السبت، 25 يوليو 2026

ظاهرة الشيخ الشعراوي: قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي بقلم الناصر خشيني

 


 مقدمة: صناعة الوعي الزائف وتخدير الجماهير

لا يمكن فصل صعود ظاهرة الشيخ محمد متولي الشعراوي عن السياق التاريخي والسياسي الذي عاشته الأمة العربية بعد منتصف السبعينيات. ففي الوقت الذي تراجعت فيه المدود القومية والاشتراكية، جرى توظيف "الدعاة" كأدوات لتمرير سياسات الانفتاح الاقتصادي، والصلح مع الكيان الصهيوني، وضرب القوى التقدمية. اتسم الشعراوي بأسلوب مسرحي يعتمد على التمثيل الدقيق والتلاعب بالعبارات لامتصاص الصدمات السياسية وتحويل الأزمات البنيوية والمصيرية إلى قضايا غيبية تُحل بالاستسلام والقدرية.

أولاً: نكسة 1967 وسجود الشكر (تكريس الهزيمة النفسية)
يُعد موقف الشعراوي بالسجود شكراً لله فور سماعه بنبأ هزيمة يونيو 1967 مؤشراً خطيراً على طبيعة الفكر الرجعي الذي يمثله:
  • مناهضة المشروع التحرري: برر الشعراوي سجوده بأنه شكر لعدم انتصار مصر وهي في أحضان "الشيوعية"، وهو تبرير يخدم مباشرة البروباغندا الإمبريالية.
  • ضرب معنويات الأمة: في اللحظة التي كان ينبغي فيها شحذ الهمم القومية للمقاومة وإعادة البناء، قدم الشعراوي طاقة تبريرية تكرس الاستسلام وتعتبر الهزيمة العسكرية أمام العدو الصهيوني "مشيئة إلهية" لتأديب الشعوب.

ثانياً: التوسع في فترة الوزارة وشرعنة الاقتصاد "الكمبرادوري"
شكّل تعيين الشعراوي وزيراً للأوقاف عام 1976 ذروة التحالف بين المؤسسة الدينية التقليدية وسلطة الانفتاح الساداتي:
  • تأسيس البنوك الإسلامية: ساهم الشعراوي بشكل فعال في وضع حجر الأساس لما يُسمى "الاقتصاد الإسلامي" عبر دعم تأسيس بنك فيصل الإسلامي وشركات توظيف الأموال، والتي تبين لاحقاً أنها غطاء لرأسمالية طفيلية امتصت مدخرات الفئات الشعبية.
  • تفكيك المنجز الاشتراكي: استُغلت الفتاوى الدينية في تلك المرحلة لتشريع القوانين التي تراجعت عن الإصلاح الزراعي وإعادة الأراضي للملاك الإقطاعيين القدامى، مما أدى إلى إفقار الفلاحين وتدمير المكتسبات الاجتماعية لثورة يوليو.
  • تسييس المنبر لصالح التبعية: تحولت وزارة الأوقاف في عهده إلى أداة لملاحقة الخطباء التقدميين واليساريين، وتهيئة المناخ الثقافي والاجتماعي لقبول نهج كامب ديفيد والارتداد عن العمق القومي العربي لمصر.

ثالثاً: قضايا المرأة وعرقلة التنمية الاجتماعية
تُمثل قضية المرأة حجر الزاوية في تقييم أي فكر تقدمي؛ حيث تكشف فتاوى الشعراوي عن نزوع بطريركي (أبوي) يعوق تحرر نصف المجتمع:
  • التبرير الفقهي للعنف: إن شرعنة ضرب النساء كوسيلة للتأديب، وتقييد عمل المرأة خارج المنزل، يضرب في الصميم أسس الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والعدالة الاجتماعية.
  • تنميط الأدوار: ساهمت خطبه في ترسيخ نظرة دونية للمرأة، بدلاً من الدفع بها كعنصر منتج ومشارك في معركة البناء والتنمية القومية ضد التخلف والتبعية.

رابعاً: تسطيح الوعي الاجتماعي والحقوقي (أزمة مفهوم الاغتصاب)
في تفسيره لجرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي، تجلى قصور المنهج السلفي الغيبي في استيعاب المفاهيم الحقوقية الحديثة:
  • تخفيف مسؤولية الجاني: من خلال تداول آراء تقترح أن العملية الجنسية لا تتم قهراً كاملاً بالمفهوم المطلق، وضع الشعراوي الضحية في موضع الشبهة والمساءلة.
  • غياب الوعي الحقوقي: هذا الطرح يعكس غياب الإدراك لطبيعة جرائم القهر والسلطة الإكراهية، ويعبر عن عقلية فقهية قديمة تعجز عن مواكبة التشريعات الإنسانية والتقدمية التي تحمي كرامة الإنسان وجسده.

