التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظام "الطيبات": حين يُستعار النص المقدّس لتغليف نظرية بشرية بقلم الناصر خشيني



   تقديم

في زمن يبحث فيه كثيرون عن "الحل السحري" لأمراض العصر، برز في الساحة العربية نظام غذائي حمل اسمًا مشحونًا دينيًا: "نظام الطيبات"، الذي وضعه الدكتور ضياء العوضي رحمه الله، مستندًا في تسميته إلى قوله تعالى "كلوا من طيبات ما رزقناكم" و"أُحل لكم الطيبات". غير أن التدقيق في هذا النظام يكشف عن مفارقة منهجية خطيرة: استعارة مفهوم قرآني عام ذي طبيعة تشريعية-أخلاقية، وتحويله قسرًا إلى قائمة إجرائية من المسموحات والممنوعات لا سند علمي مستقل لها. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يجوز أصلاً استنباط "نظام غذائي" بالمعنى الفسيولوجي الدقيق من نص قرآني لم يُوضع لهذه الغاية؟
أولًا: الفارق بين "الطيبات" القرآنية والطيبات الإجرائية
مصطلح "الطيبات" في القرآن مفهوم فقهي-أخلاقي جامع، يشمل كل ما هو حلال طاهر نافع غير مستقذر، في مقابل "الخبائث" المحرّمة كالميتة والدم ولحم الخنزير. هو خطاب يقرر مبدأ الحِلّ الشرعي، لا مواصفات بيوكيميائية دقيقة. أما نظام العوضي فهو تصنيف إجرائي مبني على نظرية شخصية عن الالتهابات، ينتمي إلى مستوى معرفي مختلف تمامًا عن مستوى الآية.
والمفارقة أن القرآن حين خص أطعمة بعينها بالذكر كنعمة وعلامة — العنب والنخيل والزيتون والتين والرمان والحبوب — كانت غالبيتها نباتية، بينما نظام "الطيبات" يمنع كثيرًا مما يُعدّ طيبًا في الفقه التقليدي (البيض، الألبان، الدواجن، البقوليات، الخضروات النيئة)، ويبيح في المقابل كميات كبيرة من اللحوم الحمراء والدهون. فاستخدام لفظ "الطيبات" هنا أقرب إلى استعارة تسويقية-دينية منه إلى استنباط فقهي أو علمي رصين.
ثانيًا: عندما تتحول العمومية القرآنية إلى ذريعة لرفض العلم
يذهب البعض إلى أن شمول الخطاب القرآني وتناسبه مع الفطرة الإنسانية يجعله متفوقًا على أي نظرية علمية، لكون ما يصدر عن البشر نسبيًا ومحدودًا. وهذا صحيح على مستوى القيم والغايات: الاعتدال، عدم الإسراف، الحل والحرمة، هذه ثوابت لا تتقيد بمرحلة علمية بعينها. لكن هذا التفوق في العمومية هو ذاته ما يجعل النص ليس من شانه الفصل في مسائل إجرائية دقيقة كالجرعات والتفاعلات الفسيولوجية — وهي أسئلة تجريبية بطبيعتها، لم يطرح القرآن نفسه بديلاً عنها أصلاً.
والقرآن ذاته يشيد بالعلم والتفكر ("سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم")، لكن إشادته إرشادية تربوية لا تفصيلية. الفرق إذن بين وظيفتين: وظيفة إرشادية-تربوية تحدد الغايات والقيم، ووظيفة علمية تفسيرية تحدد الآليات، متروكة للعقل والتجربة، متغيرة بتغير أدوات المعرفة. إسقاط الأولى على الثانية هو جوهر الخلل المنهجي في أنظمة كـ"الطيبات".
ثالثًا: حين ينقلب التوظيف الديني على صاحبه
لم يكن هذا الخلط بريئًا في نتائجه. رافق نظام الطيبات جدل طبي واسع؛ إذ حذّر أطباء وأخصائيو تغذية من اعتماده على تقييد شديد لشرب الماء وحذف مجموعات غذائية كاملة، وربط بعضهم ذلك بحالة الجفاف التي ظهرت على الدكتور العوضي نفسه في أيامه الأخيرة. وتصريحه المثير للجدل بوصف الإرشادات الطبية العالمية المعتمدة بأنها "كتبها بهايم" لم يكن استنادًا إلى نص ديني، بل توظيفًا لهيبة الخطاب الديني لإسقاط معرفة تجريبية متراكمة جماعيًا عبر عقود من البحث والمراجعة.
خاتمة
الأمانة تجاه النص القرآني نفسه تقتضي عدم تحميله ما لا يحتمله من التفاصيل الإجرائية، لأن ذلك يُضعف حجيته حين تتكشف الأخطاء العلمية في التطبيق، بدل أن يُنسب الخطأ إلى صاحب النظرية البشرية القابلة للخطأ من الأساس. فـ"نسبية العلم" ليست حجة لتجاهله، بل دعوة لمزيد من التدقيق والمراجعة، لا لاستبدالها بيقين نظري مطلق يُستمد زورًا من عموم النص.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...