الجمعة، 26 يونيو 2026

مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى هيمنة السوق الخاصة بقلم: الناصر خشيني


     مقدمة

تشكّل المدرسة في كل المجتمعات الحديثة الرافعة الأساسية للتنمية والعدالة الاجتماعية، وقد راهنت تونس منذ استقلالها على التعليم المجاني والإلزامي بصفته أداة لتحقيق الترقي الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين أبنائها. إلا أن المنظومة التربوية التونسية تعيش اليوم أزمة بنيوية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها تردّي البنية التحتية، وتفاقم الاكتظاظ والانقطاع المدرسي، وتراجع جودة التعلّم، واتساع الهوة بين مخرجات المدرسة وحاجيات سوق الشغل، في وقت تتقلّص فيه الموارد العمومية المخصصة للقطاع لصالح توسّع متسارع لمنظومة تعليم خاصة موجّهة أساساً للفئات الميسورة. وتسعى هذه المقالة، في إطار سلسلة تتناول القطاعات الحيوية في تونس، إلى تفكيك أبرز مظاهر هذه الأزمة بالاعتماد على أحدث المعطيات الرسمية والميدانية المتاحة.
المحور الأول: تهالك البنية التحتية وشح الموارد المدرسية
يعاني عدد كبير من المؤسسات التربوية العمومية، وخاصة في المناطق الداخلية والريفية، من قدم البنايات وتدهورها، إضافة إلى ضعف التجهيزات الأساسية كالمختبرات وقاعات الإعلامية ووسائل النقل المدرسي. وتكشف بيانات وزارة التربية أن عدد المؤسسات التربوية بلغ في الموسم الدراسي 2025/2024 نحو 6163 مؤسسة، تستقبل أكثر من 2.35 مليون تلميذ، يؤطرهم نحو 154 ألف مدرّس، بزيادة لا تتجاوز 0.4 بالمائة عن الموسم السابق، وهو ما يعني أن نسق توسّع الموارد البشرية لا يواكب الضغط الديمغرافي على المنظومة [1].
والأخطر من ذلك أن الإنفاق الاستثماري في ميزانية وزارة التربية، وهو الذي يغذّي بناء المرافق وتجديدها وتوفير النقل المدرسي، تراجع من نحو 654 مليون دينار في سنة 2024 إلى حوالي 480 مليون دينار فقط، في حين لم تعد حصة وزارة التربية من الموازنة العامة للدولة تمثل سوى 10.3 بالمائة، مقابل 18.7 بالمائة سنة 2016 [2]. ويترجم هذا التراجع على أرض الواقع أزمة نقل مدرسي حادة في عدد من المناطق الريفية بولايات قفصة وصفاقس والمهدية والقصرين والكاف، حيث يضطر التلاميذ يومياً إلى الانتظار على حافة الطرقات دون وسيلة نقل تستوعب أعدادهم، وهو وضع يُسهم مباشرة في تغذية ظاهرة الانقطاع المدرسي [3]. وقد حاولت برامج دولية، كمشروع تطوير التعليم قبل المدرسي والأساسي المموَّل من البنك الدولي، تعويض جزء من هذا العجز عبر بناء نحو 100 قاعة تعليم تحضيري وتجديد حوالي 80 مدرسة وتجهيز 2500 قاعة ابتدائية بأثاث جديد بين سنتي 2019 و2025، وهو مجهود يكشف بحجمه نفسه عمق الفجوة المتراكمة داخل المدرسة العمومية أكثر مما يردمها [4].
المحور الثاني: الاكتظاظ المدرسي وانعكاساته على جودة التعلم
يمثل ارتفاع عدد التلاميذ داخل القسم الواحد، خاصة في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، عائقاً مباشراً أمام قدرة المعلم على التفريد البيداغوجي ومتابعة التلاميذ ذوي الصعوبات. وتزيد محدودية الموارد البشرية، التي لا تتطور إلا بنسق هامشي لا يتجاوز نصف نقطة في المائة سنوياً كما أشير أعلاه، من حدة هذا الاكتظاظ، في ظل تضخم سنوي لأعداد التلاميذ يفوق نسق توظيف المدرّسين وبناء القاعات الجديدة. وتنعكس هذه الوضعية بشكل خاص على المناطق الداخلية التي تشكو من نقص حاد في الأطر التربوية المختصة، وهو ما يفاقم التفاوت الجهوي في جودة التعليم المقدَّم.
المحور الثالث: التسرب المدرسي، نزيف سنوي متجدد
