الخميس، 23 يوليو 2026

الإمام محمد الطاهر بن عاشور.. رائد المقاصد التنويرية وصوت الحق في وجه تطويع الدين بقلم: الناصر خشيني 

 


لم يكن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879 - 1973) مجرد فقيه تقليدي ينكفئ على النصوص برؤية جامدة، بل كان مفكراً إصلاحياً لغوياً ومجدداً استراتيجياً أحدث ثورة فكرية من خلال إعادة الاعتبار لـ "مقاصد الشريعة الإسلامية". قاد بن عاشور، من منبر جامعة الزيتونة المعمورة، معركة شرسة لتحرير العقل المسلح بالوعي والاجتهاد من قيود الجمود، مبرهناً على أن الدين في جوهره يهدف إلى حفظ مصالح الأمة وعزتها وتقدمها الاجتماعي.

أبعاد الفكر التقدمي والموقف التاريخي لابن عاشور:
  • تأسيس علم المقاصد الاجتماعي: تمثلت عبقرية بن عاشور في كتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية"، حيث فصل هذا العلم عن علم أصول الفقه التقليدي، وجعله أداة حية لفهم الواقع وتحقيق العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان، مبرزاً أن الشريعة تهدف إلى بناء مجتمع قوي ومتماسك يرفض الاستبداد والجهل [1، 2].
  • موقف المنبر الشهير (صدق الله وكذب بورقيبة): تجسد الشموخ المبدئي لابن عاشور في مطلع الستينيات، عندما حاول رئيس تونس الأسبق الحبيب بورقيبة تطويع المؤسسة الدينية لتبرير خياراته الاقتصادية؛ حيث دعا الشعب إلى إفطار شهر رمضان بدعوى زيادة الإنتاج الاقتصادي، طالباً من المفتي بن عاشور إصدار فتوى تشرعن ذلك عبر الإذاعة. فما كان من الإمام إلا أن قرأ الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ثم أطلق مقولته التاريخية المدوية التي زلزلت أركان السلطة: "صدق الله العظيم وكذب بورقيبة" [2، 3]. هذا الموقف لم يكن مجرد دفاع عن شعيرة، بل كان رفضاً تقدمياً حاسماً لتغول السلطة السياسية وتوظيفها للدين كأداة لتمرير سياسات فوقية معزولة عن إرادة الشعب وعقيدته.
  • إصلاح التعليم والتنوير اللغوي: خاض الشيخ معارك مريرة لتطوير المناهج التعليمية في جامعة الزيتونة من خلال كتابه "أليس الصبح بقريب؟"، داعياً إلى إدخال العلوم الحديثة واللغات الأجنبية والتفكير النقدي، ومحاربة الانغلاق اللغوي والفقهي الذي يستغله الاستعمار لتجهيل الأمة [1، 4].
هوامش ومراجع :
  1. بن عاشور، محمد الطاهر (1946). مقاصد الشريعة الإسلامية، تونس: الشركة التونسية للتوزيع.
  2. السمّاك، محمد (1998). الإمام الطاهر بن عاشور رائد الإصلاح والتجديد، بيروت: دار النفائس، ص 74-81.
  3. التليلي، أحمد (1985). العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية في تونس الحديثة، تونس: دار الجنوب للنشر، ص 142-146.
  4. بن عاشور، محمد الطاهر (1915). أليس الصبح بقريب؟ كتاب في التعليم العلمي العربي الإسلامي، تونس: المطبعة الرسمية

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...