّر الفتاوى التي تُحرّض على الاقتتال الداخلي بين العرب والمسلمين.

وقد تجلّت هشاشة هذا النموذج حين رأينا كيف أن بعض حكام الخليج – وهم مرجعيةُ هذه الفتاوى – يُخطئون في قراءة النصوص المكتوبة بأبسط الأساليب، ومع ذلك يُمجّدهم فقهاء السلطان ويُلبسونهم هالة القداسة الدينية تحت ذريعة طاعة أولي الأمر، متناسين قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (التوبة: 24).(5)

ثالثاً: تونس ما بعد الثورة وفوضى الإفتاء

لم تسلم تونس من هذه الآفة، إذ شهدت مرحلة ما بعد 2011 تسرُّبَ أصوات إفتائية لا تستند إلى رصيد علمي معتبر؛ فبدلاً من أن تتصدر الساحةَ الكفاءاتُ المؤهَّلة من خريجي الزيتونة وأصحاب الاختصاص، برزت وجوه لا صلة لها بالعلم الشرعي تُصدر "فتاوى" حول تحريم سفر المرأة دون محرم، أو تحريم عصيدة الزقوقو في المولد النبوي، أو تعدد الزوجات في مجتمع تُنهكه البطالة والتهميش، في حين غابت عن هؤلاء القضايا الجوهرية للشعب.

وفي هذا يمكن القول إن الثورة التونسية جرى توظيفها لإفراغ مطالبها الحقيقية من مضمونها، وذلك بإشغال المجتمع بنقاشات فقهية هامشية بدلاً من التركيز على بناء دولة المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية.(6)

رابعاً: الفتوى السلطانية في التاريخ الإسلامي

ليس توظيف الدين لخدمة السلطة أمرًا مستحدثًا، فقد ضرب بجذوره في أعماق التاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى، حين انحاز بعض الصحابة – كعمرو بن العاص وأبي هريرة – إلى معاوية بن أبي سفيان في مواجهة علي بن أبي طالب، فتحوّل الخلاف السياسي إلى خلاف ديني مُقوْلَب، بل وصل الأمر إلى تبادل التهم بين من كانوا في صف واحد، كما جرى بين علي وعبد الله بن عباس والي البصرة.(7)

ثم جاءت الفرق الكلامية والسياسية التي ادّعت كل منها امتلاك الحقيقة الدينية الكاملة، ووظّفت الدين لإقصاء خصومها وتكفير منافسيها، وكانت المحصّلة سنواتٍ من الاقتتال والانقسام أضرّت بالأمة أيّما ضرر.

في المقابل، وقف الأئمة الأربعة الكبار – أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد – موقفًا مشرّفًا من سلطة الحكام، فرفضوا أن يكونوا مُفتين للسلطان، وتعرّضوا لذلك للسجن والتعذيب والمضايقة، مما أكسبهم ثقةَ الأمة ومنح تراثهم الفقهي استمرارًا وحضورًا عبر القرون.(8)

خامساً: الإيجابي والسلبي في موروثنا الحضاري

ثمة ضرورة منهجية للتمييز بين مستويين في تراثنا: مستوى الوحي الإلهي الثابت المتمثل في القرآن الكريم، ومستوى الاجتهاد البشري الذي أفرز علوم التفسير والحديث والفقه وأصوله والكلام والتصوف والفنون المعمارية وآداب اللغة. فالثاني – مهما بلغ من الإتقان – يبقى صنيع عقول بشرية تأثّرت بظروف زمانها ومكانها، وليس في رُقيِّه ومكانته ما يُبيح تقديسه أو الدفاع عنه بمنطق القداسة.

وقد فعلت الحضارات الكبرى ما لم نفعله نحن؛ فالغرب انطلق من الإرث اليوناني والروماني، انتقى منه، وبنى عليه، وتجاوزه في آنٍ واحد، دون أن يُقدّسه أو يتوقف عند حدوده. أما نحن فقد آثرنا في أغلب الأحيان أن نعيش على أطلال الماضي رافضين أي تجديد، متذرّعين بمقولة "ليس في الإمكان أبدع مما كان".(9)

ومن أبرز الإشكاليات التي ينبغي معالجتها في هذا السياق:

في العقيدة: اشتاع لدى الناس التوجّه بالدعاء وطلب البركة من الأولياء وتقديم النذور لهم وإقامة المهرجانات في أضرحتهم، وهو سلوك يُفضي حتمًا إلى الشرك بالله، بعد أن أكد القرآن الكريم في آيات عديدة أنه لا واسطة بين العبد وربّه. ولا يختلف عن هذا ما ذهب إليه الشيعة من جعل الإمامة جزءًا من العقيدة، وهو ما يُصادر حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم.

في العبادات: كثيرًا ما يُقدَّم المسنون والمندوبون على الواجبات، كمن يُنفق أموالاً طائلة على احتفالات الختان ثم يتخلّى عن أداء فريضة الحج، أو من تحفل موائده في رمضان بصنوف الطعام في حين يغيب الجوهر وهو إحياء روح العبادة.

في العادات والتقاليد: أضحت مناسبات الزواج والوفاة ساحةً لإهدار الأموال في احتفالات مُترفة لا صلة لها بالدين، بل تُثقل كاهل المجتمع وتحصر الزواج في أصحاب اليسار، مما يُفضي إلى تفشّي الفساد الاجتماعي.(10)

سادساً: الكلفة البشرية للفتاوى السياسية

إن الأثر التدميري للفتاوى السياسية لا يقتصر على المجال الفكري والثقافي، بل يمتد إلى الدماء المُراقة والأرواح المُزهَقة؛ فقد أودت فتاوى سياسية بأرواح ما يزيد على مئة وخمسين ألف مسلم في ليبيا، ومليون ونصف المليون في العراق، وتجاوز عدد ضحايا الفتاوى الحارضة على الاقتتال في سوريا نصف مليون روح، فضلاً عن آلاف آخرين في أفغانستان.(11)

وعلى المقابل الآخر، لم تصدر فتوى واحدة معتبرة تُلزم الأمة بالجهاد لتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، ولم يُصدر مُفتو السلطان أي موقف مما تتعرّض له القدس من تهويد ممنهج. وهذا الصمت المدوّي أمام القضية المركزية للأمة يفضح التناقض الصارخ في أولويات هؤلاء الفقهاء الذين يتقاضون ثروات طائلة ثمنًا لفتاواهم.

وفي هذا يُذكّرنا القرآن الكريم بالتجارة الحقيقية فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الصف: 10-11).(12)

خاتمة: نحو فقه تحرّري يُعلي قيمة الأمة

إن المشهد العام الذي رصده هذا المقال من فتاوى سلطانية ومتاجرة بالدين وتقديس للتراث البشري، لا يعني أن الساحة خلت من العلماء الربانيين الذين يجهرون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم. فلا يزال بين ظهرانينا مشايخ كرام يرفعون راية الحق ويعرّون المزوّرين والانتهازيين، وهذا في حد ذاته بشارة بالخير.

غير أن هذا لا يُعفينا من المضي قُدُمًا في مشروع النقد العلمي والمراجعة الحضارية الشاملة، إذ الواجب يقتضي منا:

أولاً: التمييز الصارم بين الوحي الإلهي الثابت في القرآن الكريم، وبين الاجتهادات البشرية القابلة للنقد والمراجعة في ضوء العلم ومقاصد الشريعة.

ثانياً: تجفيف منابع الفتوى السياسية بفصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية وعن الثروة النفطية الخليجية.

ثالثاً: استعادة الأمة حقها في المحاسبة والمراقبة وإدارة شؤونها بعيدًا عن ذريعة التفويض الإلهي للحكام.

رابعاً: تربية الشباب العربي على منهج التفكير النقدي والتمحيص قبل الاتباع، وتحصينهم من أن يكونوا وقودًا لحروب تخدم مصالح الممولين لا مصالح الأمة.(13)

وإننا لنستحضر ههنا مسيرة علماء الأمة الصادقين عبر التاريخ ممن آثروا السجن والتعذيب على ذل الخضوع للحاكم، لعلّ في ذكراهم استلهامًا للهمة وتجديدًا للعزيمة في مواجهة هذه المحنة التي تعصف بأمتنا.

المصادر والمراجع

(1) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط3، 2000، ص 444 وما بعدها.

(2) القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 7؛ وسورة النساء، الآية 59.

(3) الجزيرة نت، ملف يوسف القرضاوي والتحولات السياسية في منطقة الربيع العربي، www.aljazeera.net، تاريخ الاطلاع: 2018.

(4) حمادي الموسوي، الوهابية من الدعوة إلى الهيمنة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2010، ص 88-120.

(5) القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 24.

(6) برهان غليون، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط4، 2004، ص 201-230.

(7) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، ج5، ص 63-78.

(8) ابن حزم الأندلسي، علي، الإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث، القاهرة، ج5، ص 89 وما بعدها.

(9) الجابري، محمد عابد، نقد العقل العربي: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط8، 2009، ص 15-47.

(10) الغزالي، محمد، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، دار الشروق، القاهرة، ط6، 1999، ص 33-55.

(11) منظمة هيومن رايتس ووتش، تقارير حالة حقوق الإنسان في العراق وليبيا وسوريا، 2013-2017، www.hrw.org.

(12) القرآن الكريم، سورة الصف، الآيتان 10-11.

(13) غليون، برهان، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1992، ص 44-67.