يُعد الانقطاع المدرسي أحد أخطر مظاهر الأزمة التربوية في تونس. فبحسب نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يوجد نحو 4.5 بالمائة من الأطفال بين سن 6 و16 سنة خارج المنظومة التربوية كلياً، بينما تبلغ نسبة التسرب وحدها 3.5 بالمائة من مجموع يقارب 3.29 مليون طفل في سن التعليم، وترتفع هذه النسبة إلى 8.1 بالمائة في الفئة العمرية بين 12 و16 سنة، أي في مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي بالذات. وتتجاوز نسب الانقطاع 6 بالمائة في ولايات القيروان والمهدية والقصرين، في مؤشر واضح على الفجوة الجهوية في الاحتفاظ بالتلاميذ داخل المنظومة [5].
وتقدّر دراسات سابقة أن نحو مليون تلميذ وتلميذة غادروا مقاعد الدراسة بين سنتي 2010 و2020 وحدها، أي بمعدل يقارب 100 ألف حالة انقطاع سنوياً، وهو نزيف وُصف بكونه يستهلك ما يقدَّر بـ13 بالمائة من ميزانية وزارة التربية كل عام [6]. ويعود الانقطاع، حسب باحثين تونسيين في علم الاجتماع، إلى تشابك عوامل اقتصادية (الفقر وعدم استقرار الأسرة)، وعوامل مدرسية (تكرار الرسوب، ضعف الدعم البيداغوجي، العنف المدرسي)، وعوامل لوجستية (غياب النقل والتغذية المدرسية في المناطق الريفية) [7]. وتترتب عن هذا الانقطاع المبكر تبعات بعيدة المدى، أبرزها ارتداد شريحة واسعة من المنقطعين إلى الأمية، حيث تبلغ نسبة الأمية الأبجدية في تونس اليوم نحو 17.3 بالمائة من السكان فوق سن العاشرة، وترتفع إلى أكثر من 28 بالمائة في ولاية جندوبة وحوالي 28 بالمائة في القيروان و26 بالمائة في سيدي بوزيد، بينما تقترب نسبة الأمية بين النساء في الأرياف من 50 بالمائة [8].
المحور الرابع: تراجع التحصيل العلمي وتدني جودة المخرجات
تتقاطع شهادات عدة من الوسط التربوي والإعلامي حول تراجع مستوى التلاميذ التونسيين في المواد الأساسية كالرياضيات واللغات والعلوم، وهو تراجع اعترف به مسؤولون في وزارة التربية أنفسهم، حين تحدّث وزير التربية السابق فتحي السلاوتي صريحاً عن تأخر تونس بسنوات كاملة على المستوى الدراسي مقارنة بالمعدلات المرجوة، وعن تفاوت حاد في النتائج المدرسية بين الجهات [9]. ويرتبط هذا التراجع بعوامل متشابكة، منها ضعف التكوين المستمر للمعلمين، وتقادم البرامج والمناهج، وتأثير الاكتظاظ والانقطاع المتكرر للدراسة على المسار التعليمي للتلاميذ المتبقين في المنظومة، إذ تبيّن دراسات دولية مماثلة في بلدان المنطقة أن التلاميذ المتأخرين دراسياً يحصلون على نتائج أدنى بشكل واضح من زملائهم في الرياضيات والعلوم على حد سواء.
المحور الخامس: الفجوة بين التعليم وسوق الشغل
من أخطر تجليات أزمة المنظومة التربوية أنها لم تعد تضمن لأصحابها فرص اندماج مهني تتناسب مع سنوات التكوين التي قضوها. فبحسب آخر معطيات المعهد الوطني للإحصاء للربع الأول من سنة 2026، بلغت نسبة البطالة العامة في تونس نحو 15 بالمائة، في حين قفزت نسبة البطالة بين حاملي الشهادات العليا إلى 24.2 بالمائة، بفارق صادم بين الجنسين: 14.2 بالمائة لدى الذكور مقابل 32 بالمائة لدى الإناث [10]. ومن بين نحو 650 ألف عاطل عن العمل في تونس، يمثل حاملو الشهادات الجامعية نسبة كبيرة منهم، في ظاهرة وصفها مراقبون اقتصاديون بـ"النمو بلا تشغيل"، أي عجز الاقتصاد التونسي عن استيعاب الكفاءات التي يخرّجها التعليم العالي، نتيجة ضعف بنيوي مزمن في نموذج النمو وغياب الربط الفعلي بين البرامج التعليمية واحتياجات الاقتصاد الرقمي والقطاعات الناشئة [11]. وتنعكس هذه الأزمة اجتماعياً في تأخر سن الزواج وتراجع معدلات الولادات وتصاعد الهجرة وأشكال التشغيل الهش بين خريجي الجامعات.
المحور السادس: تصاعد تكلفة التعليم وتوسّع هيمنة القطاع الخاص
تحوّلت العودة المدرسية في تونس إلى عبء مالي متصاعد على الأسر، حيث بلغت كلفتها التقديرية لتلميذ التعليم الابتدائي نحو 700 دينار، وارتفعت إلى نحو 815 ديناراً لتلميذ التعليم الثانوي خلال الموسم 2025/2024، في وقت لا يزال جزء واسع من الأسر التونسية يعاني صعوبات اقتصادية بنيوية [12].
