قائمة المدونات الإلكترونية

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

عودة صحيفة الحرية اولا للمشهد الاعلامي

 


الحرية اولا صحيفة الكترونية عربية مقاومة تعود من جديد بعد ان عطلها طغاة الظلام وقوى الاستبداد بسطوة المال الحرام المنهوب من امتنا عدوانا على حقها المشروع هاهي اليوم تاخذ مكانها الطبيعي في المشهد الاعلامي العربي وفي ظل المقاومة العربية التي انطلقت يوم السابع من اكتوبر منذ ثلاث سنوات

-- وهي ليست تقليدية في طرحها للقضايا بل سيدرك القارىء العربي أنها موجهة أساسا للجماهير العربية من المحيط الى الخليج لتناول قضاياها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية باسلوب مختلف عما ألفه المواطن العربي أينما كان وتعبر عن قناعاته الحقيقية وهي لا تتبع أي تظام عربي أو حزب سياسي بل انها تابعة وخاضعة بالكامل للمواطن العربي العادي بل هي مرتبطة ارتباطا جدليا غير قابل للانفصام بهمومه و مشاكله على امتداد الوطن العربي من المحيط الى الخليج ديدنها الحقيقة الموضوعية و التحليل النزيه معبرة عن تطلعاته و همومه بعيدا عن السياسات الرسمية و التي يمكن وصفها بغير العقلانية لأنها تتاجر بمصير هذا الانسان المسكين و المقهور لذا فانها صرخة الضمير العربي الحي الذي يندفع نحو التغيير الحقيقي الذي يجعله يحس بآدميته التي تنتهك بشكل مستمر في العراق و فلسطين و الصومال و السودان ولبنان وسوريا بل في كل مخفر شرطة عربي وفي كل سجن من سجون أنظمة الخيبة و التآمر و النفاق الذين يتشدقون بخدمة المقدسات ويرتكبون الفظائع من الجرائم ويتسترون عليها بما ينفقونه من اموال عربية ينهبونها على حساب الامة العربية التي يتضور ابناؤها في القرن الافريقي وغزةجوعا وخصاصة بينما يمارسون أحط صنوف  الترف الفاجروصورهم وفضائحهم تملأ الدنيا أو بعض الحكام الذين يزورون الكيان الصهيوني سرا وعلانية ويدعون أنهم يدعمون النضال الفلسطيني و قنواتهم أكبر مطبع مع العدو الصهيوني .
الحرية اولا تعرضت للحجب اكثر من مرة  كانت قد ضربها الطغاة أثناء العدوان على غزة ولبنان ولم نتمكن من اعادة بنائها وها نحن نعود من جديد ولن نتوقف باذن الله
الحرية اولا اذن صرخة في وجه الطغاة وكشف للمستور بالأدلة الدامغة التي لايستطيع الطغاة تكذيبها انها بصقة في وجوه الذين أهدروا الأموال العربية بآلاف المليارات وذهبت لصالح الصهاينة سلاحا يقتلوننا به كما أنها كشف لفضائح الاعلام المأجور و المدفوع الثمن مسبقا و الذي يقدم تخديرا للجماهير العربية و ابعادا لها عن واقعها اما بتمييعها بقنوات ومواد اعلامية نهاية في التفاهة أو يقدمون تسطيحا للدين الاسلامي و تقديم فتاوى على الهواء من شأنها ابعاد الناس عن الجانب المضيىء و الثوري في الاسلام وبناء عليه فهي  صرخة مدوية في وجوه كل الذين أجرموا في حق هذا الوطن و انتصار للأحرار والشرفاء مصداقا لقوله تعالى

( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)- (17) سورة الرعد 

 

تطور المعجزات للانبياء في القران من فجر الرسالات الى ختم النبوة بقلم الناصر خشيني