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

جدل الإنسان: منهج لثورة الوعي وتغيير الواقع بقلم: الناصر خشيني


   ان البحث في حركة التاريخ وقوانين تطور المجتمعات يضعنا دائماً أمام مواجهة فكرية مع النظريات الجبرية التي حاولت سلب الإنسان إرادته وفاعليته. ومن هنا، يبرز مشروع المفكر العروبي الراحل الدكتور عصمت سيف الدولة كواحد من أهم المشاريع الفكرية التي أعادت صياغة مفهوم "الجدل" ليكون إنسانياً خالصاً، وهو ما نلتقي معه في رؤيتنا المنهجية التي تسعى لتحويل الأفكار والقيم إلى طاقة عمل ملموسة قادرة على النهوض بالواقع وتحرير الذات العربية.
أولاً: تهافت الجبريات ومركزية الإنسان
لقد تأسست المناهج الفلسفية التقليدية على قطبين عاجزين عن تفسير التحرر الإنساني الكامل:
  1. الجدلية المثالية (الهيجلية): التي أعادت التطور الاجتماعي إلى الفكر المجرد المطلق، وجعلت الإنسان مجرد أداة لتجسيد هذا الفكر.
  2. الجدلية المادية (الماركسية): التي جعلت المادة هي الأصل والمحرك الأساسي للتاريخ، فسقطت في فخ الحتمية الاقتصادية والجبرية المادية التي تلغي دور الإرادة الحرة.
في مقابل ذلك، جاء منهج "جدل الإنسان" ليعلن أن الإنسان ليس نتاجاً سلبياً للمادة ولا مجرد صدى لفكر مجرد، بل هو الصانع الحقيقي للتاريخ والمحور الأساسي والغاية الأسمى لكل تطور اجتماعي.
ثانياً: التأصيل القرآني لجدل الإنسان
إن ما طرحه عصمت سيف الدولة كقاعدة لنظرية الثورة العربية، يجد امتداده الطبيعي والتأصيلي في القراءة الواعية للقرآن الكريم. فالقرآن قد كرم الإنسان وجعله الكائن الجدلي الوحيد المكلف بالخلافة وإعمار الأرض، كما جاء في محكم التنزيل: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف: 54).
هذا الجدل القرآني ليس مجرد ترف فكري أو حذلقة لغوية، بل هو حقيقة تكوينية تقوم على:
  • الجدل الفردي: وهو الصراع الداخلي الدائم في ذات الإنسان بين قيم الخير والشر، والسمو والانحطاط، والوعي والجهل، وهو أساس تشكّل الإرادة الحرة وتزكية النفس.
  • الجدل الاجتماعي: وهو حركة التفاعل والتضاد بين الإرادات الفردية داخل المجتمع، والتي يتولد عنها قانون تطور المجتمعات وسعيها الدائم نحو الحرية والعدالة والاشتراكية بمفهومها الإنساني.
ثالثاً: الحرية أولاً والجدل كمنهج عملي
لقد برهن عصمت سيف الدولة في كتابه العمدة "أسس الاشتراكية العربية" على أن تقدم الإنسان لا يسير على وتيرة واحدة؛ فبفضل الوعي والحرية أصبح الإنسان يحل في شهور معدودة ما كان يعجز عن حله في قرون طويلة. ولذلك، فإن "جدل الإنسان" ليس مجرد مقولة فلسفية تُدرس في قاعات الجامعات، بل هو منهج عملي لتغيير الواقع.
إن القيمة الحقيقية لهذا المنهج تكمن في قدرته على تحويل القيم الأخلاقية والنظرية إلى "طاقة عملية ملموسة" تفكك قيود الاستبداد والتبعية. فلا يمكن بناء مجتمع حر بأفراد مسلوبي الإرادة، ومن هنا كانت "الحرية أولاً" هي المبتدأ والمنتهى.
خاتمة
إن دمج الرؤية الفلسفية لـ "جدل الإنسان" بوعينا الرسالي والقرآني يمنح الأمة دليلاً نظرياً حاسماً لخوض معركة التحرر. إننا لا نواجه الواقع بالاستسلام للحتميات، بل بالمراهنة على وعي الإنسان وقدرته على الفعل والتغيير، مستندين إلى حقيقة أن الإنسان كائن جدلي، حر، ومسؤول عن صياغة مصيره وصناعة تاريخه.

 

الاثنين، 8 يونيو 2026

درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان بقلم الناصر خشيني


 حين كتبتُ قبل سنوات مقالي "درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا"، كنتُ أنطلق من إيمانٍ راسخ بأن الحصار المفروض على أهلنا في غزة ليس مجرد تدبير تقني أو جدار إسمنتي وأسلاك شائكة تُضرب حول بقعة جغرافية، بل هو في جوهره معركة إرادات واختبار وجودي لمفهوم الكرامة الإنسانية والسياسية لأمتنا العربية والإسلامية. واليوم، ونحن نعيش فصول ملحمة تاريخية غير مسبوقة، أجد نفسي مدفوعاً لإعادة قراءة ذلك النص واستحضار أبعاده، فالدم النازف والفعل المقاوم الأسطوري يعيدان اليوم صياغة هذا الدرس التاريخي، لينتقلا بالأمة من حيز "الدفاع عن النفس" إلى مرحلة "فرض المعادلات وصناعة السيادة".

إن الواقع الراهن قد تجاوز كل الخطوط الحمراء والشرائع الدولية؛ فلم يعد الحصار مجرد منع للإعمار والوقود والمواد الأساسية كما كان في العقود الماضية، بل إننا نعيش اليوم فصلاً مرعباً من "حرب الإبادة الجماعية"، حيث تحول التجويع الممنهج، ومنع حبة القمح وقطرة الماء الروية، ودك المستشفيات إلى سلاح عسكري مباشر ومقصود. هذا التحول البنيوي في عقلية الاحتلال الغاشم لم يعد يستهدف الضغط على الإرادة السياسية للمقاومة فحسب، بل يهدف بوضوح واعتراف علني إلى تهجير الإنسان واقتلاعه من أرضه، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها وسط تواطؤ دولي مخزٍ وعجز إقليمي فاضح.
وفي مقارنتي التاريخية التي تمسكتُ بها، ستبقى "غزوة بدر الكبرى" الشاهد والمبرهن الأزلي على أن قلة العدد وشُح العتاد لم يكونا يوماً عائقاً أمام انتزاع النصر وفك طوق الاستضعاف، شريطة توفر القرار الشجاع والإرادة المستقلة والتوكل الصادق. واليوم، يتجسد هذا الإسقاط التاريخي في أبهى وأعقد صوره؛ فغزة التي عُزلت عن العالم وخُنقت برّاً وبحراً وجوّاً لأكثر من عقدين، لم تقف نادبة حظها على أعتاب المساعدات العسكرية الإقليمية التي لم تأتِ. بدلاً من ذلك، حفرت المقاومة في الصخر، وعجنت الركام، وأعادت تدوير مخلفات القذائف لتصنع ترسانتها المعقدة محلياً تحت الأرض. إن "معجزة التصنيع الذاتي" داخل الأنفاق هي الامتداد المعاصر لروح معركة بدر، حيث تحولت القلة المستضعفة إلى قوة اشتباك تفرض شروطها وتجابه أحدث الترسانات التكنولوجية في العالم.
وهنا، لا بد لي أن أجدد نقدي اللاذع والعميق للأنظمة الرسمية العربية، فالأمر اليوم تجاوز مجرد "التقصير" في إرسال قوافل إغاثية، بل تحول إلى عجز بنيوي مخزٍ، تقف فيه عواصم كبرى عاجزة عن فرض إدخال شاحنة طحين أو تأمين ممر إنساني لإنقاذ الأطفال من الموت جوعاً أمام شاشات البث المباشر. هذا الصمت الرسمي يعكس فجوة سحيقة بين وجدان جماهير الأمة وعواصم قرارها، ويؤكد أن الحصار المفروض على غزة هو في الوقت ذاته حصار مضروب على الإرادة السياسية العربية الرسمية المكبلة بتبعيّتها.
ومع ذلك، فإن هذا الحصار والخذلان قابله التفاف وتلاحم شعبي عارم أعاد الروح إلى الجسد العربي المنهك. وهنا نستحضر بفخر الدور التاريخي والمبدئي للشعوب المغاربية وفي مقدمتها شعبنا العربي في تونس؛ هذا الشعب الذي لم يتأخر يوماً عن نصرة الحق الفلسطيني، فانتفضت شوارعه وساحاته، وتوحدت قواه النقابية والطلابية والمدنية في هبة مستمرة ترفض التطبيع وتجعل من قضية فلسطين قضية وطنية تونسية بامتياز. إن هذا الموقف الشعبي المتأصل يعكس عمق الرابطة القومية والإسلامية، ويثبت أن نبض الجماهير في تونس والمغرب العربي يرفض الامتثال لسياسات الأمر الواقع، ويصر على أن يكون شريكاً في معركة فك الحصار وإسقاط الإبادة.
ومثلما تحرك الشارع المغاربي، حدث تحول جوهري على الصعيد الشعبي العالمي. فإذا كنتُ قد أشدتُ سابقاً بقوافل كسر الحصار التضامنية القديمة، فإننا اليوم نشهد طوفاناً شعبيّاً عالميّاً تجاوز المساعدات الرمزية إلى حراك بنيوي: انتفاضة عارمة في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية (مثل كولومبيا، والهارفارد، والسوربون)، ومقاطعة اقتصادية شاملة ألحقت خسائر فادحة بالشركات الداعمة للاحتلال، وملاحقة قانونية تاريخية على منصات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مما أسقط ورقة التوت الأخلاقية عن المنظومة الاستعمارية وحلفائها.
لذا، فإنني أتوجه من هنا بصرخة واستنهاض مباشر إلى النخب الفكرية والسياسية والوعي الثقافي في أمتنا العربية: إن دوركم اليوم لا يمكن أن يقف عند حدود التوصيف أو البكاء على الأطلال الإنسانية، أو الانكفاء على التنظير البارد خلف الشاشات. إن النخب مطالبة اليوم بقيادة معركة الوعي، وتفكيك السرديات الانهزامية، وبناء جبهة ثقافية وسياسية صلبة ترفض التبعية وتدعم خيار المقاومة والاعتماد على الذات كممر إجباري وحيد للتحرر. إن سقوط المفاهيم والقيم الغربية تحت أقدام أطفال غزة يفرض عليكم صياغة مشروع نهضوي عربي جديد يستمد قوته من كرامة شعبه وعمق تاريخه، لا من فتات الموائد الدولية.
ختاماً، إن الدرس الأكبر والأعمق الذي أردتُ تأكيده وأعيده اليوم بقوة، هو أن كسر الحصار ليس مطلباً إنسانيّاً يُستجدى على أعتاب المنظمات الدولية أو بالاعتماد على "حسن نوايا" المجتمع الدولي. إن كسر الحصار هو معركة سياسية وعسكرية لانتزاع الحرية والسيادة كاملة. لقد أثبتت هذه الملحمة المستمرة أن الكرامة لا تُوهب بل تُنتزع، وأن الرهان على الضمير الرسمي العالمي هو رهان خاسر وصفري. النصر والتحرير يصنعهما الصمود الأسطوري الحاضن للمقاومة على الأرض، والتلاحم الشعبي العابر للقارات، والإيمان اليقيني بأن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالاعتماد على ذاتها، هي أعتى وأبقى من كل ترسانات الإبادة والخراب.