خامساً: تهاوي الفكر الرجعي ولحظة الارتداد والندم
رغم التوظيف السياسي الطويل لخطابه، إلا أن اصطدام هذا الفكر بالواقع التاريخي المرير للأمة كشف عن مأزقه البنيوي، وهو ما قاد الشيخ نفسه إلى مراجعات متأخرة:
  • الندم على سجدة الشكر: اعترف الشعراوي لاحقاً في حوارات مسجلة وموثقة بندمه الشديد على سجوده ليلة الهزيمة، معتبراً أن موقفه ذاك كان انفعالاً متسرعاً غير صائب ومجافياً لواقع الألم القومي.
  • زيارة ضريح عبد الناصر: في خطوة رمزية بالغة الدلالة على تهاوي الطروحات الإخوانية والرجعية، زار الشعراوي ضريح القائد الخالد جمال عبد الناصر وقرأ الفاتحة على روحه، في إقرار ضمني متأخر بعظمة المشروع القومي التحرري وصوابية بوصلته ضد الاستعمار والتبعية، بعدما تكشفت له الآثار الكارثية لسياسات الانفتاح والصلح مع العدو.

خاتمة: نحو وعي عربي تنويري ومقاوم
إن تفكيك ظاهرة الشعراوي وأمثاله من "دعاة على أبواب جهنم" التخلف والتبعية، ليس مجرد نقد لشخص، بل هو معركة فكرية ضرورية لاستعادة العقل العربي التنويري. إن مراجعات الشعراوي المتأخرة وندمه يثبتان أن الفكر الرجعي لا يمكنه الصمود أمام حقائق التاريخ والضرورة القومية. لا يمكن للأمة العربية أن تخوض معارك التحرر والوحدة وهي مكبلة بوعي غيبي يبرر الهزيمة؛ وبديلنا التقدمي هو الوعي العلمي، والمواطنة الكاملة، والفكر المقاوم الذي يرى في الإنسان صانعاً لمصيره وتاريخه.

الجمعة، 24 يوليو 2026

الدكتور محمد شحرور.. ثورة القراءة المعاصرة وتحرير العقل العربي من إسار الجمود التاريخي بقلم: الناصر خشيني