مدخل: الآية بين الحدث والدلالة
من أعمق ما يُثيره التأمل في تاريخ الرسالات الإلهية ذلك التنوع المقصود في طبيعة المعجزات التي أيّد الله بها أنبياءه ورسله. فلم تكن المعجزة في يوم من الأيام حدثاً اعتباطياً يُبهر الجمهور ويُسكت المعارض فحسب، بل كانت في حقيقتها خطاباً إلهياً موجَّهاً إلى طور بعينه من أطوار الوعي البشري، ومرحلة محددة من مسيرة العقل الإنساني في اكتمالها وبلوغها النضج. وكان اختيار نوع المعجزة ووقتها ومكانها وحجمها قراراً حكيماً صادراً عن علم الله الشامل بطبيعة المخاطَب وحاجته ومستوى تلقيه.
وقد جرت سنة الله في الرسالات السابقة على الإسلام أن تكون المعجزة مادية حسية ملموسة، تخاطب الحواس قبل العقل، وتهز الوجدان قبل أن تستنهض الفكر. ذلك أن البشرية في أطوارها الأولى كانت لا تزال في طفولتها الحضارية، قريبة العهد بالأسطورة والسحر، تقيس الحقيقة بما تراه عيناها وتلمسه أيديها. فلما جاءت خاتمة الرسالات على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي، وكانت البشرية تخطو نحو طور النضج العقلي، جاءت معجزته عقلية خالصة وكتاباً خالداً تحدّى به العقول في كل زمان ومكان.
يسعى هذا المقال إلى جرد المعجزات المادية الملموسة للأنبياء والرسل قبل سيدنا محمد كما أثبتها القرآن الكريم، ثم يُقيم مقارنة دلالية بين تلك المعجزات الحسية ومعجزة الإسلام الكبرى: القرآن الكريم، كاشفاً عن الحكمة الإلهية في اختلاف الخطاب بحسب اختلاف المرحلة.
أولاً: معجزات سيدنا إبراهيم عليه السلام
1 — النار التي لم تحرق
تُعدّ هذه المعجزة من أجلى صور التدخل الإلهي المباشر في ناموس الطبيعة. فحين أُلقي إبراهيم في النار إثر جرأته على الأصنام وكسرها، عطّل الله الخاصية الجوهرية للنار وهي الإحراق، فكان أمره:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ — سورة الأنبياء: 69
وهذه المعجزة بالغة الأثر في نفس من يراها، لأنها تخاطب أول ما تخاطب الحس البصري والجسدي: كيف يدخل إنسان النار ولا يُحرق؟ وهو الدليل الأقوى أمام عقلية مرحلة لا تزال تقدّس القوى الطبيعية وتهابها. وقد أشار الطبري إلى أن هذه الآية تُفيد تحويل ماهية النار لا مجرد الحيلولة دون أثرها، وهو ما يجعلها معجزة كونية مطلقة لا محلية مؤقتة.(1)
2 — إحياء الطيور الأربعة
وهي معجزة أُجريت إجابةً لتساؤل إبراهيم الخليل عن كيفية إحياء الموتى، فأمره الله باختبار تجريبي حسّي ملموس:
﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ — سورة البقرة: 260
فكانت المعجزة مادية مباشرة: تقطيع الطيور وتوزيعها على الجبال، ثم بعثها حية أمام عين الخليل. والمشهد يخاطب الحس أولاً ثم يُعلّم اليقين ثانياً.
ثانياً: معجزات سيدنا موسى عليه السلام
خُصَّ موسى عليه السلام بأكبر عدد من المعجزات المادية الملموسة في القرآن الكريم، وهو ما يتسق مع طبيعة رسالته إلى فرعون وملئه وبني إسرائيل، في حقبة كانت مصر فيها سيدة الحضارة المادية المنظورة.
3 — العصا تنقلب ثعباناً
وهي أُولى الآيات التي أُعطيها موسى، وكانت الحجة الدامغة في مواجهة سحرة فرعون:
﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ — سورة الشعراء: 32
تحوّل الجماد الميت إلى كائن حي زاحف، معجزة تمسّ أعمق ما في الإنسان البدائي من رهبة تجاه الثعبان رمز القوة والخطر. وقد أُعيدت هذه المعجزة مرات عدة في القرآن (الأعراف: 107، النمل: 10، طه: 20)، مما يدل على مركزيتها في منظومة آيات موسى.
4 — اليد البيضاء
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ — سورة النمل: 12
تغيير مفاجئ مرئي في لون العضو البشري بلا سبب طبيعي، وكانت هذه الآية إلى جانب العصا المعجزتين الرئيسيتين اللتين بُعث بهما موسى. وقد وردت في مواضع متعددة (الشعراء: 33، طه: 22).
5 — انفلاق البحر
وهي أعظم معجزات موسى الكونية وأكثرها توثيقاً في القرآن الكريم:
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ — سورة الشعراء: 63
انشقاق جسم مائي هائل إلى جبلين من الماء يمرّ بينهما بنو إسرائيل آمنين، ثم انطباقه فجأةً على فرعون وجنوده. وهذه المعجزة تنطوي على بُعد سياسي-نجاتي واضح: حرية الشعب المستضعف من براثن الطاغوت.
6 — انبجاس العيون من الحجر
﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ — سورة البقرة: 60
خروج اثنتي عشرة عيناً ماء من صخرة صمّاء بضربة عصا واحدة، وبعدد أسباط بني إسرائيل الاثني عشر. وفي هذا إشارة إلى دقة التنظيم الإلهي في توزيع الرزق.
7 — المن والسلوى
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾ — سورة البقرة: 57
رزق مادي غيبي: طعام حلو ينزل من السماء وطير يُسخَّر للأكل في التيه، وظلال غيمية توقيّاً من حرارة الصحراء. وهذه المعجزة تخاطب أشد حاجات البشر إلحاحاً: الطعام والمأوى.
8 — الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾ — سورة الأعراف: 133
خمس آيات عذابية مادية متتابعة تضرب فرعون ومصره تباعاً. كل آية منها كارثة طبيعية مُوجَّهة بإرادة إلهية، لا يستطيع أي علم أو سحر درءها.
9 — إحياء القتيل ببعض البقرة
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ﴾ — سورة البقرة: 73
أُحيي ميت بلمسة عضو من البقرة المذبوحة، ليُفصح عن قاتله. وقد أُرفقت هذه المعجزة بتعليق قرآني صريح يجعلها دليلاً على البعث، فهي معجزة ودرس في آنٍ واحد. وقد فصّل ابن كثير في تفسيره القول في هذه الآية مبيناً أنها معجزة مزدوجة: إحياء وإخبار.(2)
10 — الألواح المُنزَّلة
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ — سورة الأعراف: 145
الألواح التي أنزلها الله مكتوبةً بيد القدرة الإلهية هي على الحدّ بين المعجزة المادية والرسالة التشريعية. وقد شكّلت المرجعية القانونية لبني إسرائيل وسط مرحلة كانوا فيها في أشد الحاجة إلى الإثبات البصري لشرعية الأمر الإلهي.
ثالثاً: معجزات سيدنا عيسى عليه السلام
جاءت معجزات عيسى عليه السلام متمحورةً حول ثيمة الحياة والموت والشفاء، وهي الثيمة ذاتها التي كان الوعي الديني اليهودي يترقبها في ضوء النبوءات المسيحانية.
11 — نفخ الطين طيراً حياً
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ — سورة المائدة: 110
هذه المعجزة الأشد غرابةً وعمقاً: تحويل الطين الجامد إلى طائر حي بمجرد النفخ. وهي تُحيل صراحةً إلى فعل الخلق الأول — خلق آدم من طين — مما يضعها في السياق اللاهوتي قبل الحسي.
12 — إبراء الأكمه والأبرص
﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ — سورة المائدة: 110
شفاء من وُلد أعمى ومن البرص، وكلتاهما آفتان اعتُبرتا خارج نطاق الشفاء الطبيعي. والمعجزة هنا تتجاوز المفهوم الطبي لتصنع مصالحةً بين المريض والمجتمع الذي كان يعزله.
13 — إحياء الموتى
﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ — سورة آل عمران: 49
أعلى المعجزات الحسية درجةً: استعادة الحياة بعد فراقها. وقد أُكّد في القرآن أنها تتم بإذن الله، نفياً لأي لبس في أصل القدرة.
14 — المائدة المنزَّلة
﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ — سورة المائدة: 114
طعام حسي ملموس ينزل من السماء بدعوة عيسى. والجدير بالملاحظة أن الله قرن هذه المعجزة بوعيد شديد لمن يكفر بعدها، مما يجعلها آيةً مُوجِبةً للحجة القاطعة.
15 — الميلاد من غير أب
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ — سورة آل عمران: 47
معجزة خلقية كبرى في أصل وجود عيسى ذاته. وقد قرن القرآن هذه الآية بخلق آدم من غير أب ولا أم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (آل عمران: 59)، في إشارة إلى سنّة الخلق الإلهي المتجاوزة للأسباب.
رابعاً: معجزات سائر الأنبياء
16 — ناقة صالح
﴿هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ — سورة الأعراف: 73
ناقة خرجت من صخرة بأمر إلهي لتكون آيةً لثمود. وقد حوّل القرآن قصة عقرها إلى مثل للعقر الحضاري والانتحار الجمعي: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ (الأعراف: 77).