الأحد، 7 يونيو 2026

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

 



​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي.
​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني
​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى:
​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم.
​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية.
​تقادم المعدات: غياب الرؤية الاستثمارية لتحديث الآليات ووسائل الاستخراج جعل المردودية الفنية لشركة فسفاط قفصة في تراجع مستمر أمام المنافسين الدوليين.
​ثانياً: التسويق وفقدان السمعة الدولية
​تسببت حالة عدم الاستقرار في الإمدادات في ضرب "صورة" تونس كشريك تجاري موثوق. فبعد أن كانت تونس من بين الخمسة الكبار عالمياً، وجدت نفسها تخسر أسواقاً استراتيجية (مثل الهند والبرازيل) لصالح منافسين إقليميين ودوليين استثمروا في الفراغ التونسي. والأدهى من ذلك، هو اضطرار المجمع الكيميائي في بعض الفترات لاستيراد الفوسفات من الخارج لضمان استمرارية إنتاج الأسمدة، وهو ما يمثل مفارقة اقتصادية مؤلمة تستنزف احتياطي العملة الصعبة.
​ثالثاً: الإدارة والحوكمة.. ضغوط التوازنات المالية
​من الناحية الإدارية، واجه القطاع منذ 2011 ضغوطاً سياسية واجتماعية هائلة أدت إلى:
​تضخم الكلفة الأجرية: إدماج آلاف العمال في شركات البيئة والبستنة دون وجود دورة إنتاجية فعلية واضحة، مما أثقل موازنة شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي.
​البيروقراطية وغياب الاستقرار: تعاقب الإدارات حال دون تنفيذ استراتيجية إصلاح شاملة بعيدة المدى، حيث طغت الحلول "الترقيعية" لمواجهة الأزمات اللحظية على حساب التخطيط الاستراتيجي.
​رابعاً: التحدي البيئي والمائي
​لا يمكن فصل أزمة الفوسفات عن محيطها البيئي؛ فاستنزاف الموارد المائية في عمليات الغسل بجهة قفصة، وتفاقم مشكلة التلوث بالـ "فوسفوجيبس" في خليج قابس، يضع الدولة أمام تحدي الموازنة بين ضرورة الإقلاع الاقتصادي وبين الحق الدستوري في بيئة سليمة ومستدامة.
​خاتمة واستشراف
​إن إنقاذ قطاع الفوسفات يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المعالجة الأمنية والاجتماعية نحو رؤية اقتصادية شاملة، تبدأ بتطوير البنية التحتية للسكك الحديدية، وتحديث وسائل الإنتاج، وصولاً إلى صلح حقيقي مع أهالي المناطق المنجمية يضمن توزيعاً عادلاً للثروة والتنمية. إن استعادة تونس لمكانتها العالمية ليست مستحيلة، لكنها تمر حتماً عبر بوابة الحوكمة الرشيدة والشفافية.
​المراجع:
​تقارير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية (2011-2024).
​التقارير السنوية لشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي.
​دراسات المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول قطاع الطاقة والمناجم.
​تقارير المنظمات الدولية (البنك الدولي والاتحاد الأوروبي) حول الاقتصاد التونسي.
​متابعات صحفية وتقارير ميدانية من الحوض المنجمي وقابس

هدنةٌ بلا ضمير: لبنان يُقتَل والسلطة تُفاوض الناصر خشيني — باحث وكاتب سياسي، نابل، تونس



مدخل

في التاريخ الحديث، لم تكن الهدنات دائماً عقوداً للسلام، بل كانت في أحيان كثيرة أقنعةً لمواصلة الحرب بأدوات أخرى. ما يجري في لبنان اليوم يُجسّد هذه المعادلة بصورتها الأكثر فجاجةً وسخرية: هدنةٌ تُعلنها واشنطن، وإسرائيل تُمارس إجرامها تحت مظلّتها، والعالمان العربي والإسلامي ينامان في سُبات عميق، فيما السلطة اللبنانية الرسمية تُفاوض القاتل وتنبري لمعاداة المقاوم. إنّها مشهديّة العصر الذي فقدت فيه الكلمات معناها، وحين أصبح الصمت فضيلةً سياسية والتفاوض مع العدو شجاعةً دبلوماسية.

أولاً: هدنةٌ بالاسم، حرب في الجوهر

في السادس عشر من أبريل 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنة مؤقتة بين إسرائيل ولبنان لمدة عشرة أيام، تلتها محادثات مباشرة رعتها واشنطن. وفي السادس عشر من مايو، جرى تمديد وقف إطلاق النار خمسة وأربعين يوماً إضافية، في خطوة أُعلن معها فتح مسار أمني وسياسي برعاية أمريكية صريحة.[1] غير أنّ هذه الهدنة لم تُوقف النزيف اللبناني؛ فمنذ دخولها حيز التنفيذ في السابع عشر من أبريل، استمرت الغارات الإسرائيلية على الجنوب وبيروت وأحياء مدنية، وتجاوز عدد القتلى في صفوف اللبنانيين منذ اندلاع هذه الجولة من المواجهة حاجز الألفين وتسعمائة شخص، من بينهم أكثر من أربعمائة سقطوا بعد إعلان الهدنة ذاتها.[2]

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنّها فضح موثّق لطبيعة الهدنة الإسرائيلية التي صُمّمت من البداية لخدمة مصالح القاتل لا لحماية الضحية. ففي حين تحتفظ قوات الاحتلال بمواقعها في جنوب لبنان[3]، ويُصرّح نتنياهو بأنّ الحرب ضد حزب الله لم تنته[4]، تواصل الطائرات الحربية اختراق الأجواء اللبنانية وتدمير البنية التحتية. الهدنة في هذا السياق ليست سوى غطاء دبلوماسي يُتيح لإسرائيل إعادة ترتيب أوراقها، واستثمار وقت المفاوضات لتعميق التوغل والإحكام على المناطق المحتلة.

ثانياً: صمتٌ عربي وإسلامي لا يختلف عن التواطؤ

منذ بدء الحرب على لبنان، غابت الجامعة العربية عن المشهد غياباً يكاد يكون مُطبقاً، ولم تصدر عن القمم الإسلامية سوى بيانات رمادية تفتقر إلى الموقف والإرادة. لم تقطع دولةٌ عربية واحدة علاقاتها الدبلوماسية أو الاقتصادية مع الكيان الصهيوني احتجاجاً على مجازر لبنان، ولم يُفعَّل أي قرار جماعي لرفع الحصار السياسي والعسكري عن المقاومة.

الصمت العربي والإسلامي في هذه المرحلة لا يمثّل غياباً بريئاً؛ بل هو موقفٌ سياسي بامتياز، يُمكّن إسرائيل من مواصلة عدوانها دون ثمن إقليمي يُذكر. ويذهب المحللون إلى أنّ ثمة معادلة ضمنية قائمة بين بعض الأنظمة العربية والمشروع الصهيوني تقوم على مبدأ: "المقاومة عدوّنا المشترك"[5]، وهو ما يُفسّر عدم الاكتراث بسقوط الأبرياء في لبنان طالما أنّ المقاوم هو الطرف المُستهدف الحقيقي وراء كل هذا الدمار.

ثالثاً: سلطة تُفاوض القاتل وتُعادي المقاوم

الأكثر إيلاماً في المشهد اللبناني الراهن ليس الغارات الإسرائيلية وحدها، بل المفارقة الصارخة التي يكشف عنها الموقف الرسمي اللبناني: سلطةٌ تجلس على طاولة المفاوضات مع العدو الذي يقتل مواطنيها، وتُطالب في الوقت ذاته بنزع سلاح المقاومة التي تقف في وجه هذا العدو. إنّها معادلة ظالمة تُكافئ الجلاد وتُعاقب من يرفض الركوع.

جاء في إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل 2026 أنّ الاتفاقية تنصّ صراحةً على "الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس"[6]، أي أنّ السلطة اللبنانية وقّعت ضمنياً على شرعنة العدوان الإسرائيلي في الوقت الذي تطالب فيه بنزع سلاح المقاومة اللبنانية الوحيدة القادرة على ردّ هذا العدوان. وهذا التناقض الصارخ ليس زلّةً دبلوماسية، بل هو تعبيرٌ عن وعي سياسي طبقي يُفضّل الاستسلام المُقنَّع على المقاومة الصريحة، وهو الوعي ذاته الذي جعل بعض الأنظمة العربية ترى في حزب الله تهديداً يفوق في خطورته الاحتلال الإسرائيلي.

تاريخياً، حين وجد لبنان نفسه وحيداً في مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية — كما في 1978 و1982 و2006 — كانت المقاومة هي الرادع الوحيد الذي أجبر العدو على الانسحاب. اليوم، بدلاً من الاعتراف بهذه الحقيقة، تسعى السلطة اللبنانية إلى تسليم هذا الرادع لواشنطن وتل أبيب في مقابل هدنات ورقية تُخترق يومياً.

رابعاً: إجرام بلا عقوبة في ظل منظومة دولية مُنهارة

استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان رغم الهدنة المُعلنة يكشف عن حقيقة أعمق: أن المنظومة الدولية القائمة على ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن قد أفلست تماماً في ما يخص الكيان الصهيوني. فمنذ عقود، يتجاهل هذا الكيان عشرات القرارات الدولية — من القرار 425 إلى القرار 1701 — دون أي عقوبة تُذكر، بفضل الحماية الأمريكية المطلقة التي تجعل مجلس الأمن أداةً لتبرير العدوان لا لوقفه.

ليس مفاجئاً إذن أن تواصل إسرائيل قصف الجنوب وتدمير الجسور والبنية التحتية في وسط هدنة "مُعلنة"، ذلك أنّ الثمن الدولي المدفوع لا يزيد على بعض البيانات الخشبية التي لا تُوقف طائرةً ولا تُنقذ روحاً. المجتمع الدولي الذي يتحدث عن "القانون الدولي الإنساني" لم يتحرك أمام مجازر لبنان أكثر مما تحرّك أمام مجازر غزة، وذلك لأنّ معيار التحرك لا يقوم على الإنسانية بل على موازين القوى والمصالح الجيوسياسية.

خاتمة

لبنان يُقتل اليوم تحت مسمّى الهدنة، في مشهد يختزل الأزمة البنيوية للنظامين العربي والدولي معاً. هدنةٌ تمنح العدو وقتاً لإعادة التموضع، وصمتٌ عربي وإسلامي يُقرأ في العواصم الغربية تخلياً ضمنياً عن لبنان، وسلطةٌ لبنانية تُفاوض من يقتل ابناءها وتُعادي من يقاتل دفاعاً عنهم.

لكنّ التاريخ لا يرحم المستسلمين. فكلّ هدنة تُقرأ بعين الاستراتيجي لا تعدو كونها فصلاً في حرب أطول، وكلّ مقاومة — مهما حوصرت وعوديت — تبقى أكثر شرفاً من كل تفاوض تُبنى فيه الشروط على أشلاء الضحايا. والسؤال الذي يبقى معلّقاً في وجه السلطة اللبنانية والضمير العربي المخدَّر: إلى متى يبقى دم اللبنانيين ثمناً لهدنات تُعيد تدويرها الجريمة ذاتها؟

المصادر والهوامش

[1] وزارة الخارجية الأمريكية، إعلان وقف الأعمال العدائية لمدة عشرة أيام، 16 أبريل 2026؛ وكالة الأنباء العُمانية، "تمديد الهدنة في لبنان 45 يوماً"، 16 مايو 2026.

[2] السلطات اللبنانية، إحصاءات الضحايا المُعلنة، مايو 2026؛ وكالة فرانس برس، تقارير ميدانية من جنوب لبنان، مايو 2026.

[3] تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، 16 أبريل 2026، نقلاً عن وكالات الأنباء الدولية.

[4] تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، 16 أبريل 2026، وكالة رويترز.

[5] ناصر قنديل، "التطبيع وأوهام الأمن المشترك"، مجلة الدراسات الفلسطينية، 2024.

[6] وزارة الخارجية الأمريكية، نص إعلان وقف الأعمال العدائية، 16 أبريل 2026؛ الأجندة القانونية اللبنانية، تحليل الإعلان في ضوء القانون الدولي، 20 أبريل 2026.

الأفروسنتريك .. سرقة للحضارة وخطورة على الأمن القومي تقرير – كريمة الروبي







أثار فيلم "أسد" بطولة محمد رمضان موجة من الجدل حول علاقته بحركة "الأفروسنتريك" حيث يتهم البعض الفيلم بدعمه رواية الأفروسنتريك وهو ما نفاه مخرج الفيلم "محمد دياب" مؤكداً بأن الفيلم لا يدعم هذه الرواية بل على العكس يؤكد أن العبيد في الفيلم تم جلبهم من أفريقيا وهو ما ينسف هذا الإدعاء.