وقد ولّد هذا الانحسار المتراكم لقدرة المدرسة العمومية على توفير تعليم جيّد ومتاح للجميع حركة لجوء متزايدة نحو التعليم الخاص، الذي تحوّل بعد الثورة من ظاهرة هامشية إلى قطاع متغوّل. فقد ارتفع عدد المدارس الخاصة المرخّصة من نحو 100 مدرسة فقط سنة 2010 إلى 724 مدرسة سنة 2023، بينما تضخّم عدد التلاميذ المسجَّلين بها من 21 ألف تلميذ سنة 2010 إلى نحو 122 ألف تلميذ سنة 2022، أي أن تلميذاً واحداً من بين كل سبعة تلاميذ في تونس يلتحق اليوم بمدرسة خاصة على الرغم من ارتفاع تكلفتها [13]. وتعكس هذه الأرقام تحوّلاً عميقاً في طبيعة المنظومة التربوية التونسية، من مدرسة عمومية موحَّدة تجمع أبناء الفئات الاجتماعية المختلفة، إلى منظومة مزدوجة تكرّس التفاوت الطبقي: تعليم خاص يستقطب الفئات الميسورة بخدمات أفضل وأقسام أقل اكتظاظاً، في مقابل مدرسة عمومية تتراجع موادها وتترك لمصيرها في المناطق الأقل حظوة، وهو ما يهدد بتفكيك أحد أهم أعمدة العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة التونسية الحديثة منذ الاستقلال: تكافؤ الفرص عبر التعليم المجاني.
خاتمة
تكشف هذه القراءة أن أزمة التعليم في تونس ليست أزمة تقنية أو إدارية معزولة، بل أزمة بنيوية متعددة الحلقات: تقلّص مستمر في الموارد العمومية المرصودة للقطاع، وتراجع في جودة المخرجات وقدرتها على الاندماج في سوق الشغل، وانقطاع متفاقم يطرد آلاف التلاميذ سنوياً من مقاعد الدراسة، وتوسّع متسارع لقطاع خاص يستفيد من تعثّر المدرسة العمومية أكثر مما يكمّلها. وإذا استمر هذا المسار دون إصلاح هيكلي حقيقي يعيد للمدرسة العمومية مواردها ومكانتها، فإن تونس مهدّدة بفقدان أحد أهم منجزاتها التاريخية: مدرسة موحّدة ومجانية كانت لعقود أداة أساسية للترقي الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين التونسيين، لتتحوّل تدريجياً إلى مجرد شبكة أمان للفئات الأقل قدرة على الدفع، في مقابل منظومة تعليم خاصة تتوسع لتصبح هي القاعدة الفعلية بالنسبة لمن يملك القدرة المالية على ذلك.
ثبت المراجع
[1] الترا تونس (Ultrasawt)، "العودة المدرسية 2024-2025 في أرقام"، سبتمبر 2024.
[2] العربي الجديد، "أزمة النقل المدرسي تفاقم تسرّب تلاميذ أرياف تونس"، اعتماداً على معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أكتوبر 2025.
[3] العربي الجديد، نفس المصدر السابق.
[4] تقرير صحيفة "Sifr Reports"، "الانقطاع المدرسي.. أزمة تعليمية تتحول إلى قضية اجتماعية وحقوقية في تونس"، اعتماداً على معطيات البنك الدولي واليونيسف، 2026.
[5] بابنت، "4.5 بالمائة من الأطفال خارج المنظومة التربوية في تونس"، اعتماداً على المعهد الوطني للإحصاء، سبتمبر 2025.
[6] إنكفاضة (Inkyfada)، "❞لا جدوى من الدراسة❝: الأسباب الكامنة وراء التسرب المدرسي"، اعتماداً على معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 2022.
[7] إنكفاضة، نفس المصدر، وكذلك السفير العربي، "العنف المدرسي في تونس: الظلم والعدالة وتهاوي السلطات الرمزية".
[8] العربي الجديد، "أزمة النقل المدرسي..."، اعتماداً على معطيات التعداد العام للسكان والسكنى والمعهد الوطني للإحصاء.
[9] شمس إف إم، تصريحات وزير التربية فتحي السلاوتي.
[10] المعهد الوطني للإحصاء (INS)، "مؤشرات التشغيل والبطالة للربع الأول من سنة 2026".
[11] صحيفة "بطالة خريجي الجامعات في تونس: نمو بلا تشغيل"، العربي الجديد/مواقع اقتصادية، 2026.
[12] ouroba22.com، "المنظومة التعليمية في تونس: صعوبات وإكراهات (2/3)"، أكتوبر 2024.
[13] نفس المصدر السابق، اعتماداً على معطيات وزارة التربية التونسية للإحصاء المدرسي 2022-2023.

