التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ثورة الممرات ومعركة المصير: الجماهير العربية في مواجهة الوحشية الصهيونية وخيانة النظام الرسمي بقلم: الناصر خشيني

 


طوفان الغضب القادم ومعادلات الردع الجديدة

توشك منطقتنا العربية اليوم على الانفجار الشامل في مشهد يعيد فرز الخنادق بوضوح غير مسبوق، حيث تلاقت الغطرسة الصهيونية المدعومة بالكامل من الإمبريالية الأمريكية مع حالة من التخاذل الرسمي العربي لتضع مصير الأمة على المحك. إن التراجع الأمريكي المتكرر عن شن حرب شاملة ضد إيران ليس تراجعاً أخلاقياً، بل هو اعتراف قسري بمعادلات الردع الجديدة التي فرضتها قوى المقاومة، بدءاً من السيطرة الإيرانية الصارمة على مضيق هرمز، وصولاً إلى القبضة الحوثية الشجاعة على مضيق باب المندب والتي خنقت شريان التجارة الصهيونية والاستعمارية. وفي مقابل هذا الردع، ينصب الحقد الصهيوني-الأمريكي على جبهاتنا الداخلية، وتحديداً ضد أهلنا الصامدين في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث تُرتكب المجازر اليومية وتُشن حملات الاعتقال الممنهجة في محاولة يائسة لتصفية القضية الفلسطينية وكسر إرادة الإنسان العربي.
عروش التواطؤ في مواجهة أشلاء الضحايا
إن القراءة القومية التقدمية لهذا الواقع تؤكد أن الوجود الصهيوني والمصالح الأمريكية مستعدان، كما كانا دائماً، لذبح شعوب المنطقة بأكملها وإبادتها للحفاظ على هيمنتهما الاقتصادية والعسكرية. غير أن المعضلة الأكبر في هذه المواجهة المصيرية لا تكمن فقط في وحشية الأعداء، بل في الموقف الرسمي العربي الذي ينقسم بين خيانة صريحة تمارسها عواصم الارتماء في أحضان التطبيع وتوفير جسور برية وبحرية بديلة لإنقاذ اقتصاد العدو، وعجز فاضح تبديه أنظمة أخرى اكتفت بمواقف التنديد اللفظي والبيانات الجوفاء، تاركةً فلسطين وأمن الأمة القومي نهباً للاستباحة اليومية.
سلاح المضائق ونفط العرب كأدوات كسر الهيمنة
وفي هذا السياق، تبرز الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية الفائقة للممرات المائية وسلاح النفط كأدوات ردع حاسمة في المعركة الراهنة. إن إطباق القبضة على مضيق هرمز وباب المندب قد أثبت عملياً أن شريان الحياة للاقتصاد الإمبريالي الغربي يقع تحت رحمة الإرادة المقاومة، مما عطل الملاحة الصهيونية وألحق خسائر فادحة بموانئ الاحتلال وعمّق أزمته البنيوية. هذا التحول النوعي يكشف هشاشة النظام الرأسمالي العالمي الذي يتغذى على ثروات مياهنا ونفطنا، ويوضح كيف يمكن لقطع الإمدادات أو تهديد خطوط الطاقة أن يربك الإدارة الأمريكية ويجبرها على مراجعة حساباتها العسكرية خوفاً من انهيار الأسواق العالمية، وهو السلاح الذي كان يفترض بالأنظمة العربية الرسمية تفعيله عوضاً عن التواطؤ المخزي.
برنامج النضال الشعبي وآليات المقاطعة الشاملة
أمام هذا المشهد القاتم، يبرز دور الجماهير العربية كصمام أمان أخير وكقوة دفع تاريخية قادرة على قلب الطاولة وتغيير مجرى الصراع. إن الجماهير العربية، من المحيط إلى الخليج، مدعوة اليوم لتجاوز حالة الصدمة والذهاب نحو تنظيم صفوفها في جبهة شعبية قومية عريضة تفك العزلة عن المقاومة الميدانية في غزة والضفة المحتلتين. لم يعد كافياً إطلاق صيحات الغضب في المسيرات الموسمية، بل يفرض الواجب القومي والتقدمي الانتقال إلى مرحلة العصيان المدني والضغط السياسي والاقتصادي الشامل على الأنظمة المتواطئة والعاجزة.
ويتجلى هذا الضغط الشعبي عبر تفعيل آليات المقاطعة الشاملة باعتبارها جبهة نضالية يومية يملكها كل مواطن عربي، وذلك من خلال:
  • المقاطعة السلعية الصارمة: حظر كافة المنتجات والشركات التابعة للدول الداعمة للكيان الصهيوني، واستبدالها بالمنتج المحلي أو البدائل القومية لتجفيف منابع التمويل الإمبريالي.
  • المقاطعة الثقافية والأكاديمية: رفض كافة أشكال التطبيع الثقافي، وملاحقة مروّجيه، وعزل المؤسسات الغربية التي تبرر إبادة الشعب الفلسطيني.
  • مناهضة الموانئ والشركات المتواطئة: قيام النقابات والعمال العرب بمقاطعة السفن والشركات التي تنقل البضائع للكيان عبر الممرات البرية أو البحرية الالتفافية التي توفرها الأنظمة المتواطئة.
  • المقاطعة الرقمية والمالية: سحب الودائع والمعاملات من المصارف الغربية الداعمة للعدوان، والتحول نحو منصات تواصل بديلة تحارب الرقابة المسلطة على السردية الفلسطينية.
خاتمة: حتمية النهوض التاريخي واسترداد المصير
إن وعي الشعوب وتفعيل هذه الأدوات العملية هو السلاح الفتاك الذي يخشاه التحالف الصهيوني-الإمبريالي. إن التاريخ يُعلمنا أن عروش التبعية والاستبداد مهما تجبّرت فإنها واهية أمام زحف الجماهير الواعية بحقوقها التاريخية. ولن يطول الزمن حتى تدرك هذه الأمة أن كسر قيود التبعية الرسمية هو الخطوة الأولى والأساسية لتحرير الأرض والمقدسات، وأن طوفان الغضب القادم لن يرحم المستعمرين ولا أدواتهم المحلية. فالنصر لخيارات الشعوب المقاومة، والخزي والعار لمهندسي الهزيمة والتطبيع

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...