وسبق أن ثار جدل مماثل قبل نحو ثلاث سنوات، عند عرض المسلسل الوثائقي "كليوباترا" على "نتفليكس"، والذي يتبنى زعم مارتن برنال "أثينا السوداء" أن للحضارة الإغريقية أصلاً مصرياً زنجياً. ومن ثم ظهرت الملكة كليوباترا (أدت دورها الممثلة السمراء أديل جيمس) في المسلسل الوثائقي ذاك، سوداء البشرة وشعر مجعد، مع أنها من أصل مقدوني.

وقد اتهم مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، المنصة العالمية بتشويه وتزوير المعطيات التاريخية الثابتة، واعتبر البعض أنها تحاول طمس الهوية الفرعونية المصرية.. فما هي حركة الأفروسنتريك؟

ما هي حركة الأفروسنتريك؟

تأسست الأفروسنتريك أو "الحركة المركزية الإفريقية " على يد الناشط الأميركي الإفريقي الأصل موليفي أسانتي في فترة الثمانينيات، من أجل تنمية الوعي حول الثقافة الإفريقية عبر التاريخ، وتسليط الضوء حول تلك الهوية وأهميتها لاسيما في الولايات المتحدة وأوروبا.

كما تحاول نشر الوعي حول كيفية هيمنة الأوروبيين على حضارة الأفارقة، عبر الاستعمار والعبودية. وتحث كل إفريقي أو متحدر من أصول إفريقية على تقدير أصوله وتنمية وعيه ومعرفته بالحضارات الإفريقية التقليدية.

وقد نشأت الحركة بين الأمريكيين من أصل أفريقي كرد فعل لمعاناة العبودية والتهميش، وسرعان ما تحولت إلى أيديولوجية تدعي أن الحضارة الفرعونية حضارة "زنجية"، وتنفي انتماء الشعب المصري إليها، وتطالب بحقوق سياسية وقانونية زائفة ضد الدولة المصرية.

وقد كشفت دراسة علمية حديثة صادرة عن معهد التخطيط القومي بمصر عام 2024، تحت عنوان "حركة الأفروسنتريك وتأثيراتها المستقبلية على مصر.. والسيناريوهات المتوقعة والسياسات الممكنة لدعم صانع القرار"، عن تحرك منظم ومنسق يهدف إلى سرقة الحضارة المصرية القديمة وتزييف هويتها، وسط دعم دولي متزايد.

أدوات التزييف والتأثير

وفقاً لهذه الدراسة فإن الحركة لا تقتصر على الدعوات الفكرية، بل أنشأت شبكة دولية عابرة للحدود تضم جامعات وكراسي أكاديمية مثل جامعة تمبل (تأسست أول برنامج دكتوراه في الدراسات الأمريكية الأفريقية) وجامعة هوارد.

كذلك استغلال المتاحف لعرض وجهة نظر مغلوطة مثل المتحف الوطني بهولندا الذي عرض قناع توت عنخ آمون بملامح زنجية.

كما قامت بإنتاج أفلام ومسلسلات وثائقية، أبرزها فيلم "كليوباترا" على نتفلكس، الذي أثار غضبًا مصريًا رسميًا وشعبيًا. كذلك الاستعانة بموسيقى الراب والهيب هوب كأداة لنشر السردية بين الشباب.

ولم تكتف بكل هذه الأدوات الفنية والإعلامية بل قامت بإنشاء شركات اقتصادية كبرى مثل مجموعة AfroCentric التي تعمل في 14 دولة أفريقية بمجال الصحة والتأمين.

تفنيد علمي للادعاءات

اعتمدت الدراسة على تحليلات جينية وتاريخية وأنثروبولوجية، وأثبتت أن كلمة "كمت" في اللغة المصرية القديمة تعني "الأرض السوداء" نسبة لخصوبة التربة، وليس لون البشر.

كما أن الدراسات الجينية قد أظهرت تجانسًا بنسبة 97.66% بين المصريين، وأن مصر كانت ولا تزال بوتقة انصهار الجينات وليست "زنجية" بالمفهوم الأفريقي لسكان جنوب الصحراء.

وقد ترك الملك سنوسرت الثالث نصوصًا تؤكد محاربته لـ"السود" كقبائل جنوبية، مما ينفي أن يكون المصريون القدماء من نفس الأصل. أما الملكة كليوباترا فقد كانت مقدونية الملامح، وليس لها علاقة بالملامح الزنجية.

مخاطر مستقبلية

وفقاً للدراسة فإن خطورة الحركة لا تقتصر على التشويه التاريخي، بل تمتد إلى مخاطر أمنية وسياسية مثل توظيف مفاهيم "الشعوب الأصلية" و"حق العودة" و"تعويضات مالية" ضد مصر. وتأجيج ملف النوبة ومحاولة فصلها أو جعلها رافعة لمطالب سياسية.

كما أنها تتزامن مع مخططات إقليمية (إسرائيل – إثيوبيا) تستخدم يهود الفلاشا وروايات زائفة عن أصول الحضارة المصرية.

سيناريوهات متوقعة

وقد توقعت الدراسة أربعة سيناريوهات:

1- بقاء الوضع: استمرار الحركة دون مواجهة فعالة.

2- سيناريو تشاؤمي: تبني الولايات المتحدة رسميًا مطالب الحركة كورقة ضغط على مصر.

3- سيناريو كارثي: تحرك إثيوبيا وإسرائيل لدعم الانفصال النوبي وتقليص حصة مصر من المياه.

4- السيناريو المرغوب: مواجهة استباقية عبر سياسات وطنية متكاملة.

ودعت الدراسة إلى إنشاء استراتيجية قومية لمجابهة الحركة. وتوظيف أدواتها نفسها (الدراما، الموسيقى، المتاحف، وسائل التواصل) لنشر السردية المصرية الصحيحة. وتشكيل مرصد دائم بمجلس الوزراء لمتابعة أنشطة الحركة عالميًا. كذلك دعت إلى التحرك دبلوماسيًا داخل الاتحاد الأفريقي لمراجعة تعريف "المواطن الأفريقي" القائم على الأصل العرقي فقط.

هذا وقد أكدت الدراسة أن حركة الأفروسنتريك ليست مجرد أطروحات أكاديمية، بل مشروع سياسي واقتصادي وثقافي منظم، يتطلب يقظة واستعدادًا على جميع المستويات.

النفط العربي: نعمة تحوّلت نقمة كيف سرقت الثروة الشعبَ بقلم: الناصر خشيني


 في خمسينيات القرن الماضي، حين انبثق النفط من باطن الصحراء العربية، حلم الناس بغدٍ مختلف. حلموا بمدارس وأرغفة ومستشفيات، بأوطان تعيش أخيرًا على ثرواتها لا على قمحٍ مستورد ومديونية متراكمة. وجزئيًا، تحقّق بعض الحلم: قامت ناطحات السحاب في الصحراء، وشُقّت الطرق في الرمال، ونبعت المياه في أرض القيظ. لكن ما خفي كان أعظم وأمرّ: فالثروة النفطية، بدلًا من أن تكون نعمةً للشعوب، صارت أداةً في يد أنظمة استبدادية، وقودًا للحروب الداخلية، وتمويلًا للعدو الخارجي. فكيف جرى ذلك؟ وما الأرقام التي تثبته؟

