الصفحات

الصفحات

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

قرات لكم "الخيار العسكري العربي " للفريق سعد الدين الشاذلي والواقع المأزوم بقلم الناصر خشيني

 


  
مقدمة

تظل الأدبيات العسكرية الجادة بوصلة تكشف أين أخطأ العرب الطريق، وكيف تآكلت عناصر القوة حتى عزّ الردع وباتت الأرض مستباحة. ومن أبرز هذه الأدبيات كتاب "الخيار العسكري العربي" [1]، الذي وضع فيه مؤلفه خلال ثمانينيات القرن الماضي رؤية استشرافية دقيقة لموازين القوى بين الكيان الصهيوني وسوريا. غير أن المسافة بين تلك القراءة وواقع اليوم لا تُفهم بوصفها انحساراً طبيعياً للقوة، بل بوصفها نتيجة مباشرة لانقلاب على السلطة قاده الشرع وميليشياته الإرهابية، التي لم تُسقط النظام لتحرر الأرض، بل لتسلّمها — بحكم تجنيدها وتمويلها الخليجي — لمعادلة الهيمنة الأمريكية الصهيونية نفسها.
المحور الأول: قراءة عام 1985 — وهم التوازن الاستراتيجي
صدر الكتاب عقب خروج مصر من دائرة الصراع المسلح بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد [2]، فانصرف التحليل إلى جبهة "الصمود والتصدي" المتبقية، وكانت سوريا ركيزتها الأساسية. اعتمد المؤلف دراسة إحصائية وميدانية صارمة لأعداد الدبابات والطائرات ونظم الدفاع الجوي، مقيّماً قدرة دمشق على تحقيق ما كان يسمى "التوازن الاستراتيجي" مع الكيان بحلول عام 1985 بدعم سوفيتي [3].
خلصت تلك القراءة إلى حقيقتين جوهريتين:
أن سوريا بمفردها، ورغم ترسانتها الضخمة، قادرة على توازن دفاعي يمنع اجتياحها بسهولة، لكنها عاجزة عن تفوق هجومي حاسم دون جبهة شرقية موحدة تضم العراق والأردن.
أن أزمة العرب الحقيقية ليست في نقص السلاح أو الرجال، بل في الضعف السياسي الداخلي وغياب الديمقراطية وتسخير المقدرات العسكرية لحماية الأنظمة بدل التحرير — تحذير مبكر يحمل طابع النبوءة، وقد تحقق بأبشع صوره حين استُبدل نظام بنظام أكثر عمالة لا أقل.
المحور الثاني: من جبهة المواجهة إلى أداة تنفيذ مباشرة للأجندة المعادية
لا يصح وصف ما جرى بعد سقوط النظام السابق بأنه "تراجع" أو "ضعف" تراكمي فقط، بل هو تحول نوعي: انتقال من جيش وظيفته المعلنة مواجهة الكيان، إلى سلطة قائمة بذاتها مهمتها تفكيك ما تبقى من مقومات المواجهة. فالشرع وميليشياته لم يكونوا قوة تحرر وطني عاجزة، بل كانوا من البداية أداة مجنّدة وممولة من دول الخليج المتحالفة مع المشروع الأمريكي، استُخدمت تحديداً لإسقاط سوريا من معادلة محور المقاومة، لا لتحريرها.
2.1 تحول العقيدة القتالية: لم يعد الهدف الأساسي مواجهة العدو الخارجي واستعادة الجولان المحتل، بل تحول السلاح كلياً نحو تأمين بقاء السلطة الجديدة وتصفية الحاضنة الشعبية الرافضة لها، أي أن البندقية التي كان يُفترض أن تُصوَّب نحو الجولان، أُعيد توجيهها نحو الداخل السوري نفسه.
2.2 استنزاف القدرات وتفكك السيادة: أدت الحرب المستمرة، وما تلاها من تسليم فعلي للقرار العسكري، إلى تدمير شبكات الدفاع الجوي واستنزاف الذخيرة وتفكك القوة البشرية المحترفة، حتى غدت الأجواء السورية مستباحة تماماً، تُقصف دمشق وحلب شبه يومياً دون رد، في مشهد يؤكد أن القرار لم يعد سورياً بل مرتهناً لمن مَوَّل ومكَّن الواصلين الجدد إلى السلطة.