17 — معجزات سليمان: الريح والجن وعرش بلقيس
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ — سورة سبأ: 12
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ — سورة النمل: 40
تسخير الريح لحمل الجيوش، واستخدام الجن في أعمال البناء الضخمة، ونقل عرش بلقيس من اليمن إلى الشام في لمح البصر. وهذه المعجزات تُشير إلى سلطة حضارية مادية هائلة مُسخَّرة لخدمة منظومة الحكم النبوي.
18 — تليين الحديد لداوود
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ — سورة سبأ: 10
تغيير الخاصية الفيزيائية للحديد بأمر إلهي لصناعة الدروع الواقية. وهي معجزة تكنولوجية بامتياز في سياقها التاريخي، تُدمج بين الكرامة النبوية والإنتاج المادي.
19 — الفلك والطوفان لنوح
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ — سورة القمر: 13
الطوفان الكوني الذي أغرق الأرض وأنجى نوحاً ومن معه في السفينة التي بُنيت بوحي إلهي. وهذه المعجزة تجمع بين الإنجاء والعقاب في مشهد مادي واحد.
20 — نجاة يونس من بطن الحوت
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ... فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ — سورة الصافات: 142-145
البقاء حياً في أعماق البحر داخل بطن الحوت ثم القذف إلى الشاطئ. وهذه المعجزة تتضمن التسبيح الشهير ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الذي جعله القرآن مفتاح النجاة.
21 — ولادة يحيى من أبوين عاجزَين
﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ — سورة آل عمران: 40
هبة الولد من أب بلغ الشيخوخة وأم عاقر: خرق بيولوجي صريح لسنن التناسل، جاء استجابةً لدعاء زكريا برغبة في وارث نبوي.
خامساً: المقارنة الدلالية — المعجزة الحسية في مواجهة المعجزة العقلية
أ — مرحلة الطفولة الحضارية للبشرية
إن الإنسان كالطفل في نموه العقلي والوجداني، لا يُصدّق ما لا تُثبته حواسه في مرحلة بعينها من حياته، ثم يترقى شيئاً فشيئاً نحو التجريد والفهم والاستدلال. وقد أدار الله الرسالات السابقة وفق هذه السنة التكوينية في العقل الإنساني.
فالمجتمعات التي خاطبتها رسالات إبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء كانت في طور حضاري لا يزال يؤمن بالسحر والعرافة، ويقيس مصدر القوة بالاستعراض المادي. فكان من الحكمة الإلهية أن تأتي الآية بصورة حسية تُبهر الحواس وتُفحم المنازع:
نار لا تُحرق: تُفحم القوى التي تعبدها الوثنية.
ثعبان يبتلع عصيّ السحرة: يُبطل أقوى ما أنتجه العلم السحري المصري.
بحر ينشق: يُعجز أعظم إمبراطورية عسكرية في عصرها.
إحياء الموتى: يُجيب عن أعمق تساؤل وجودي بطريقة مباشرة.
وقد أشار محمد الغزالي إلى أن هذه المعجزات جاءت كلها في سياق التحدي المباشر والحسي، لأن البيئة الفكرية التي احتضنتها لم تكن مهيأة بعد لتلقي المعجزة العقلية الخالصة.(3)
ب — قيد الآنية والمحلية
غير أن المعجزة الحسية تنطوي على قيد بنيوي جوهري: إنها معجزة آنية محلية تنتهي بانتهاء الحدث، ولا يمكن إعادتها أو استحضار دليلها الحسي في الزمن الآتي. فمن لم يرَ النار وإبراهيم فيها سليماً، لم يشهد المعجزة. ومن لم يحضر انفلاق البحر، لم تبقَ له منه إلا الرواية.
وهذا ما يُفسر كيف انحرفت الأمم التي شهدت هذه المعجزات وعادت إلى الوثنية بعد غيبة موسى في الطور، أو كيف حرّف أتباع عيسى رسالته بعد رفعه. لأن المعجزة الحسية لا تُغير البنية العقلية تغييراً جذرياً، بل قد تُذعن لها النفوس خوفاً أو إعجاباً لا يقيناً راسخاً.(4)
ج — القرن السابع الميلادي: مرحلة النضج العقلي للبشرية
كان القرن السابع الميلادي فجر مرحلة حضارية جديدة: الإنسانية تبدأ بالخروج من عصور الأسطورة والسحر والقبلية نحو التفكير المنهجي والكتابة والجدل الفكري والتنافس الحضاري. وكانت الجزيرة العربية بالذات، على رغم بداوتها، تمتلك ذاكرة شعرية وبيانية راقية، وبيئة فكرية قادرة على الاستجابة للتحدي اللغوي والمعرفي.
في هذا السياق جاء الوحي المحمدي بمعجزة من طبيعة مختلفة جذرياً: لا نار لا تُحرق، ولا بحر ينشق، ولا ميت يُحيا أمام الأعين. جاء بكتاب يُحدّي العقول جمعاء في كل زمان ومكان:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ — سورة الإسراء: 88
وقد رأى مالك بن نبي أن القرآن الكريم هو الظاهرة الكبرى في تاريخ الحضارة الإنسانية، لأنه يخاطب العقل البشري في مستوياته جميعها، ولا يُستنفد بتكرار القراءة والدرس.(5)
د — المعجزة الدائمة وختم النبوة
وتكمن عبقرية هذا الاختيار الإلهي في توافقه التام مع ختم النبوة: فإذا كانت الرسالة المحمدية هي الرسالة الأخيرة والخاتمة إلى يوم القيامة، فلا بد أن تكون معجزتها بطبيعتها خالدة غير مُنقطعة، حاضرةً في كل عصر لا في عصر واحد، مفتوحةً للتحدي في كل لغة وكل حقبة.
وهذا بالضبط ما يُميز القرآن الكريم عن كل معجزة سابقة:
المعجزات السابقة: حدث تاريخي محدود في زمان ومكان، يُروى ولا يُعاش من جديد.
القرآن الكريم: نص حيّ مُعاد تلاوته في كل لحظة، يتحدى كل جيل أن يأتي بمثله.
يقول الشيخ محمد عبده: «كانت معجزات الأنبياء تقهر إرادة من يشهدها، أما القرآن فإنه يُقنع العقل ويُنير البصيرة، فهو معجزة الحرية لا معجزة القهر».(6)
وهذا التمييز جوهري في فهم ختم النبوة: إذ يعني أن البشرية قد بلغت من النضج العقلي ما يُؤهلها لتتلقى الوحي الخاتم في صورة نصية عقلية، وأن تحمل هي مسؤولية الاجتهاد في فهمه وتطبيقه دون الحاجة إلى معجزات حسية تُجدَّد في كل جيل. وقد أشار محمد إقبال إلى أن الإسلام بإعلانه ختم النبوة يُعلن في الوقت ذاته نضج العقل الإنساني وأهليته لحمل الأمانة.(7)
خاتمة: الحكمة الإلهية في تطور الخطاب المعجزاتي
يكشف هذا الجرد القرآني لمعجزات الأنبياء أن ثمة سنةً تاريخية-إلهية تحكم توزيع الآيات على الرسالات: فالمعجزة الحسية جاءت في أطوار البشرية الأولى لأنها وحدها القادرة على اختراق الوعي الأسطوري السائد وإثبات الصلة بين النبي وربه أمام جمهور لا يقيس الحقيقة إلا بالبرهان الحسي المباشر.
غير أن الرسالة الخاتمة جاءت في مرحلة مختلفة من مسيرة العقل الإنساني: مرحلة القرن السابع الميلادي التي بدأت تُعلي من شأن الكلمة والجدل والبيان. فجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم كتاباً خالداً لا حدثاً عابراً، يُخاطب العقل قبل الحواس، ويتحدى الأجيال كلها لا جيلاً واحداً، ويبقى دليله الحي محفوظاً في الصدور والسطور عبر الأجيال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ — سورة الحجر: 9
وفي هذا التحول من المعجزة الحسية إلى المعجزة العقلية ما يُثبت أن الإسلام جاء ليُكمل مسيرة الإنسانية ويستوعبها في وحدة كلية، لا ليُلغي ما سبقه بل ليُتوّجه ويُبلّغه درجته الأعلى. وليكون ختم النبوة توافقاً عميقاً بين طبيعة الرسالة وطبيعة المرحلة التي دُشّنت فيها: مرحلة العقل الإنساني البالغ الذي أصبح أهلاً لحمل أمانة الكلمة الإلهية الخالدة دون وصاية معجزاتية مُجدَّدة في كل حين.
قائمة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2000م.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، 1999م.
الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ.
بن نبي، مالك، الظاهرة القرآنية، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1987م.
عبده، محمد، رسالة التوحيد، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1908م.
إقبال، محمد، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1955م.
الغزالي، محمد، من معالم الحق في الكفاح الإسلامي الحديث، دار الشروق، القاهرة، 1989م.
العقاد، عباس محمود، الإسلام دعوة عالمية، نهضة مصر للطباعة، القاهرة، 1952م.
محمود، مصطفى، القرآن محاولة لفهم عصري، دار المعارف، مصر، 1972م.
الشعراوي، محمد متولي، معجزة القرآن، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، 1985م.