أوّلًا: الثروة الهائلة — الأرقام التي تُدهش
لا يمكن فهم الجريمة إن لم نعرف أوّلًا حجم الثروة المُهدَرة. تُنتج دول مجلس التعاون الخليجي يوميًا قرابة 16 مليون برميل من النفط، وهي الأولى عالميًا في احتياطيات النفط الخام والغاز الطبيعي، فيما بلغت القيمة الإجمالية لأسواق الأسهم الخليجية نحو 4 تريليونات دولار بنهاية عام 2023 [7]. وهي ثروة لو وُزّعت على شعوب المنطقة توزيعًا عادلًا لما بقي عربيٌّ واحد تحت خطّ الفقر.
وتضمّ دول الخليج وحدها ثلث الاحتياطي العالمي من الطاقة، وتلبّي خُمس الطلب العالمي على النفط، وتنتج 444 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسوق سنويًا [6]. غير أن هذه الأرقام الفلكية تُخفي خلفها حقيقة مؤلمة: من أين ذهبت هذه الثروات؟
ثانيًا: المال النفطي وتمويل آلة الحرب الإسرائيلية
العلاقة بين الدولار النفطي والدعم الأمريكي لإسرائيل علاقة تاريخية عضوية. فمنذ السبعينيات، جرى الترتيب "البترودولاري" الشهير: يُعاد تدوير عائدات النفط الخليجي عبر الخزينة الأمريكية، وتنال إسرائيل حصّتها الكبرى.
تُعدّ إسرائيل أكبر متلقٍّ للمساعدات الأمريكية على الإطلاق، إذ بلغت ما قدمته الولايات المتحدة لها 297 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين بين عامَي 1946 و2023، في إطار مساعدات اقتصادية وعسكرية [2]. والأكثر دلالةً على هذه العلاقة هو التصاعد المطّرد في الدعم عقب كل أزمة نفطية.
بلغ مجموع المساعدات الأمريكية العسكرية لإسرائيل ما قيمته 186 مليار دولار منذ العام 1948، ويقدّر بعض الخبراء إجمالي قيمتها بعد تعديلها لمراعاة التضخم بـ310 مليارات دولار [1]. وهذا الرقم يمثّل أكثر من 55% من جميع المساعدات الأمريكية للعالم [5]. ومع كل اشتعال في غزة، تُسرَّع الدفعات؛ ففي أبريل 2024 أقرّ الكونغرس قانونًا بتقديم مساعدات عسكرية ضخمة لإسرائيل بلغت 26.4 مليار دولار، تشمل دعم أنظمة الدفاع الصاروخية والقبة الحديدية وطائرات قتالية أمريكية [3].
لا تعني هذه الأرقام أن دول الخليج تُحوّل مبلغًا بعينه لأمريكا بصكّ مباشر، لكن آليات الاقتصاد السياسي واضحة: إيداع الفوائض النفطية في السندات الأمريكية، وشراء أسلحة أمريكية مكلفة، وتدوير عائداتها نحو إسرائيل. وقد قدّر اقتصاديون أمريكيون أن الدعم الأمريكي الإجمالي للكيان الإسرائيلي كلّف دافعي الضرائب الأمريكيين قرابة 3 تريليونات دولار، وأن أكبر وعاء لامتصاص هذه التكاليف كانت أزمات احتياطي النفط المصاحبة للحروب العربية الإسرائيلية وبناء مخزون البترول الأمريكي [4].
ثالثًا: التطبيع — الطعنة التي أكملت المشهد
لم يكتفِ حكّام الخليج بالصمت عن الجرائم الإسرائيلية، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد: التطبيع الرسمي مع الاحتلال في الوقت الذي تُدكّ فيه غزة. ففي 15 سبتمبر 2020، وُقّعت اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ"اتفاقيات إبراهيم" في البيت الأبيض بين إسرائيل والإمارات والبحرين بوساطة أمريكية، وهي أوّل تطبيع عربي إسرائيلي علني في القرن الحادي والعشرين، ثم انضمت إليها المغرب والسودان [8].
وقد ألغت الإمارات على الفور قانون المقاطعة رقم 15 لسنة 1972 عبر مرسوم فيدرالي صدر في 16 أغسطس 2020، في اليوم ذاته الذي أُعلن فيه اتفاق التطبيع [10]. ونُظر إسرائيليًا إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها "تحالفًا إقليميًا" عربيًا أمريكيًا إسرائيليًا، كما أنها أسقطت الفيتو الفلسطيني على أية عملية تطبيع قبل حل القضية الفلسطينية [9].
وكان ردّ الفلسطينيين الغاضبين حاسمًا في تقييم المشهد: ففي 22 سبتمبر 2020، قررت دولة فلسطين التخلّي عن رئاسة مجلس جامعة الدول العربية ردًا على موقف الأمانة العامة الداعم للإمارات والبحرين بعد تطبيعهما مع إسرائيل [13].
رابعًا: تفكيك الأمّة — النيران المشعلة في اليمن وليبيا والسودان
إن كان النفط يموّل العدوّ الخارجي، فإنه يموّل أيضًا الحروب الداخلية التي تُنهك الجسد العربي من الداخل.
في اليمن، أطلق التحالف السعودي الإماراتي حربًا مدمّرة أدّت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث. وكشفت تحقيقات صحفية بارزة أن الإمارات دأبت على تمويل اغتيالات بدوافع سياسية في اليمن، ما ساهم في تفاقم النزاع بين الفصائل المتناحرة [12].
في ليبيا، ومنذ أكثر من عقد، تدعم أبو ظبي القوات الانفصالية أولًا في ليبيا، ثم في اليمن، ثم في السودان، ما يزيد من تفكّك العالم العربي وفق ما رصده الباحثون في العلوم السياسية [11]. وقد اتّخذت الإمارات من بنغازي مختبرًا للتعاون العسكري مع روسيا.
في السودان، شهدت العلاقات السعودية الإماراتية سنوات من التنسيق على أرضية تلاقي المصالح الاستراتيجية، تمكّن خلالها البلدان من استقدام قوات برية سودانية ضخمة لخدمة الحرب في اليمن، في حين تمدّ الإمارات قوات الدعم السريع بالدعم والتسليح [11].
هذا التدخّل في الشؤون العربية الداخلية يُفسَّر أيديولوجيًا بمحاربة الإسلام السياسي، لكنه استراتيجيًا يصبّ في خانة تفتيت الكتلة العربية وتحييدها عن القضية الفلسطينية.
خامسًا: جامعة الدول العربية — هيكل يُحاصَر بالمال الخليجي
ليست جامعة الدول العربية مستقلّة في قراراتها، وكثيرًا ما تعكس قراراتها موازين القوى المالية لا الإرادة العربية الجماعية. لقد أثبتت أحداث 2023-2024 أن المنظمة عاجزة عن اتخاذ موقف حازم من إبادة غزة، في حين سارعت بعض حكوماتها إلى تقديم ضمانات للتطبيع أو الصمت عن الجرائم.
والأدهى أن الولايات المتحدة منحت 1.338 تريليون دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 2024، كانت إسرائيل تستحوذ على 23% منها [5]. هذا الرقم يختزل الصورة كاملة: واشنطن الحليفة والممسوكة بضغوط اللوبي الإسرائيلي، والخليج الممسوك بالتبعية الأمنية لواشنطن، وجامعة عربية تُدار بالتمويل لا بالميثاق.
خاتمة: النفط لا يُلعن — السياسة تُلعن
النفط في ذاته لا وزر له. إنه مادة في باطن الأرض، لا هي تختار أصحابها ولا هي تقرر مصيرها. الوزر على من يملك القرار فوقها.
لو كانت دول الخليج ديمقراطيات حقيقية مسؤولة أمام شعوبها، لما ذهب الدولار النفطي إلى تمويل مجازر غزة، ولما أُشعلت النيران في اليمن وليبيا والسودان، ولما تحوّلت جامعة الدول العربية إلى هيكل يُحرّك بالمال الخليجي الموجَّه.
المسألة في جوهرها مسألة حوكمة ومساءلة وسيادة شعبية. وما لم تُكسر هذه الحلقة الجهنمية — حيث النفط يُموّل الاستبداد، والاستبداد يُموّل العدوّ — فإن الثروة ستبقى نقمةً مقنّعة بواجهات زجاجية لناطحات السحاب.
قائمة المراجع
[1] الجزيرة نت: "حصيلة عام من الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي لإسرائيل"، أكتوبر 2024.
https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/6
[2] وكالة الأناضول: "بيانات رسمية تكشف فجوة بين مساعدات واشنطن لفلسطين ولإسرائيل"، مايو 2024.
https://www.aa.com.tr/ar
[3] مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم: "الدعم الأمريكي لإسرائيل: رسائل ودلالات وتداعيات"، مايو 2024.
https://nvdeg.org
[4] وثيقة CIA (مكتبة أبوتباد): "التكلفة الحقيقية للدعم الأمريكي لإسرائيل"، تقرير توماس ستوفار 2003.
https://www.cia.gov/library/abbottabad-compound
[5] موقع الصفر: "أكثر الدول المتلقية للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية"، 2024.
https://alsifr.org/top10-us-aid
[6] الجزيرة نت: "حقول الطاقة في الخليج العربي — منبع وقود العالم"، موسوعة، مارس 2026.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2026/3/4
[7] الشرق الأوسط: "4.4 تريليون دولار حجم صناديق الثروة السيادية لدول الخليج"، ديسمبر 2024.
https://aawsat.com
[8] الجزيرة نت: "اتفاقيات أبراهام — موجة التطبيع العربي مع إسرائيل"، موسوعة، 2024.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2024/6/9
[9] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "تحالف في مهبّ الضربة: أبراهام بين الطموح الإسرائيلي والتحفظ الخليجي".
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1657742
[10] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "اتفاقيات أبراهام والنموذج الجديد للتطبيع".
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1656260
[11] ميدل إيست ترانسبارنت: "الاستراتيجية الانفصالية لدولة الإمارات"، مايو 2025.
https://middleeasttransparent.com/ar
[12] موقع العيام: "ما دور السعودية والإمارات في اليمن؟"، ديسمبر 2025.
https://m.alayam24.com
[13] ويكيبيديا العربية: "اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة".
https

السبت، 6 يونيو 2026

من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية بقلم: الناصر خشيني

 


لم تكن هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 مجرد انكسار عسكري عابر على جبهات القتال، بل كانت زلزالاً استراتيجياً وبنيوياً أعاد تشكيل الوعي العربي وصاغ مسارات الصراع في الشرق الأوسط لعقود طويلة [1]. واليوم، ونحن نستحضر ذكرى النكسة في ظل مشهد إقليمي شديد المعاصرة والخطورة، ندرك أن قراءة تلك المرحلة لا تجوز أن تقتصر على البكاء فوق أطلال الهزيمة، بل يجب أن تتحول إلى مختبر فكري لقراءة الحاضر واستشراف لاءات المستقبل العروبي.
من الانهيار إلى الالتفاف: الوعي الجماهيري كحائط صد
كشفت النكسة بمرارة عن فجوة هائلة في أساليب التخطيط، والتفوق التقني والاستخباراتي للعدو، والخلل البنيوي في الإدارة العسكرية العربية آنذاك [2]. لكن العبقرية الحقيقية للمشروع القومي برزت في كيفية امتصاص الصدمة؛ فخطاب التنحي التاريخي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 9 يونيو لم ينته بانسحاب القائد، بل بتفجير طاقة الرفض الشعبي الكامنة. خرجت الجماهير العربية لترفض الهزيمة، معلنةً أن سقوط الجيوش لا يعني سقوط إرادة الأمة.
هذا الالتفاف الجماهيري العفوي والمنظم مـثّل حجر الأساس لـ "مرحلة الصمود"، والتي تُرجمت سياسياً في قمة الخرطوم (أغسطس 1967)، حيث صاغ العرب جداراً صلباً تمثل في اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض [3]. كانت هذه اللاءات إعلاناً صريحاً بأن التنازل عن الحقوق التاريخية تحت وطأة السلاح أمر غير قابل للنقاش.
حرب الاستنزاف وأكتوبر 1973: كسر أسطورة التفوق
لم تقف القيادة العسكرية مكتوفة الأيدي، بل تحولت اللاءات سريعاً إلى عقيدة قتالية تجسدت في حرب الاستنزاف (1967 - 1970). نجحت هذه الحرب في تدمير مفهوم "الأمن المستدام" للاحتلال، وفرضت عليه استنزافاً بشرياً واقتصادياً متواصلاً، وتُوّجت ببناء حائط الصواريخ المعقد الذي حرم العدو من تفوقه الجوي المطلق [4].
أدت هذه المقدمات العلمية والجادة إلى ملحمة أكتوبر 1973، حيث تحطمت تحصينات خط بارليف والجولان في أكبر انهيار وجودي وعسكري شهدته إسرائيل منذ نشأتها [5]. ولم يوقف هذا الانهيار الشامل سوى التدخل الأمريكي المباشر والفوري عبر الجسر الجوي العسكري الشامل (عملية عشب النيكل)، لإنقاذ حليفتها الاستراتيجية في اللحظات الأخيرة.
مقارنة الأرقام: بين "عشب النيكل" والمدد المعاصر
إن التدخل الغربي لحماية الكيان الصهيوني ليس حدثاً طارئاً، بل هو عقيدة إمبراطورية ثابتة تطورت لغتها الإحصائية عبر الزمن بكثافة مرعبة:
  • عام 1973 (عملية عشب النيكل): شحنت واشنطن حوالي 22,325 طناً من الدبابات والمدفعية والذخائر عبر طائرات "سي-5 غالاكسي" و"سي-141"، بالإضافة إلى 560 ألف طن شُحنت بحراً، بكلفة ناهزت 2.2 مليار دولار آنذاك لإنقاذ جيش الاحتلال من الانهيار الكلي [6].
  • الدعم العسكري المعاصر (المعركة الحالية): تجاوز الدعم الأمريكي كل الخطوط القياسية السابقة؛ حيث رصدت واشنطن حزم مساعدات عسكرية تجاوزت 17.9 مليار دولار في عام واحد من الحرب، تضمنت تشغيل جسور جوية ممتدة نقلت عشرات الآلاف من القنابل الموجهة بدقة (مثل GBU-39 وMK-84) وقذائف المدفعية، فضلاً عن النشر المباشر لحاملات الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة (مثل ثاد تلو الآخر) باعتراف البنتاغون لحماية العمق الإسرائيلي من الهجمات الإقليمية ومسيرات المقاومة الصامدة [7].
يكشف هذا التطور الرقمي أن واشنطن لم تعد تكتفي بدور "المموِّل العسكري الحليف" كما في 1973، بل تحولت إلى شريك عملياتي مباشر في إدارة الميدان وخوض الحرب الإقليمية بالوكالة لحماية منظومة الردع الإسرائيلية المتآكلة.
القواعد الأمريكية: وهم الحماية واستنزاف الثروات
عند إسقاط دروس الماضي على واقعنا الراهن، نجد أن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة ما زالت محكومة بنفس الثوابت الاستعمارية. إن الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في المنطقة، والذي تم تبريره لسنوات طويلة تحت لافتة "حماية العروش وأنظمة الحكم"، لم يكن يوماً لصالح الاستقرار العربي.
لقد أثبتت المحطات التاريخية الصعبة، وصولاً إلى موجات التصعيد الراهنة والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة مع إيران، أن هذه الترسانات الممتدة والمدفوعة بـ "ترليونات الدولارات" من ثروات الأمة، صُممت بالأساس لخدمة هدفين لا ثالث لهما:
  1. حماية الأمن الوجودي لإسرائيل: وضمان تفوقها العسكري النوعي على محيطها، واعتراض أي تهديد يطال عمقها الاستراتيجي عبر شبكات الرادارات والقواعد المنتشرة.
  2. استنزاف ورهن الموارد العربية: وإبقاء القرار السياسي الإقليمي تابعاً للمظلة الغربية، وتجريد الدول من مقومات الدفاع الذاتي المستقل [7].
الدرس المستفاد: المقاومة كبديل تاريخي
إن الدرس الأبرز المستوحى من روح حزيران، والذي تعيد المقاومة الباسلة في غزة وفلسطين ولبنان واليمن والعراق كتابته بدمائها اليوم، هو أن توازن القوى لا تصنعه الترسانات التكنولوجية وحدها، بل تصنعه "عدالة القضية وعقيدة الصمود".
تماماً كما تحولت نكسة الجيوش عام 1967 إلى طاقة استنزاف ومواجهة شاملة، يثبت الواقع المعاصر أن الرهان على التحالفات الغربية والمظلات الأمريكية لحماية العروش ما هو إلا وهم مكلف. إن المظلة الوحيدة الحقيقية هي التلاحم الشعبي، وبناء القوة الذاتية المستقلة، والتمسك بخيار المقاومة الشاملة لكسر أوهام الهيمنة وتغيير الموازين المفروضة على الأمة منذ عقود.