الصحيفة في المدينة أول دستور تعاقدي في تاريخ الإنسانية بعد الهجرة النبوية بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة

ينفرد الإسلام بقيم جديدة على الساحة العالمية في رفضه للظلم والدعوة إلى تغيير المنكر مهما كانت الصعوبات، فلا استكانة ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين؛ إذ الأفراد والجماعات، مهما كانت الظروف والتحديات التي يواجهونها، مسؤولون أمام الله تعالى عن رفع الظلم عن أنفسهم، ولا ينتظرون حتى تأتي معجزة من السماء تغير ما بهم، فقد ولّى ذلك العهد إلى غير رجعة بهذه الرسالة الخاتمة. وهذا هو السر الحقيقي وراء انتصارات المسلمين أثناء الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى بينهم وبين أعدائهم، وذلك أنهم فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة لا بد من أدائه على أكمل الوجوه. ومن أبرز تجليات هذا الفهم الثوري للدين، إقامةُ الرسول صلى الله عليه وسلم أول دولة عربية إسلامية في المدينة على أسس تعاقدية لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية، وهو ما يستعرضه هذا المقال.

المحور الأول: مسؤولية الإنسان أمام الله في رفع الظلم عن نفسه

من أعظم ما جاءت به الرسالة المحمدية الخاتمة، أنها نقلت العلاقة بين الإنسان والظلم من علاقة انتظار وترقب إلى علاقة مسؤولية ومبادرة. فالأمم السابقة كانت تنتظر معجزة إلهية تنتصر لها من ظالميها، كما حدث مع موسى عليه السلام وفرعون، وكما حدث مع أمم بادت بعذاب من السماء استجابة لدعوة أنبيائها. أما بهذه الرسالة الخاتمة، فقد ولّى عهد انتظار المعجزة إلى غير رجعة، وصار الفرد والجماعة مسؤولين بأنفسهم، أمام الله تعالى، عن رفع الظلم عن أنفسهم بسعيهم وجهدهم، لا بانتظار خارق يغيّر واقعهم. ومن لم يقم بهذا الواجب الرسالي، فإن العقاب الإلهي ينتظره يوم القيامة، إضافة إلى بقاء حاله في الدنيا على ما هو عليه دون تغيير؛ فالتغيير مرهون بالفعل البشري لا بالانتظار السلبي.

وهذا هو الأصل القرآني الذي تنبني عليه كل دعوة لتغيير المنكر مهما كانت الصعوبات: فلا استكانة للظالم ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين، بل مبادرة دائمة لرفع الظلم، فردا كان الفاعل أو جماعة، وهو أصل يتجاوز في عمومه وإطلاقه ما عرفته الأمم والحضارات السابقة من فلسفات الخلاص الفردي أو الانتظار الغيبي للمخلّص.