 


الاثنين، 1 يونيو 2026

الحج والتقويم الإسلامي: إشكالية الزمان بين النص والاجتهاد بقلم: الناصر خشيني

 


 تقديم

في كل عام، وحين يشتد وهج الصيف ويبلغ الحرّ ذروته، يتجه ملايين المسلمين من أصقاع الأرض نحو مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، محملين بالإيمان ومثقلين بأعباء الحرارة القاسية. وتُسجّل إحصاءات الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري أرقاماً مفجعة في أغلب السنوات. غير أن المتأمل في السيرة النبوية يجد أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤدِّ حجته الوحيدة "حجة الوداع" إلا في فصل يوافق وفق الحسابات الفلكية فصلَ الشتاء الميلادي. فأين الخلل؟ وكيف يُفهم هذا التناقض بين ما سنّه النبي عملياً وما يعيشه المسلمون اليوم؟
أولاً: التقويم الهجري وإشكالية الانفصال عن الفصول
يقوم التقويم الهجري على أساس السنة القمرية البحتة، المكوّنة من اثني عشر شهراً قمرياً لا يتجاوز مجموعها 354 يوماً، أي بفارق 11 يوماً تقريباً عن السنة الشمسية البالغة 365 يوماً. ومن ثَمَّ، تتقدم الشهور الهجرية كل عام بمقدار هذا الفارق، لتدور دورة كاملة على الفصول الأربعة في غضون نحو 33 سنة شمسية.
وقد كان العرب قبل الإسلام يستخدمون نظام "النسيء"، أي تأجيل الأشهر الحرم وإضافة شهر كبيس كل فترة، للحفاظ على توافق التقويم مع الفصول. وقد جاء القرآن الكريم لينهى عن هذه الممارسة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (التوبة: 37). وقد فُسّر هذا النهي تاريخياً على أنه تحريم لأي شكل من أشكال التعديل التقويمي، مما أفضى إلى اعتماد السنة القمرية الخالصة نهجاً ثابتاً، بصرف النظر عن تداعياته العملية.
ثانياً: حجة الوداع في ميزان الفلك.                                                          وردت عدّة أقوالٍ للعلماء في بيان وتحديد التاريخ الميلاديّ لحجّة الوداع؛ فقد ذُكر في كتاب موجز التاريخ الإسلامي أنّ حجّة الوداع كانت سنة ستّمئةٍ وإحدى وثلاثين للميلاد،أمّا اليوم الذي صادف وقوع حجّة الوداع، فكان يوم السبت من شهر كانون الثاني/ يناير،وذكر محمد رضا في كتابٍ له اسمه "محمّد صلى الله عليه وسلم" أنّ حجّة الوداع كانت في شهر آذار/ مارس، من سنة ستّمئةٍ واثنين وثلاثين للميلاد بحيث.
 أن حجة الوداع من خلال هذا القول أُديّت في ذي الحجة من العام العاشر الهجري، الموافق لشهر مارس من عام 632 ميلادي. وشهر مارس في منطقة الحجاز يوافق أواخر فصل الشتاء وبداية الربيع، حيث تتراوح درجات الحرارة في مكة بين 20 و28 درجة مئوية، مناخٌ معتدل يختلف اختلافاً جذرياً عن الحرارة الخانقة التي تصل أحياناً إلى 45 درجة وما فوق خلال موسم الحج في أشهر الصيف اليوموبما ان المسالة خلافية فهي ليست دينا.
وبالمنطق ذاته، يُشير الباحثون إلى أن النبي صام رمضان على مدار تسع سنوات متتالية، بدءاً من السنة الثانية للهجرة، وكانت غالبية هذه السنوات تصادف فصلَي الخريف والشتاء، مما جعل الصيام في اعتدال نسبي مقارنة بما يعانيه المسلمون اليوم حين يصادف رمضان أشهر القيظ.
ثالثاً: الاجتهادات التي شكّلت الواقع
يُقرّ الفقهاء بأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو من أسّس للتقويم الهجري المعمول به اليوم في صيغته الرسمية، وذلك في العام السابع عشر للهجرة. وقد اختار أن يكون مبدأ التأريخ من هجرة النبي، وأن يظل التقويم قمرياً صرفاً دون أي تعديل شمسي. وهو اجتهاد بشري، لا وحيٌ إلهي، أسهم في ترسيخ هذا الانفصال بين المناسبات الدينية وفصول السنة.
والأهم من ذلك أن مسألة النسيء التي نهى عنها القرآن كانت في جوهرها ممارسةً سياسية يستغلها زعماء القبائل لتأجيل الأشهر الحرم خدمةً لمصالح الحرب. ويرى عدد من الباحثين المعاصرين أن النهي القرآني كان يستهدف هذه الحيلة السياسية تحديداً، لا مجرد التوافق الفلكي بين التقويم والفصول.
رابعاً: إشكاليات المنهج والتمييز بين الثابت والمتغير
إن جوهر المسألة يكمن في سؤال منهجي عميق: هل كل ما جرى في عهد النبي يُعدّ تشريعاً لازماً وملزماً، أم أن بعضه جاء استجابةً للسياق الزمني والظرف التاريخي؟
الشريعة الإسلامية في جوهرها تُفرّق بين العبادات ذات الأصل الثابت، وبين الوسائل والآليات التي تخضع لمبدأ المصلحة والدرء عن المفسدة. وفي هذا السياق، يمكن القول إن توقيت الحج في ذي الحجة ثابتٌ بالنص القرآني، لكن العلاقة بين ذي الحجة والفصول المناخية ليست ثابتةً في ذاتها، وإنما تتغير بطبيعة التقويم القمري.
والحجج المانعة من أي مراجعة تستند في الغالب إلى موروث فقهي تراكمي لا إلى نصوص قطعية الدلالة، في حين أن مآلات هذا الموروث تشمل وفيات بالآلاف جراء موجات الحر كل موسم.
خامساً: نحو مراجعة جريئة ومسؤولة
لا يعني الدعوة إلى المراجعة إنكاراً للثوابت أو خروجاً عن الأصول، بل هي دعوة إلى التمييز الدقيق بين ما هو من الدين وما هو من التاريخ والاجتهاد البشري. وقد أجاز كثير من علماء الفقه الإسلامي الكلاسيكيين أن تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال.
والأسئلة المشروعة التي تطرحها هذه الإشكالية هي:
هل يمكن إعادة النظر في التقويم الهجري بما يجمع بين القمرية في العبادات والاعتدال المناخي في التطبيق؟ وهل ثمة آليات فقهية معاصرة تُجيز إضافة تعديل شمسي دون أن يمسّ ذلك جوهر العبادة؟ وهل يجب أن تنتظر الأمة حتى يصادف الحج موسم الصيف القاتل كل بضعة عقود لتُعيد طرح هذه الأسئلة؟
خاتمة
إن الإسلام دين اليسر لا العسر، ودين العقل لا التقليد الأعمى. وما وصل إلينا من اجتهادات بشرية في إطار التقويم والتوقيت ليس قرآناً منزّلاً ولا سنةً ثابتة في كل تفاصيلها، بل هو تراثٌ فقهي قابل للنقد والمراجعة. والحجاج الذين يلقون حتفهم سنوياً تحت وطأة الحر ليسوا ضحايا الدين، بل هم ضحايا التقديس المزوّر لاجتهادات بشرية قابلة للتصحيح. آن لأهل العلم والفكر أن يُعيدوا طرح هذه المسائل بعيداً عن التابو، خدمةً للدين قبل أي اعتبار آخر.
المراجع والمصادر
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
ابن كثير، البداية والنهاية، أحداث السنة العاشرة الهجرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة.
محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، دار النفائس، عمّان، 2001.
يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم، الكويت، 1996.
جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة، دار الفكر، دمشق، 2001.
David King, Astronomy in the Service of Islam, Variorum, Aldershot, 1993.
F.C. De Blois, "Tā'rīkh", The Encyclopaedia of Islam, Vol. X, Brill, Leiden, 2000.
منظمة الصحة العالمية، تقارير الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري خلال موسم الحج، 2023-2024.