الهامش والمراجع :
  • [1] الناصر خشيني: قراءات في فكر حزيران وتداعيات النكسة، أرشيف دراسات دنيا الرأي.
  • [2] محمد حسنين هيكل: الانفجار 1967 - حرب الثلاثين سنة، مركز الأهرام للترجمة والنشر.
  • [3] وثائق جامعة الدول العربية: قرارات ومخرجات قمة الخرطوم (مؤتمر اللاءات الثلاث)، أغسطس 1967.
  • [4] الفريق أول محمد فوزي: حرب الاستنزاف 1967 - 1970، مذكرات وزير الحربية المصري الأسبق.
  • [5] المشير أحمد إسماعيل: التوجيه الاستراتيجي وحرب أكتوبر (وثائق عسكرية ومذكرات رسمية).
  • [6] تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون): سجلات عملية الجسر الجوي "عشب النيكل" (Operation Nickel Grass 1973)، الأرشيف العسكري.
  • [7] نوام تشومسكي: الهيمنة أم البقاء - السعي الأمريكي نحو السيطرة العالمية، دراسات في الجيوسياسية الشرق أوسطية (محدث ببيانات تمويل 

الجمعة، 5 يونيو 2026

المحامية نادية الشواشي تكشف حقائق مثيرة تتعلق بقضية فرار خمسة إرهابيين من سجن المرناقية.

 نقلا من هذا الموقع https://tunisie-telegraph.com/a-la-une-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/terroriste-tunisie/


كشفت المحامية نادية الشواشي، المكلفة بالدفاع عن بعض المتهمين في ملف فرار مساجين إرهابيين من السجن المدني بالمرناقية، عن عدد من الحقائق التي تسلط الضوء على واقع المؤسسات السجنية في تونس، مشيرة إلى نقص الإمكانيات المادية والبشرية، وتعقيدات التعامل مع المعتقلين من ذوي الخبرة في الأعمال الإرهابية.

وأوضحت الشواشي أن أحد المتهمين، ويدعى عامر البلعزي، أظهر قدرات غير عادية في استخدام وسائل بسيطة لفتح الأبواب، وأطلق عليه القضاء لقب “ماك غيفر” بسبب دهائه في التعامل مع الحديد والأقفال. وأضافت أن الموقوفين الإرهابيين غالبًا ما يكونون على وعي كامل بثغرات النظام، ما يزيد من صعوبة التحكم فيهم داخل السجون، مؤكدة أن نقص الإمكانيات لدى الإطارات المسؤولة يضعهم أحيانًا أمام مواقف صعبة جدًا.        وقالت الشواشي: “الطفل الذي لا تحتضنه القرية يصبح وحشًا من وحوش غابتها… ليت دولتنا استقطبتهم قبل أن يحولهم الإرهاب إلى خطر على المجتمع.”

وأشارت إلى أن بعض المسؤولين الأمنيين كانوا مهددين بالتصفية من قبل الإرهابيين، وأن المراقبة الدقيقة للمعتقلين غالبًا ما تتحول إلى إجراءات قاسية، مثل التفتيش العميق المتكرر، ما يؤثر على حياتهم الشخصية وعائلاتهم، مؤكدة أن بعض الإفادات التي قدمها المتهمون تحتوي على مغالطات، أدت إلى تحميل آخرين مسؤوليات غير مباشرة » في الملف هذا الي وجعني على بلادي تاكل في رجالها ….صرح عامر البلعزي انه صرح بما صرح به من مغالطات وورط ناس باش حتى هوما يتفتشو تفتيش عميق ..وياكلو الصبة ويحسبوهم مرتين في النهار ويتحرمو من حياتهم الخاصة وعايلاتهم... »                    وكانت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس قد قررت تأخير النظر في قضية فرار خمسة مساجين إرهابيين خطيرين من سجن المرناقية إلى جلسة يوم الغد الجمعة 16 جانفي 2026، لتخصيصها لمرافعات المحامين قبل التصريح بالحكم لاحقًا.

وخلال جلسة أول أمس الثلاثاء، استكملت المحكمة استنطاق المتهمين سواء الموقوفين أو المحالين بحالة سراح، وتواصلت الاستنطاقات إلى ساعة متأخرة من الليل، وتشمل القضية أكثر من أربعين متهماً، بينهم أعوان وإطارات من الهيئة العامة للسجون.

الفجوة المعرفية بين كمال التنزيل وأسطرة "الْوَحْيِ الثَّانِي بقلم الناصر خشيني




​لم يكن القرآن الكريم مجرد كتاب ديني هبط في بقعة جغرافية محددة، بل كان إعلاناً إلهياً حاسماً بانتهاء عهد الوصاية الكهنوتية، وانبثاقاً لـ "طَور الرُّشد البشري". فقد جاء النص القرآني متسقاً مع النضج العقلاني والحضاري الذي بلغتْه الإنسانية إبان ظهور الرسالة المحمّدية؛ فخاطب العقل، وحث على السير في الأرض، وحرّر الوجدان من ربقة الميثولوجيا (الأساطير) القديمة، مقدماً منظومة قيمية وتشريعية تتسم بالمرونة، والسمو، والتنزّه التام عن التشبيه أو التجسيم.

​لكن المأساة التاريخية الكبرى تكمن في ذلك "التناقض الفظيع" والبون الشاسع بين جوهر هذا التنزيل الحكيم، وبين ما صُنِع لاحقاً في مختبرات التراث البشري وتدثّر زوراً بعباءة القداسة تحت مسمى "الوحي الثاني". فما إن انقطع الوحي الشفهي برحيل الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى انفتحت الأبواب أمام حركة تحريف ممنهجة، تضافرت فيها المصالح السياسية للسلطة الناشئة مع الخلفيات الثقافية والدينية الوافدة من الموروثات التلمودية، والمدراشية، والقصص الكنسي القديم.

​هذا التسلل الممنهج لم يقف عند حدود رواية الحديث النبوي فحسب، بل حوّل منظومة "التراث" بكافة تجلياتها إلى ساحة لإنتاج التناقضات:

  • ​في الحديث والسيرة: اسْتُبْدِلتْ شخصية الرسول الإنسانية الرسالية، الشاهدة والمبشرة والنذيرة، بشخصية أسطورية محاطة بخرافات الملاحم والغيبيات الشعبية، والدموية أحياناً، لتوافق النبوءات الإسرائيلية القديمة.
  • ​في التفسير والفقه: عُطِّلت المقاصد القرآنية الكبرى لحساب تفاصيل فقهية طقوسية ضيقة، وتأويلات قائمة على الروايات التوراتية الوعظية (الإسرائيليات) التي حُشيت بها أمهات كتب التفسير بالمأثور، حتى صُيِّر الدِّين أغلالاً وإصراً بعد أن جاء ليضعها عن البشر.

​إن هذا الركام التراثي الذي يُدافع عنه "أهل العنعنات" اليوم باعتباره ديناً، لا يمثل حقيقة الإسلام، بل يمثل ارتداداً معرفياً عن "طور الرشد" الذي أسسه القرآن، وعودةً بالبشرية إلى طفولتها الفكرية حيث تروج الخرافة، وينتعش الكهنوت، ويُحجر على العقل؛ وهو ما يستلزم قراءة تفكيكية صارمة لمعرفة الأيدي الخفية التي صاغت هذا التحول، وعلى رأسها الأحبار والموالي الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الاختراق.

​الأربعين يهودياً الذين اخترعوا للمتأسلمين (وحيهم الثاني)

​الكاتب الأصلي: د. زهير جمعة المالكي (مع التوسع العلمي والتوثيق التراثي والحديث)

​لو رجع أهل العنعنات والروايات المذهبية إلى أمهات كتبهم في الجرح والتعديل والتاريخ، لعرفوا بدقة من الذي وضع لهم أسس (وحيهم الثاني) وصاغ لهم الروايات التي نُسبت لاحقاً إلى الرسول. هذا التراث الذي يُحارب الكثيرون اليوم من أجل الحفاظ عليه واعتباره مقدساً موازياً للقرآن، إنما تشكلت نواته الأولى ومساراته العقائدية والتفسيرية على يد مجموعة من الأحبار، والموالي، ومسلمة أهل الكتاب، والقصاصين [1].

​فيما يلي تفصيل وتوسع في الشخصيات الأربعين التي رسمت ملامح هذا التحول التراثي:

​أولاً: رؤوس الأحبار ومخططو الاختراق العقدي والسياسي

​1. أبو السمؤال الجليلي

​كبير أحبار الشام في عصره، وهو من الشخصيات التي تذكر القراءات النقدية للتراث أنه لم يسلم حقيقةً بل ظل متمسكاً بخلفيته المعرفية حتى زمن معاوية بن أبي سفيان [2]. يُنظر إليه في القراءات التفكيكية باعتباره واضع اللبنة الأولى والمهندس الخفي لخطة إدخال "التلموديات" (الروايات والقصص المستمدة من التلمود والمدراش اليهودي) في التراث الإسلامي عبر تلاميذه [3].

​2. ذو قرنات بفتحات الحميري

​من أحبار اليمن البارزين الذين تصفهم الروايات التراثية بعمق المعرفة، حتى إن كعب الأحبار نفسه قال عنه إنه «أعلم الناس» [4]. تنسب إليه المدارس النقدية دوراً محورياً في صياغة الروايات الأولى التي بررت قمع حروب الردة وتثبيت الرؤية السياسية لانتقال السلطة في الدولة الناشئة. كما زار الشام وكان حلقة الوصل في تأسيس مدرسة "القصاصين" في بلاط معاوية بن أبي سفيان لتحشيد الدعم الأيديولوجي لبني أمية [5].

