التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مأزق الفكر الإسلامي المعاصر: من النصوصية الحنبلية إلى "حاكمية" الدمار الذاتي بقلم: الناصر خشيني

 

مقدمة تمهيدية
تعيش الأمة العربية والإسلامية في الراهن السياسي والحضاري مأزقاً إبستمولوجياً (معرفياً) فادحاً، يتجلى في ارتهان العقل الجمعي لمنظومات تراثية صُنعت في مناخات الصراع السلطوي القروسطي. إن تفكيك هذا الانسداد الحضاري يتطلب شجاعة نقدية تضع اليد على الجرح التاريخي؛ حيث تحولت "النصوصية الحرفية" من مجرد اختيار فقهي فرعي إلى أيديولوجيا شاملة صادرت الروح التحريرية للقرآن، وأفرزت في طياتها معالم العنف والتكفير والدمار الذاتي الذي يمزق أوطاننا اليوم، مستبعداً قضايا الأمة الجوهرية وعلى رأسها مجابهة التمدد الصهيونية الاستعمارية.
أولاً: "مسند أحمد" وتحوير السلف إلى سلطة تشريعية
يتجلى المأزق الفكري الأول في بنية الأثر الروائي نفسه؛ حيث يمثل "مسند أحمد" أضخم مستودع جامع للروايات [1]، دون الاكتراث بشروط الصحة الصارمة. إن تراكم الأحاديث الضعيفة والموضوعة في تضاعيف هذا السفر التاريخي [2]، شرع الأبواب لولوج الخرافة والإسرائيليات التي تصطدم صِدَاماً صارخاً مع قيم القرآن المحكمة ومبادئ العدل والتوحيد والتنـزيه.
ومن تداعيات هذا الفكر النصوصي، جرى تحوير مفهوم "السلف الصالح" من سياقه الزمني الطبيعي—كجيل بشري تاريخي أصاب وأخطأ—إلى سلطة تشريعية مطلقة ونهائية تملك حق الوصاية على العقول [3]. لم يعد النص القرآني هو الحاكم بمقاصده الكلية، بل أصبحت "أفهام السلف" وبيئتهم القروسطية هي المعيار الإجباري الوحيد، مما أفرغ العقل من فاعليته وجعل الأمة ترتد بوعيها إلى الخلف، عاجزة عن صياغة إجابات لأسئلة عصرها الحديث.
ثانياً: محنة خلق القرآن والانقلاب السياسي في عصر المتوكل
ومع صعود الخليفة المتوكل العباسي، حدث الانقلاب الكبير وتأسست لحظة الركود المعرفي؛ إذ أدرك المتوكل أن العقلانية المعتزلية نخبوية، فقرر الانقلاب عليها وتصفيتها طمعاً في الولاء الشعبي [4]. فأصدر المراسيم السلطانية بتجريم علم الكلام وحظر البحث العقلي، ورُفع الإمام أحمد كرمز مطلق لمقاومة المحنة، ومُنحت مدرسته غطاءً شرعياً مقدساً للسلطة [5].
بذلك انحصر دور العقل في "تبرير النص" وشرعنة الاستبداد السياسي، حيث وجدت السلطة العباسية في النصوصية الحنبلية—التي تدعو لطاعة "ولي الأمر" وإن كان جائراً وتحرم الخروج عليه—الضمانة المثالية لقمع الثورات وتأبيد حكمها [6]، وتراجع الدعم الرسمي لحركة الترجمة والعلوم الطبيعية والفلسفية، واستُبدلت "دار الحكمة" بحلقات التحديث ونقل الآثار الركيكة.
ثالثاً: تجليات "الحاكمية" المعاصرة واستراتيجية التدمير الذاتي
إن الركود المعرفي والانتصار التاريخي للمدرسة النصوصية الحرفية لم يتوقف عند حدود الماضي، بل أنتج قفزة إبستمولوجية خطيرة نقلت النصوصية من مربع الجمود الفقهي إلى مربع "العنف المسلح والتكفير الشامل" عبر أطروحة سيد قطب في "معالم في الطريق" [7].