المحور الثاني: التغيير الرسالي سر انتصارات الفتوحات الإسلامية

إن هذا الفهم العميق للمسؤولية الفردية والجماعية أمام الله هو ما يفسر انتصارات المسلمين في الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى الواضح بينهم وبين أعدائهم من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، أعتى قوتين عسكريتين في زمانهما. فالمسلمون الأوائل لم يخرجوا للقتال طلبا لغنيمة عابرة أو توسعا دنيويا محضا، بل فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة، لا بد من أدائه على أكمل الوجوه، وأن التقصير فيه يستوجب الحساب الإلهي. هذا الإحساس بالمسؤولية الرسالية، المتجاوز لحسابات القوة المادية البحتة، هو ما صنع التفوق المعنوي الذي قلب موازين القوى التقليدية، وجعل جيوشا قليلة العدد والعدة تُلحق الهزيمة بإمبراطوريات عريقة.

المحور الثالث: الصحيفة المدنية — أول دستور تعاقدي مكتوب في تاريخ الإنسانية

من أبرز معالم العمل الثوري الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، إقامة أول دولة عربية إسلامية على أسس جديدة لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية؛ فقد قامت هذه الدولة على أساس التعاقد، على خلاف الدول التي سبقتها أو لحقتها، والتي قامت في معظمها على أساس القوة المسلحة والغلبة. وما أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم بمعية الصحابة يُعدّ إنجازا تاريخيا غير مسبوق، إذ تمّ على أساس تعاقدي عبر تلك الوثيقة التاريخية الهامة، وهي "الصحيفة"، التي تُعتبر أول دستور مدني تعاقدي مكتوب بين مواطني دولة مدنية واحدة، بقطع النظر عن الدين والعرق والمكانة الاجتماعية [1].

فهذه الوثيقة لم تقم على الإكراه أو الغزو، بل على اتفاق طوعي صريح بين مكونات المدينة المختلفة: المهاجرون والأنصار من المسلمين، وبطون يهود المدينة، وبقية القبائل المقيمة فيها، فاجتمعوا جميعا تحت سقف تعاقدي واحد، نظّم العلاقة بينهم على أساس المواطنة في الدولة الجديدة لا على أساس الانتساب القبلي أو العرقي أو الديني الضيق [2]. وبهذا تكون المدينة قد سبقت العالم بقرون طويلة إلى فكرة "الدولة المدنية" بمفهومها التعاقدي الحديث، وإلى مبدأ المساواة في المواطنة بين مكونات مختلفة العقيدة والعرق، في زمن كانت تقوم فيه كل الدول المحيطة على أساس القوة العسكرية والغلبة القبلية أو الإمبراطورية الصرفة.

المحور الرابع: الدلالة الحضارية لهذا الإنجاز في الفكر السياسي المعاصر

إن هذا السبق التاريخي للصحيفة المدنية يحمل دلالات بالغة الأهمية في سياق النقاش المعاصر حول طبيعة الدولة والمواطنة والتعايش بين المكونات المختلفة. فهي تُثبت أن الإسلام، في أصل تجربته السياسية التأسيسية، لم يكن دين إكراه أو إلغاء للآخر المختلف دينا أو عرقا، بل كان دين تعاقد وتعايش ضمن إطار دولة واحدة تحكمها وثيقة مكتوبة، يُحدّد فيها حقوق كل طرف وواجباته، وهو ما يُقارَب اليوم بمفهوم "العقد الاجتماعي" في الفكر السياسي الحديث، مع تقدم الصحيفة عليه بقرون طويلة. وهذا يفنّد كل محاولة لتصوير التجربة السياسية الإسلامية المؤسِّسة على أنها قامت على القهر والغلبة، إذ إن أول دولة إسلامية في التاريخ إنما قامت، في وثيقتها التأسيسية، على التعاقد الطوعي بين مختلف مكونات المجتمع.

خاتمة

إن هذين المعلمين — مسؤولية الإنسان أمام الله عن رفع الظلم عن نفسه دون انتظار معجزة، وإقامة أول دولة تعاقدية مدنية في التاريخ — يكشفان عن طبيعة الثورة الحقيقية التي جاء بها الإسلام: ثورة في فهم العلاقة بين الإنسان والظلم، وثورة في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين مكونات المجتمع المختلفة. وهي قيم لا تزال، إلى اليوم، تحمل في داخلها طاقة تغييرية كامنة، متى ما أحسنت الأمة استثمارها في مواجهة ظلمها الداخلي والخارجي على السواء.