2.3 المعضلة اللبنانية: إذا كان التدخل السوري السابق في لبنان يُبرَّر بحماية الخاصرة ومنع تطويق دمشق، فإن النفوذ السوري اليوم — في ظل سلطة لا تملك مشروعية المواجهة ولا نيتها — لم يعد عمقاً قومياً بأي معنى، بل تحول إلى ورقة تستخدمها قوى الهيمنة نفسها لإبقاء الساحة اللبنانية في حالة ضغط دائم.
المحور الثالث: التجنيد الخليجي وانضمام سوريا رسمياً لمحور العداء للتحرر العربي
هذا هو المحور الذي يفسّر جذر الانقلاب: لم تنتقل سوريا من موقع المواجهة إلى موقع الحياد، بل انتقلت إلى الضفة الأخرى رسمياً.
3.1 من ميليشيا مجندة إلى سلطة وظيفية: الإرهابيون الذين تصدّرهم الشرع لم يكونوا في أي لحظة تعبيراً عن إرادة تحرر شعبية، بل كانوا منذ تأسيسهم وتسليحهم وتمويلهم بأموال دول خليجية منضوية في الفلك الأمريكي، أداة مصممة لتنفيذ هدف محدد: إخراج سوريا من محور المقاومة بالقوة، وتحييد آخر جبهة بَرّية فاعلة في مواجهة الكيان.
3.2 الخدمة المباشرة للأجندة الصهيونية الأمريكية: النتيجة الميدانية لم تكن خدمة "غير مقصودة" أو "تماهياً ظرفياً" كما قد يُخيَّل لبعض القراءات المخففة، بل خدمة مباشرة ومقصودة: تأمين حدود الجولان المحتل بوصفها أأمن الجبهات للكيان، وتسليم الورقة السورية بالكامل لمن مَوَّلها. فالشرع وميليشياته لا "يخدمون بالنتيجة" المشروع الأمريكي الصهيوني، بل كانوا الأداة التي صُممت أصلاً لخدمته.
3.3 إضعاف محور المقاومة بانضمام نظامي معادٍ: خروج سوريا من محور المقاومة لم يكن فراغاً استراتيجياً عابراً، بل تحول إلى انضمام نظامي وفعلي لمعسكر القوى المعادية للتحرر العربي، بما يكمّل حلقة محاصرة هذا المحور من حدوده الشمالية، ويُجهز على ما تبقى من توازن ردع كان قائماً منذ ثمانينيات القرن الماضي.
خاتمة: نبوءة متحققة بأسوأ صورها
لو كان مؤلف "الخيار العسكري العربي" بيننا اليوم، لقال إن ما نشهده يتجاوز ما حذّر منه قبل أربعين عاماً: فهو لم يتخيل فقط أن تستهلك الأنظمة جيوشها في معارك البقاء، بل أن تُسلَّم الأرض بالكامل لسلطة مجنَّدة من الخارج لتنفيذ هذا التسليم بالذات. لقد خسرت سوريا توازنها الاستراتيجي يوم انتقل القرار فيها من أيدي من حاول — رغم كل قصوره — حماية الجبهة، إلى أيدي من جُنِّد ومُوِّل أصلاً لتفكيكها. والدرس البليغ هنا أن قوة الأوطان لا تُهزم فقط بالضعف الداخلي، بل تُسلَّم أحياناً عبر بوابة من يُقدَّم للشعوب كـ"بديل" بينما هو في حقيقته الأداة التنفيذية لإسقاط آخر خطوط المواجهة.
الهوامش والمراجع:
[1] سعد الدين الشاذلي، الخيار العسكري العربي، (بيروت، ثمانينيات القرن العشرين).
[2] اتفاقية كامب ديفيد، 1978–1979، بين مصر والكيان الصهيوني.
[3] تقديرات الشاذلي لميزان القوى السوري-الإسرائيلي استندت إلى الدعم العسكري السوفيتي لسوريا في إطار "جبهة الصمود والتصدي".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق