قائمة المدونات الإلكترونية

الاثنين، 29 يونيو 2026

كشف حقيقة الداعية عمرو خالد دراسة نقدية تحليلية بقلم: الناصر خشيني



صنعاء نيوز — الخميس 25 فبراير 2016م

أولاً: المقدمة

في ظاهرة لافتة للنظر، استطاع عمرو خالد أن يتحول من محاسب مغمور إلى داعية تلفزيوني يُحصي مريدوه بالملايين في غضون سنوات قليلة، وهو ما يستحق التأمل والدراسة. فهل كان ذلك ثمرةَ علمٍ راسخ وفقهٍ عميق؟ أم أن ثمة عوامل أخرى أسهمت في صناعة هذه الظاهرة الإعلامية؟

تسعى هذه الدراسة إلى تناول المسألة بالبحث والتمحيص، من خلال استعراض مسيرة الرجل، ومصادر تمويله، وأبرز الانتقادات العلمية الموجهة إليه، مع الإشارة إلى أهم صراعاته مع علماء المسلمين وأجهزة الأنظمة العربية.

ثانياً: السيرة الذاتية والمسيرة المهنية

أ ـ النشأة والتعليم

ينتمي عمرو خالد إلى أسرة مصرية ميسورة، وُلد بمدينة الإسكندرية عام 1967م. حصل على بكالوريوس تجارة من جامعة القاهرة عام 1988م، وهو تخصص لا صلة له بعلوم الشريعة الإسلامية. ويُشير بعض المصادر إلى حصوله لاحقاً على ليسانس في الدراسات الإسلامية، غير أن التفاصيل المتعلقة بهذه الشهادة تظل ملتبسة وغير موثقة على نحو كافٍ، مما يثير تساؤلات جدية حول الخلفية العلمية الشرعية لهذا الرجل. [1]

ب ـ المسيرة المهنية قبل الدعوة

بعد تخرجه، عمل خالد في أحد مكاتب المحاسبة قرابة سبع سنوات، ثم أسس مكتب محاسبة خاصاً به. ولم تبدأ رحلته الدعوية إلا في أواخر عام 1999م، حين شرع في إلقاء الدروس الدينية في نادي الصيد بحي الدقي بالقاهرة. [2]

ج ـ صعوده الدعوي والإعلامي

انتقل خالد تدريجياً من نادي الصيد إلى مسجد الحصري بالعجوزة، ثم إلى مسجد المغفرة، وصولاً إلى مسجد الحصري في مدينة 6 أكتوبر بعد أن ضاقت المساجد بجموع مريديه. وكان الباب الإعلامي الكبير قد فتحه له رجل الأعمال السعودي الشيخ صالح كامل، صاحب مجموعة راديو وتليفزيون العرب (ART)، إذ أطل عبر قناة "إقرأ" ليُطلق بذلك نجوميته على مستوى العالم العربي. [3]

د ـ أبرز برامجه التلفزيونية

ونلتقى الأحبة (2001م — ثلاثة مواسم)

حتى يغيروا ما بأنفسهم

خواطر قرآنية

محاضرات رمضانية

صناع الحياة

على خطى الحبيب

باسمك نحيا

إسلامنا — على شاشة التليفزيون المصري

ثالثاً: مصادر التمويل وبصمات البترودولار

لا يمكن فهم ظاهرة عمرو خالد بمعزل عن منظومة التمويل التي أسندتها، إذ يُقدَّر ما يتلقاه سنوياً بنحو مليونين ونصف المليون دولار. وتتمركز جميع برامجه تحت مظلة إنتاجية واحدة هي مجموعة راديو وتليفزيون العرب المملوكة للملياردير السعودي صالح كامل، مما يجعل بصمات البترودولار السعودي حاضرةً وجليّة في كل خطوة من خطوات مسيرته. [4]

ويرى المراقبون أن ما أوصله إلى قمة الشهرة ليس ما يقدمه من دروس تثويرية تدعو الشباب إلى مواجهة الظلم والهيمنة الأجنبية، بل إرادة سياسية رجعية سعت إلى توظيف قدرته الاستثنائية على استقطاب الشباب في خدمة أجنداتها، فكانت الصفقة.

رابعاً: أبرز الصراعات والمواقف

أ ـ الخروج من مصر والبعد الأمني

غادر عمرو خالد مصر مطلع الألفية الثالثة مستقراً في لبنان، وتشير الروايات إلى أن تنامي شعبيته من جهة، وخلفيته الإخوانية من جهة أخرى، كانا وراء هذا القرار. ورفض خالد التعليق على الأمر في حينه. [5]

ب ـ أزمة الرسوم المسيئة للرسول ﷺ

أثار سفر خالد إلى الدنمارك بدعوى عقد مؤتمر حواري لتصحيح صورة الإسلام موجة واسعة من الانتقادات؛ إذ اعتبره المتشددون تفريطاً في حق الأمة، فيما اتهمته الجالية الإسلامية في الدنمارك بتجاهلها وعدم التنسيق معها رغم تصريحه بسعيه إلى "توحيد صفهم". [6]

ج ـ انتقاد الشيخ يوسف القرضاوي

وجّه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في برنامجه "الشريعة والحياة" على قناة الجزيرة انتقاداً حاداً لعمرو خالد، مستنكراً سفره إلى الدنمارك دون اشتراط اعتذار الحكومة أو الصحيفة المسيئة. وكشف القرضاوي أن خالداً كان قد دعاه للمشاركة في المؤتمر ذاته فرفض، معرباً عن رأيه بأن هذا التوجه يقطع الطريق على الأمة الإسلامية في التعبير عن غضبها المشروع. كما أفصح القرضاوي عن أن الدكتور محمد سليم العوا دخل بدوره في خلاف مع خالد على هذه التوجهات. [7]

د ـ الاستدعاء الأمني وملف الرئاسة

استدعت جهة أمنية مصرية الداعية عمرو خالد للتحقيق بشأن صفحة تحمل اسمه على موقع فيسبوك تهاجم النظام وتدعو إلى ترشيحه لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2011م. وكانت هذه الصفحة قد استقطبت نحو عشرة آلاف مؤيد. [8]

وأبدى قياديون في الحزب الوطني الديمقراطي المقربون من الرئيس مبارك استياءهم مما وصفوه بمحاولة تأليب الشعب على رئيسه. ويُرجَّح أن خالداً تلقى تحذيراً أمنياً شديد اللهجة يدعوه إلى الكف عن مهاجمة النظام.

خامساً: الانتقادات العلمية والمنهجية

أ ـ الإساءة إلى مقام الأنبياء

قال عمرو خالد في برنامج "ليالي رمضان" (28 رمضان 1442هـ) ما مفاده أن موسى عليه السلام حين طلب المطر وأمره الله بضرب الحجر بعصاه، قال لربه: "يا رب، أنا أريد المطر"، فأجابه الله: "يا موسى، خَلِّ عندك ثقة". وهذا الكلام المنسوب إلى نبي كريم فيه افتراء صريح، إذ كيف يُتصوَّر في نبي اصطفاه الله وكلّمه تكليماً أن تنقصه الثقة بوعد ربه؟ تعالى الله وتنزّه عما وصفه عمرو. [9]

ب ـ ابتداع الإفتاء الجماعي بغير علم

ابتدع خالد أسلوباً خطيراً لم يُسبق إليه، يقوم على استطلاع آراء الشباب المجتمعين حوله في المسائل الدينية، مما يُجرئهم على التحليل والتحريم بغير علم ولا هدى، ويفتح باب الإلحاد ونسبية الحكم الشرعي على مصراعيه. [10]

ج ـ الأخطاء اللغوية والنحوية

يُلاحَظ على خالد كثرة الأخطاء اللغوية والنحوية بشكل لافت، حتى في المواضع التي يتعمد فيها التحدث بالفصحى، مما يكشف عن خلل واضح في الضبط اللغوي لنصوص الشريعة. [11]

د ـ الاضطراب في التخريج الحديثي

في كتابَيه "عبادات المؤمن" و"أخلاق المؤمن"، التزم بتخريج الأحاديث في بعض المواضع وأغفلها في مواضع أخرى، فضلاً عن أن التخريج المذكور ينطوي على أخطاء وأوهام متعددة لا تخفى على أهل الاختصاص. [12]

هـ ـ التناقض في الاسم والسيرة

قدّم خالد نفسه لمراسل صحيفة "الرأي العام" باسم: عمرو محمود حلمي خالد، بينما ورد اسمه في غلاف كتابه "عبادات المؤمن": عمرو محمد حلمي خالد. كذلك أجاب في مقابلة مع مجلة "سيدتي" بأنه تلقى تعليمه في الخارج، في حين تُفيد الترجمة الواردة في الغلاف الأخير من كتابه بأن دراسته كانت في مصر. [13]

سادساً: الخلاصة والاستنتاجات

من خلال ما سبق يتضح أن ظاهرة عمرو خالد ليست وليدة العلم الراسخ والفقه العميق، بل هي في جوهرها صناعة إعلامية ممولة بالبترودولار السعودي، خُطِّطَ لها بعناية لتقديم الإسلام في صورة منزوعة الأنياب، بعيدة عن الدعوة إلى رفض الظلم ومقاومة الهيمنة الأجنبية.

والغريب أن تتسامح السلطات البريطانية مع ندوات هذا الداعية ومؤتمراته في الوقت الذي تعتقل فيه المسلمين، كما أن الحكومة الدنمركية أبدت ارتياحاً بالغاً لمبادرته، وهو ما يُعد في حد ذاته مؤشراً دالاً لمن أراد الفهم.

وفي المقابل، يعاني الدعاة الحقيقيون الذين يتحدثون الحق ويدعون إلى نصرة المستضعفين من الحرمان والخصاصة في هذه الدنيا، وإن كان أجرهم عند الله كبيراً.

المراجع والمصادر

[1] الترجمة الذاتية لعمرو خالد كما وردت في كتابه "عبادات المؤمن"، الطبعة الأولى.

[2] تحقيق صحيفة المصريون المصرية حول مسيرة عمرو خالد الدعوية، 2005م.

[3] شبكة قناة إقرأ الفضائية — أرشيف البرامج الدينية، 2001—2005م.

[4] تقرير استقصائي حول تمويل الدعاة الفضائيين، صنعاء نيوز، فبراير 2016م.

[5] صحيفة الشرق الأوسط، تقارير متعلقة بمغادرة عمرو خالد لمصر، 2002م.

[6] بيان الجالية الإسلامية في الدنمارك حول مؤتمر عمرو خالد، 2006م.

[7] برنامج الشريعة والحياة، قناة الجزيرة — حلقة الشيخ يوسف القرضاوي، 2006م.

[8] صحيفة المصريون — الاستدعاء الأمني لعمرو خالد، 2010م.

[9] برنامج ليالي رمضان لعمرو خالد، قناة مجد، 28 رمضان 1442هـ.

[10] الناصر خشيني، دراسات نقدية في مناهج الدعوة المعاصرة، مخطوطة غير منشورة، 2015م.

[11] مقابلة عمرو خالد مع مجلة سيدتي، العدد 1240، 2004م.

[12] عمرو خالد، عبادات المؤمن — دراسة نقدية للتخريجات الحديثية، إعداد: أ. الناصر خشيني.

[13] مقارنة بين ترجمة عمرو خالد في كتابَيه ومقابلاته الصحفية، أرشيف صحية الرأي العام الكويتية.

الأستاذ الناصر خشيني، أستاذ الدراسات الإسلامية، باحث متخصص في نقد الخطاب الديني المعاصر. نُشر هذا المقال أصلاً في صنعاء نيوز بتاريخ 25 فبراير 2016م.

الأحد، 28 يونيو 2026

دمشق: قلب التاريخ النابض وبوابة الحضارة العربية بقلم الناصر خشيني



تعد مدينة دمشق واحدة من أبرز الحواضر العالمية التي صاغت وجه التاريخ الإنساني. فكل زاوية من أزقتها العتيقة تروي فصلاً من فصول الحضارة والتطور البشري، مما يجعلها نقطة انطلاق مثالية للتعريف بالمدن العربية ذات القيمة التاريخية الاستثنائية.
 النشأة والتاريخ: أقدم عاصمة في العالم
تُجمع المصادر التاريخية والأثرية على أن دمشق هي أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ البشري. على مر العصور، تعاقبت عليها أمم وحضارات تركت كل منها بصمة لا تُمحى في هويتها المعمارية والثقافية:
  • الآراميون: جعلوا منها عاصمة لمملكتهم في الألف الأول قبل الميلاد، وأسسوا لنظام ري متطور ومتفرع من نهر بردى أحيا غوطتها الشهيرة.
  • الرومان والبيزنطيون: أعادوا تخطيط شوارعها على النسق الشطرنجي، وبنوا أسوارها الحصينة وأبوابها التي لا تزال قائمة.
  • العصر الأموي: وصلت المدينة إلى ذروة مجدها السياسي والحضاري عندما اختارها الأمويون عاصمة لخلافتهم، لتتحول إلى مركز لإدارة دولة ترامت أطرافها من حدود الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً.
 أعمدة الحضارة: أبرز المعالم والمواقع الأثرية
تضم دمشق داخل أسوارها القديمة وخارجها منظومة أثرية فريدة تعكس هذا التنوع الثقافي الهائل:
  • الجامع الأموي الكبير: درة العمارة الإسلامية وجوهرة المدينة. يتميز بمآذنه الثلاث الشاهقة، وفصائصه الزجاجية والذهبية ذات الطراز البيزنطي، ويضم في جوفه ضريح النبي يحيى (عليه السلام).
  • أبواب دمشق السبعة: المعالم الشاهدة على السور الروماني القديم الذي كان يحمي المدينة، ومن أبرزها باب توما، وباب شرقي، وباب الجابية، وباب كيسان.
  • قصر العظم: نموذج حي للبيت الدمشقي التقليدي، يمثل عبقرية العمارة في العهد العثماني بفسحاته السماوية الواسعة، بحيراته المائية، وزخارفه الخشبية الملونة (العجمي).
  • سوق الحميدية والتكية السليمانية: مراكز حيوية تجمع بين النشاط التجاري التقليدي والجمال المعماري المسقوف الذي يعود لمئات السنين، حيث تلتقي الحرف اليدوية بالهندسة العثمانية والمملوكية.
 الحاضر والحياة الاجتماعية
رغم عوادي الزمن وتبدل الأحوال، تظل دمشق تنبض بالحياة في حاراتها الضيقة المرصوفة بالجرانيت. هنا، يمتزج أريج الياسمين الدمشقي برائحة القهوة والتبغ في المقاهي التاريخية كمقهى النوفرة، حيث لا يزال "الحكواتي" يروي سيرة أبطال العرب. وتستمر الأسواق الشعبية والمطابخ التراثية في تقديم نكهاتها الأصيلة التي تعكس كرم الضيافة الشامية المعهودة.
 خاتمة المقال
تبقى لدمشق مكانة لا تتزعزع في وجدان الأمة العربية كرمز للعراقة، والأصالة، والعمق الثقافي. ومع ذلك، لا يمكن للقارئ والمتأمل في واقعها اليوم إلا أن يشعر بالأسف الشديد والأسى لما آلت إليه أحوال هذه الحاضرة العظيمة؛ إذ باتت محكومة بقوى وتوازنات تعمل وفق أجندات ومصالح أجنبية معادية لتطلعات الأمة العربية ومستقبلها، وسط مشهد سياسي يرتضي التبعية ويتقبل الإملاءات والاعتداءات الصهيونية المتكررة على أراضيها دون رد حقيقي أو سيادي، مما يتناقض تماماً مع تاريخ دمشق المشرّف كقاعدة للمقاومة ومركز للسيادة والكرامة العربية عبر العصور

القيروان: حاضرة المغرب العربي ومشكاة الحضارة الإسلامية بقلم الناصر خشيني



تحتل مدينة القيروان التونسية مكانة استثنائية في الوجدان العربي والإسلامي؛ فهي لم تكن مجرد مدينة عابرة في جغرافيا المغرب العربي، بل كانت منطلقاً لقرون من الإشعاع الفكري، والديني، والعسكري الذي غير وجه المنطقة. تأسست القيروان لتكون "معسكر الأمة" الحصين، وتحولت سريعاً إلى عاصمة علمية وحضارية نافست بغداد وقرطبة. 
 التأسيس والنشأة: درع العروبة والإسلام
أُسست القيروان عام 50 للهجرة (670 ميلادي) على يد القائد الأموي عقبة بن نافع. واختار لها موقعاً استراتيجياً في قلب السهول التونسية بعيداً عن السواحل لحمايتها من غارات البيزنطيين البحرية. [1, 2, 3]
  • الاسم والدلالة: اشتق اسم المدينة من المعنى الفارسي "كاروان" (المعسكر أو محط الرحال)، لتكون قاعدة انطلاق للفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا والأندلس. 
  • عاصمة الأغالبة: بلغت المدينة أوج ازدهارها السياسي والمعماري في عهد الدولة الأغلبية (القرن الثالث الهجري)، حيث أصبحت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي بأكمله. 
 شواهد الحضارة: أبرز المعالم التاريخية في القيروان
تزخر المدينة العتيقة، المصنفة كإرث عالمي من طرف اليونسكو، بمعالم هندسية استثنائية تحكي قصة تفوق المسلمين في شتى العلوم: 
  • جامع عقبة بن نافع (الجامع الكبير): أيقونة العمارة الإسلامية في المغرب العربي. يتميز بمئذنته المربعة الشامخة التي تعد الأقدم من نوعها، وبمنبره المصنوع من خشب الساج الذي يُعد أقدم منبر إسلامي محفوظ في العالم. كما يضم بيت الصلاة فيه مئات الأعمدة الرخامية البديعة. 
  • فسقيات الأغالبة: أعظم منشأة مائية في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى. هي عبارة عن أحواض مائية دائرية ضخمة صُممت بعبقرية هندسية فائقة لتجميع مياه الأمطار وتزويد المدينة بالمياه، مما جعلها تتغلب على شح الموارد المائية في المنطقة. 
  • مقام الصحابي أبي زمعة البلوي (سيدي الصحبي): معلم روحي ومعماري فائق الجمال. يضم ضريح الصحابي الذي كان يحمل معه خصلات من شعر الرسول ﷺ، ويتميز المقام بزخارف الخزف (الزليج) والنقوش الجصية الأندلسية والمغربية. 
  • جامع الأبواب الثلاثة: أحد أقدم المساجد التي تمتاز بواجهتها المنقوشة بالخط الكوفي البديع والزخارف النباتية والهندسية، مما يجعله وثيقة تاريخية معمارية فريدة. [1]
  • بئر بروطة وسوق الربع: قلب المدينة العتيقة النابض. حيث ترتبط الذاكرة الشعبية ببئر بروطة التاريخي، وتحيط به أسواق الحرف التقليدية لاسيما صناعة "الزربية القيروانية" (السجاد المنسوج يدوياً) الشهيرة عالمياً. [1, 2]
 القيمة الثقافية والفكرية
لم تكن القيروان مجرد عمارة، بل كانت مدرسة فكرية رائدة. فمن خلال "بيت الحكمة" القيرواني وجامع عقبة، تخرج أبرز علماء الفقه، والطب، والأدب مثل الإمام سحنون وابن الجزار القيرواني، لتكون القيروان الممهد الحقيقي لنشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية في كامل ربوع المغرب الكبير. 
 خاتمة المقال
تظل القيروان بوابتنا المشرقة نحو فهم عمق الهوية العربية والإسلامية في شمال إفريقيا، وشاهداً حياً على عظمة الأجداد الذين طوعوا الحجر والماء لبناء حضارة إنسانية خالدة. إن قلم ابن القيروان البار، ومعه كل غيور على تاريخ هذه الأمة، ينظر اليوم إلى ربوعها بكثير من الفخر والإجلال، متطلعاً إلى أن تستعيد حواضرنا التاريخية دورها القيادي كمنارات للعلم والكرامة والسيادة، وأن تظل القيروان دائماً كما أرادها مؤسسوها: حصناً منيعاً لروح الأمة وعروبتها

بغداد: منارة المجد التليد والجرح العربي الذي لم يندمل بقلم الناصر خشيني



إذا كانت دمشق أقدم عواصم التاريخ، والقيروان درع المغرب العربي، فإن بغداد هي قلب الخلافة العباسية النابض ودار السلام التي ألهمت العالم لقرون بعلومها وفنونها. لكن الحديث عن بغداد اليوم يمزج بين الفخر بالماضي العظيم، والأسى العميق على حاضرها الذي يمثّل جرحاً نازفاً في الوجدان العربي منذ الغزو والاحتلال الأمريكي الغاشم عام 2003.
 التأسيس والنشأة: عاصمة الدنيا ودار السلام
أُسست بغداد عام 145 للهجرة (762 ميلادي) على يد الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور، الذي اختار لها موقعاً عبقرياً على ضفاف نهر دجلة.
  • المدينة المدورة: بُنيت بغداد في البداية على شكل دائري هندسي فريد يرمز للكمال، وأُحيطت بأسوار منيعة ولها أربعة أبواب لضمان حمايتها.
  • عصرها الذهبي: بلغت المدينة ذروة مجدها الإنساني والحضاري في عهد الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، حيث تحولت إلى عاصمة العالم الثقافية والسياسية، ومقصداً لطلبة العلم من الشرق والغرب.
شواهد الحضارة: أبرز معالم بغداد التاريخية والأثرية
رغم تعرضها لعدة نكبات عبر التاريخ (أبرزها الغزو المغولي بقيادة هولاكو عام 1258)، حافظت بغداد على شواهد حضارية تؤكد أصالتها:
  • المدرسة المستنصرية: أقدم جامعة إسلامية متكاملة في العالم، أسسها الخليفة المستنصر بالله عام 1233 للميلاد، وكانت تُدرس فيها علوم الطب، الفلك، الفقه، واللغة العربية، وتمتاز بهندستها المعمارية البديعة على ضفاف دجلة.
  • جامع الإمام الأعظم (أبو حنيفة النعمان): يقع في منطقة الأعظمية، وهو صرح إسلامي وعلمي كبير يضم مرقد الإمام أبي حنيفة، ويُعد مركزاً روحياً وثقافياً بارزاً في تاريخ المدينة.
  • شارع المتنبي وسوق السراي: الشريان الثقافي والفكري لبغداد، حيث يلتقي الأدباء والشعراء والمفكرون بين مئات المكتبات والمقاهي التراثية الشهيرة مثل مقهى الشابندر.
  • قصر العباسي ونصب الحرية: معالم تجمع بين عبقرية العمارة العباسية القديمة، والتعبير عن روح التحرر والنهضة في العصر الحديث من خلال نصب الفنان جواد سليم في ساحة التحرير.
 مأساة بيت الحكمة وبناء الحضارة
كانت بغداد حاضنة "بيت الحكمة"، أعظم خزانة كتب ومؤسسة علمية وترجمية في العصور الوسطى، والتي بفضلها أُنقذت العلوم اليونانية والفارسية وصُهرت في قالب اللغة العربية، لتقدم للعالم علماء غيروا مجرى التاريخ كـ "الخوارزمي" في الرياضيات، و"الكندي" في الفلسفة.
 خاتمة المقال: الجرح المستمر منذ 2003
يبقى اسم بغداد مرادفاً للشموخ، غير أن التأمل في واقعها الحالي يثير غصة وألماً لا يزولان. فمنذ احتلالها المشؤوم في عام 2003 على يد قوى الاستعمار الغربي، فُتح في جسد هذه الحاضرة العريقة جرحٌ عميق لم يندمل بعد. لقد تعرضت بغداد لعملية ممنهجة لتدمير دولتها، وتخريب هويتها العربية، ونهب متاحفها وآثارها التي توثق فجر الحضارة البشرية.
إن بغداد اليوم، وهي تعاني من تبعات المحاصصة والتدخلات الإقليمية والدولية التي مزقت نسيجها، تقف شاهدة على حجم المؤامرة التي تستهدف مراكز الثقل القومي العربي. ومع ذلك، فإن قلم الكاتب العربي المؤمن بأمته يثق تماماً بأن دجلة والفرات سيبقيان يغذيان روح المقاومة والعروبة في هذه المدينة العظيمة، لتنفض عنها يوماً غبار التبعية والاحتلال، وتستعيد مكانتها كتاج على رأس الأمة العربية.

القدس: زهرة المدائن ومهد الأنبياء وعنوان الصمود العربي بقلم الناصر خشيني



ليست القدس مجرد مدينة من حجر وأسوار، بل هي عقيدة، وتاريخ، وهوية تختزل في جنباتها قضية الأمة العربية بأسرها. هي "زهرة المدائن" التي تلاقت فوق أرضها السماء بالأرض، فكانت مهد الأنبياء ومحط رحال الفاتحين. تقف القدس اليوم شامخة برغم كل محاولات التهويد، لتبث في روح الأمة معاني الصمود والتمسك بالحق التاريخي والوجودي.
 التأسيس والعراقة: الجذور الكنعانية الراسخة
يمتد تاريخ القدس إلى أكثر من 5000 عام، وهي واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وتؤكد الشواهد الأثرية على هويتها الأصلية:
  • اليبوسيون الكنعانيون: هم أول من بنى المدينة وأسسها في الألف الثالث قبل الميلاد، واختاروا لها موقعاً حصيناً يُعرف اليوم بـ "تلة الظهور" أو "مدينة داود"، وأطلقوا عليها اسم "أورساليم" (وتعني مدينة السلام أو إله السلام الكنعاني)، مما يقطع دابر الأكاذيب الصهيونية حول أصل المدينة.
  • الفتح الإسلامي العظيم: في عام 15 هجرية (636 ميلادي)، دخلها الخليفة عمر بن الخطاب صلحاً، وكتب لأهلها "العهدة العمرية" التي أمنتهم على كنائسهم وأموالهم، لتبدأ القدس عصرها العربي الإسلامي الممتد.
 شواهد الحضارة: معالم التآخي الروحي والعمارة الخالدة
تضم القدس العتيقة داخل أسوارها العالية، التي أعاد بناءها السلطان العثماني سليمان القانوني، أقدس المعالم الإنسانية والروحية:
  • المسجد الأقصى المبارك: أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى الرسول محمد ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج. يمتد على مساحة واسعة تضم الجامع القِبلي ذو القبة الرصاصية، ومصلى مروان، والساحات والمدارس التاريخية.
  • قبة الصخرة المشرفة: الدرة المعمارية الأموية البديعة التي بناها الخليفة عبد الملك بن مروان. تمتاز بقبتها الذهبية الشامخة وثمانيتها الهندسية، وكسوتها من الفسيفساء والقاشاني الأزرق، وهي قلب المسجد الأقصى.
  • كنيسة القيامة: أقدس الكنائس المسيحية في العالم، تقع في حارة النصارى بالبلدة القديمة، وتضم القبر المقدس، وتعتبر شاهداً حياً على عمق العيش المشترك والتآخي العربي الإسلامي المسيحي عبر القرون.
  • حارة المغاربة وأسواق القدس: أسواق عريقة تفوح منها رائحة التوابل والزعتر والقهوة العربية مثل سوق القطانين وسوق خان الزيت، والتي تعكس صمود التجار المقدسيين أمام التضييق الاقتصادي الصهيوني.
 القيمة الحضارية والإنسانية للقدس
شكلت القدس عبر العصور مركزاً إشعاعياً وروحياً وفكرياً، فبُنيت فيها المدارس التراثية (كالمدارس الأيوبية والمملوكية) والرباطات والتكايا التي كانت تأوي الحجاج والعلماء من كل حدب وصوب (مثل تكية خاصكي سلطان). ظلت المدينة دائماً رمزاً للعدالة الإنسانية عندما كانت تحت السيادة العربية، وملاذاً آمناً لجميع أصحاب الشرائع.
 خاتمة المقال: القضية النابضة والرفض المطلق للتهويد
تبقى القدس زهرة المدائن، وقبلة الأحرار، وعاصمة فلسطين الأبدية التي لا تقبل القسمة ولا التزوير. إن المتأمل في واقعها اليوم، يشهد حجم الهجمة الصهيونية الشرسة والممنهجة لعزل المدينة، وقضم أراضيها، واقتحام مقدساتها، ومحاولة طمس معالمها الكنعانية والعربية من خلال الاستيطان والتهجير القسري لأهلها المرابطين.
واني على ثقة تامة أن كل هذه المحاولات ستتحطم على صخرة صمود المقدسيين الشجعان. إن القدس كانت وستبقى الرافعة لمعنويات الأمة والبوصلة التي لا تخطئ نحو الحرية والكرامة والسيادة الكاملة؛ فلا سلم ولا سلام دون تحرير كامل لزهرة المدائن وإعادتها لحضنها العربي الطبيعي، لتظل منارة للسلام الحق، مطهرة من دنس الاحتلال والعدوان

القاهرة: حاضرة التاريخ وقاهرة المعتدين وعاصمة العروبة النابضة بقلم الناصر خشيني



إذا كانت المدن تقاس بأعمارها، فالقاهرة تقاس بانتصاراتها وقدرتها على صد الغزاة؛ فهي التي سُميت "القاهرة" لأنها تقهر كل من يعتدي عليها. وإذا كان لها تاريخ حافل كعاصمة للفاطميين والمماليك، فإن تاريخها الحديث قد كُتب بمداد من نور عندما تحولت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تحت قيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، إلى عاصمة للعروبة، وقلعة للصمود القومي، وملاذاً لحركات التحرر في العالم أجمع.
 التأسيس والنشأة: مدينة الألف مئذنة
    تتمتع القاهرة بموقع استراتيجي عبقري يربط بين وادي النيل والدلتا، مما جعلها مركزاً للحكم عبر العصور:
  • التأسيس الفاطمي: أسسها القائد جوهر الصقلي عام 358 للهجرة (969 ميلادي) بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي لتكون عاصمة للدولة الفاطمية.
  • قاهرة المعتدين: تجسد هذا الاسم تاريخياً عندما أصبحت المدينة القاعدة الأساسية للجيوش العربية الإسلامية التي دحرت التتار والمغول في معركة "عين جالوت" بقيادة سيف الدين قطز، وكسرت شوكة الحملات الصليبية.
شواهد الحضارة: أبرز معالم القاهرة التاريخية والأثرية
تزخر القاهرة بمعالم أثرية فريدة جعلت منظمة اليونسكو تصنف "القاهرة التاريخية" كموقع تراث عالمي:
  • الجامع الأزهر الشريف: أُسس بالتزامن مع بناء المدينة، وتحول من مسجد فاطمي إلى أعظم جامعة إسلامية وعلمية في العالم، وكان دائماً معقلاً للثورة ومقاومة المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين.
  • قلعة صلاح الدين الأيوبي: حصن عسكري مهيب يتربع على جبل المقطم، أسسها القائد صلاح الدين لتكون مقراً للحكم ودرعاً لحماية المدينة.
  • شارع المعز لدين الله الفاطمي: أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، يضم مساجد، ومدارس، وأسبلة، وبيمارستانات (مستشفيات قديمة) تعكس روعة العمارة المملوكية والفاطمية.
  • خان الخليلي وحي الحسين: قلب القاهرة النابض بالروح الشعبية، حيث تلتقي المقاهي التاريخية كمقهى الفيشاوي بأسواق الحرف اليدوية والشرقية التقليدية.
 عهد عبد الناصر: العصر الذهبي للقومية العربية
لم تكن القاهرة مجرد عاصمة محلية، بل أصبحت في عهد الثورة وجمال عبد الناصر مركز الثقل السياسي والإعلامي للأمة العربية:
  • صوت العرب: من القاهرة، انطلق صوت الثورة العربية عبر الإذاعة ليلهب حماس الجماهير من المحيط إلى الخليج، ويدعم ثورات التحرير في الجزائر، واليمن، والعراق، وعمان.
  • معركة السويس 1956: عندما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، وتصدت القاهرة ببسالة وشجاعة للعدوان الثلاثي (البريطاني، الفرنسي، والصهيوني)، فتحولت المدينة إلى رمز عالمي لمقاومة الإمبريالية والاستعمار.
  • الوحدة العربية: شهدت القاهرة إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة (الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958)، لتؤكد دورها التاريخي كعاصمة تجمع الشتات العربي وتصوغ مشروعاً قومياً نهضوياً.
 خاتمة المقال: دور متجدد وآمال مرتقبة
تبقى القاهرة "قاهرة المعتدين" وعنواناً كبيراً لكرامة هذه الأمة وعزتها. ورغم تبدل الظروف وتراجع المد القومي في بعض الفترات، فإن 
 المؤمن بأمته، يدرك تماماً أن معافاة الجسد العربي بأكمله ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوعي ودور القاهرة وقدرتها على قيادة الدبلوماسية العربية. إن التاريخ يعلمنا أن القاهرة عندما تنهض، تنهض الأمة العربية بأسرها معها، لتظل دائماً كما أرادها عبد الناصر والأحرار: درعاً وسيفاً للحق العربي، ومحركاً أساسياً نحو التحرر، والسيادة، والوحدة الكاملة.