لا يمكن للأمة العربية أن تحقق نهضتها السياسية والاقتصادية الشاملة أو تنسلخ من مخالب التبعية والإمبريالية ما لم تخض أولاً معركة التحرر الفكري والثقافي الكبرى. وفي قلب هذه المعركة الوجودية، يبرز اسم المفكر السوري الراحل الدكتور محمد شحرور (1938 - 2019) كأحد أهم رواد التثوير المعرفي ومؤشس منظومة "القراءة المعاصرة" للتنزيل الحكيم. إن قراءة مشروع شحرور من منظور قومي تقدمي تكشف عن محاولة جبارة لتفكيك "البنى الفقهية والتفسيرية التقليدية" التي صيغت في ظروف تاريخية وسلطوية بائدة، وإعادة بناء الوعي الجمعي العربي ليتصالح مع منطق العصر والعلم والتطور الاجتماعي.
  تفكيك العقل التراثي والتمييز بين "الكتاب" و"القرآن"
تمثلت الانطلاقة الكبرى لمشروع شحرور في كتابه التأسيسي الفذ "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (1990). وباعتباره حاصلاً على الدكتوراه في الهندسة المدنية، نقل شحرور أدوات التحليل العلمي والرياضي إلى اللسانيات والعلوم الإنسانية، معتمداً على منهج أبي علي الفارسي والجرجاني في نفي الترادف في اللغة العربية. [1]
من خلال هذا المنهج، أحدث شحرور قطيعة معرفية مع التفسيرات السلفية الجامدة عبر التمييز الحاسم بين مفهوم "الكتاب" ومفهوم "القرآن" ومفهوم "الذكر". كان يرى أن حصر النص الإلهي في قوالب تفسيرية وُضعت في العصرين الأموي والعباسي هو جناية على حركية الأمة؛ فالنص الإلهي في نظره "ثابت المحتوى، متحرك المفهوم"، مما يعني أن كل جيل عربي يمتلك الحق العضوي والتاريخي في تدبر النص وإعادة إنتاج آليات تشريعية تلائم واقعه الاقتصادي والاجتماعي المعاش، دون ارتهان لأقوال السلف التي صيغت لتلبي حاجات مجتمعات تاريخية محددة [1، 2].
2. البعد التقدمي في "فقه المرأة" ونفي الإقصاء الاجتماعي
في كتابه الهام "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة"، قدم شحرور رؤية تقدمية ثورية نسفت ركائز الفكر البطرياركي (الذكوري) المهيمن على المنظومة الفقهية التقليدية. حيث أعاد قراءة آيات الميراث، والوصية، واللباس، والعلاقات الأسرية من خلال منطق "الحدود الرياضية" (الحد الأدنى والحد الأعلى)، مبرهناً على أن التشريع القرآني يحمل مرونة لامتناهية تسمح بتمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً بما يتلاءم مع الدولة الوطنية الحديثة. [1]
إن هذا الطرح يتقاطع مباشرة مع أطروحات الفكر التقدمي العربي؛ إذ لا يمكن الحديث عن تحرر المجتمع العربي أو إقحامه في معركة الإنتاج والبناء والتنمية ونصفه الآخر (المرأة) مكبل بفتاوى ومفاهيم تراثية تعاملها كعورة مجتمعية أو كائن قاصر بحاجة للقوامة والهيمنة الشاملة.
3. تجفيف منابع الإرهاب وتفكيك أيديولوجيا الموت
واجه شحرور بجرأة فكرية نادرة التغول الظلامي والتكفيري الذي عصف بالأمة العربية في العقود الأخيرة، وصاغ في كتابه الوجيز والخطير "تجفيف منابع الإرهاب" استراتيجية معرفية لمواجهة الفكر المتطرف. وجادل شحرور بأن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تنجح عبر المقاربات الأمنية والعسكرية البحتة، بل تتطلب تفكيك البنية التحتية للفكر الفقهي العنيف الذي يشرعن "الجهاد الهجومي"، وتقسيم العالم إلى "دار إسلام ودار حرب"، ومفهوم "الولاء والبراء" الإقصائي [2، 4].
أرجع شحرور أصول هذا الفكر الظلامي إلى تضخم الروايات والأحاديث المنسوبة تاريخياً على حساب النص القرآني المتسم بالسعة والرحمة، مؤكداً أن العبقرية العروبية الحقة هي التي تقدم للعالم نموذجاً إنسانياً حضارياً يقوم على السلم، والعدالة الاجتماعية، وصيانة الحريات الفردية والعامة.
4. الدولة والمجتمع: مأسسة الحرية وإعادة صياغة الأخلاق
في كتابيه المدققين "الدولة والمجتمع" و***"الإسلام والإيمان: منظومة القيم"***، فكك شحرور المفهوم الشمولي لـ "الحاكمية" التي تتبناها حركات الإسلام السياسي، وأثبت أن التشريع الإلهي ترك مساحة شاسعة للتشريع الإنساني المدني القائم على المصلحة الشعبية والشورى الحقيقية<─.
اعتبر شحرور أن الحرية هي الأصل الوجودي والتشريعي للإنسان، وأن غاية الدين هي صيانة منظومة القيم والأخلاق العليا كالعدل والأمانة والتضامن الاجتماعي، وليست فرض قوالب شكلية قسرية. هذا الفهم المتقدم ساهم في إحداث تيار جارف وسط الشباب العربي الكادح والطلابي، الذي وجد في أفكار شحرور مخرجاً فكرياً يزاوج بين الإيمان الوجداني العروبي وبين التطلع لإنشاء نظم مدنية، ديمقراطية، وتقدمية ترفض الاستبدادين السياسي والديني [1، 4].

  5. الخاتمة: رحيل المفكر وخلود الرسالة
أدى الدكتور محمد شحرور رسالته التاريخية برصانة وهدوء العلماء، تاركاً خلفه ثروة فكرية هائلة تتجسد في مشروعه "القراءة المعاصرة" وفي أجزاء مذكراته العميقة كالقصص القرآني. ورغم الهجمات التكفيرية الشرسة وحملات التبديع والتضليل التي شنتها ضده المؤسسات الدينية التقليدية والرجعية العربية، إلا أن فكره الثوري شق طريقه بنجاح إلى عمق وعي الأجيال العربية الجديدة. [1]
رحل شحرور بجسده ليدفن في ثرى الشام الطاهر، لكن أفكاره ستبقى حجر أساس متين في بناء "الكتلة التاريخية التقدمية" القادرة على صياغة نهضة فكرية عربية شاملة، تسقط أوهام الخرافة، وتحرر الطاقات الحية للأمة لصناعة مستقبلها بأيديها وعقولها المستنيرة.
هوامش ومراجع المقال:
  1. شحرور، محمد (1990). الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. سبيلا، محمد (2005). مخاضات العقلانية العربية: قراءات في فكر التجديد والتفكيك، بيروت: دار الطليعة، ص 114-122.
  3. شحرور، محمد (2000). نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة، دمشق: دار الأهالي.
  4. أومليل، علي (2012). الفكر العربي المعاصر وسؤال التجديد الفقهي واللساني، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 205-212.
  5. شحرور، محمد (2008). تجفيف منابع الإرهاب، بيروت: دار الساقي للنشر والتوزيع. [1, 2]

 


الخميس، 23 يوليو 2026

الفريق سعد الدين الشاذلي.. باني نصر العبور والخط الناصري المقاوم في وجه الردة الساداتية بقلم: الناصر خشيني

 


 يمثل الفريق سعد الدين الشاذلي (1922 - 2011)، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، ذروة العبقرية العسكرية العروبية والالتزام القومي الناصري الخالص. لم يكن الشاذلي مجرد جنرال يخطط للمعارك، بل كان مثقفاً مشتبكاً ومفكراً استراتيجياً متميزاً آمن بالعقيدة العسكرية القومية القائمة على المقاومة ورفض التبعية. هو المهندس الفعلي لـ "التوجيه 41" وخطة العبور الفذة التي حطمت [خط بارليف] في حرب أكتوبر 1973 واجتاحت حصون العدو الصهيوني بدقة متناهية.

أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة الشاذلي:
  • العقيدة العسكرية الناصرية والتلاحم القومي: تشرب الشاذلي الفكر العروبي في مدرسة جمال عبد الناصر، وكان يؤمن بأن القوة العسكرية لمصر هي درع للأمة العربية جمعاء. تجلى ذلك في قدرته على قيادة التخطيط الحربي بروح تعتمد على الابتكار الهندسي والعسكري لجنود الأمة، بعيداً عن الاستعراض، محققاً أعظم نصر عسكري عربي في العصر الحديث [1، 2].
  • الصمود في وجه "الردة الساداتية" وتفنيد الثغرة: عندما تدخل الرئيس أنور السادات سياسياً في مسار الحرب وفرض "تطويراً هجومياً" غير مدروس متجاوزاً الخطة العسكرية بهدف إرسال إشارات سياسية لأمريكا، حدثت ثغرة "الدفرسوار". عارض الشاذلي هذا التدخل بصلابة وطالب بسحب ألوية مدرعة لحصار الثغرة وتدميرها، إلا أن السادات رفض مفضلاً توظيف المنجز العسكري لتحقيق مسار استسلامي تفاوضي، وهو ما حول النصر العسكري الاستراتيجي الباهر إلى هزيمة سياسية قادت لاحقاً إلى اتفاقية "كامب ديفيد" المشؤومة وعزل مصر عن محيطها القومي [2، 3].
  • كتاب "الخيار العسكري العربي" وسنوات النفي والاعتقال: رفض الفريق الشاذلي الرضوخ لسياسة السادات الاستسلامية والتفريط في دماء الشهداء، فآثر النفي إلى الجزائر حيث كتب مؤلفاته التاريخية البارزة وعلى رأسها كتاب "الخيار العسكري العربي" ومذكراته حول حرب أكتوبر؛ فضح فيهما بالوثائق والأرقام التواطؤ السياسي الذي أجهض النصر. وعند عودته إلى مصر عام 1992، تحمّل السجن الحربي العسكري بكرامة وشموخ، رافضاً تقديم أي تنازل أو اعتذار للنظام، مؤكداً أن كرامة العسكري العربي لا تباع في أسواق المساومات الدولية [3، 4].
هوامش ومراجع:
  1. الشاذلي، سعد الدين (1980). مذكرات حرب أكتوبر، باريس: منشورات الوطن العربي، ص 115-130.
  2. هيكل، محمد حسنين (1982). خريف الغضب: قصة السادات واغتياله، بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ص 201-215.
  3. الشاذلي، سعد الدين (1984). الخيار العسكري العربي، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 45-59.
  4. أمين، جلال (2001). ماذا حدث للمصريين؟ تحليل للتحولات الاقتصادية والسياسية في عصر الانفتاح، القاهرة: دار الهلال، ص 88-

 

الإمام محمد الطاهر بن عاشور.. رائد المقاصد التنويرية وصوت الحق في وجه تطويع الدين بقلم: الناصر خشيني 

 


لم يكن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879 - 1973) مجرد فقيه تقليدي ينكفئ على النصوص برؤية جامدة، بل كان مفكراً إصلاحياً لغوياً ومجدداً استراتيجياً أحدث ثورة فكرية من خلال إعادة الاعتبار لـ "مقاصد الشريعة الإسلامية". قاد بن عاشور، من منبر جامعة الزيتونة المعمورة، معركة شرسة لتحرير العقل المسلح بالوعي والاجتهاد من قيود الجمود، مبرهناً على أن الدين في جوهره يهدف إلى حفظ مصالح الأمة وعزتها وتقدمها الاجتماعي.