ثبت المراجع

[1] ابن هشام، "السيرة النبوية"؛ نص الصحيفة (دستور المدينة) كما رواه ابن إسحاق.

[2] محمد حميد الله، "الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة"؛ دراسات تاريخية حول وثيقة المدينة وبنودها المتعلقة بالمسلمين ويهود المدينة وسائر القبائل.2

المتاجرون بالدين تخلوا عن فريضة العلم والقرآن بقلم محمد الحبيب الاسود


  أدعياء الإسلام المتاجرون بالدين تخلوا عن فريضة العلم والقرآن 

وفعلوا في الإسلام ما لم يستطع اليهود فعله لتحريف القرآن 

وأثخنوا في أمة الإسلام هدما وإرهابا تحت شعار "الإسلام في خطر"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغم محاولاتهم المتكررة والمستمرّة عبر التاريخ فقد عجز اليهود عن تحريف القرآن الكريم كما حرّفوا من قبل التوراة والإنجيل، ولكنهم تسللوا بالوضع والكذب والتحريف إلى سيرة النبي عليه صلاتي وسلامي، فكذبوا على الرسول ونسبوا إليه أقوالا من بني إسرائيل، وزيادة على الإسرائيليات فأسباب وضع الأحاديث كذبا على الرسول عديدة ومنها: إرادة البطش باسم الدين، أو تفضيل مذهب على مذهب... ولم يتم الاهتمام بتدوين الأحاديث النبوية إلا بعد قرنين من زمن الهجرة، حيث أكبر مخرجي الأحاديث سنا وهو البخاري ولد سنة 194ه في بخارى بأوزباكستان وكان كفيفا حسب أغلب المصادر، ونسبوا إليه أساطير منها جمع 600 ألف حديث على مدار 16 سنة أي بمقدار 103 أحاديث في اليوم مع الدقة والتحري، ولم يعثر الباحثون إلى اليوم عن كتاب مخطوط باسم محمد إسماعيل البخاري... وكما نرى لا نجد عربيا واحدا ضمن أصحاب كتب الحديث التي وصفوها بالصحاح الست رغم البعد الشاسع الزماني والمكاني لهؤلاء الرواة عن حياة الرسول صلاتي وسلامي عليه، وأما كتاب الموطأ فقد أمر به الخليفة "أبو جعفر المنصور" مالك بن أنس (ت. 179ه) ووصّاه بتجنب شدائد ابن عمر وتراخيص ابن عباس وشوارد ابن مسعود وأن يوطئه للناس توطئة، فسماه الموطأ... وأما ابن تيمية الذي يعتمد فتواه الغلاة لإباحة القتل بين المسلمين فقد ولد بعد 7 قرون من هجرة الرسول (661ه) ... ويبقى القرآن هو المصدر الأساسي في فهم الإسلام وانسجامه مع فترة الإنسان... لقد عاش المسلمون قرنين من الزمن بلا الصحاح الست فهل كان إسلامهم ناقصا... في عصر ازدهار البحث العلمي وتطور العقول وفي عصر يقرّ فيه العلماء في شتى الإختصاصات بأن الإسلام دين عقل وعلم إلا أن ثمة أناس من أدعياء الإسلام احترفوا التجارة بالدين فتخلوا عن فريضة العلم والقرآن واتبعوا المرويات الموضوعة كذبا على الله ورسوله، فخسّت عقولهم وانحرفوا بالدين من العلم والحضارة إلى الجهل والتخلف والإرهاب... ونصّبوا أنفسهم متكلمين باسم الله وفعلوا في الإسلام ما لم يستطع اليهود فعله لتحريف القرآن، وأثخنوا في أمة الإسلام هدما وإرهابا تحت شعار "الإسلام في خطر"... أكفر أم إيمان أن تجعل قول البشر من مثل ابن تيمية فوق قول الله، والله إذا قال فلا معقب لكلماته... رحم الله أبا حنيفة حين قال للخوارج: أقول لكم قال الله وتقولون لي قال شيخنا... ثم تركهم في جهلهم يعمهون... فأي بلية أصيبت بها الأمة بمثل هؤلاء 

-محمد الحبيب الأسود-

الخميس، 25 يونيو 2026

خرافة "السلام العادل" وحتمية التحرير بقلم: الناصر خشيني.

