ليست مصادفة أن تتقادم قضايانا الكبرى وتذوب واحدة تلو الأخرى في زحمة "الواقعية السياسية" و"المصالح الوطنية" المزعومة. فما نشهده اليوم ليس انحسارًا عفويًا لمشروع قومي عربي طال به الزمن، بل عملية قبر منظمة ومدروسة، تُدار بأدوات محلية وإقليمية ودولية، هدفها الأخير محو فكرة الأمة العربية من الوعي الجمعي، وتذويبها في كيانات قطرية متصارعة، طائفية النزعة، مستلبة القرار.
أولاً: من قضية تحرر إلى قضية لاجئين
القضية الفلسطينية، التي كانت يومًا قضية العرب المركزية ومحور خطابهم السياسي والثقافي، اختُزلت تدريجيًا إلى "قضية إنسانية" تُدار بمنطق الإغاثة والمساعدات، لا بمنطق التحرير والعودة. هذا التحول لم يكن بريئًا؛ فقد رافقته هندسة سياسية كاملة عنوانها التطبيع: من كامب ديفيد إلى وادي عربة، وصولًا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية التي حوّلت العلاقة مع الكيان الصهيوني من عداء استراتيجي إلى "شراكة" اقتصادية وأمنية، بذريعة مواجهة "الإرهاب" الذي بات يُختزل حصرًا في محور المقاومة، بينما يُغض الطرف كليًا عن إرهاب الاحتلال اليومي.
ثانيًا: تفكيك محور المقاومة
سقوط نظام الأسد وتفككه لم يكن حدثًا معزولًا، بل حلقة في مسار ممنهج لتفكيك آخر معاقل "الممانعة" الإقليمية. والمفارقة الصارخة أن البديل الذي فُرض لم يكن أكثر استقلالية أو تحررًا، بل أدوات ثبت ارتباطها بأجندات معادية للقضايا العربية، ومنسجمة، ولو بشكل غير مباشر، مع مصالح الكيان الصهيوني. والأدهى أن هذا التحول وجد من يبارك له في العواصم العربية الرسمية، كما وجد غطاءً غربيًا استعماريًا لم يخفِ يومًا رغبته في إعادة رسم المنطقة وفق مصالحه.
ثالثاً: من الوحدة إلى التشظي
في زمن عبد الناصر ومعمر القذافي، كانت شعارات الوحدة العربية والدفاع العربي المشترك والسوق العربية الموحدة وجبهة الصمود والتصدي تشكل أفقًا سياسيًا حقيقيًا، مهما بلغت العثرات والتناقضات. اليوم، اختفت هذه المفردات كليًا من القاموس الرسمي العربي، لتحل محلها لغة الطائفية والمذهبية والقطرية الضيقة، وخطاب "الاستقلال الوطني" المزعوم الذي لا يخفي في جوهره سوى ارتهان أعمق للخارج، وتفتيتًا أشد للجسم العربي الواحد.
رابعاً: كيف نتجاوز هذا الواقع الرديء؟
تجاوز هذا المسار لا يكون بالحنين إلى الماضي، بل بإعادة بناء المشروع القومي على أسس جديدة:
إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني لا قضية إنسانية، ورفض كل أشكال التطبيع بوصفها خيانة لجوهر الصراع.
مقاومة مشاريع التفتيت الطائفي والمذهبي عبر خطاب وطني جامع يعيد الاعتبار للمواطنة على حساب الانتماءات الفرعية.
إحياء فكرة التكامل العربي اقتصاديًا وأمنيًا وثقافيًا، ولو بدأ ذلك بخطوات جزئية بين الدول الراغبة، بدل انتظار إجماع مستحيل.
بناء وعي شعبي وإعلامي يفضح آليات القبر الاستراتيجي لقضايا الأمة، ويعيد تعريف مفاهيم مثل "الإرهاب" و"الاستقلال" بعيدًا عن الرواية المهيمنة.
دعم قوى المقاومة والتحرر كخيار استراتيجي لا تكتيكي، بوصفها الضامن الوحيد لتوازن يحفظ الحد الأدنى من الكرامة العربية في مواجهة مشاريع الهيمنة.
خاتمة
الأمة العربية ليست فكرة ميتة، بل مشروع مؤجل تتكاثر عليه معاول الهدم من الداخل والخارج. واستعادته لا تكون بالبكاء على الأطلال، بل بفهم آليات القبر الاستراتيجي التي تُمارس بحقها، ومواجهتها بوعي سياسي جديد يعيد للقضايا الكبرى مكانتها، وللشعوب العربية دورها كفاعل لا كمتفرج على مصيرها.

تعليقات
إرسال تعليق