أبعاد الفكر التقدمي والموقف التاريخي لابن عاشور:
  • تأسيس علم المقاصد الاجتماعي: تمثلت عبقرية بن عاشور في كتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية"، حيث فصل هذا العلم عن علم أصول الفقه التقليدي، وجعله أداة حية لفهم الواقع وتحقيق العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان، مبرزاً أن الشريعة تهدف إلى بناء مجتمع قوي ومتماسك يرفض الاستبداد والجهل [1، 2].
  • موقف المنبر الشهير (صدق الله وكذب بورقيبة): تجسد الشموخ المبدئي لابن عاشور في مطلع الستينيات، عندما حاول رئيس تونس الأسبق الحبيب بورقيبة تطويع المؤسسة الدينية لتبرير خياراته الاقتصادية؛ حيث دعا الشعب إلى إفطار شهر رمضان بدعوى زيادة الإنتاج الاقتصادي، طالباً من المفتي بن عاشور إصدار فتوى تشرعن ذلك عبر الإذاعة. فما كان من الإمام إلا أن قرأ الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ثم أطلق مقولته التاريخية المدوية التي زلزلت أركان السلطة: "صدق الله العظيم وكذب بورقيبة" [2، 3]. هذا الموقف لم يكن مجرد دفاع عن شعيرة، بل كان رفضاً تقدمياً حاسماً لتغول السلطة السياسية وتوظيفها للدين كأداة لتمرير سياسات فوقية معزولة عن إرادة الشعب وعقيدته.
  • إصلاح التعليم والتنوير اللغوي: خاض الشيخ معارك مريرة لتطوير المناهج التعليمية في جامعة الزيتونة من خلال كتابه "أليس الصبح بقريب؟"، داعياً إلى إدخال العلوم الحديثة واللغات الأجنبية والتفكير النقدي، ومحاربة الانغلاق اللغوي والفقهي الذي يستغله الاستعمار لتجهيل الأمة [1، 4].
هوامش ومراجع :
  1. بن عاشور، محمد الطاهر (1946). مقاصد الشريعة الإسلامية، تونس: الشركة التونسية للتوزيع.
  2. السمّاك، محمد (1998). الإمام الطاهر بن عاشور رائد الإصلاح والتجديد، بيروت: دار النفائس، ص 74-81.
  3. التليلي، أحمد (1985). العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية في تونس الحديثة، تونس: دار الجنوب للنشر، ص 142-146.
  4. بن عاشور، محمد الطاهر (1915). أليس الصبح بقريب؟ كتاب في التعليم العلمي العربي الإسلامي، تونس: المطبعة الرسمية

 


اغتيال وطن في شخص شهيد: محمد براهمي.. الصوت العروبي الشامخ وجريمة الاغتيال الممتدة ضد عائلته بقلم: الناصر خشيني


    تمر الأيام والسنوات وتتجدد الذكرى، لتضعنا اليوم في 23 يوليو (جويلية) 2026 على عتبة الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد أخي وصديقي الحاج محمد براهمي (1955 - 2013). لم تكن الرصاصات الأربع عشرة الغادرة التي استهدفته أمام بيته في ذلك اليوم القائظ من تموز (جويلية) 2013، مجرد عملية تصفية جسدية لسياسي معارض، بل كانت محاولة استراتيجية من قوى الردة والظلامية لإعدام مشروع فكري وسياسي متكامل؛ مشروع "الخط القومي التقدمي الذي رأى فيه صمام الأمان لتصحيح مسار الثورة التونسية وربطها بمدارها العروبي المقاوم.