 

  قراءة في طبيعة الصراع العربي الصهيوني وحصاد العدوان بالأرقام

  مقدمة
كثيرا ما تُطرح مسألة "السلام العادل والدائم" في منطقة الشرق الأوسط، وهي في معظمها أطروحات مخادعة ومخاتلة، لا ترقى إلى الحل النهائي والشامل لمعضلة الشرق الأوسط، ولا يمكن أن تُنهي نزاعا قائما منذ نحو قرن من الزمان؛ وذلك لأن الحلول المقدَّمة جميعها في خدمة الكيان الصهيوني الغاصب للأرض والمعتدي على الحقوق. ونحن نعلم علم اليقين أن لكل مشكل حلا صحيحا واحدا موضوعيا، وأنه بنفس اليقين لا يمكن حله بغير ذلك الحل. وبناء عليه، إذا فهمنا قضية فلسطين فهما موضوعيا حقيقيا وبدون خداع، أمكن حينئذ وفقط السير نحو الحل الموضوعي الصحيح. وهذا المقال محاولة لتفنيد ذلك الخداع، واستعراض طبيعة الصراع الحقيقية، وتبيان الطريق الوحيد إلى التحرير، مع توثيق إحصائي لحصاد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني عبر عقدين من الزمن.
المحور الأول: في تفنيد خرافة "السلام العادل" المطروحة على الأمة
أشرتُ في مقال سابق بعنوان "الصراع العربي الصهيوني وطبيعته" إلى أنه صراع وجود لا صراع حدود؛ فالصهاينة الذين يحتلون أرض فلسطين بالقوة الغاشمة، وتساعدهم في ذلك قوى دولية وإقليمية خوفا أو طمعا أو لحسابات سياسية واقتصادية، لم يضفوا على ذلك الاحتلال شرعية أبدا [1]. كل المبادرات التي تُقدَّم تحت لافتة "السلام العادل" تتقاسم خاصية واحدة: أنها تبدأ من الاعتراف بالاحتلال كواقعة ناجزة، وتفاوض على إدارته بدل إزالته، وهو بالضبط ما يجعلها خادعة، لأنها تستبدل الحق الموضوعي الواحد بحلول وسط تُبقي جوهر الظلم قائما.
المحور الثاني: الأمة العربية بين الهوية الحضارية والاستعداد للدفاع عن الوجود
نحن، كأمة عربية، أكثر من 90% من مواطنيها مسلمون، والبقية مسيحيون يتبعون في معظمهم الكنيسة الشرقية لا الغربية، وهم أقرب ما يكونون إلى الإسلام من المسيحية، بدليل اشتراكهم في الحروب الصليبية وحروب التحرر من الاستعمار الحديث إلى جانب إخوانهم من المسلمين دفاعا عن وطنهم. وهذا الانتماء للإسلام حضاريا وقيميا يعني أمرين:
أولا، أننا أمة مسالمة انسجاما مع مبادئ دينها، وتاريخها يؤكد هذه الحقيقة؛ فالحروب التي خضناها عبر تاريخنا لم تكن عدوانية استعمارية، بل كانت دفاعية عن النفس، وهذا أمر ثابت تاريخيا، بحيث لم نأتِ بأفكار عدوانية كالإقطاع أو الرأسمالية أو النازية أو الصهيونية، فكلها مفردات من خارج أمتنا، وقد اكتوينا بنيرانها وكنا ضحايا لها.
ثانيا، أننا أمة مستعدة للدفاع عن نفسها إلى أبعد الحدود، وإلى آخر فرد فيها وآخر قطرة دم؛ فنحن لا نظلم، ولكننا إذا ظُلمنا فلن نسكت كما تفعل بعض الشعوب. واليابانيون، حين أُصيبوا بقنبلتين نوويتين، أعلنوا الاستسلام والهزيمة، ومنذ ذلك الوقت لا تزال القوات الأمريكية تحتل بلدهم الذي صار تابعا ذليلا لأمريكا. أما العراق، فأثناء الغزو الهمجي له سنة 2003، وفي عشرين يوما فقط، سقط عليه ما يعادل سبعين قنبلة نووية، ولكن الشعب العراقي لم يستسلم، وها هو يفرض على الأمريكان بعد ست سنوات ونيف من المقاومة الضارية الانكفاء إلى مواقع خارج المدن، بعد سلسلة من الهزائم العسكرية والأخلاقية والسياسية والإعلامية وقعوا فيها، وها هو اقتصادهم يتهاوى وجنودهم ينتحرون فعلا على أسوار بغداد. وفي سنة 1982 اجتاحت العصابات الصهيونية لبنان، ولكنها بفعل المقاومة انسحبت مدحورة سنة 2000، وأعادت عدوانها عليه سنة 2006، ولكنها انهزمت ولم تحقق شيئا على الإطلاق، وحاولت أن تجرب حظها في أضعف الحلقات العربية والإسلامية، غزة المحاصرة والمجوَّعة، ولكنها لاقت نفس المصير.
