لطالما ارتبط اسم تونس بصفة "الخضراء"، وهي تسمية لم تأتِ من فراغ، بل كانت انعكاساً لواقع جغرافي وتاريخي يؤكد أن المسافر كان يقطع البلاد من شمالها إلى وسطها تحت ظلال الأشجار الكثيفة [1]. إلا أن هذا الرداء الأخضر بات اليوم يواجه تهديدات جسيمة حولت مساحات شاسعة من الغابات إلى أراضٍ تعاني من الهشاشة وفقدان التنوع البيولوجي.
تشخيص الواقع: عوائق في طريق التعافي
على الرغم من وجود ترسانة قانونية متمثلة في مجلة الغابات، إلا أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني لا تزال واسعة. ويمكن تلخيص المعوقات الأساسية في:
البيروقراطية المقيدة: التي تعيق مبادرات التشجير الخاص والاستثمار الرشيد.
الاحتطاب العشوائي والصيد غير القانوني: مما أدى إلى استنزاف أصناف نادرة واختلال التوازن البيئي [2].
كابوس الحرائق الصيفية: الجرح النازف
باتت حرائق الغابات، خاصة في فصل الصيف مع هبوب رياح "الشهيلي"، تمثل التهديد الأكبر الذي يلتهم آلاف الهكتارات سنوياً. هذه الحرائق ليست مجرد كارثة طبيعية في كثير من الأحيان، بل هي نتاج تداخل عوامل بشرية ومناخية [3].
كيف يمكن تلافي خطر الحرائق؟
إن مواجهة الحرائق تتطلب استراتيجية استباقية بعيداً عن الحلول الدفاعية المؤقتة، وذلك عبر:
الإنذار المبكر والرقابة الذكية: ركزت التجارب الدولية الناجحة على وضع أبراج مراقبة مجهزة بكاميرات حرارية مرتبطة بالأقمار الصناعية، واستخدام "الدرون" لمسح الغابات في الأيام عالية المخاطر لضبط أي بؤرة حريق في دقائقها الأولى [4].
تهيئة الغابات (المصدات النار): يجب تفعيل صيانة المسالك الغابية وفتح "مصدات النار" (Tranchées pare-feu) بصفة دورية، وهي مساحات خالية من الأعشاب تحول دون انتقال النيران من منطقة إلى أخرى.
إشراك المتساكنين في "الحراسة الشعبية": لا يمكن للدولة وحدها حماية كل شبر. إن تمكين سكان الغابات وتدريبهم على التدخل الأولي وتوفير معدات بسيطة لهم يجعل منهم خط الدفاع الأول.
التوعية والردع القانوني: تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق (سواء بالإهمال أو العمد) مع حملات إعلامية مكثفة للمصطافين والمجاورين للغابات حول مخاطر إشعال النار [3].
السبيل نحو العودة إلى "تونس الخضراء"
إن استعادة الغطاء النباتي تتطلب أيضاً:
المقاربة التشاركية: تحويل سكان المناطق الغابية إلى شركاء عبر "الاقتصاد الأخضر".
تحديث التشريعات: تبسيط الإجراءات لتشجيع التشجير الخاص [2].
إعادة التوطين الحيواني: لضمان دورة بيئية متكاملة.
خا
إن إعادة تونس إلى سابق عهدها، حيث يسير المسافر في ظل الأشجار، ليست حلماً مستحيلاً، بل هي واجب وطني. إن حماية غاباتنا من النيران ومن اليد العابثة هي معركة وجود في ظل التغيرات المناخية، فكل شجرة نحميها اليوم هي رئة لأجيال الغد.
المراجع والهوامش:
[1] المنصف بن سالم، تاريخ تونس الخضراء: الجغرافيا والمناخ عبر العصور، منشورات المعهد الوطني للتراث.
[2] الجمهورية التونسية، مجلة الغابات (نصوص قانونية محينة)، المطبعة الرسمية، تونس.
[3] الحماية المدنية التونسية، التقرير السنوي حول حرائق الغابات: الأسباب وسبل التوقي، (2023).
[4] وزارة الفلاحة والموارد المائية، الاستراتيجية الوطنية لحماية الغابات من الحرائق (2015-2024).
[5] الجمعية التونسية لحماية الطبيعة والبيئة، دراسات حول التنوع البيولوجي في المرتفعات الشمالية.