التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدكتور يحيى المشد.. شهيد العلم السيادي ومهندس الحلم النووي العربي المجهض بقلم: الناصر خشيني 


  يمثل عالم الذرة الفذ البروفيسور يحيى المشد (1932 - 1980) طليعة العبقرية العلمية التقدمية التي أدركت مبكراً أن السيادة التكنولوجية والعلمية هي جوهر الاستقلال الوطني الحقيقي. لم يكن المشد أكاديمياً منغلقاً في مختبره، بل كان مقاتلاً استراتيجياً سخر علمه الخارق لبناء القوة الردعية للأمة العربية، مما جعله في المرمى المباشر لأجهزة المخابرات الإمبريالية والصهيونية التي لا تسمح للعقل العربي بكسر طوق التخلف المفروض كولونيالياً.

أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة المشد:
  • تأسيس العقل العلمي العربي: تخرج المشد من جامعة الإسكندرية وسافر في بعثة إلى الاتحاد السوفيتي حيث نال الدكتوراه في الهندسة النووية عام 1963 بامتياز وتخصص نادر. وعقب عودته، ساهم بقوة في بناء "هيئة الطاقة الذرية المصرية" في عهد جمال عبد الناصر، مؤمناً بأن الاشتراكية والنهضة الاقتصادية بحاجة إلى طاقة نووية سيادية تقود قاطرة الصناعات الثقيلة والتقدم العلمي الشامل [1، 2].
  • الانتقال إلى العراق وقيادة البرنامج النووي العروبي: عقب نكسة 1967 ومناخ الركود الذي أصاب المشروع النووي المصري في السبعينيات، بادر المشد مدفوعاً بحسه القومي العضوي إلى الانتقال إلى العراق عام 1975؛ ليتولى قيادة الطاقم العلمي في المشروع النووي التموزي العربي المشترك مع فرنسا. لم ينظر المشد للمشروع بآفاق قطرية ضيقة، بل اعتبر مفاعل "تموز" اللبنة الأساسية لامتلاك الأمة العربية التكنولوجيا النووية القادرة على خلق توازن استراتيجي رادع يحمي الأرض والثروات العربية من الغطرسة الصهيونية [2، 3].
  • الاغتيال الغادر في باريس والتصفية الصهيونية للعقل العربي: في 14 يونيو (جوان) 1980، وفي غرفته بفندق "ميريديان" بباريس، امتدت يد الغدر التابعة لجهاز [الموساد] الصهيوني لتغتال البروفيسور المشد تهشيماً وتحت تعتيم فرنسي مريب، وذلك قبيل شحن شحنات اليورانيوم المخصب إلى بغداد [3، 4]. لم يكن هذا الاغتيال الجبان مجرد تصفية لشخصه، بل كان ضربة استباقية كبرى لإجهاض "الحلم النووي العربي" الذي استُكمل لاحقاً بقصف المفاعل ذاته عام 1981، ليثبت التاريخ دقة رؤية المشد بأن معركة العلم والسيادة هي معركة وجودية شرسة تخوضها الإمبريالية ضد تطلعات أمتنا التقدمية.
هوامش ومراجع المقال:
  1. المشد، يحيى (1970). مستقبل الطاقة النووية والاستخدامات السلمية في الوطن العربي، الإسكندرية: منشأة المعارف.
  2. علوان، عبد الجبار (1985). البرنامج النووي العربي والصراع الاستراتيجي في الشرق الأوسط، بغداد: دار الشؤون الثقافية، ص 74-82.
  3. أبو الفتوح، أحمد (1999). ملفات اغتيال العلماء العرب: من المشد إلى سعيد بدير، القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، ص 105-118.
  4. Ostrovsky, Victor (1990). By Way of Deception: The Making and Unmaking of a Mossad Officer. New York: St. Martin's Press, pp. 214-220. (يُفصّل الكتاب خفايا لوجستية لاستهداف الطواقم العلمية العربية بباريس).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...