انتزع قطب الآيات القرآنية من سياقها المقاصدي، وأعلن أن المجتمعات المسلمة المعاصرة قد ارتدت إلى "الجاهلية الأولى" [8]، وأن الأنظمة والدول والتشريعات الوضعية هي أنظمة كفر صراح [9]. هذا التكفير الشامل أفرغ مفهوم المواطنة من قيمته وحوّل المجتمعات العربية إلى "ديار حرب" تجب استباحتها فكرياً ومادياً.
بناءً على أدبيات الحاكمية هذه، اعتبرت حركات العنف والتطرف (ابتداءً من جماعات التكفير والجهاد وصولاً إلى القاعدة وداعش) أن العدو الأقرب أولى بالقتال والمحاربة من العدو الأبعد [10]. وهذا الانحراف الفكري يفسر المفارقة الصارخة والتاريخية؛ ففي الوقت الذي عاثت فيه هذه التنظيمات فساداً وتدميراً وذبحاً في حواضر العرب والمسلمين، وفجّرت البنى التحتية وجيوش الأوطان، لم تمتد يدها يوماً وبأي أثر حقيقي لضرب الكيان الصهيوني المغتصب أو تهديد وجوده. لقد تحول الإرهاب بفعل "الحاكمية" إلى أداة مجانية لإنهاك الذات العربية وتمزيق نسيجها المجتمعي، مما قدم أكبر خدمة استراتيجية للمشاريع الاستعمارية والصهيونية في المنطقة.
رابعاً: المنظومة التعليمية السائدة وإعادة إنتاج التكلس المعرفي
إن استدامة هذا الفكر الجنائزي الحرفي في واقعنا المعاصر لا تتأتى من فراغ، بل تغذيها منظومات تعليمية بائسة وقائمة بالأساس على مناهج التلقين والحفظ، وإلغاء ملكة النقد والتساوُل لدى الناشئة [11]. إن مدارسنا وجامعاتنا الدينية والتقليدية لا تزال تعيد إنتاج العقل الحنبلي النصوصي عبر تدريس فروع الفقه القروسطي باعتبارها ثوابت عابرة للزمان والمكان.
يتم حشو أذهان الطلاب بالركام الروائي دون تمحيص مقاصدي أو تاريخي، ويُربى الطالب على الطاعة والاتباع ونبذ الابتداع العلمي، مما يجعل هذه البيئات التعليمية المفرخ الحقيقي والمغذي الأساسي للعقول المستعدة لتقبل أطروحات "الحاكمية" والتكفير. إن غياب الفلسفة، والعلوم الإنسانية الحديثة، والمنهج البرهاني عن برامجنا التعليمية هو الجريمة المعرفية المتواصلة التي تؤمن استمرار ركودنا وحمايتنا للجهل المقدس [12].
خامساً: خارطة الطريق نحو فقه مقاصدي بديل
للانعتاق من هذا الانسداد التاريخي والفكري، لم يعد يكفي الاكتفاء بنقد التراث أو البكاء على أطلال العقلانية الضائعة. بل بات من الضروري صياغة "خارطة طريق معرفية" بديلة تتكون من:
  1. إعادة ترتيب الهرم المعرفي: بإعادة القرآن الكريم بوصفه المرجعية المهيمنة والوحيدة المطلقة، وردّ ورفض أي رواية أو حديث—مهما بلغت درجة تدوينه الحرفي—إذا صدم قيم القرآن الكبرى كالحرية، والعدل، والكرامة الإنسانية [13].
  2. الانتقال إلى فقه الغايات: بإعلاء المقاصد الكبرى وأنسنتها لتشمل الغايات الإنسانية الحديثة والملحة، مثل: التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، وحقوق المواطنة الشاملة، والحرية الفكرية.
  3. تحرير الاجتهاد: بانفتاح الفقه المقاصدي الجديد على العلوم الإنسانية المعاصرة (علم الاجتماع، الاقتصاد، العلوم السياسية) ليكون التشريع منبثقاً من وعي عميق وحقيقي بالواقع الإنساني المتغير ومستوعباً لتعقيداته.
  4. علمنة المعاملات وفصل الفقهي عن العقدي: التأكيد على أن فقه المعاملات وإدارة الدولة والمجتمع هو فضاء عقلي مصلحي دنيوي بامتياز، يخضع لمنطق المنفعة الإنسانية أينما كانت؛ "حيثما وُجدت المصلحة فثمّ شرع الله" [14]، وصيانة حرية الاعتقاد والتفكير كحق إنساني مقدس ومطلق كفله القرآن.