صنعاء: حاضرة المجد والتاريخ وعنوان الفزعة والشهامة العروبية بقلم الناصر خشيني


لا يمكن للباحث في تاريخ الأمة العربية أن يمر بـ "اليمن السعيد" دون أن ينحني إجلالاً لـ صنعاء؛ فهي ليست مجرد 

 عاصمة تاريخية، بل هي مهد الوجود العربي الأول، ومستودع أنساب العرب وأصالتهم. عُرفت صنعاء عبر العصور بعمارتها الفريدة التي تشبه قصائد الشعر، وبأهلها أهل النجدة والنخوة والمدد، الذين طالما جسدوا مفهوم "الفزعة العروبية" في المحطات الفاصلة من تاريخ أمتنا، باذلين الغالي والنفيس دفاعاً عن قضايا العرب والمسلمين.
التأسيس والعراقة: مدينة سام بن نوح
تعتبر صنعاء واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، ويضرب تاريخها في أعماق السيرة الإنسانية:
  • النسب والتسمية: تنص الروايات التاريخية على أن من أسسها هو سام بن نوح (عليه السلام) بعد الطوفان، ولذلك عُرفت بـ "مدينة سام". أما اسمها الحالي "صنعاء" فيعني في اللغات اليمنية القديمة "المدينة الحصينة" أو "المصنوعة بإتقان".
  • مهد الممالك القديمة: عاصرت صنعاء الحضارات اليمنية السبئية، والحميرية، والقتبانية العظيمة، وكانت مركزاً رئيسياً لـ "طريق البخور" التجاري الدولي الذي ربط الشرق بالغرب.
 شواهد الحضارة: العمارة الأسطورية والبيوت الناطحة للسحاب
تتميز "صنعاء القديمة"، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بطراز معماري فريد لا مثيل له في العالم أجمع، حيث تبدو المدينة وكأنها لوحة فنية نُحتت من الطين والخرسانة التقليدية:
  • ناطحات السحاب الطينية: تتألف بيوت صنعاء القديمة من عدة طوابق (تصل لـ 8 طوابق)، مبنية من الآجر والطين، وتتزين واجهاتها بنقوش جصية بيضاء بديعة تُسمى "التخاريم"، وتعلو نوافذها "القمريات" المصنوعة من الرخام الشفاف أو الزجاج الملون الذي يعكس أشعة الشمس بألوان ساحرة.
  • الجامع الكبير بصنعاء: أحد أقدم المساجد في الإسلام، بُني في عهد الرسول محمد ﷺ (في السنة السادسة للهجرة) بأمر منه، ويعد صرحاً علمياً ودينياً هائلاً يحتوي على مكتبة تضم أقدم المخطوطات القرآنية في العالم.
  • باب اليمن: البوابة التاريخية المهيبة التي تقف شامخة كشاهد على أسوار المدينة الحصينة، ومنها تلج إلى عالم من الأسواق التقليدية النابضة بالحياة كـ "سوق الملح" و"سوق الجنابي" (الخناجر اليمنية التراثية).
  • قصر غمدان: وإن اندثرت معالمه اليوم، إلا أن المؤرخين يصنفونه كأول ناطحة سحاب في التاريخ البشري، وكان يرتفع لعشرين طابقاً بسقف من الرخام الشفاف.
روح الفزعة والنجدة العروبية
لم تكن صنعاء واليمن يوماً بمنأى عن قضايا أمتها؛ فالذاكرة القومية تحفظ لليمنيين أنهم كانوا "أهل المدد" في الفتوحات الإسلامية الأولى، وبسواعدهم فُتحت الأمصار. وفي العصر الحديث، تجسد صنعاء أسمى معاني الفزعة العروبية برغم الجراح العميقة والحصار والعدوان والمآسي التي يعيشها اليمن، إذ لم يتخلَّ أهلها يوماً عن نصرة فلسطين والقدس، مقدمين مواقف بطولية حازمة وشجاعة تؤكد أن الشريان اليمني يتدفق بحب العروبة والدفاع عن شرف الأمة وكرامتها دون خوف أو تردد.
 خاتمة المقال: الشموخ العصي على الانكسار
تبقى صنعاء رمزاً للمجد التليد، وحصناً منيعاً للهوية العربية الأصيلة. إن التأمل في واقع هذه المدينة اليوم، برغم المعاناة الإنسانية الكبيرة الناتجة عن الصراعات والتدخلات الخارجية، يملأ النفس يقيناً بأن هذه الحاضرة العظيمة لا تنكسر ولا تموت. إن قلم ابن الأمة العربي الغيور ينظر لـ "مدينة سام" بتقدير واعتزاز كبيرين، واثقاً بأن اليمن، الذي كان دائماً مهد العرب الأول ومخزن رجالهم، سينفض عنه غبار الحروب والآلام، لتعود صنعاء منارة للنخوة، وحامية للعروبة، وركيزة أساسية في صياغة مستقبل قومي مشرق يقوم على السيادة والكرامة 

نهب النفط في تونس: بين فخاخ الاتفاقيات التاريخية وغياب السيادة الرقابية ​بقلم: الناصر خشيني.

      


​تتصدر قضية الثروات الطبيعية، وخاصة النفط، المشهد السجالي في تونس اليوم، محملة بآلام الماضي وتطلعات السيادة الوطنية. إن الحديث عن "نهب النفط" ليس مجرد شعار شعبوي، بل هو ملف قانوني واقتصادي شائك يستوجب تفكيكاً عميقاً لمسارات استغلال هذه الثروة من قبل الشركات الأجنبية، بعيداً عن السطحية، وفي إطار منهجية تحليلية تربط بين التاريخ الاستعماري والواقع الرقابي المهترئ.

​أولاً: الثغرة التاريخية.. قانونية النهب

​إن لب المشكلة لا يكمن دائماً في "التهريب" بالمعنى التقليدي، بل في "النهب المقنن". ما زالت تونس ترزح تحت وطأة اتفاقيات قديمة، يعود بعضها إلى فجر الاستقلال، منحت لشركات أجنبية امتيازات استخراجية بشروط مجحفة. هذه العقود، التي تم تمديدها في عهود سابقة بعيداً عن الشفافية، جعلت من الدولة التونسية طرفاً ضعيفاً في معادلة تقاسم الأرباح. إن غياب مراجعة شاملة لمجلة المحروقات بما يتلاءم مع الدستور الذي يقر سيادة الشعب على ثرواته، هو الفخ الأول الذي تسللت منه الشركات الأجنبية لتكريس هيمنتها.

​ثانياً: معضلة الرقابة والعدادات.. من يراقب من؟

​إن المنهجية الرقابية في قطاع الطاقة التونسي تعاني من فجوة تقنية خطيرة. فقد كشفت تقارير رقابية رسمية عن ضعف آليات التثبت من كميات النفط والغاز المستخرجة فعلياً من الآبار. إن اعتماد الدولة في أحيان كثيرة على تصاريح الشركات الأجنبية نفسها، في ظل نقص العدادات الذكية والرقابة اللحظية من قبل المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية (ETAP)، يفتح باباً واسعاً للتشكيك. كيف يمكن لدولة تعاني عجزاً طاقياً هيكلياً أن تترك مفاصل الإنتاج تحت رحمة "الثقة" في تقارير الشريك الأجنبي؟

​ثالثاً: التبعية الاقتصادية وسؤال السيادة

​تتذرع الدوائر الرسمية دائماً بضعف الإمكانيات الفنية وكلفة التنقيب الباهظة لتبرير ارتهاننا للشركات العابرة للقارات. لكن هذه التبعية أدت بمرور الزمن إلى تآكل السيادة الطاقية. إن الشركات الأجنبية (مثل إيني، وبيرينكو، وشل) تعمل وفق منطق الربح الأقصى، وفي ظل منظومة قانونية تونسية متهالكة، تتحول هذه الاستثمارات من رافد للتنمية إلى استنزاف ممنهج للموارد تحت غطاء "الاستثمار الأجنبي المباشر".

​خاتمة:

​إن استرداد السيادة على النفط التونسي لا يمر عبر التصريحات الرنانة، بل عبر ثورة تشريعية تقطع مع "ميراث التبعية"، وتفرض رقابة تقنية صارمة ومستقلة على كل قطرة تخرج من باطن الأرض. إن كشف الحقيقة للجمهور التونسي حول العقود والكميات الحقيقية هو الخطوة الأولى لحماية ما تبقى من ثرواتنا من النهب المقنن.

​مراجع المقال:

​دائرة المحاسبات التونسية: التقارير السنوية (خاصة التقرير 27 والتقرير 31) المتعلقة بقطاع الطاقة والمحروقات.

​هيئة الحقيقة والكرامة: التقرير الختامي الشامل، الجزء المتعلق بالفساد والاستبداد الاقتصادي والاتفاقيات الاستخراجية.

​مجلة المحروقات التونسية: الصادرة بالقانون رقم 93 لسنة 1999، والنصوص المنقحة لها.

​المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية (ETAP): التقارير الإحصائية السنوية لإنتاج الحقول النفطية (2024-2025).

​المرصد التونسي للاقتصاد: دراسات تحليلية حول الميزان الطاقي وعقود الاستخراج في تونس.

​مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI): التقارير الخاصة بمدى امتثال تونس لمعايير الشفافية الدول

غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة بقلم: الناصر خشيني



بعد مرور قرابة ألف يوم (995 يوماً) على بدء العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، لم تعد التطورات الميدانية مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تحولت إلى حرب إبادة جماعية معلنة وممنهجة. إن القراءة التقييمية والشاملة لحجم الخسائر البشرية والمادية في القطاع تكشف عن استراتيجية صهيونية واضحة تهدف إلى تحويل غزة إلى بقعة غير قابلة للحياة البشرية، عبر استهداف مقومات البقاء كافة من بشر، وحجر، وبنية تحتية.
أولاً: المحرقة البشرية والتهجير القسري
تمثّل الخسائر البشرية في هذا العدوان الكارثة الأكبر في التاريخ الفلسطيني المعاصر منذ نكبة عام 1948. فلم يعد الأمر يقتصر على استهداف المقاتلين، بل تحول المدنيون إلى الهدف المباشر للآلة العسكرية الصهيونية:
  • حرب على الأطفال والنساء: تجاوز عدد الشهداء المسجلين رسمياً 73,051 شهيداً، يضاف إليهم أكثر من 9,500 مفقود تحت الركام. وتشير الإحصاءات إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا، مما يؤكد الطبيعة الانتقامية للعدوان.
  • جيش من الجرحى وذوي الإعاقات: أسفرت الغارات والأحزمة النارية عن إصابة أكثر من 173,437 فلسطينياً، يعاني الآلاف منهم من بتر في الأطراف وإصابات بليغة تتطلب علاجاً تخصصياً يفتقده القطاع جراء الحصار.
  • التطهير العرقي عبر النزوح: أُجبر نحو 2 مليون فلسطيني (ما يعادل 90% من سكان القطاع) على النزوح القسري المتكرر. يعيش هؤلاء المهجرون في مخيمات قماشية متهالكة ومراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
ثانياً: تدمير الحجر وإبادة المعالم (سياسة الأرض المحروقة)
لم تسلم البنية التحتية في غزة من الاستهداف الممنهج، حيث بلغت نسبة الدمار الإجمالية ما يقارب 90%، شملت كافة القطاعات الحيوية:
  • تدمير الحيز السكني: تعرضت ما بين 70% إلى 80% من الوحدات السكنية للتدمير الكلي أو الأضرار الجسيمة. وفي مدن مثل غزة والشمال، بلغت نسبة الدمار أكثر من 83%، مما يعكس رغبة الاحتلال في منع عودة السكان إلى أحيائهم.
  • تصفية المنظومة التعليمية والدينية: استهدف الاحتلال 90% من مباني المدارس (أكثر من 668 مدرسة تابعة للأونروا وللحكومة)، ودمر المعالم الرئيسية لجميع جامعات غزة. كما سُحقت الهوية الثقافية والدينية عبر تدمير أكثر من 600 مسجد وكنائس أثرية تدميراً كلياً.
  • شلل شبكات النقل والخدمات: دُمرت شبكات الطرق والجسور بنسبة تتراوح بين 65% و70%، مما تسبب في عزل المناطق عن بعضها وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي الممتدة أسفلها.
ثالثاً: الحصار الخانق وسلاح التجويع.. والعجز الدولي أمام خيار الصمود والمقاومة
إلى جانب القصف الجوي والمدفعي، استخدم الكيان الصهيوني الحصار الخانق كأداة قتل صامتة وعقاب جماعي مجرم دولياً. هذا الحصار يتفاقم اليوم في ظل عجز دولي وعربي وإسلامي مريب ومخزٍ عن لجم هذه الجريمة المشهودة والموثقة صوتاً وصورة أمام مرأى العالم ومسامعه:
  • إعدام القطاع الصحي: أخرج الاحتلال 38 مستشفى عن الخدمة كلياً أو جزئياً، واستهدف 96 مركزاً صحياً و197 سيارة إسعاف، مما حرم المرضى والجرحى من الرعاية الطبية الأساسية.
  • سلاح التجويع والتعطيش: أدى منع إدخال المساعدات، والمحروقات، وغاز الطهي إلى انتشار مجاعة حقيقية وحالات سوء تغذية حادة، خاصة في شمال غزة.
  • الكارثة البيئية ونشر الأوبئة: أدى تدمير 90% من آبار المياه ومحطات الصرف الصحي إلى تدفق المياه‌ العادمة بين خيام النازحين، مما نتج عنه تسجيل أكثر من 2.1 مليون حالة إصابة بأمراض معدية (كالتهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية الحادة).
  • حتمية الصمود والمقاومة: أمام هذا التواطؤ والصمت الدولي الشامل، بات قاطعاً أن الحل الوحيد والمسار الحتمي المتبقي لشعبنا الفلسطيني هو الصمود الثابت في أرضه ومواصلة المقاومة المشروعة بكل السبل والوسائل الممكنة؛ باعتبارها الخيار الوحيد القادر على لجم غطرسة الاحتلال وحماية القضية من التصفية والاندثار.
خلاصة وتقييم قانوني
إن هذه الأرقام والوقائع لا تدع مجالاً للشك في أن ما يرتكبه الكيان الصهيوني في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر يتجاوز المفاهيم التقليدية للحروب، ليقع مباشرة تحت بند "جريمة الإبادة الجماعية" (Genocide) و**"الجرائم ضد الإنسانية"** وفقاً للقانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إن استهداف مقومات الحياة وتدمير البيئة العمرانية والصحية بشكل كامل يثبت بالدليل القاطع نية الاحتلال في إهلاك المجموع السكاني الفلسطيني في غزة، وهي جريمة كبرى ستبقى وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي عجز عن لجم هذا العدوان الخارق لكل المواثيق والشرائع الدولية.

📌 تهميش المقال (المراجع والمصادر):
  1. التقرير الحقوقي السنوي للمراصد الدولية، "سياق الإبادة الجماعية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، يناير 2025.
  2. المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، "التقرير الإحصائي الشامل لنتائج التدمير والبنية التحتية في قطاع غزة"، تحديثات منتصف عام 2026.
  3. وزارة الصحة الفلسطينية (غزة)، "التقرير اليومي التراكمي لعدد الشهداء والجرحى والمفقودين"، المؤشر الإحصائي المحدث حتى يونيو 2026.
  4. وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، "تقارير الوضع الإنساني وأعداد النازحين والأضرار في منشآت التعليم بقطاع غزة"، البيانات الدورية 2025-2026.
  5. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومنظمة الصحة العالمية، "تقييم أثر الدمار والوضع البيئي والصحي في قطاع غزة بعد عامين من النزاع"، مارس 2026.

التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن المجتمعي بقلم: الناصر خشيني

  1.  

              مقدمة

لم يعد التهريب في تونس ظاهرة هامشية تتم في الخفاء على أطراف الحدود، بل تحوّل إلى منظومة اقتصادية موازية متكاملة تتقاسم السوق الداخلية مع الاقتصاد الرسمي، وتنازعه السيادة على الموارد والمداخيل والقرار. فبين تهريب الوقود والمواد الغذائية المدعمة من جهة، وتهريب المخدرات والأسلحة والذهب والعملة من جهة أخرى، يجد المواطن التونسي نفسه أمام اقتصاد مزدوج: اقتصاد رسمي تنهكه الديون وعجز الميزانية، واقتصاد موازٍ يكاد يوازيه حجمًا ويتجاوزه في بعض القطاعات حيوية. هذا المقال يحاول رصد أبعاد هذه الظاهرة بمحاورها المختلفة: حجمها الاقتصادي، خريطتها الجغرافية، أنواع البضائع المتداولة فيها من السلع الاستهلاكية إلى المواد الخطرة، أثرها على الأمن الغذائي وجيب المستهلك، ثم المنظومة التشريعية التي تحاول الدولة من خلالها لجم هذا النزيف.

أولًا: حجم الاقتصاد الموازي وكلفته المالية

تشير التقديرات الرسمية وشبه الرسمية إلى أن الاقتصاد الموازي في تونس تضخم بشكل غير مسبوق منذ 2011، حيث كان لا يتجاوز 30% من الناتج المحلي الخام قبل الثورة، ليرتفع إلى نحو 53% بعدها، وتشير بعض التقديرات الأحدث إلى أنه بلغ اليوم ما يقارب 60% [1].  (Assabah News) وفي مقابل ذلك، تورد تقديرات حكومية أحدث نسبة أكثر تحفظًا تقدّر الاقتصاد الموازي بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي [5]،  (Essahafa) وهو تباين في الأرقام يعكس في ذاته صعوبة ضبط هذه الظاهرة إحصائيًا وتضارب المصادر الرسمية حولها.

أما على مستوى الكلفة المالية المباشرة، فقد كشف تقرير للبنك الدولي أن حجم التجارة الموازية والتهريب على الحدود التونسية الليبية والجزائرية يصل إلى نحو 1.13 مليار دولار سنويًا [2]،  (Kapitalis) في حين تقدّر مصادر صحفية أخرى الخسائر السنوية المباشرة للدولة من التجارة الموازية بنحو 1.2 مليار دينار، منها 500 مليون دينار معاليم ديوانية ضائعة [3].  (Essahafa) وتشير دراسات أكاديمية إلى أن التجارة غير الرسمية شكلت في فترة 2011-2015 نحو 10% من إجمالي الواردات التونسية، وأن سوق الوقود غير المشروع وحده يستحوذ على 30% من مبيعات الوقود في تونس، بمشاركة ما يقارب 20 ألف فاعل بين مهربين وناقلين ومخزنين وبائعين [4].  (Futureuae) هذه الأرقام، على تباينها، تتقاطع جميعها عند نتيجة واحدة: أن الدولة التونسية تخسر سنويًا ما يعادل نسبة معتبرة من ميزانيتها العامة (التي قُدّرت لسنة 2025 بـ78.2 مليار دينار) [5]  (Essahafa) في شكل موارد جبائية وديوانية مهرّبة من دائرة الرقابة الرسمية.

ثانيًا: تهريب الوقود والبضائع الاستهلاكية على الحدود البرية

تتركز الجغرافيا الأكبر للتهريب التقليدي على محورين حدوديين: الحدود مع ليبيا جنوبًا، والحدود مع الجزائر غربًا. فعلى الحدود الليبية، وتحديدًا في منطقة بنقردان ورأس اجدير، تفيد دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأن نحو 25 إلى 30 ألف شخص يعيشون من تجارة التهريب في تلك المنطقة وحدها، برأسمال يقارب 300 ألف دينار لكل تاجر جملة، ويُهرَّب يوميًا نحو 300 ألف لتر من الوقود من ليبيا إلى تونس، أي ما يعادل 110 مليون لتر سنويًا، بحجم تبادل تجاري يومي يتراوح بين مليون و3 ملايين دينار [1].  (Assabah News) ويذهب تقرير البنك الدولي إلى أن التهريب يمثل أكثر من نصف المعاملات التجارية لتونس مع ليبيا [2].  (Kapitalis)

على الجانب الجزائري، يكشف التقرير نفسه أن نحو 15% من البنزين المستهلك في تونس يأتي من واردات غير رسمية من الجزائر، وأن تجارة الوقود والعجلات المطاطية هي الأكثر رواجًا، بمشاركة أكثر من 60% من الشاحنات العاملة في هذا النشاط، إضافة إلى نشاط مكثف في تهريب السجائر [2].  (Kapitalis) وتاريخيًا، تطورت هذه الأنشطة من خدمات هامشية للمسافرين على قارعة الطريق إلى شبكات تهريب محترفة مرتبطة بعلاقات تنسيقية مع مسؤولين في تونس ودول الجوار، استفادت في طورها الأول من الحاضنة السياسية والأمنية التي نمت في عهد نظام بن علي قبل أن تتوسع توسعًا غير مسبوق بعد 2011 مع تصاعد المخاطر الأمنية في الجوار الليبي [4].  (Futureuae) وتؤكد البيانات الديوانية الحديثة استمرار هذا النزف، حيث جرى في الأشهر الأخيرة تكثيف الحملات على تهريب مواد استهلاكية موسمية كالقهوة والموز، فحُجز في شهر جانفي 2026 وحده نحو 10.5 طن من الموز وأكثر من 5 أطنان من القهوة المهربة [11].

ثالثًا: تهريب المخدرات: من السوق المحلية إلى محطة عبور إقليمية

تكشف بيانات الديوانة التونسية عن تصاعد حاد في حجم المخدرات المحجوزة خلال سنة 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، إلى درجة وصفها الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للديوانة بأنها "أرقام مخيفة ومفرحة في الوقت ذاته" [6].  (Africanmanager) فقد جرى حجز أكثر من 670 كيلوغرامًا من القنب الهندي، وأكثر من 13 مليون حبة مخدرة، وأكثر من 80 كيلوغرامًا من الكوكايين، وأكثر من 2700 طابع من نوع "LSD"، في تضاعف لافت مقارنة بسنة 2024 التي شهدت حجز 33 كيلوغرامًا فقط من الكوكايين ومليون و100 ألف حبة مخدرة و250 كيلوغرامًا من القنب الهندي [6].  (Africanmanager) وبحلول أكتوبر 2025، كانت الكمية المحجوزة من الكوكايين قد بلغت بمفردها 73 كيلوغرامًا والقنب الهندي 726 كيلوغرامًا [10]، وهو رقم تضخم لاحقًا حتى بلغ بنهاية السنة قرابة 94 كيلوغرامًا من المواد المخدرة وأكثر من 64 ألف حبة دواء مخدر ضمن إجمالي محجوزات بلغت قيمتها 580.5 مليون دينار [8].  (Assabah News)

ويشير الناطق الرسمي للديوانة إلى تمايز في مسالك التهريب بحسب نوع المادة: فالكوكايين يُهرَّب أساسًا عبر المعابر البحرية والجوية، بينما يدخل القنب الهندي عبر المعابر البرية والبحرية، في حين تنشط الحبوب المخدرة عبر المعابر البرية أساسًا [10]. ومن أبرز العمليات النوعية المسجلة، إحباط محاولة تهريب 572.5 كيلوغرام من القنب الهندي مخبأة داخل مجرورة بميناء رادس [8]،  (Assabah News) وضبط أكثر من 43 كيلوغرامًا من الكوكايين في عملية بصفاقس [9]. هذا التطور يضع تونس في موقع متزايد الخطورة كمحطة عبور إقليمية للمخدرات الصلبة، لا كسوق استهلاك محلي فحسب، وهو تحول نوعي يستدعي مساءلة جدية حول كفاية الترسانة الأمنية والقضائية في مواجهته.

رابعًا: تهريب الأسلحة والذهب والمعادن: تمويل الإرهاب وتبييض الأموال

منذ سقوط نظام القذافي سنة 2011، تحوّلت ليبيا إلى سوق رائجة لتجارة السلاح تديرها شبكات معقدة ينتفع منها ملايين الأشخاص [13]، وأصبحت الحدود التونسية الليبية، خاصة في محيط بنقردان، الممر الأبرز لتهريب الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، التي تشمل بنادق الكلاشينكوف وقذائف "آربيجي" والذخيرة والمتفجرات والألغام الأرضية [13].  (Raseef22) وقد نشطت أيضًا تجارة الأسلحة عبر صفحات فيسبوك المتخصصة، التي يديرها وسطاء ليبيون يستهدفون زبائن من تونس والجزائر ودول الجوار الإفريقي [12]، فيما كشفت تحقيقات أن بعض شحنات الأسلحة المهرَّبة عبر تونس لها صلة بخروقات لحظر التسليح الأممي على ليبيا، شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية، وهو ملف حساس بلغ من خطورته أن أدى إلى توقيف خبير أممي تونسي كان يحقق فيه [13].  (Raseef22)

وفي السياق ذاته، يشكل تهريب الذهب والمعادن النفيسة بابًا موازيًا لتبييض الأموال وربما تمويل الإرهاب، إذ كشفت لجنة التحاليل المالية التونسية أن أكثر من 19 طنًا من الذهب جرى تهريبها من تركيا إلى تونس بين 2012 و2014 فقط، بينما بلغت قيمة الذهب الذي حجزته الديوانة سنتي 2016 و2017 أكثر من 29 مليار مليم [14].  (Assabah News) ويُستخدم التراب التونسي، حسب خبراء اقتصاديين، كبلد عبور لكميات من الذهب باتجاه دول آسيوية لتصنيعها وإعادة تصديرها إلى دول الجوار، وذلك في بلد لا يتجاوز احتياطه الرسمي من الذهب 6.8 أطنان فقط [15]  (Alaraby) — أي أن المهرَّب من هذا المعدن النفيس يفوق أحيانًا احتياطي البلاد المعلن منه. ولم يقف الأمر عند الذهب، بل امتد إلى معادن صناعية كالنحاس، حيث فككت السلطات شبكة كانت تموّل عبر فواتير وهمية وشركات واجهة، أسفرت عن حجز أكثر من 700 طن من النحاس المهرب [16].  (Tunisnow) وتؤكد الحصيلة الديوانية للثلاثي الأول من سنة 2026 استمرار هذا النشاط، بحجز نحو 3 كيلوغرامات من الذهب وأكثر من 700 ألف يورو وأكثر من 80 ألف خرطوشة في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر [17].  (Webmanagercenter)

خامسًا: الأثر على الأمن الغذائي وجيب المستهلك

لا يقتصر أثر التهريب على خسارة الموارد الجبائية، بل يمتد إلى الإخلال المباشر بتوازن السوق الداخلية وتوفر السلع الأساسية. فمن مفارقات الحالة التونسية أن التهريب يسير في اتجاهين متعاكسين: تهريب الوقود والمواد الاستهلاكية من الخارج إلى الداخل من جهة، وتهريب المواد الغذائية المدعمة والأدوية من الداخل إلى الخارج من جهة أخرى، حيث تُهرَّب المواد المدعمة من الدولة التونسية باتجاه دول الجوار التي تفتقر إليها أو ترتفع فيها أسعارها [18].  (Nan) وقد سجلت الجمارك التونسية، خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة واحدة فقط، محجوزات بقيمة نحو 130 مليون دولار من هذا النوع من النشاط المزدوج [18].  (Nan)

وتنعكس هذه الازدواجية مباشرة على المستهلك التونسي في شكل اختفاء متكرر لمواد أساسية من الأسواق الرسمية، كالقهوة والموز والمواد المطحونة، إذ تكثف الديوانة حملاتها على هذه المواد في المواسم الاستهلاكية الكبرى كرمضان [11]،  (Africanmanager) بينما تُحجز في موازاة ذلك كميات ضخمة من الملابس الجاهزة (بقيمة تفوق 9 ملايين دينار) والمواد الغذائية المهربة من الخارج (أكثر من 800 طن بقيمة 17 مليون دينار) والهواتف الجوالة (بقيمة تقارب 15 مليون دينار) ضمن حصيلة سنة واحدة [9].  (Ultra Tunisia) هذا التذبذب المزدوج في تدفق السلع عبر القنوات غير الرسمية يجعل من السوق التونسية رهينة لتقلبات لا تخضع لأي تخطيط اقتصادي رسمي، ويُفرغ السياسات الحكومية للدعم والتسعير من جزء كبير من فعاليتها، إذ تذهب المادة المدعمة بأموال الخزينة العامة إلى استهلاك خارج الحدود بدل أن تصل إلى مستحقيها من المواطنين التونسيين.

سادسًا: المنظومة التشريعية ومحدودية فعاليتها

تحرّكت السلطة التشريعية التونسية في السنوات الأخيرة لتشديد العقوبات المتعلقة بجرائم التهريب، حيث صادق البرلمان على تعديل يرفع عقوبة السجن في الجنح من فترة تتراوح بين 3 أشهر وسنة إلى ما بين سنتين وثلاث سنوات، مع تشديد إضافي في حال تورط مجموعة تتكون من 3 إلى 6 أشخاص [18].  (Nan) كما تضمن قانون المالية لسنة 2025 في فصله 72 مراجعة شاملة للعقوبات الديوانية الزاجرة للتهريب [19]، وهو ما أكده المجلس الوطني للجهات والأقاليم بالمصادقة على هذا التشديد [20]. وتنص الترسانة الجمركية التونسية على عقوبات تصل إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة تعادل خمس مرات قيمة البضاعة المصادرة في جرائم تهريب المحروقات والحبوب والمواد الغذائية والماشية والأدوية والمتفجرات.

غير أن هذا التشديد التشريعي المتكرر يطرح سؤالًا جوهريًا حول فعاليته الفعلية في مواجهة ظاهرة تتجاوز البعد الجزائي المحض إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية عميقة. فالحكومات المتعاقبة تعهدت منذ سنوات بإنشاء منطقة حرة على الحدود مع ليبيا كحل بنيوي لاستيعاب النشاط الاقتصادي للمناطق الحدودية ضمن الاقتصاد الرسمي، لكن هذا المشروع لم يخرج إلى حد الآن إلى حيز التنفيذ [18].  (Nan) وما دامت آلاف العائلات في المناطق الحدودية تعيش بشكل مباشر أو غير مباشر من عائدات التهريب، في غياب فرص عمل رسمية بديلة، فإن تشديد العقوبات وحده، دون معالجة بنيوية تشمل التنمية الجهوية والتشغيل وتقليص الفوارق السعرية بين تونس ومحيطها الإقليمي، يظل علاجًا للأعراض دون الجذور.

خاتمة تحليلية

إن ظاهرة التهريب في تونس ليست مجرد خرق قانوني فردي يمكن تطويقه بمزيد من العقوبات الزجرية، بل هي عرَض بنيوي لأزمة الدولة التونسية ذاتها: دولة عاجزة عن ضبط حدودها بشكل كامل، تعاني من تفكك أدواتها الرقابية في الأقاليم الحدودية، وتواجه محيطًا إقليميًا مضطربًا أمنيًا (ليبيا ما بعد 2011) واقتصاديًا (فوارق الدعم مع الجزائر). وحين يبلغ الاقتصاد الموازي حدًّا يقارب نصف الناتج المحلي أو يتجاوزه، فإن السؤال لا يعود سؤال "مكافحة التهريب" بالمعنى الأمني الضيق، بل سؤال السيادة الاقتصادية للدولة على مواردها وأسواقها وحدودها. فمعالجة هذا الملف تستدعي رؤية تنموية سيادية متكاملة تُدمج المناطق الحدودية في الاقتصاد الرسمي، وتعيد التوازن إلى منظومة الدعم الإقليمية، بدل الاستمرار في سياسة الترقيع الزجري التي ثبت محدودية أثرها طيلة العقد ونصف الماضي.

ثبت المراجع

[1] جريدة الصباح نيوز، "يشغل مليونا و600 تونسي.. الاقتصاد الموازي يكلف الدولة خسائر سنوية في الضرائب بأكثر من 5 مليار دينار"، assabahnews.tn

[2] "أزمة التهريب والتجارة الموازية في تونس"، أنباء تونس/كابيتاليس، kapitalis.com

[3] "التجارة الموازية تواصل الاضرار بالاقتصاد التونسي: 1.2 مليار دينار خسائر سنوية"، الصحافة اليوم، essahafa.tn

[4] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، "لماذا تنشط اقتصادات التهريب في الأزمات التونسية؟"، futureuae.com

[5] "الاقتصاد التونسي وأهم تحديات سنة 2025"، الصحافة اليوم، essahafa.tn

[6] "كميات وأنواع المخدرات المحجوزة خلال سنة 2025"، أفريكان مانجر، ar.africanmanager.com

[7] "محجوزات المواد المخدرة خلال نوفمبر وديسمبر 2025"، الموقع الرسمي للديوانة التونسية، douane.gov.tn

[8] "من بينها المخدرات والذهب.. 580 مليارا ونصف قيمة محجوزات الديوانة من التهريب"، الصباح نيوز، assabahnews.tn

[9] "حصيلة 2025.. الديوانة التونسية تحجز بضائع مهربة تفوق قيمتها 580 مليون دينار"، Ultra Tunisia، ultratunisia.ultrasawt.com

[10] "عاجل/ بالأرقام: الديوانة تحجز كميات مهولة من المخدّرات"، webmanagercenter، ar.webmanagercenter.com

[11] "الناطق باسم الديوانة: محجوزات شهر جانفي تتجاوز 19 مليون دينار"، أفريكان مانجر، ar.africanmanager.com

[12] "كيف تحوّل فيسبوك إلى سوق للمتاجرة بالأسلحة في ليبيا؟"، CNN Arabic، arabic.cnn.com

[13] "ذهب ليحقق في تهريب الأسلحة بين تونس وليبيا فاعتقلته السلطات"، رصيف22، raseef22.net

[14] "انخرطت فيها شبكات دولية.. تهريب الذهب تجارة محرمة"، الصباح نيوز، assabahnews.tn

[15] "تونس: مهربون يغسلون أموالهم عبر تجارة الذهب"، العربي الجديد، alaraby.co.uk

[16] "تفكيك شبكة لتهريب النحاس وتجميد حسابات شركة كبرى"، تونس الآن، tunisnow.tn

[17] "بالأرقام/ زلزال في عالم التهريب: حصيلة قياسية للديوانة"، webmanagercenter، ar.webmanagercenter.com

[18] "تشديد العقوبات على المهربين في تونس في خطوة لمكافحة التهريب"، أخبار شمال إفريقيا، nan.media

[19] "مراجعة العقوبات الديوانية المتعلقة بزجر التهريب"، قانون المالية 2025، jurisitetunisie.com

[20] "مجلس الجهات والأقاليم يقرّ تشديد العقوبات على جرائم التهريب"، Mosaique FM، mosaiquefm.net

من "طوفان الأقصى" إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصراع في المنطقة بقلم الناصر خشيني - نابل، تونس

  أولاً: لحظة السابع من أكتوبر ومساراتها في السابع من أكتوبر 2023، نفّذت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عملية عسكرية واسع...