​3. كعب بن ماتع (كعب الأحبار)

​أشهر أحبار اليهود الذين أعلنوا إسلامهم في عهد عمر بن الخطاب. كان تلميذاً لأبي السمؤال الجليلي، وتحول سريعاً إلى مستشار مقرب في الشؤون القصصية والغيبيات في المدينة والشام [6]. يُعد كعب الأحبار القناة الرئيسية التي تدفقت عبرها الإسرائيليات إلى الصحابة؛ حيث كان أستاذاً مباشراً تلقى عنه مكثرون من الرواية مثل أبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص [7]. من خلاله، تسللت مفاهيم التجسيم (تجسيد الذات الإلهية)، وخرافات "أرض الميعاد"، وتفاصيل "عذاب القبر" التي لم ترد في القرآن بتلك التفاصيل الأسطورية [8].

​4. تميم بن أوس الداري

​راهب مسيحي وقيل إنه كان على دراية بالكتب القديمة والمتاجرة بالخمر قبل إسلامه [9]. هو أول من سمح له عمر بن الخطاب بـ "القصص" وإلقاء المواعظ في المسجد النبوي يوماً في الأسبوع، وزادها عثمان بن عفان إلى يومين [10]. يُعد تميم الداري الصانع الأول في الرواية الإسلامية لخرافة "المسيح الدجال" وأسطورة دابة "الجساسة" في جزيرة غامضة، وهي الرواية التي رواها عنه النبي نفسه فيما يُعرف بحديث الجساسة الشهير، مما يوضح حجم تغلغل قصصه في الرواية [11].

​5. عبد الله بن سلام

​من أحبار يهود بني قينقاع في المدينة. حاول إضفاء الشرعية التنبؤية على نفسه داخل النص القرآني, فادعى (وادعى له الرواة لاحقاً) أن آيات مثل: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (الرعد: 43) وآية {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} (الأحقاف: 10) قد نزلتا فيه مكافأة له على إسلامه [12]. وجه الإشكال والمغالطة التاريخية هنا هو أن هاتين السورتين (الرعد والأحقاف) هما سورتان مكيّتان بالإجماع أو الغالب، في حين أن عبد الله بن سلام لم يسلم ولم يسمع به المسلمون إلا بعد الهجرة إلى المدينة، مما يكشف عن عملية "صناعة أسباب نزول" بأثر رجعي لرفع مكانة الأحبار [13].

​ثانياً: فقهاء ومؤرخو مدرسة الأثر والإسرائيليات

​6. زيد بن ثابت

​رغم مكانته الكبيرة في جمع القرآن، إلا أن المدارس النقدية تشير إلى خلفيته المعرفية وثقافته اليهودية؛ حيث تعلم كتابة اليهود (السريانية أو العبرية) في مدارس "بيت المدارس" بالمدينة في أيام معدودة بأمر النبي [14]. يُعزى إليه تأسيس "علم الفروض" (توزيع المواريث) بناءً على آراء واجتهادات حسابية وتنظيمية تأثرت بالمنظومة القانونية السائدة في يثرب، وتوسعت في تفاصيل لم ينص عليها النص القرآني المباشر [15].

​7. تبيع بن عامر الحميري

​ابن زوجة كعب الأحبار، وتربى في حجر الصانع الأكبر للإسرائيليات. عُرف في كتب التراث بلقب "تبيع صاحب الملاحم" لشدة ولعه بنقل نبوءات كتب أهل الكتاب حول الحروب والفتن المستقبلية [16]. شارك بشكل موسع في صياغة الملامح الأسطورية لـ "مغازي الرسول" وسيرته الشعبية، محولاً معارك الإسلام الأولى من سياقها التاريخي الواقعي إلى معارك كونية ملحمية تشبه أساطير العهد القديم [17].

​8. وهب بن منبه

​أحد التابعين من أهل اليمن، ذو أصول فارسية ويهودية مشتركة. كان متبحراً في كتب الأوائل، ووصفه المحدث المؤرخ محمد رشيد رضا (صاحب تفسير المنار) مع كعب الأحبار بأنهما "منبع الإسرائيليات" ومفسدي التراث التفسيري [18]. يُعد وهب من أوائل من نظروا ونشروا عقيدة "الجبرية" (أن الإنسان مسير لا مخير في أفعاله) مستنداً إلى رؤى توراتية قديمة وظفها بني أمية سياسياً لشرعنة حكمهم [19].

​9. همام بن منبه

​شقيق وهب بن منبه وتلميذ أبي هريرة. وضع ما عُرف بـ "صحيفة همام بن منبه" والتي تُعد من أقدم المدونات الحديثية. امتلأت هذه الصحيفة بروايات التجسيم والتشبيه المستعارة مباشرة من سفر التكوين والتلمود، ومن أشهرها حديث: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً»، وهو انعكاس صارخ للفكر الأنثروبومورفي (أنسنة الإله) اليهودي [20].

​10. عبد الصمد بن معقل بن منبه

​ابن أخي همام ووهب، دار في ذات الفلك العائلي وحمل ذات الإرث المعرفي المعتمد على روايات وقصص أهل الكتاب، ونقلها إلى أجيال المحدثين اللاحقين باعتبارها سنناً مأثورة [21].

​11. عبد المنعم بن إدريس بن سنان اليماني

​ابن بنت وهب بن منبه. كان يروي عن جده قصص الأنبياء ومبتدأ الخلق. ضعفه أئمة الجرح والتعديل مثل الإمام أحمد وابن معين، ووصفوه بأنه "كذاب يضع الحديث" ويختلق الروايات التاريخية والقصصية بالاعتماد على كتب الإسرائيليات الضائعة [22].

​12. محمد بن إسحاق بن يسار

​صاحب "المغازي والسير" وإمام السيرة النبوية. كان جده "يسار" من سبايا عين التمر (المسيحيين أو اليهود). طعن فيه معاصروه مثل الإمام مالك بن أنس ووصفه بأنه "دجال من الدجاجلة" لأنه كان ينقل أخبار المغازي والقصص عن أولاد يهود المدينة (مثل أبناء كعب القرظي) ويضمنها في تاريخ الإسلام دون تثبت [23].

​ثالثاً: ناقلو الأساطير وصانعو المرويات الغيبية

​13. أبو الجلد الجوني

​جيلان بن فروة الأسدي (أو البصري)، كان قارئاً مواظباً للكتب القديمة (التوراة والزبور والكتب المنسوبة للأنبياء) [24]. اعتبره المحدثون "ثقة" في روايته، لكن هذه الوثاقة كانت الغطاء الذي مرر من خلاله تفاصيل غيبية هائلة عن بدء الخلق والملائكة ونهاية العالم إلى التابعين في البصرة [25].

​14. أهبان اليهودي

​شخصية ارتبط اسمها بوضع المرويات الإعجازية الشعبية، وتحديداً أسطورة "حديث الذئب" الذي تكلم وتنبأ ببعثة النبي، وهي من الروايات التي وُضعت لتعويض النقص في المعجزات المادية الحية في العهد المدني [26].

​15. بستاني الإسرائيلي

​شخصية مغمورة في أسانيد بعض كتب التفسير بالمأثور، يُنسب إليه وضع وتفصيل أسماء النجوم الأحد عشر التي رآها النبي يوسف في منامه مسمياً إياها بأسماء عبرية وتلمودية غريبة لا أصل لها في النص القرآني [27].

​16. تميمة بنت وهب القرظية

​امرأة من بقايا يهود بني قريظة. نُسب إليها وضع الحديث الشهير في الأحوال الشخصية والطلاق: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، والذي أسس لتشريع "المحلل" وشرائطه الفقهية المعقدة في الفقه الإسلامي [28].

​17. جبل بن جوال الثعلبي

​شاعر يهودي أسلم لاحقاً. كان متغلغلاً في الأحداث السياسية لتهجير وإبادة يهود يثرب، وتُشير القراءات النقدية إلى إسهامه في صياغة الأرقام والتفاصيل الأسطورية والمأساوية المحيطة بـ "مذبحة بني قريظة"، حيث ظل يرثي حيي بن أخطب وكبار اليهود ويبث الحكايات الداخلية التي تحولت إلى حقائق تاريخية في كتب السير [29].

​18. أسد بن كعب

​من مسلمة اليهود الذين ساهموا في صياغة نبوءات البشارة؛ حيث اخترع أو نقل قصة الحبر اليهودي "ابن الهيبان" الذي قدم من الشام إلى المدينة قبل البعثة وبشر اليهود بأن نبياً سيبعث "بسفك الدماء وسبي الذراري"، وهي مرويات صبغت الدين الجديد بصبغة عنيفة توافق التصورات التوراتية عن نبي الملحمة [30].

​19. محمد بن مسلمة

​الأنصاري الذي تولى العمليات الأمنية والاغتيالات السياسية في العهد النبوي (مثل قصة اغتيال كعب بن الأشرف). تشير الروايات التاريخية إلى حذر الإمام علي بن أبي طالب منه وموقف علي الصارم تجاهه؛ حيث يروي ابن قتيبة في "الإمامة والسياسة" أن علياً قال: «وذُنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلتُ أخاه يوم خيبر: مَرحَب اليهودي»، في إشارة رمزية أو حقيقية إلى الروابط والخلفيات المعرفية والاجتماعية التي تحكمت في مواقف بعض الشخصيات [31].

​20. ثعلبة بن قيس

​من يهود المدينة الذين دخلوا الإسلام ظاهرياً أو تأخروا، وشاركوا في نقل المرويات المحلية والأعراف التلمودية السائدة في يثرب وصياغتها في قالب أحاديث نبوية شفهية [32].

​21. يامين بن عمير بن كعب النضري

​أحد أحبار بني النضير وبيت "المدراش" (بيت همدراش - بيت تدارس التوراة). أسلم وحافظ على ثروته المعرفية، وكان مصدراً أساسياً للأخبار التاريخية المتعلقة بالصراع اليهودي الإسلامي ومؤامرات المدينة في كتب ابن إسحاق والواقدي [33].

​رابعاً: الموالي والمدونون الأوائل والثقافة المترجمة

​22. ابن جريج (عبد الملك بن عبد العزيز)

​أول من دون العلم وصنف التصانيف بمكة. كان جده "جريج" (جورجيوس) عبداً رومياً أو نصرانياً لأم حبيب بنت جبير. اعتمد ابن جريج في تدوينه على التوسع والرواية المرسلة، وأدخل في تفسيره ومصنفاته الكثير من مرويات أهل الكتاب النصرانية واليهودية حول مريم وعيسى وقصص الأنبياء [34].

​23. جريجرة اليهودي

​من الشخصيات النقلية الشامية التي نشطت في الترويج لفكرة "مركزية الشام" وأسطورية الأرض المقدسة، مساهماً في نشر عقيدة أن "أرض الميعاد التوراتية" هي ذاتها الأرض المباركة التي يجب أن تتمحور حولها الخلافة الإسلامية الأموية [35].