إن تفكيك هذا الاغتيال برؤية استقصائية معمقة يكشف أنه لم ينتهِ بإنهاء حياة الشهيد، بل إن الاغتيال ما زال متواصلاً وممتداً عبر استهداف ممنهج لعائلته ونضالات رفاقه سخريةً بالعدالة.
. النشأة والمنشأ: سيدي بوزيد كخزان للوعي والالتزام الطبقي
ولد محمد براهمي عام 1955 في عمق تونس المنسية، بمدينة "الحشّانة" التابعة لولاية سيدي بوزيد، وهي الجغرافيا التي لم تكن يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل كانت مختبراً حياً لمعاناة التهميش والفقر التي فرضتها خيارات الدولة البورقيبية ومن بعدها النوفمبرية على دواخل البلاد.
من هذا الرحم الاجتماعي، ومن طين الأرض التي يفلحها الكادحون، رضع براهمي فكره التقدمي. لم يدرس الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في الكتب الماركسية أو العروبية المعزولة فحسب، بل عاشها واقعاً ملموساً. ولذلك جاء نضاله الطلابي في الجامعة التونسية خلال ثمانينيات القرن الماضي متسقاً مع هذا الانحياز الطبقي الصارم، حيث انخرط في "الفصيل القومي التقدمي الطلبة العرب التقدميون الوحدويون معبراً عن صوت الفلاح والمنسحق، ومؤسساً لوعي يرفض الفصل بين التحرر الاجتماعي والتحرر القومي [1، 2].
2. شهادة دم حية: عام 1980 وجسارة براهمي في إنقاذ رفاقه من الخنق (محطة شخصية)
إن معركتنا الفكرية والسياسية مع تيار الإسلام السياسي (حركة الاتجاه الإسلامي التي تحولت إلى "النهضة" لاحقاً) لم تكن يوماً ترفاً فكرياً أو سجالاً ناعماً، بل كانت معركة وجودية تَعمدت بالدم والحديد في الساحات الجامعية منذ عقود.
وفي هذا السياق، أحمل في وجداني ونضالي الشخصي شهادة تاريخية حيّة على جسارة هذا البطل وعقيدته الرفاقية الصلبة؛ ففي عام 1980، وخلال ذروة تصاعد العنف الأعمى الذي كانت تمارسه مجموعات "الاتجاه الإسلامي" داخل أسوار الجامعة التونسية لضرب الفصائل اليسارية والقومية، تعرضتُ شخصياً لعنف شديد ووحشي من قِبل ميليشياتهم التي حاولت تصفيتي جسدياً وعمدت إلى خنق مادي كاد يودي بحياتي.
وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة، لم يكن المنقذ لي من براثن الموت إلا أخي ورفيق دربي محمد براهمي. بحكم قرب كليته من كليتنا، لم يتردد الحاج ثانية واحدة في الاندفاع نحو ساحة المعركة مقتحماً طوق الخطر ليفك الخناق عن عنقي وينقذني من موت محقق. لم تكن هذه الحادثة يتيمة، بل كان براهمي يُمثل الظهير القتالي والدرع الميداني الصلب الذي يهرع لنجدتنا ونجدة الرفاق كلما احتدم الصراع الفكري والبدني مع جماعة الاتجاه الإسلامي، مجسداً بفعله الميداني التلازم الحقيقي بين المبدأ القومي والتضحية بالذات لحماية العائلة النضالية الواحدة.
3. معارك المجلس التأسيسي: صياغة الدستور ومواجهة الردة والتبعية
عقب ثورة 14 يناير (جانفي) 2011، حمل براهمي لواء العروبة التقدمية إلى داخل أروقة المجلس الوطني التأسيسي. وكان دخوله للمجلس صدمة للنخب الفرنكوفونية والرجعية على حد سواء، وخاض معارك ضارية تمثلت في:
  • عروبة تونس: وقف سداً منيعاً أمام محاولات تمييع الهوية الوطنية والعروبية في صياغة توطئة الدستور الجديد، معتبراً أن عزل تونس عن امتدادها القومي هو تمهيد لإلحاقها بالمنظومة الاستعمارية الغربية [2، 4].
  • تجريم التطبيع: خاض معركة شرسة من أجل إدراج بند صريح يُجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني في الدستور، معتبراً فلسطين البوصلة الأخلاقية والسياسية لأي نظام ثوري تقدمي ينشأ بعد 14 جانفي.
  • الانحياز للفقراء ورفض الإملاءات: عارض بشدة السياسات الاقتصادية والمالية التي تبنتها حكومات الترويكا، وفضح ارتهانها لإملاءات صندوق النقد الدولي والدوائر الأجنبية.
4. التأسيس الأخير: "التيار الشعبي" وجبهة الإنقاذ

 عندما استشعر براهمي محاولات تدجين "حركة الشعب" وجرّها نحو مساومات سياسية لا تخدم الطبقات الشعبية، استقال وأسس مع رفاقه الخلّص "التيار الشعبي" في يوليو 2013. كان التيار الشعبي في فكر براهمي يمثل البديل التاريخي: تنظيم قومي، تقدمي، شعبي، يرفض الاقتتال الطائفي والجهوي، ويوجه الصراع نحو وجهته الحقيقية (ضد الرجعية، الإرهاب، والتبعية الكولونيالية).