  أحمد معمور العسيري (1996)، موجز التاريخ الإسلامي من عهد آدم إلى عصرنا الحاضر (الطبعة الأولى)، صفحة 92، جزء 1. بتصرّف.                                                               وجدان فريق عناد العارضي (2017)، إمارة الحج في الدول العربية والإسلامية (الطبعة الأولى)، الأردن: دار أمجد، صفحة 297. بتصرّف.                                                            محمد رضا، محمد صلى الله عليه وسلم جزء 2  صفحة 71

 

الأراضي العربية المحتلة: فلسطين ليست وحدها بقلم: الناصر خشيني

 



حين يُذكر الاحتلال في الوطن العربي، تنصرف الأذهان فوراً نحو فلسطين، وهي قضية مركزية عادلة تستحق كلّ تضامن وكلّ نضال. غير أنّ ثمة حقيقة مؤلمة يُسكت عنها السياسيون ويتجاهلها الإعلام: أرض عربية أخرى تُحتلّ على امتداد الخارطة، من شمال أفريقيا إلى الخليج، ومن بلاد الشام إلى القرن الأفريقي. لا يُقلّل هذا التسليط من مركزية القضية الفلسطينية، بل يكشف مدى الهشاشة الجيوسياسية للأمة العربية، وعمق أزمة تشرذمها الذي يجعلها عاجزة عن استعادة ترابها المنهوب.
أولاً: لواء الإسكندرون — الجرح السوري المفتوح
لواء الإسكندرون أرض سورية عربية ضمّتها تركيا عام 1939، بعد أن تنازلت عنها فرنسا في عهد انتدابها على سوريا، وأطلقت عليه تركيا اسم "محافظة هاتاي"(1). وقد سبق ذلك مسلسل من التلاعب الدولي؛ ففي 29 مايو 1937 أصدرت عصبة الأمم قراراً بفصل اللواء عن سوريا وعُيّن له حاكم فرنسي(2). ثم جاء الضمّ القسري الكامل، إذ أُشرف في يونيو 1939 على استفتاء شهد تجاوزات فاضحة كنقل الآلاف من الأتراك بالشاحنات للمشاركة فيه، فيما قاطعه العرب الذين كانوا يمثّلون نحو 40% من سكان المنطقة، وفي أول سبتمبر من العام نفسه أُعلن رسمياً ضمّ اللواء إلى تركيا(3).
كان هذا الضمّ ثمرةَ مؤامرة حاكتها فرنسا وتركيا، ضمنت بموجبها فرنسا انضمام تركيا إلى صفّ الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، إذ أُبرم بعد نحو شهر من الضمّ اتفاقٌ يؤسّس لتحالف عسكري فرنسي-إنجليزي-تركي(3). والأخطر أنّ الأعوام التالية شهدت تطبيق سياسة "تتريك" اللواء، إذ تمّ تغيير كافّة الأسماء من العربية إلى التركية، وتعرّض العرب السوريون فيه لحملات تضييق متواصلة(3). وما زالت سوريا رسمياً تعدّ اللواء جزءاً من ترابها الوطني، وما زالت خرائطها تُدرجه باعتباره منطقة سورية محتلة(2).
ثانياً: عربستان (الأحواز) — النفط العربي تحت الهيمنة الفارسية
بدأت قصة معاناة إقليم الأحواز في العشرين من أبريل عام 1925، حين أقدمت إيران الشاهنشاهية على احتلاله، بعد أن استُدرج الشيخ خزعل الكعبي حاكم الإقليم إلى فخٍّ نصبه له قائد الجيش الإيراني الجنرال زهدي، فاعتُقل الشيخ وأُودع سجون طهران حتى اغتياله عام 1936(4). يعود السبب الجوهري لهذا الاحتلال إلى غنى الإقليم بالموارد الطبيعية من نفط وغاز وأراضٍ زراعية خصبة، إذ يُعدّ اليوم المنتج الرئيسي لمحاصيل مثل السكر والذرة في إيران(5). ومنذ ذلك الحين لم تتوقف المأساة؛ فقد اتّبعت السلطات الإيرانية المتعاقبة سياسات تمييزية ضد العرب في التوظيف والثقافة، وحرمتهم من تعلّم اللغة العربية، وحرّفت أسماء المدن والمناطق من العربية إلى الفارسية لطمس الهوية العربية للإقليم(5). وتحفل مسيرة عرب الأحواز بأكثر من ستة عشر انتفاضة، أبرزها ثورة "جنود الأمير خزعل" عام 1925، وحراك عام 2005 إثر تسريب وثيقة تتحدث عن مخطط لتهجير نصف سكان المناطق العربية واستبدالهم بالفرس(6).
ثالثاً: الجزر الإماراتية الثلاث — سطو مسلّح في قلب الخليج
في 30 نوفمبر 1971، وقبل يومين فقط من إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، أقدمت القوات الإيرانية على احتلال جزيرتَي طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى بصورة مفاجئة ودون إنذار مسبق، واقتحمت الجزر فجراً مما أفضى إلى سقوط ضحايا وتهجير كثير من السكان الإماراتيين(7). كانت أعلام رأس الخيمة والشارقة ترفرف فوق الجزر الثلاث حتى أُنزلت بيد قوات الاحتلال الإيراني فور انسحاب القوات البريطانية(8). وقد ندّدت الدول العربية بهذا العدوان، فطالبت مصر في الأول من ديسمبر 1971 بسحب القوات الإيرانية، كما ندّدت الكويت وسوريا بهذا الاحتلال السافر(9). وبسبب الموقع الاستراتيجي للجزر في مضيق هرمز، يظلّ أمن الخليج هشّاً في غياب تسوية فاعلة لهذا النزاع(10).
رابعاً: سبتة ومليلية والجزر المغربية — الاستعمار الذي لم ينتهِ
على الضفة الغربية من عالمنا العربي، تتواصل في صمت مريب سيطرة إسبانية على أرض مغربية مسلمة تمتد عبر ست قرون متواصلة. يعود احتلال سبتة إلى عام 1415 حين سقطت في يد البرتغاليين، لتنتقل بعدها إلى الإسبان عام 1668، فيما احتُلّت مليلية خريف عام 1497(11). وإلى هاتين المدينتين تُضاف الجزر الجعفرية الواقعة على بُعد أمتار من الشاطئ المغربي، وتضمّ جزر ليلى وتورة وبادس وسواها من الجزر والصخور المغربية التي تسيطر عليها إسبانيا(12). وهكذا تُشكّل مجتمعةً حزاماً استعمارياً أوروبياً ممتداً على الشمال المغربي لا نظير له في عالم ما بعد الاستقلال.
يرجع هذا الاحتلال المتشعّب إلى ما اعتبرته القوى الأوروبية حروباً صليبية على الوجود العربي المغربي الإسلامي، وقد تعرّض المغرب لثماني عشرة حملة برتغالية وثماني عشرة حملة إسبانية(13). والمفارقة المؤلمة أنّ هذا الاحتلال الأوروبي العتيق ما يزال يُرسم على خرائط العالم باعتباره "أراضي إسبانية"، فيما يصنّفه الاتحاد الأوروبي جزءاً من حدوده الخارجية بدلاً من أن يُعامَل باعتباره بقية استعمارية يفرضها القانون الدولي.
خامساً: الأوغادين — الجرح الصومالي الممتدّ
في القرن التاسع عشر غزا الملك الإثيوبي منليك الثاني إقليم أوغادين الصومالي العربي، مما أشعل صراعاً مديداً وأفضى إلى حملة مناهضة للاستعمار بقيادة سيد محمد بن عبد الله حسن(14). وقد ظلّ الإقليم محوراً للصراع طويلاً؛ ففي حرب أوغادين بين عامَي 1977 و1978 سقط عشرات الآلاف قبل أن تُعيد إثيوبيا هيمنتها بمساندة المستشارين العسكريين السوفييت والقوات الكوبية(15). واستباحت القوات الإثيوبية الإقليم وفرضت حصاراً خانقاً على سكانه الصوماليين العرب، وارتكبت بحقهم جرائم فادحة ظلّت طيّ الكتمان(16). وهو إقليم يرزح في صمت شبه تام عن الرأي العام العربي، رغم أن سكانه يحملون هوية عربية إسلامية راسخة.
سادساً: التجزئة — السلاح الذي يُشلّ الأمة
لا يمكن أن نقرأ هذا المشهد المأساوي لاحتلال الأراضي العربية المتعددة دون أن نُواجه السؤال الجوهري: لماذا تظل هذه الأراضي محتلة؟ الجواب لا يكمن فقط في قوة المحتل، بل في تمزّق الوطن العربي وتفتّت قدرته الجماعية.
يتألّف الوطن العربي اليوم من اثنتين وعشرين دولة، بعضها لا تتجاوز مساحته بضعة آلاف من الكيلومترات، وبعضها الآخر لا يتجاوز عدد سكانه بضعة ملايين. وقد نشأت هذه التجزئة في معظمها من رحم اتفاقيات الاستعمار الغربي كسايكس-بيكو عام 1916، التي رسمت حدوداً صناعية تقطع الجغرافيا الطبيعية والأواصر الثقافية والبشرية. هذه الدولة المجزأة تُفضي حتماً إلى ضعف تفاوضي مزمن، وعجز عن بناء قوة ردع موحّدة، وتنافس مصطنع على الموارد والنفوذ يُغذّي الانقسام بدلاً من التكامل.
والنتيجة الحتمية لهذه الحالة أنّ كلّ قضية تُعالَج بمعزل عن أخواتها: فلسطين وحدها في المحافل الدولية، ولواء الإسكندرون في ضمائر السوريين دون صوت عربي جماعي، وعربستان في الندوات الأكاديمية دون ضغط سياسي، والجزر الإماراتية في البيانات الدورية دون فعل استراتيجي، وسبتة ومليلية في الطروحات الدبلوماسية دون إرادة حقيقية، وأوغادين في طيّ النسيان التام. إنّ غياب المشروع القومي الجامع لا يعني فقط تأجيل التحرير، بل يعني في واقع الأمر التطبيع التدريجي مع الأمر الواقع.
خاتمة: الأرض لا تنتظر
أمام هذا المشهد المتكامل، يتبيّن أنّ قضية الأراضي العربية المحتلة ليست قضية شعب واحد أو إقليم واحد، بل هي أزمة منظومة: أزمة أمة مجزّأة، تفتقر إلى مشروع سيادي موحّد، وتتعامل مع احتلالاتها بمنطق ردّ الفعل الآني لا بمنطق الاستراتيجية التاريخية. فالأراضي العربية تُحتلّ جزئياً أو كلياً منذ عقود وقرون، والخريطة العربية تنزّ جراحاً في أطرافها الأربعة. وما لم يُعَد بناء الوعي الجمعي بهذه الجغرافيا المنهوبة كلّها، وما لم يُتحوّل من خطاب العجز إلى خطاب المطالبة الحقوقية والضغط الدولي المنظّم، فإنّ حدود الوطن العربي ستظلّ خاضعة لمنطق الغنيمة لا لمنطق القانون.
الهوامش والمراجع
(1) موقع ترك برس: "أين نحن من لواء إسكندرون؟ مراجعة للتاريخ ونقد الواقع"، يونيو 2017، متاح على: https://www.turkpress.co/node/35669
(2) ويكيبيديا العربية: مقالة "لواء إسكندرون"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/لواء_إسكندرون
(3) موقع حفريات: "هكذا أصبح لواء الإسكندرون السوري محافظة تركية"، متاح على: https://hafryat.com
(4) موقع المسلم: "الأحواز أو عربستان المحتلة إيرانياً"، متاح على: https://almoslim.net/node/127432
(5) ويكيبيديا العربية: مقالة "الأهواز"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/الأهواز
(6) موقع سكاي نيوز عربية: "عربستان — خزّان ثروات وثورات ضد الهيمنة الإيرانية"، نوفمبر 2018، متاح على: https://www.skynewsarabia.com/world/1202579
(7) موقع misaha.com: "قصة الجزر الإماراتية المحتلة: تاريخٌ من النزاع والمطالبات"، نوفمبر 2024، متاح على: https://misaha.com
(8) موقع UAE71: "تمخضت إيران فأنجبت فأراً — الجزر الثلاث المحتلة إماراتية بمئات الوثائق"، نوفمبر 2024، متاح على: https://www.uae71.com/posts/115342
(9) الدرر السنية — الموسوعة التاريخية: "احتلال إيران الجزر الإماراتية"، متاح على: https://dorar.net/history/event/5400
(10) مجلة العرب للدراسات والبحوث الاستراتيجية: "مسألة الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى"، متاح على: https://araa.sa
(11) موقع TRT عربي: "سبتة ومليلية والجزر الجعفرية — خارطة سيطرة إسبانيا شمال المغرب"، أغسطس 2025، متاح على: https://www.trtarabi.com/article/5624600
(12) موقع نون بوست: "سبتة ومليلية: المدينتان العالقتان بين الجغرافيا المغربية والسيادة الإسبانية"، أغسطس 2025، متاح على: https://www.noonpost.com/323160
(13) موقع الجزيرة نت: "سبتة ومليلية بين استعمار إسبانيا وأخطاء المغرب"، نوفمبر 2007، متاح على: https://aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2007/11/5
(14) ويكيبيديا العربية: مقالة "الصراع الإثيوبي الصومالي"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/الصراع_الإثيوبي_الصومالي
(15) مركز الدراسات الأمنية والاستراتيجية في الإمارات (ICSS): "الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية للاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال"، يناير 2024، متاح على: https://icss.ae
(16) مركز مقديشو للبحوث والدراسات: "اطلالة تاريخية محايدة على تاريخ الصراع الصومالي الإثيوبي في أوغادين"، أغسطس 2018، متاح على: http://mogadishucenter.com

البُعد العروبي في القرآن الكريم ونشأة الأمة العربية بقلم الناصر خشيني - باحث ومحلل سياسي تونس

 


العروبة في النص القرآني - توصيف جوهري لا شكلي

لم يكتفِ القرآن الكريم بأن يكون نصاً مكتوباً بالعربية، بل أعلن عروبته في تسعة مواضع متفرقة، كل موضع منها يُضيف بُعداً جديداً لهذه العلاقة الجوهرية بين الرسالة ولغتها وأمتها. ففي سورة يوسف أكّد: "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" (يوسف: 2)، وهو توصيف يربط العروبة بالعقل لا بالقبيلة، كأن الله يُشير إلى أن هذا الخطاب موجّه إلى ملَكة التفكير في الإنسان. وفي سورة الشعراء جاء التأكيد على أن الوحي ذاته نزل "بلسانٍ عربيٍّ مبين" (الشعراء: 195)، أي أن البيان العربي ليس قناةً محايدة للرسالة بل هو جزء من طبيعتها ومن قدرتها على الإقناع والتأثير. وفي سورة الزمر أضاف وصفاً نوعياً حين قال: "قرآناً عربياً غير ذي عوج" (الزمر: 28)، فجعل العروبة مقترنةً بالاستقامة المنطقية والسلامة الداخلية للنص. وفي سورة فصّلت ربط العروبة بالمعرفة حين قال: "قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون" (فصّلت: 3)، وكأنه يُشترط في المتلقّي أن يكون صاحب علم ليدرك ما في هذه العروبة من عمق. وفي سورة الشورى جاء: "وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها" (الشورى: 7)، فجعل مكة ومحيطها البشري نقطة الانطلاق لهذا الخطاب الكوني.
غير أن الآية الأكثر دلالةً وعمقاً في هذا السياق هي الآية السابعة والثلاثون من سورة الرعد: "وكذلك أنزلناه حكماً عربياً" (الرعد: 37)، وهي تختلف اختلافاً جوهرياً عن سائر الآيات، إذ لا تصف اللغة بل تصف الحُكم، أي المنظومة التشريعية والقيمية بأسرها. فالحكم العربي هنا لا يعني حكماً صيغ بلغة عربية فحسب، بل يعني أن روح هذا التشريع ومزاجه الحضاري وطريقة معالجته للشأن الإنساني نابعةٌ من عبقرية الحضارة العربية وفطرتها الخاصة في موازنة العدل والكرامة والحرية. وقد ذهب المفسر الطبري في "جامع البيان"(¹) إلى أن "الحكم العربي" يعني الحكم الذي يُخاطب الفطرة العربية في بيانها وعدلها، بينما رأى ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"(²) أن في هذا الوصف إشارةً إلى أن القرآن جاء بحكم يتناسب مع طبيعة العقل العربي في تلقّي الحجة ورفض التحكّم.
الحضارة العربية - أصالة سابقة للإسلام وعمق موغل في التاريخ
ولفهم هذه العلاقة في أبعادها الحقيقية، لا بد من التأكيد - كما يرى الناصر خشيني في دراساته المقارنة للحضارات(³) - أن الحضارة العربية ليست وليدة الإسلام بل هي حضارة قديمة موغلة في التاريخ، ليست هجينةً ولا متطفلة على الحضارة الإنسانية، بل هي ركيزة أصيلة فيها. غير أن الإسلام حين جاء أضفى عليها ظلاله بقيمه ومبادئه السمحة، فلم يُلغِها ولم يستبدلها بل رفّعها وصهرها في مشروع حضاري أرقى. وكان من دلائل هذه الأصالة أن ظهور الإسلام جاء في أكثر البيئات العربية تحضراً، أعني مكة "أُم القرى"، المركز التجاري والديني والثقافي للجزيرة العربية، الذي كان قد بنى على مدى قرون شبكةً من العلاقات مع محيطه الإقليمي تجعل منه نقطة تقاطع للحضارات لا هامشاً منعزلاً عنها.
ثم كانت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة حدثاً حاسماً في تاريخ هذا التكامل، إذ أنجزت أول مولود حضاري حقيقي للعرب المسلمين، وهو إقامة أول دولة عربية إسلامية في التاريخ. وقد صاغت هذه الدولة تحت القيادة النبوية الرشيدة أولَ دستور مدني مكتوب في تاريخ البشرية، إذ إن وثيقة المدينة لم تكن مجرد معاهدة قبلية، بل كانت نظام مجتمع جمع المسلمين وغيرهم على أُسس الحياة المشتركة بينهم جميعاً. ومصدر قوّتها الملزمة لم يكن القسر والإكراه بل استمرار قبول من تنظّم الحياة المشتركة لديهم في رقعة جغرافية واحدة هي المدينة. وقد نظّمت هذه الوثيقة المعاملات بين المؤمنين، ثم فيما بين اليهود، ثم فيما بين الجميع، وسمّتهم "أهل الصحيفة"، وألزمتهم بالدفاع المشترك عن المدينة دون تفرقة على أساس الدين، فكان الكل مواطنين في هذه الدولة الفتية بمعنى المواطنة الحديث قبل أن يُصاغ هذا المفهوم بقرون. وأقامت في الختام حاكماً على المدينة هو الرسول ﷺ، فكانت بحق شهادة ميلاد الأمة العربية الإسلامية في ظل الإسلام، حيث وقع تجاوز الروابط القبلية والعشائرية الضيّقة نحو الطور القومي الأرقى(³).
المعجزة العقلية - لحظة النضج البشري
وفي سياق هذا الميلاد الحضاري الكبير، لا بد من وضعه في إطاره التاريخي الأعمق، وهو أن البشرية حين بلغت القرن السابع الميلادي كانت قد وصلت إلى مرحلة من النضج العقلي لم تبلغها من قبل. وهذا ما يفسّر الفارق الجوهري بين معجزة محمد ﷺ ومعجزات الأنبياء السابقين؛ فموسى عليه السلام جاء بمعجزة مادية محسوسة تفوق قدرة العقل البشري وتُسكته، وعيسى عليه السلام كذلك أتى بآيات تخاطب الحواس وتُدهش البصر. أما معجزة محمد ﷺ فكانت من طبيعة مغايرة تماماً: معجزة عقلية خالصة، هي القرآن الكريم. فالقرآن لا يُسكت العقل ولا يُدهش الحواس بقدر ما يتحدّاه أن يأتي بمثله، أي أنه خطابٌ يُحاكم العقلَ بسلاح العقل ذاته، وهو ما أثبته عبدالقاهر الجرجاني بتفصيل في "دلائل الإعجاز"(⁴) حين أكد أن الإعجاز القرآني بياني عقلي في جوهره لا حسّي.
وقد أشار المفكر محمد إقبال في "تجديد الفكر الديني في الإسلام"(⁵) إلى أن الإسلام جاء في لحظة تاريخية كانت البشرية فيها قادرةً لأول مرة على تلقّي رسالة خطابها الأول هو العقل لا المعجزة الحسية، وأن هذا التحوّل يعكس ثقةً إلهية بالإنسان في مرحلة نضجه. ومن هذا المنطلق ذاته يرى مالك بن نبي في "شروط النهضة"(⁶) أن ظهور الإسلام لم يكن حادثةً عارضة في التاريخ، بل كان استجابةً لقانون حضاري عميق يجعل الأفكار الكبرى تظهر حين تنضج الظروف الموضوعية لاحتضانها.
تصادف ضروري - مجيء الإسلام وولادة الأمة العربية
والسؤال الأعمق في هذه المسألة هو: لماذا تصادف مجيء الإسلام مع ولادة الأمة العربية بالمعنى الحضاري الراقي؟ هل كان ذلك مصادفةً تاريخية أم ضرورةً حضارية؟ الحق أن العرب قبيل الإسلام لم يكونوا أمةً بالمعنى السياسي والحضاري؛ كانوا قبائل تجمعها اللغة والأعراف وتفرّقها العصبية والثأر. بيد أن هذه القبائل كانت قد بلغت في القرن السادس الميلادي مرحلةً من التطور اللغوي الاستثنائي، تمثّلت في نضج الشعر العربي عبر أسواق كعُكاظ وذي المجاز، حتى باتت اللغة العربية الفصحى كياناً حضارياً قائماً بذاته يسبق بوجوده الوجودَ السياسي للأمة. وقد رأى ساطع الحصري في "آراء ومذاهب في الوطنية والقومية"(⁷) أن اللغة المشتركة هي العمود الفقري للأمة قبل الدولة وقبل الدين، وأن العربية كانت قد أنجزت هذه المهمة التأسيسية قبل الإسلام بقرن على الأقل.
فحين جاء الإسلام لم يجد أرضاً خاوية، بل وجد أمةً في طور التشكّل تنتظر المشروع الكبير الذي يحوّلها من قبائل إلى حضارة. ويذهب عبدالله العروي في "العرب والفكر التاريخي"(⁸) إلى أن الإسلام كان الشرارة التي أشعلت الجاهز، وأن ما جرى في شبه الجزيرة العربية في مطلع القرن السابع الميلادي يُشبه من الناحية البنيوية ما يحدث حين تبلغ المادة درجة الحرارة اللازمة للتحوّل من حالة إلى أخرى.
التوحيد - العملة ذات الوجهين
وهنا يبرز ما أصفه بأنه جوهر المعادلة الحضارية بأسرها(³)، وهو أن التوحيد كان أبرز عُملةٍ سلكها الإسلام عند ظهوره في الجزيرة العربية، غير أنها عملة ذات وجهين لا وجه واحد: فوجهها الأول هو التوحيد الديني في الألوهية، ووجهها الثاني هو التوحيد القومي في الحضارة والسياسة والدولة. وقد عمل الوجهان معاً في تكامل عضوي لا انفصام فيه؛ فالتوحيد الديني ساعد على اتساق هوية الجماعة البشرية العربية قومياً وسياسياً، بعد أن كان تعدّد الآلهة يُجسّد تمزّقها القومي والسياسي ويُكرّسه. في المقابل، أسهم التوحيد القومي والسياسي في الدولة الجديدة في حفظ الدين ونشره عبر الفتوحات التي توسّعت في وقت قياسي لتشمل عالم الإسلام الفسيح على حساب الإمبراطوريات الاستعمارية القائمة آنذاك، الفرس والروم. وبذلك كانت العلاقة بين العروبة والإسلام علاقةً جدلية لا تنفصم، وإن كان المدّ الإسلامي حين توقّف عند حدوده قد ضمّ إليه مجتمعات مختلفة في تكوينها الاجتماعي، فكان أثره الحضاري في كل منها مختلفاً بحسب طبيعة كل بيئة وتاريخها(³).
جدلية العروبة والإسلام - التوليف الحضاري
وقد اتسع النقاش الفكري حول طبيعة هذه العلاقة ليُفرز تيارات كبرى. فالتيار الإسلاموي يرى أن العروبة مجرد وعاء اختاره الله لحكمة، وأن الرسالة كونية تتجاوز الأمة العربية إلى البشرية جمعاء. في المقابل ذهب التيار القومي التاريخي كما عبّر عنه ميشيل عفلق في "في سبيل البعث"(⁹) إلى أن الإسلام هو أعلى تعبيرات العبقرية العربية، وأن فهم الإسلام يستلزم فهم العروبة لا العكس. أما التيار التوليفي الأكثر عمقاً ورسوخاً فقد صاغه محمد عابد الجابري في "نقد العقل العربي"(¹⁰)، إذ رأى أن لا تناقض بين العروبة والإسلام ولا تراتبية بينهما، بل هما وجهان لتجربة حضارية واحدة، وأن فصلهما تجريدٌ ينتهي بإفقار الاثنين معاً وتشويه كليهما.
والأقرب إلى الحقيقة التاريخية أن ما جرى في الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي كان لقاءً بين رسالة تبحث عن حاملٍ وأمةٍ تبحث عن روح. فالقرآن حين وصف نفسه "حكماً عربياً" كان يُقرّ بأن هذه العلاقة ليست إجرائية عارضة بل هي جوهرية وبنيوية. والتاريخ اللاحق، من الفتوحات إلى ذروة الحضارة الإسلامية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، لم يكن في جوهره إلا التفصيل التاريخي لهذا الإجمال القرآني.
الهوامش والمراجع
(¹) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2000، المجلد السادس عشر.
(²) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، 1999، المجلد الرابع.
(³) خشيني، الناصر، "حضارة الغرب والعرب"، مقال منشور على موقع بلاغ، متاح على: https://www.balagh.com/mosoa/article/حضارة-الغرب-والعرب
(⁴) الجرجاني، عبدالقاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1984.
(⁵) إقبال، محمد، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1955، الفصل الأول.
(⁶) بن نبي، مالك، شروط النهضة، ترجمة عمر مسقاوي وعبدالصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986.
(⁷) الحصري، ساطع، آراء ومذاهب في الوطنية والقومية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984.
(⁸) العروي، عبدالله، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1973.
(⁹) عفلق، ميشيل، في سبيل البعث، دار الطليعة، بيروت، 1963.
(¹⁰) الجابري، محمد عابد، نقد العقل العربي (الثلاثية)، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1984-1990.

 

الأحد، 31 مايو 2026

أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني


 

مقدمة: «مثلث العطش»
لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب مُثير للقلق: «مثلث العطش». فهذه المنطقة التي تمتد على مساحات شاسعة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي لا تحتوي إلا على أقل من 7% من مخزون المياه العذبة العالمي، وعلى أقل من 1% من نسبة المياه الجارية [1]، في حين تضمّ ما يزيد على 450 مليون نسمة. هذه المعادلة لا تنبئ بأزمة عابرة، بل بأزمة بنيوية متجذّرة تتشابك فيها عوامل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والمناخ.
ما يقرب من 50 مليون شخص في المنطقة العربية يفتقرون إلى مياه الشرب الأساسية، ويعيش 390 مليون شخص — أي ما يقرب من 90% من إجمالي السكان — في بلدان تعاني من ندرة المياه [2]. وتُضاف إلى هذا الواقع المُقلق حقيقة أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتا أكثر مناطق العالم تعرضاً لنقص المياه، وأن هذه النسبة مرشّحة للارتفاع إلى نحو 80% للشخص الواحد بحلول منتصف هذا القرن [3].
أولاً: الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة
قبل الخوض في تشعبات الأزمة، لا بد من تمييز جوهري كثيراً ما يغيب عن الخطاب الرسمي: الفرق بين الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة.
الندرة الطبيعية — الأمطار التي تتساقط في المنطقة لا تتجاوز 2% من المجموع العالمي [1]، ومعدل موارد المياه المتجددة سنوياً في المنطقة العربية يبلغ حوالي 350 مليار متر مكعب، تُغطّى نسبة 35% منها عن طريق تدفقات الأنهار القادمة من خارج المنطقة: 56 مليار متر مكعب عبر نهر النيل، و25 مليار عبر الفرات، و38 مليار عبر دجلة وفروعه [1]. والأخطر أن نصيب الفرد من المياه تآكل بشكل دراماتيكي: من 2000 متر مكعب سنة 1960 إلى 500 متر مكعب سنة 2011، ومن المتوقع أن يتراجع إلى 250 متر مكعب سنوياً بحلول 2050 [1].
الندرة المُصطنعة — وهي الجانب الأشد مرارةً، لأنها نتاج قرارات سياسية وأولويات حوكمية منحرفة. إذ يصل هدر المياه في شبكات الري إلى ما بين 40 و60% في أغلب الدول العربية، فيما يُوجَّه جزء كبير من المياه الجوفية النادرة نحو محاصيل تصديرية كثيفة الاستهلاك، تُصدَّر معها ما يُسمّى «المياه الافتراضية». ويُضاف إلى ذلك الضخ الجائر للمياه الجوفية والاعتماد المفرط على الآبار، مما خلق عجزاً مزدوجاً: سطحياً وجوفياً في آنٍ واحد [4].
ثانياً: المياه العابرة للحدود — من مصدر رزق إلى ورقة ضغط
ثلثا الموارد المائية في المنطقة العربية تعبر حدوداً سياسية، وهو ما يُحوّل المياه من مسألة بيئية واجتماعية إلى قضية أمن قومي وأداة جيوسياسية.
نهر النيل وسد النهضة: تحدي الوجود المصري — مياه النيل تمثّل حوالي 72.62% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في مصر [5]. ومنذ أن شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة، تحوّل هذا الرقم إلى مصدر توتر وجودي. فمصر تعاني من الفقر المائي حتى بدون الأخذ في الاعتبار تأثير السد، الذي تحوّل إلى واحدة من أبرز الأزمات حول تقاسم الموارد في العالم [6]. وتشير دراسات علمية إلى أن ملء الخزان على مدار ثلاث سنوات قد يُفقد مصر ما يصل إلى 88% من أراضيها الزراعية وفق السيناريو الأشد وطأةً [5].
الفرات ودجلة: تحت رحمة السدود التركية — تعود تركيا دورياً إلى سياسة خنق الجريان المائي، لتصل مستويات المياه إلى أقل من نصف الكمية المخصصة لسوريا، مما ينعكس كارثياً على مياه الشرب والزراعة وتوليد الطاقة [7]. وقد وصل الأمر إلى حدّ أن الوارد المائي لسد تشرين انخفض إلى ربع الكمية المتفق عليها، مهدداً حياة أربعة ملايين نسمة [4]. وتزايدت الاتهامات لتركيا باستخدام السدود والمياه سلاحاً في صراعات المنطقة [8]. والمثير للسخرية المُرّة أن العراق اضطُرَّ عام 2025 إلى صيغة «النفط مقابل المياه» مع تركيا، مُقايِضاً ثروته النفطية بما كان يجب أن يكون حقاً طبيعياً مكفولاً بالقانون الدولي.
ثالثاً: المياه الجوفية — الكنز الآيل للنضوب
يعتمد أكثر من نصف الدول العربية على المياه الجوفية مورداً أساسياً للمياه العذبة، وهو رهان محفوف بمخاطر جسيمة. فغالبية هذه المياه هي ما يُعرف بـ«المياه الأحفورية» (Fossil Water)، تراكمت على مدى آلاف السنين في عصور مطيرة سابقة، ولا تتجدد بأي معدل يُعتدّ به. فالضخ الجائر ونقص مياه الأنهار بالاعتماد المفرط على الآبار خلق عجزاً مزدوجاً [4]. ولا يوجد حتى الآن إطار قانوني عربي مشترك لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود، وهو فراغ تشريعي يُفاقم الاستنزاف غير المنظّم.
رابعاً: التغيّر المناخي — مضاعف الأزمة
يضرب تغيّر المناخ بكل قوته في المنطقة العربية، مهدداً أهم مواردها الطبيعية، وسط تحذيرات أممية من زيادة الصراعات وعدم الاستقرار نتيجة ندرة المياه [9]. ورصد تقرير اليونسكو للمياه 2025 أن الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي في المنطقة حالياً هي: البحرين والكويت ولبنان وعُمان وقطر، فضلاً عن تونس والإمارات واليمن والعراق ومصر وليبيا والأردن والسعودية وسوريا، مُتوقِّعاً أن يعيش جميع سكان المنطقة في ظل إجهاد مائي مرتفع جداً بحلول 2050 [10]. وارتفاع منسوب البحار يهدد بتملّح المياه الجوفية الساحلية، أي أن المخزون الجوفي الساحلي — ذلك البديل الأخير — هو نفسه مُهدَّد.
خامساً: الاحتلال والصراع — سلب الماء كسلب الوجود
لا يمكن تناول أزمة المياه العربية بمعزل عن السياق السياسي والعسكري. في فلسطين المحتلة، تُمثّل المياه أداةً من أدوات الهيمنة الاستعمارية، إذ تُحكم إسرائيل قبضتها على المياه الجوفية في الضفة الغربية، وتمنح المستوطنين حصصاً تفوق بأضعاف ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني. وفي غزة، استُهدفت محطات تحلية المياه وشبكات الصرف الصحي في العدوان المتواصل، لتتحوّل المياه من حق إنساني إلى أداة حصار.
وفي اليمن والعراق وليبيا وسوريا، أفضت الصراعات المسلحة إلى تدمير البنية التحتية المائية بشكل منهجي. والمفارقة المُؤلمة أن الدول الأكثر تضرراً من ندرة المياه هي في الوقت ذاته الأكثر غرقاً في الصراعات والأضعف في قدرتها على الاستثمار في بدائل التحلية والمعالجة [2].
سادساً: ما لا يُقال في الخطاب الرسمي
يدور الخطاب الرسمي العربي عادةً حول ثلاثة محاور: تحلية المياه، والري بالتنقيط، ومعالجة مياه الصرف الصحي. وهي حلول تقنية مشروعة، لكنها تتجاهل ملفات أعمق:
أولاً: الإصلاح الهيكلي لمنظومة الزراعة المستنزِفة للمياه، وإعادة النظر في سياسات الدعم التي تُحفّز على زراعة محاصيل شرهة للمياه في بيئات جافة.
ثانياً: محاسبة شركات التعدين والصناعة الملوِّثة للمصادر المائية — وهو ملف يكاد يكون غائباً تماماً، بما فيها تونس حيث يُلوِّث الفوسفات الموارد المائية دون حساب حقيقي.
