التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قضايانا المصيرية بين القبر الاستراتيجي والبعث الممكن بقلم الناصر خشيني


  مدخل
ليست مصادفة أن تتقادم قضايانا الكبرى وتذوب واحدة تلو الأخرى في زحمة "الواقعية السياسية" و"المصالح الوطنية" المزعومة. فما نشهده اليوم ليس انحسارًا عفويًا لمشروع قومي عربي طال به الزمن، بل عملية قبر منظمة ومدروسة، تُدار بأدوات محلية وإقليمية ودولية، هدفها الأخير محو فكرة الأمة العربية من الوعي الجمعي، وتذويبها في كيانات قطرية متصارعة، طائفية النزعة، مستلبة القرار.
أولاً: من قضية تحرر إلى قضية لاجئين
القضية الفلسطينية، التي كانت يومًا قضية العرب المركزية ومحور خطابهم السياسي والثقافي، اختُزلت تدريجيًا إلى "قضية إنسانية" تُدار بمنطق الإغاثة والمساعدات، لا بمنطق التحرير والعودة. هذا التحول لم يكن بريئًا؛ فقد رافقته هندسة سياسية كاملة عنوانها التطبيع: من كامب ديفيد إلى وادي عربة، وصولًا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية التي حوّلت العلاقة مع الكيان الصهيوني من عداء استراتيجي إلى "شراكة" اقتصادية وأمنية، بذريعة مواجهة "الإرهاب" الذي بات يُختزل حصرًا في محور المقاومة، بينما يُغض الطرف كليًا عن إرهاب الاحتلال اليومي.
ثانيًا: تفكيك محور المقاومة
سقوط نظام الأسد وتفككه لم يكن حدثًا معزولًا، بل حلقة في مسار ممنهج لتفكيك آخر معاقل "الممانعة" الإقليمية. والمفارقة الصارخة أن البديل الذي فُرض لم يكن أكثر استقلالية أو تحررًا، بل أدوات ثبت ارتباطها بأجندات معادية للقضايا العربية، ومنسجمة، ولو بشكل غير مباشر، مع مصالح الكيان الصهيوني. والأدهى أن هذا التحول وجد من يبارك له في العواصم العربية الرسمية، كما وجد غطاءً غربيًا استعماريًا لم يخفِ يومًا رغبته في إعادة رسم المنطقة وفق مصالحه.
ثالثاً: من الوحدة إلى التشظي
في زمن عبد الناصر ومعمر القذافي، كانت شعارات الوحدة العربية والدفاع العربي المشترك والسوق العربية الموحدة وجبهة الصمود والتصدي تشكل أفقًا سياسيًا حقيقيًا، مهما بلغت العثرات والتناقضات. اليوم، اختفت هذه المفردات كليًا من القاموس الرسمي العربي، لتحل محلها لغة الطائفية والمذهبية والقطرية الضيقة، وخطاب "الاستقلال الوطني" المزعوم الذي لا يخفي في جوهره سوى ارتهان أعمق للخارج، وتفتيتًا أشد للجسم العربي الواحد.
رابعاً: كيف نتجاوز هذا الواقع الرديء؟
تجاوز هذا المسار لا يكون بالحنين إلى الماضي، بل بإعادة بناء المشروع القومي على أسس جديدة:
إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني لا قضية إنسانية، ورفض كل أشكال التطبيع بوصفها خيانة لجوهر الصراع.
مقاومة مشاريع التفتيت الطائفي والمذهبي عبر خطاب وطني جامع يعيد الاعتبار للمواطنة على حساب الانتماءات الفرعية.
إحياء فكرة التكامل العربي اقتصاديًا وأمنيًا وثقافيًا، ولو بدأ ذلك بخطوات جزئية بين الدول الراغبة، بدل انتظار إجماع مستحيل.
بناء وعي شعبي وإعلامي يفضح آليات القبر الاستراتيجي لقضايا الأمة، ويعيد تعريف مفاهيم مثل "الإرهاب" و"الاستقلال" بعيدًا عن الرواية المهيمنة.
دعم قوى المقاومة والتحرر كخيار استراتيجي لا تكتيكي، بوصفها الضامن الوحيد لتوازن يحفظ الحد الأدنى من الكرامة العربية في مواجهة مشاريع الهيمنة.
خاتمة
الأمة العربية ليست فكرة ميتة، بل مشروع مؤجل تتكاثر عليه معاول الهدم من الداخل والخارج. واستعادته لا تكون بالبكاء على الأطلال، بل بفهم آليات القبر الاستراتيجي التي تُمارس بحقها، ومواجهتها بوعي سياسي جديد يعيد للقضايا الكبرى مكانتها، وللشعوب العربية دورها كفاعل لا كمتفرج على مصيرها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...