​24. محمد بن كعب القرظي

​كان أبوه كعب من سبايا بني قريظة الذين لم يُقتلوا لصغر سنهم، وأمه من بني النضير. سكن الكوفة ثم المدينة، وكان مفسراً ممتلئاً بالثقافة التلمودية العائلية، وقُبلت تفسيراته الغيبية للقرآن في كتب الطبري وابن كثير بلا مراجعة لخلفيته العائلية النضيرية-القرظية [36].

​25. نوف بن فضالة البكالي

​ابن زوجة كعب الأحبار (حميري الشام). كان قاصاً لبلاد الشام، ومثل أبيه الروحي كعب، كان يقول: «إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء»، في إشارة صريحة إلى استخدام "الكتب القديمة" (التي يسميها كتاب الله) للتنبؤ السياسي وتوجيه الصراعات داخل الأمة [37].

​26. محمد بن سيرين

​إمام التابعين في البصرة، وكان أبوه سريناً من سبايا عين التمر. يُعد ابن سيرين البوابة التشريعية الأولى التي أدخلت ثقافة "تأويل الأحلام" والغيبيات المنامية إلى صلب الشريعة الإسلامية، مقتبساً طرق التأويل والرموز من الأدبيات البابلية واليهودية القديمة المحيطة بالعراق [38].

​27. موسى بن نصِير

​القائد العسكري الشهير، والده نصير كان من سبايا عين التمر أيضاً. تشير الروايات النقدية إلى دور عائلته ومواليه في تمرير الكثير من الثقافات المترجمة؛ حيث نُسبت إلى أمه "النابغة" خطوط اجتماعية وثقافية أثرت في البيئة السياسية الأموية [39].

​28. يوسف بن الزبير المكي

​مولى آل الزبير، كان يهودياً فأسلم، وكان رضيعاً للخليفة عبد الملك بن مروان. كان يقرأ الكتب القديمة، ويُعد من القنوات السرية التي غذت البلاط الأموي بالرؤى التنبؤية والقصص التاريخية الإسرائيلية [40].

​29. حمران بن أبان

​مولى عثمان بن عفان، وأصله من سبايا عين التمر (من أصول مسيحية أو يهودية). يُنظر إليه نقدياً باعتباره مخترع أو الصائغ الأساسي للتفاصيل الطقوسية المعقدة في "حديث وضوء النبي" (الصفة الثلاثية والترتيب)، وهي طقوس طهارة بابلية وتلمودية نُقلت بدقة إلى الفقه الإسلامي [41].

​خامساً: الموالي والقصاصون وصانعو الملاحم والأساطير

​30. أبو عمرة (مولى الأنصار)

​من الموالي الذين الروابط الاجتماعية ومجتمع المدينة عُبِّدت لهم الطريق ليكونوا حلقة الوصل في نقل الإرث الثقافي غير العربي وتضمينه في الأحاديث اليومية للصحابة [42].

​31. عبد الأعلى بن أبي عمرة

​زوج أخت موسى بن نصير. من رواد الميثولوجيا (الأساطير) الغيبية؛ حيث يُنسب إليه وضع الحديث الفلكي الأسطوري الذي يقول: «إن المجرة التي في السماء هي عرق الأفعى التي تحت العرش»، وهو تصور كوني مأخوذ بالكامل من الأساطير البابلية واليهودية القديمة حول التنانين والحيَّات الكونية [43].

​32. أبو عبيد (مولى المعلى)

​من التابعين من الموالي الذين نقلوا الروايات والسنن الفقهية المتاخمة للثقافات المجاورة في العهد الأموي والمدني [44].

​33. عبيد بن حنين

​مولى زيد بن الخطاب، كان يروي عن أبي هريرة وزيد بن ثابت، ويُعد من القنوات النشطة في تمرير أحاديث الصفات والقصص التفسيرية ذات الطابع التجسيمي [45].

​34. أفلح (مولى أبي أيوب الأنصاري)

​تابع ومولى، نقل مرويات البيئة المدنية المتأثرة بالثقافة اليهودية السائدة قبل الإسلام [46].

​35. مغيث بن سمي الأوزاعي

​أبو أيوب الشامي، من كبار القصاصين والمحدثين في الشام، عُرف بتبحره في "الكتب المتقدمة" (التوراة والكتب القديمة)، وكان يحدّث بما يجد فيها من الملاحم والفتن وأمور آخر العالم في بلاط الخلفاء [47].

​36. عبد الله بن رباح الأنصاري

​قاص ومحدث مدني ثم بصري، كان يجمع بين القصص الوعظي المستند إلى خلفيات أهل الكتاب والرواية المأثورة [48].

​37. عبيد الله بن رباح

​شقيق عبد الله، سار في نفس المسار الروائي التابع لمدرسة القصاصين والموالي الذين شكلوا الوجدان العام للعامة عبر الحكايات الغيبية [49].

​38. كيسان أبو فروة

​من سبايا عين التمر. اشتراه عثمان بن عفان ثم أعتقه وجعله حافراً للقبور في المدينة. أسس كيسان عائلة روائية كاملة (آل أبي فروة) تخصصت في صياغة ونقل مرويات التفسير والحديث والمغازي تحت رعاية أموية [50].

​39. عبد الله بن كيسان

​ابن أبي فروة، أكمل مسيرة والده في الرواية والاندماج في الآلة الإعلامية الأموية لصناعة الأحاديث والسنن [51].

​40. الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة

​حفيد كيسان، وأحد أقوى رجال الدولة العباسية (حاجب المنصور والمهدي). يمثل هذا الخط العائلي ذروة تحول الموالي من سبايا عين التمر إلى صُناع القرار السياسي والمدونين الكبار للتراث الإسلامي، مكرسين المنظومة الروائية (الوحى الثاني) التي صيغت عبر أجيال من أصول غير عربية ممتلئة بالثقافات الإسرائيلية القديمة [52].

​الهوامش والمراجع والتخريج التراثي

​[1] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج 1، ص 9-11 (الكلام عن إفساد الإسرائيليات للتفسير).

[2] ابن عساكر، تاريخ دمشق، دار الفكر، ج 68، ص 112 (ترجمة الأحبار في الشام).

[3] محمود أبو رية، أضواء على السنة النبوية، دار المعارف، ط 5، ص 145-148 (تسلل التلموديات).

[4] ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، دار صادر، ج 8، ص 413 (أخبار أحبار اليمن).

[5] الذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، ج 3، ص 489 (تأسيس مدرسة القصاصين).

[6] ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر، ج 7، ص 445 (ترجمة كعب الأحبار).

[7] ابن كثير، البداية والنهاية، دار هجر، ج 8، ص 114 (أخذ الصحابة عن كعب).

[8] محمود أبو رية، شيخ المضيرة أبو هريرة، دار المعارف، ص 110-115 (أثر كعب في التجسيم وعذاب القبر).

[9] ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، دار الجيل، ج 1، ص 192 (ترجمة تميم الداري وقصة الخمر).

[10] السيوطي، تاريخ الخلفاء، دار القلم، ص 134 (أولية القصص في المسجد).

[11] صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، حديث رقم 2942.

[12] الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، دار هجر، ج 16، ص 481؛ وج 22، ص 102.

[13] ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، ج 4، ص 312 (نقد مكيّة الآيات ونزولها في ابن سلام).

[14] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب ترجمة الحكام، حديث رقم 7193 (تعلم زيد كتابة اليهود).

[15] ابن قتيبة الدينوري، المعارف، دار الكتب العلمية، ص 243 (تأسيس زيد لعلم الفروض).

[16] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 122 (ترجمة تبيع صاحب الملاحم).

[17] ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 476.

[18] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 4، ص 234 (منبع الإسرائيليات).

[19] المقريزي، الخطط المقريزية (المواعظ والاعتبار)، دار الكتب العلمية، ج 3، ص 356 (نشأة الجبرية والسياسة).

[20] صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، حديث رقم 6227 (حديث خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً).

[21] ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، ج 6، ص 54.

[22] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي، ج 13، ص 441 (ترجمة عبد المنعم بن إدريس وتكذيبه).

[23] الذهبي splinter، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، دار المعرفة، ج 3، ص 468 (طعن مالك في ابن إسحاق وروايته عن اليهود).

[24] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 7، ص 213 (ترجمة جيلان بن فروة أبو الجلد).

[25] ابن حجر، تقريب التهذيب، دار الرشيد، ص 142 (رتبة أبي الجلد).

[26] الإمام أحمد، مسند أحمد بن حنبل، مسند أبي سعيد الخدري، حديث رقم 11779 (حديث كلام الذئب).

[27] الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، ج 5، ص 201 (ذكر أسماء النجوم عن بستاني الإسرائيلي).

[28] صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب لعن المحلل والمحلل له، وحديث تميمة (عسيلتك).

[29] الواقدي، كتاب المغازي، دار الأعلمي، ج 2، ص 512 (أشعار وروايات جبل بن جوال في بني قريظة).

[30] ابن هشام، السيرة النبوية، دار القلم، ج 1، ص 211 (قصة ابن الهيبان ونبوءة سفك الدماء).

[31] ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، دار الأضواء، ج 1، ص 68 (موقف علي من محمد بن مسلمة وقصة خيبر).

[32] ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 453.

[33] البلاذري، أنساب الأشراف، دار اليقظة، ج 1، ص 344 (أخبار يامين بن عمير النضري).

[34] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 325 (ترجمة ابن جريج وأوليته في التدوين).

[35] ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج 11، ص 392 (مرويات جريجرة اليهودي في الشام).

[36] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 361 (ترجمة محمد بن كعب القرظي ونسبه).

[37] ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 10، ص 432 (ترجمة نوف البكالي ومروياته التنبؤية).

[38] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 606 (ترجمة ابن سيرين وسبي عين التمر وتأويل الأحلام).

[39] ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة، ج 2، ص 12 (أصول موسى بن نصير).

[40] المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، مؤسسة الرسالة, ج 32، ص 214 (ترجمة يوسف بن الزبير).

[41] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، رواية حمران عن عثمان، حديث رقم 159.

[42] ابن حجر، الإصابة، ج 7، ص 281 (ترجمة أبي عمرة مولى الأنصار).

[43] الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 124؛ والسيوطي، الدر المنثور، ج 1، ص 89 (حديث المجرة وعرق الأفعى الكونية).

[44] ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج 9، ص 411.

[45] البخاري، التاريخ الكبير، دار دائرة المعارف العثمانية، ج 5، ص 376 (ترجمة عبيد بن حنين).

[46] ابن حبان، كتاب الثقات، دار الكتب العلمية، ج 4، ص 53.

[47] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 278 (ترجمة مغيث بن سمي الأوزاعي وقراءته للكتب القديمة).

[48] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 288.

[49] المزي، تهذيب الكمال، ج 19، ص 41.

[50] ابن قتيبة، المعارف، ص 311 (قصة كيسان أبي فروة وحفر القبور وسبي عين التمر).

[51] الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، ص 472 (ترجمة عبد الله بن كيسان آل أبي فروة).

[52] الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، ج 8، ص 143 (دور الربيع بن يونس في الدولة العباسية ونفوذ آل أبي فروة).

 

توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلطانية بقلم الناصر خشيني

مدخل: التراث بين التقديس والنقد حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالر...