التخطي إلى المحتوى الرئيسي

موقعة بدر: استشهادية من قبل الصحابة، استعراضية من قبل قريش وكيف نستفيد منها اليوم بقلم: الناصر خشيني


   مدخل

في أدبيات التراث — سيرةً وأحاديثَ وفقهَ جهادٍ وتاريخًا — يتحدث علماء الأمة عن غزوات الرسول، في الوقت الذي كان فيه هاديًا ومبشرًا ومنذرًا، لا مسيطرًا على أحد، بل داعيًا للإيمان بالله والعمل الصالح، شأنه شأن كل الرسل والأنبياء، متحملًا كسابقيه من حملة الرسالات السماوية تبعات هذه الدعوة وما ينجر عنها من تكذيب ومعاناة في سبيلها وتضحيات جسيمة، وصلت إلى هجرات للرسل وفرار بدينهم من الطغاة كالنمرود وفرعون وقريش، الذين غلبت عليهم مطامعهم الدنيوية الآنية على حساب العدل والتوحيد والحق والخير، وغلبت عليهم شهواتهم، فارتكبوا في سبيل ذلك جرائم فظيعة يندى لها جبين الإنسانية: قتلًا وإحراقًا وتعذيبًا شديدًا وملاحقةً للمؤمنين بتلك الرسالات السماوية.

مرحلة جديدة في تاريخ البشرية

هناك مرحلة جديدة في تاريخ البشرية يفتتحها الرسول صلى الله عليه وسلم بتجاوز مرحلة المعجزات المادية التي كانت للرسل السابقين، وتعويضها بالعنصر البشري الذي يستمد قوته المادية والمعنوية من الله، فيبدع بأمر منه تعالى. فبالرغم من ضعف إمكانياته المادية بالمقاييس البشرية من حيث المال والسلطة والجاه — حيث كانت كل حسابات موازين القوى راجحة لفائدة الصف المعادي — وبالرغم من اعتماده على الله سبحانه وتعالى الذي وعده بالحماية والعصمة من الناس، فقد كان واعيًا تمام الوعي بطبيعة المرحلة الجديدة التي يمثلها، والتي ينبغي عليه أن يقوم بواجباته إزاءها لا كرسول فقط، بل أيضًا كإنسان خليفة لله ومسؤول عن دوره المناط بعهدته كبشر، في وقت لم يعد ممكنًا فيه انتظار معجزات مادية ملموسة كما كان سابقًا.

فبالرغم من إمكانياته البشرية القليلة العدد والمتواضعة ماديًا، عرف كيف يُعِدّ العدة للخروج من عنق الزجاجة، بعد أن أحكمت قريش محاصرته على جميع الأصعدة ووظّفت كل إمكانياتها لهذا الحصار. ومع ذلك لم يستسلم ولم ينهزم، بل قاوم وعرف كيف يخرج من ذلك المأزق. وهذا الدرس من الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن نطبقه في حياتنا اليومية.

الحصار الاقتصادي: البادئ بالعدوان

كانت هذه الموقعة دفاعًا من المسلمين عن أنفسهم إزاء الحصار الاقتصادي الذي فرضته قريش على المهاجرين الذين فروا بدينهم هجرة إلى المدينة. ولما أرادوا استعادة أموالهم في مكة، قامت قريش بمصادرتها ومنعتهم من حقوقهم، وبذلك تكون قد بادرتهم بشنّ حرب اقتصادية عليهم عن طريق المحاصرة والمصادرة.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ...﴾ (الأنفال: 65-71)

استشهادية عند المسلمين، استعراضية عند قريش

بقطع النظر عن الأحداث الواقعة والمبثوثة في كتب التاريخ، فإن المسلمين كانوا يمثلون ثلث القوة العسكرية المهاجمة لهم، وبالتالي كانت عمليتهم استشهادية بكل المقاييس. في حين كانت لقريش من قوة البطش — جمالًا وخيلًا وأسلحة — ما يُعدّ قوة رهيبة لا يُستهان بها. وبالرغم من علم قريش بأن قافلتها قد نجت من المصادرة، أرادت استعراض القوة والنزول ببدر للنحر ومعاقرة الخمر حتى تسمع بها العرب فتهابها. إذن كانت العملية بالنسبة لهم استعراضية في المقام الأول، ولم يكونوا ينتظرون ضراوة في القتال بذلك الشكل الذي رأوه، وامتزجت فيه عوامل بشرية وإلهية.

قال تعالى:

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ...﴾ (آل عمران: 121-129)

أسباب النصر رغم اختلال الميزان

الذي أدى إلى نصر مؤزَّر، رغم عدم التوازن عددًا وعدةً بين الفريقين، كان من جهة المسلمين:

التخطيط الجيد للمعركة، كاتخاذ موقع استراتيجي يسيطر على مواقع المياه ويترك العدو شبه محروم منها

التشاور مع الصحابة في مواطن عديدة

الروح القتالية والمعنويات المرتفعة، خاصة أن الله وعدهم بالنصر وأنزل الملائكة دعمًا معنويًا لهم

قال تعالى:

﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى...﴾ (الأنفال: 42-45)

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ...﴾ (الأنفال: 47-52)

خاتمة: بدر الحاضر

وما أشبه الحصار الاقتصادي الذي فرضته قريش على المهاجرين، بالحصار الذي تفرضه اليوم منظومة أمريكية-إسرائيلية على محور المقاومة بكل مكوناته — في غزة ولبنان واليمن وسواها: عقوبات ومصادرة أرصدة وتجفيف موارد، محاولةً إخضاع من رفض الانصياع بالجوع قبل أن يُخضَع بالسلاح. وكما كانت قريش تحسب أن اختلال ميزان القوى — عددًا وعدةً وعتادًا — كفيل وحده بحسم النتيجة، فإن الحاضر يكرر الحسبة ذاتها: ترسانة لا تُضاهى في مقابل قوة تُوصف بالمحدودة. لكن التاريخ، منذ بدر، يعلّمنا أن ميزان القوى الظاهر ليس هو الحَكَم الوحيد، وأن الصمود والتخطيط والثبات على الموقف قادرة على قلب الحسابات، فتُوجع من ظنّ نفسه غالبًا لا محالة، ويخرج المحاصَر من عنق الزجاجة كما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر: أقل عددًا وعدة، لكن أصدق عزيمة.

فالعبرة أن الاستعراض بالقوة لا يصنع نصرًا، وأن الحصار قد يكون بداية هزيمة الحاصر لا المحاصَر، إن قوبل بصمود يستمد يقينه لا من موازين القوى المادية وحدها، بل من عدالة القضية والثبات .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...