5. الاغتيال المتواصل: استهداف العائلة لإنهاء مشروع الشهيد
إن الجريمة الإرهابية الغادرة التي نُفذت بـ14 رصاصة في 25 يوليو 2013 لم تتوقف عند إنهاء الحياة الجسدية للحاج محمد براهمي. ففي قراءة استقصائية لمسار الصراع السياسي في تونس، نجد أن غرف عمليات تنظيم الإخوان المسلمين ومرتزقتهم ما زالت تمارس عداءها التاريخي الممتد من الثمانينيات عبر حملات تحريضية وتتشويهية همجية تطال أرملة الشهيد وأبنائه بشكل متزامن وممنهج.
إن هذا التشويه وبث الأكاذيب ضد عائلة البراهمي لا ينفصل عن مناخ التجييش التكفيري الذي عشته أنا معه عام 1980؛ فالقوى الظلامية تدرك أن عائلة الشهيد، بوقوفها الصلب خلف مشروعه الفكري والسياسي وملاحقتها لملف الجهاز السري والاغتيالات، تمثل العقبة الكأداء أمام طمس معالم الجريمة. وبالتالي، فإن استهداف العائلة بالثلب والتحريض هو محاولة يائسة ومستمرة لتصفية الإرث الرمزي للشهيد، واغتيال معنوي متجدد لوأد الصوت القومي المقاوم الذي ترفض أرملته وأبناؤه المساومة عليه.
6. الخاتمة: رحيل الجسد وخلود الفكرة
أخي وصديقي ومنقذي الحاج محمد، ونحن نستحضر ذكراك اليوم، أسترجع ملامح وجهك وأنت تذود عني وعن الرفاق في ساحات الجامعة، وأوقن أن دماءك الزكية لم تذهب سدى. إن الهجمة الشرسة التي تشنها قوى الردة ضد عائلتك الصابرة اليوم هي أكبر دليل على أن فكرك وجسارتك لا تزال ترعبهم حتى بعد رحيلك. ستبقى "البرنس" التي كنت ترتديها، وصوتك الهادر، وثبات عائلتك منارات تضيء درب الأجيال العروبية التقدمية في تونس وفي كل شبر من وطننا العربي الكبير.
هوامش ومراجع المقال:
  1. التيار الشعبي تونس (2014). الوثيقة الفكرية والسياسية التأسيسية: الشهيد محمد براهمي ملهماً، منشورات التيار الشعبي، ص 12-18.
  2. مرزوقي، عادل (2016). اليسار والقوميون في تونس بعد الثورة: صراع الهوية والبرامج، تونس: دار النور للنشر، ص 89-95.
  3. خشيني، الناصر (1980/2026). شهادة حية موثقة من مذكرات الكاتب حول أحداث العنف الجامعي عام 1980 ودور الشهيد محمد براهمي الميداني، 
  4. محضر جلسات المجلس الوطني التأسيسي التونسي (2012-2013). مداخلات النائب محمد براهمي حول السيادة الوطنية وتجريم التطبيع، الأرشيف الوطني التونسي.
  5. بيان حزب التيار الشعبي تونس (ديسمبر 2025). بيان إدانة حول حملات التشويه الرقمي والتحريض الممنهج التي تتعرض لها عائلة الشهيد من بقايا المنظومة الظلامية الإخوانية، الأرشيف الإعلامي للحزب.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني



نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت زلزالاً جيو-سياسياً أعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط والعالم الثالث. إن قراءة مسيرة القائد الخالد جمال عبد الناصر (1918 - 1970) من منظور قومي تقدمي تفرض علينا تفكيك هذه الظاهرة الاستثنائية، ليس كحدث عابر، بل كمنهج وفكر زاوج بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة القومية.
1. من حصار الفلوجة إلى القاهرة: ولادة الوعي الثوري
لم تبدأ ثورة يوليو في ثكنات القوات المسلحة، بل ولدت من رحم المأساة القومية في فلسطين عام 1948. فخلال حصار الفلوجة الشهير، وتحت دوي المدافع، صاغ جمال عبد الناصر ورفاقه أولى لبنات وعيهم السياسي والطبقي. هناك، وسط الخيانة الرسمية ونقص الذخيرة الفاسدة، أطلق عبد الناصر مقولته الاستراتيجية التي غيرت مجرى التاريخ: "إن المعركة الحقيقية ليست هنا، بل هناك في القاهرة" [1]. كان هذا الإدراك يمثل قفزة فكرية تقدمية؛ فالتحرر من الصهيونية يمر حتماً عبر تصفية عروش الفساد وإسقاط النظم الرجعية العميلة للاستعمار داخل العواصم العربية.
2. تنظيم الضباط الأحرار وصياغة المبادئ الستة
عقب العودة من فلسطين، شرع عبد الناصر في مأسسة هذا الوعي عبر تنظيم سري دقيق وهو "الضباط الأحرار". وفي ليلة 23 يوليو 1952، تحركت الطليعة الثورية لتسقط الملكية والوجود الإنجليزي وتعلن الجمهورية. ولم تكن الثورة عشوائية، بل تبلورت استراتيجيتها في المبادئ الستة الخالدة التي شكلت العقد الاجتماعي والسياسي للنظام الجديد، وهي:
  1. القضاء على الاستعمار وأعوانه.
  2. القضاء على الإقطاع.
  3. القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
  4. إقامة عدالة اجتماعية.
  5. إقامة جيش وطني قوي.
  6. إقامة حياة ديمقراطية سليمة [2].
3. الصدام مع الثورة المضادة: محاولة اغتيال المنشية 1954
أمام التوجهات التقدمية للثورة، كان الصدام حتمياً مع القوى المحافظة والرجعية. وفي أكتوبر 1954 في ميدان المنشية بالإسكندرية، تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال فاشلة برصاص تنظيم الإخوان المسلمين [1، 3]. لم تكن تلك الرصاصات استهدافاً لشخصه، بل كانت محاولة لإجهاض المشروع التقدمي برمته وإعادة مصر إلى مربع التبعية، غير أن رد فعل عبد الناصر الشجاع ثبّت أركان الثورة وفكك شبكات الثورة المضادة، ممهداً الطريق لبناء الدولة الوطنية الخالصة.
4. معارك السيادة: كسر احتكار السلاح وتأميم القناة 1956
انطلقت الثورة نحو انتزاع السيادة المطلقة عبر محطات تاريخية متتالية:
  • اتفاقية الجلاء (1954): التي أنهت 74 عاماً من الاحتلال البريطاني ليدخل آخر جندي إنجليزي في يونيو 1956 [2، 3].
  • كسر احتكار السلاح (1955): في خطوة هزت العواصم الغربية، عقد عبد الناصر صفقة الأسلحة التشيكية-السوفيتية، محطماً الفيتو الاستعماري الذي كان يمنع تسليح الجيوش العربية [1].
  • تأميم قناة السويس (26 يوليو 1956): جاء الرد الناصري ممتشقاً الكرامة الوطنية إثر سحب البنك الدولي تمويل السد العالي، ليعلن إعادة القناة إلى مالكها الشرعي الشعب المصري [1، 2].
  • الانتصار على العدوان الثلاثي (1956): تكالبت قوى الإمبريالية (بريطانيا، فرنسا، والكيان الصهيوني) لإسقاط النظام التحرري، غير أن صمود المقاومة الشعبية في بورسعيد والالتفاف القومي حول القيادة حول الهزيمة العسكرية إلى نصر سياسي مؤزر أنهى العصر الامبراطوري لبريطانيا وفرنسا [1].
5. المد القومي والوحدة العربية 1958: إدارة الأزمات بحكمة
بلغت الناصرية ذروتها القومية بإعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 دمجاً بين مصر وسوريا، لتتحول الوحدة من حلم رومانسي إلى حقيقة دستورية وجغرافية [2]. وعندما وقعت مؤامرة الانفصال عام 1961 بتواطؤ رجعي وإقليمي، تجلت حكمة عبد الناصر التقدمية؛ حيث رفض توجيه الجيش المصري لضرب السوريين، معلناً أن "الوحدة لا يمكن أن تحمى بقوة السلاح، وأن الدم العربي على الأرض العربية محرم"، مفضلاً صون الفكرة القومية في الوجدان على خوض حرب أهلية تخدم الأعداء.
6. القلعة الاقتصادية: 1200 مصنع والاشتراكية العلمية
لم تكن الاشتراكية عند عبد الناصر ترفاً فكرياً، بل كانت أداة لتمكين الطبقات المسحوقة من العمال والفلاحين. عبر "القرارات الاشتراكية الموجهة"، تم بناء أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث بتأسيس 1200 مصنع شملت الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب في حلوان، ومصانع الألومنيوم في نجع حمادي، وصناعات الغزل والنسيج [3]. وتوجت هذه الملحمة ببناء السد العالي وتأسيس برج القاهرة الذي بُني بأموال الرشوة التي قدمتها المخابرات الأمريكية (CIA) عبر رجلها "كوبلاند" للتأثير على مواقف مصر، فحولها ناصر إلى صرح إسمنتي يخلد سخرية الثورة من الدبلوماسية الدولارية الأمريكية [2].
7. البعد الأممي وثورة اليمن واللااءات الثلاث
تجاوزت الناصرية الأفق المحلي لتصبح قبلةً لكل حركات التحرر في العالم. فدعمت مصر بالمال والسلاح ثورة المليون ونصف المليون شهيد في الجزائر، وثورات إفريقيا (لومومبا في الكونغو، ونكروما في غانا)، وصولاً إلى قيادة تأسيس حركة عدم الانحياز (مؤتمر باندونج 1955) رفقة تيتو ونهرو [1]. ولم تتوانَ الثورة عن خوض معركتها ضد الرجعية العربية، فدفعت بالجيش المصري إلى اليمن عام 1962 لحماية الثورة اليمنية الوليدة وتثبيت كرامة الإنسان العربي هناك.
وعندما وقعت نكسة يونيو 1967 كطعنة إمبريالية غادرة لإيقاف هذا المد التحرري، رفض عبد الناصر الاستسلام والتوقيع على صك الهزيمة. تنحى عن الحكم فخرجت الجماهير تهتف "لا تنحى"، ليعود واضعاً مبادئ الصمود في مؤتمر الخرطوم باللاءات الثلاث: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل" [1، 4]، ويبدأ فوراً في التأسيس لـ حرب الاستنزاف البطولية وبناء حائط الصواريخ، مؤكداً أن "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".
هوامش ومراجع المقال:
  1. هيكل، محمد حسنين (1983). ملفات السويس: خفايا وأسرار الثورة والعدوان، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ص 89-102.
  2. عبد الناصر، جمال (1954). فلسفة الثورة، القاهرة: دار المعارف، ص 34-40.
  3. أنيس، محمد (1975). دراسات في تاريخ ثورة 23 يوليو، القاهرة: مكتبة مدبولي، ص 142-150.
  4. شرف، عبد العزيز (1988). الفكر السياسي والاجتماعي في عهد جمال عبد الناصر، بيروت: دار الطليعة، ص 210-218.

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...