ثالثاً: إعادة ترتيب الأولويات بوضع الأمن المائي فوق الأمن العسكري تمويلاً وقراراً. فالماء أولاً وقبل كل شيء منفعة اجتماعية، وهو هبة طبيعية وعنصر ضروري لاستمرار الحياة، والمياه ملك للمجتمع بأسره [3].
سابعاً: الوحدة العربية — الحل الوجودي الذي تتهرّب منه الأنظمة
في خضمّ هذا الواقع المأزوم، يبرز سؤال لا مفرّ منه: هل يمكن لدولة عربية منفردة أن تواجه أزمة مائية بهذا الحجم والتعقيد؟ الجواب الصريح: لا. فالمياه في الوطن العربي لا تعرف الحدود، وأزمتها لا تُحلّ بقرارات وطنية مجزّأة بينما تنتهج دول المنبع — من إثيوبيا إلى تركيا — سياسات تحقق فيها مكاسب انفرادية على حساب حقوق الشعوب العربية المائية.
التجزئة العربية ليست مجرد عائق سياسي، بل هي في حقل المياه عامل تهديد وجودي. فغياب الموقف العربي الموحّد في مفاوضات سد النهضة أفضى إلى أن تواجه مصر والسودان ضغوطاً هائلة وحيدتَين دون ظهير عربي جماعي فاعل. وغياب التنسيق العربي التركي أعطى أنقرة هامشاً واسعاً للمناورة في ملف دجلة والفرات، بينما تتعطّش العراق وسوريا. وانعدام المنظومة القانونية العربية المشتركة لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود يفتح الباب لاستنزاف غير مراقَب.
ما الذي تعنيه الوحدة في الملف المائي تحديداً؟
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه لا تعني شعارات رومانسية، بل تعني منظومة عمل مشترك متكاملة:
— إنشاء هيئة عربية عليا للأمن المائي بصلاحيات قانونية ملزِمة في إدارة المياه المشتركة والتفاوض الجماعي مع دول المنبع غير العربية.
— تأسيس بنك عربي لبيانات المياه الجوفية، إذ لا تزال خرائط المياه الجوفية العابرة للحدود ناقصة أو محتجزة لدواعي السيادة الوطنية الضيّقة، في حين أن مشاركتها هي التي تصون السيادة الجماعية الحقيقية.
— إطار تمويل عربي مشترك لمشاريع التحلية ومعالجة المياه في الدول الأكثر فقراً مائياً كاليمن والأردن وفلسطين، بدلاً من إيكال هذه المهمة لصناديق دولية مشروطة.
— تنسيق دبلوماسي عربي موحّد في المحافل الدولية لرفع اتفاقيات المياه العابرة للحدود إلى مستوى الحق المُقنَّن في القانون الدولي، وإلزام دول المنبع بمبدأ «عدم الإضرار».
— شبكة عربية لنقل التقنيات المائية، إذ تمتلك دول الخليج تجارب متقدمة في التحلية يمكن توطينها في الدول العربية الأفقر بتكاليف أقل بكثير مما تفرضه شركات التقنية الغربية.
تقول الإسكوا إن الإدارة الفعالة المشتركة للموارد المائية هي المخرج الحقيقي من الأزمة [2]، ولكن «الإدارة المشتركة» تستلزم بالضرورة وجود «شريك مشترك»، وهو ما لا تُوفِّره التجزئة العربية الراهنة. فكيف تُدار مياه مشتركة في ظل حدود مرسومة بالمصالح الاستعمارية وتحرسها نظم ترى في الانقسام ضماناً لبقائها؟
التجزئة: العدو الأول للماء
لا يجب أن يغيب عن الأذهان أن اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور لم يُقسّما الأرض فحسب، بل قسّما أيضاً الأنهار والأحواض المائية وحوّلا الحقوق المائية الطبيعية إلى موضوع تفاوض بين دول لها حدود بلا منطق جغرافي أو هيدرولوجي [11]. فنهر الفرات الذي كان شرياناً حضارياً موحّداً أصبح اليوم ساحة توتر بين ثلاث دول. ونهر الأردن الذي أروى حضارات قديمة بات مُجزَّأً بين سلطات متعددة أضعفها فلسطين المحتلة. ونهر النيل الذي شكّل هوية مصر الحضارية باتت إثيوبيا تحتجزه وراء سد عملاق بينما تتفرج جامعة الدول العربية بعجز مُذهل.
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه ليست ترفاً فكرياً أو حلماً رومانسياً، بل هي الشرط الموضوعي الأدنى لبقاء المجتمعات العربية. دولة قُطرية منفردة لا يمكنها إلزام تركيا بضخ حصة المياه المتفق عليها، لكن موقفاً عربياً موحداً مدعوماً بأوراق اقتصادية وسياسية قد يُغيّر المعادلة. ولن يتحقق ذلك طالما أن حكومات تُفضّل إدارة التجزئة على بناء التضامن.
خاتمة: الماء وجوداً لا رفاهيةً — ووحدةً لا خياراً
أزمة المياه في الوطن العربي ليست أزمة جفاف وحسب، بل هي أزمة حوكمة وأزمة سيادة وأزمة أولويات، وفوق كل ذلك هي أزمة تجزئة. إنها تكشف بجلاء كيف يمكن لثروة طبيعية حيوية أن تتحوّل إلى ورقة ضغط جيوسياسية ووسيلة هيمنة حين يغيب الوعي الجماعي والإرادة السياسية.
المنطقة التي أبدعت في السدود والقنوات منذ آلاف السنين — من سدود اليمن القديمة إلى منظومات ري بلاد الرافدين — باتت اليوم عاجزة عن صون ما تبقى من مائها بسبب ترهّل الحوكمة وتغوّل الصراعات وغياب التضامن الإقليمي. الرهان على المستقبل لا يكون بالتحسينات التقنية المجزّأة، بل بإعادة تعريف المياه باعتبارها حقاً سيادياً جماعياً يستوجب استراتيجيات عربية مشتركة.
إن كان ثمة درس واحد تُعلِّمه أزمة المياه، فهو أن التجزئة ليست محايدة — بل هي في حد ذاتها سياسة لصالح من يريد استنزاف الماء العربي. والوحدة ليست حلماً رومانسياً — بل هي الحد الأدنى من العقل السياسي الذي يصون الحياة.
المراجع والمصادر
[1] ويكيبيديا العربية، «المياه في الوطن العربي»، استناداً إلى بيانات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة.
https://ar.wikipedia.org/wiki/المياه_في_الوطن_العربي
[2] الإسكوا — اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، تصريحات الأمينة التنفيذية رولا دشتي، ومجلة آراء الاستراتيجية: «أزمة نقص المياه في الوطن العربي تتطلب حلولاً واقعية في إطار جماعي».
https://araa.sa
[3] صحيفة الخليج الإماراتية، «الوطن العربي كبير بمساحته فقير بمياهه العذبة»، مارس 2015.
https://www.alkhaleej.ae
[4] صحيفة الشرق الأوسط، «الجفاف يلاحق أنهاراً بالمنطقة: أزمة مناخ أم ممارسات بشرية؟»، ديسمبر 2025.
https://aawsat.com
[5] عوده جهاد وآخرون، «سد النهضة الإثيوبي والزراعة المصرية»، 2020، منظومة أغريس — منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
https://agris.fao.org
[6] موقع الجزيرة نت، «من المغرب إلى العراق.. أزمة شح المياه تتفاقم في العالم العربي»، يناير 2025.
https://www.aljazeera.net/science/2025/1/2
[7] موقع الأخبار اللبناني، «انخفاض جسيم في مياه الفرات: تركيا مستمرة في تعطيش سوريا»، مايو 2025.
https://www.al-akhbar.com/arab/834739
[8] موقع RT عربي، «سلاح السدود التركي: خفض مياه الفرات يهدد بكارثة بيئية في سوريا»، 2020.
https://arabic.rt.com
[9] موقع سكاي نيوز عربية، «شح المياه في الوطن العربي: الأسباب والمخاطر المتوقعة».
https://www.skynewsarabia.com
[10] تقرير اليونسكو العالمي للمياه 2025، نتائج اليوم العالمي للمياه، مارس 2025.
https://aawsat.com
[11] مجلة الدراسات السياسية والاجتماعية، «دور تجارة المياه الافتراضية في التحديات المائية في الشرق الأوسط»، أكتوبر 2022.
https://jpsa.journals.ekb.eg/article_269195
© جميع حقوق النشر محفوظة للكاتب — الناصر خشيني — 2025





 



جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...