خاتمة استشرافية
إن الخروج من نفق النصوصية المظلم والتحرر من أيديولوجيا "الحاكمية" ليس خياراً ترفياً أو مجرد ترف فكري، بل هو معركة وجودية ومصيرية لاسترداد الذات الحضارية العربية والنهوض بها. إن إرساء فقه المقاصد والبرهان وتحرير المنظومة التعليمية هو السبيل الوحيد لإعادة الدين إلى غايته الحقيقية: طاقةً تحريرية شاملة تبني الإنسان والأوطان، وتعيد توجيه بوصلة الصراع والتنمية نحو مواجهة القوى الاستعمارية وحلفائها، من أجل بناء مجتمعات الحرية، والعدالة، والكرامة المستدامة.

الهوامش والمراجع الأكاديمية:
  • [1] السيوطي، جلال الدين. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. تحقيق: أحمد عمر هاشم. القاهرة: دار الكتاب العربي، ص 55-58. (حيث يذكر أن عدد أحاديث المسند يقارب 40 ألف حديث بالمكرر، وانتقاها أحمد من 750 ألف حديث).
  • [2] ابن الجوزي، أبو الفرج. الموضوعات من الأحاديث المرفوعات. تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان. المدينة المنورة: المطبوعة السلفية، ج 1، ص 34-40. (أفرد فيه الأحاديث الموضوعة وشديدة الضعف التي دخلت تضاعيف المسند).
  • [3] الجابري، محمد عابد. بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 9، ص 251-260. (يتناول فيه تفكيك آليات تحول فقه السلف إلى سلطة إبستمولوجية وتشريعية مطلقة).
  • [4] اليعقوبي، أحمد بن إسحاق. تاريخ اليعقوبي. بيروت: دار صادر، ج 2، ص 484. (يوثق اللحظة التاريخية لمرسوم المتوكل بالمنع التام لعلم الكلام والمناظرة الفلسفية).
  • [5] الذهبي، شمس الدين. سير أعلام النبلاء. تحقيق: شعيب الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، ج 11، ص 290-310. (يفصل أحداث فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد وتوظيفها اللاحق في عصر المتوكل).
  • [6] ابن حنبل، أحمد. كتاب السنة. تحقيق: عبد الله بن أحمد بن حنبل. الدمام: دار ابن القيم، ص 45-52. (يؤصل لقاعدة طاعة الإمام الجائر وتحريم الخروج عليه كأصل عقدي عند أهل الأثر).
  • [7] قطب، سيد. معالم في الطريق. القاهرة: دار الشروق، ط 10، ص 5-12.
  • [8] المرجع نفسه، ص 21-25. (فصل: "طبيعة المنهج القرآني" ونظرية ارتداد المجتمعات الحالية للجاهلية الأولى).
  • [9] المودودي، أبو الأعلى. المصطلحات الأربعة في القرآن. بيروت: دار القلم، ص 92-105. (وهو المصدر الأساسي الذي استقى منه قطب فلسفة الحاكمية والربوبية السياسية).
  • [10] فرج، محمد عبد السلام. الفريضة الغائبة. (الوثيقة الأيديولوجية لتنظيم الجهاد المصري التي قعدت لقتال "العدو الأقرب" استناداً لإرث الحاكمية والجاهلية القطبية).
  • [11] أركون، محمد. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة: هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، ص 112-120. (يناقش فيها أثر غياب الفكر البرهاني عن مناهج التعليم الديني التقليدي العربي).
  • [12] العظم، جلال صادق. نقد الفكر الديني. بيروت: دار الطليعة، ص 45-60.
  • [13] شحرور، محمد. الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة. دمشق: الأهالي للطباعة والنشر، ص 180-195. (يفصل فيه إعادة ترتيب الهرم المعرفي بإرجاع الحاكمة المطلقة للنص القرآني).
  • [14] ابن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية. تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة. تونس: الشركة التونسية للتوزيع، ص 88-102. (المرجع الأساسي لتأصيل فلسفة مصلحة الإنسان وغايات التشريع الكبرى).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...