المحور الثالث: بداهة القضية الفلسطينية وحتمية حق العودة
بناء على ما سبق، فإن الوضع في الشرق الأوسط لن يستقر ولن تهدأ الأمور فيه ما دام هناك احتلال للأرض، وهناك ملايين من المهجَّرين من بيوتهم وأرضهم، معظمهم لا يبعدون عنها سوى مسافة ساعة أو ساعتين بالسيارة، لأنهم يأملون العودة إلى بيوتهم يوما ما.
إن قضية فلسطين تكمن في بديهية واضحة تماما، لا لبس فيها ولا تستحق جدلا كبيرا: ببساطة هي قضية شعب اغتُصبت أرضه بالقوة الغاشمة من قبل أناس اضطهدتهم أوروبا، ومارست عليهم عنصريتها واستعلاءها وقهرتهم، وأرادت أن تحل مشكلتهم على حسابنا، فهذا لن يكون. الحل يكمن في عودة الصهاينة إلى بلدانهم الأصلية التي انطلقوا منها للعدوان على فلسطين واحتلالها بدون وجه حق، وخاصة أنهم لا يزالون يحتفظون بجنسياتهم الأصلية. أما العرب منهم الذين خانوا أمتهم المعتدى عليها، فيمكن للأمة أن تتجاوز عنهم إذا قبلوا فورا ودون تأخير العودة إلى مواطنهم الأصلية، ولكن القيادات المجرمة في الكيان الصهيوني لا بد أن تُحاسَب على قدر إجرامها وتُحاكَم محاكمة عادلة أمام محكمة لجرائم الحرب. لا بد من عودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم عن سني العذاب والحرمان، وعلى أوروبا، إن كانت ما تدّعيه حقا من كونها تدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية، أن تساهم في هذا التعويض بقدر ما فعلت من مساندة غير مشروعة للكيان الصهيوني، وأن تبادر فورا إلى تسيير رحلات جوية لجلب رعاياها من فلسطين المحتلة.
هذا هو السلام العادل والشامل الذي يفهمه كل الأحرار والشرفاء في العالم، فضلا عن المثقفين العرب وقادة الرأي والمفكرين، وحتى المواطن العادي لا يقبل أقل من هذا تحقيقا للسلام العادل والدائم في الشرق الأوسط، وبالتالي العالم ككل. وهو الحد الأدنى الذي نقبل به، ونعتبره المخرج الوحيد لكل القوى المتورطة في منطقتنا، وكل الواهمين بأن الأمة العربية غير قادرة على فرض هذا الحل. ونقول لهؤلاء الواهمين: إن الأمة العربية لها من إمكانيات الصمود والمقاومة، ولها من القدرات المادية والمعنوية والحضارية والقيمية والتاريخية، ما يجعلها قادرة، ولو بعد حين، على فرض الحلول المُثلى التي تتناسب مع ردع العدوان عنها وتحقيق كرامتها وعزتها المسلوبة، وقادرة على الإسهام في التقدم البشري.
المحور الرابع: الطريق إلى تحرير فلسطين
بعد أن توقف العدوان الهمجي على أهلنا في غزة، يثور في أذهاننا سؤال مشروع: ما الطريق إلى تحرير فلسطين، كل فلسطين من البحر إلى النهر، ودون تنازل عن أي ذرة تراب واحدة للصهاينة؟ وذلك أن كل تراب فلسطين قد تعمَّد بالدم وبدموع الأرامل واليتامى وآهات المعتقلين في سجون العدو، وكل هذه العذابات منذ عشرات السنين، أي منذ عمل الغرب والحركة الصهيونية على إقامة وطن قومي مزعوم لليهود في فلسطين. فما السبيل إلى تحرير هذه الأرض التي باركها الله؟
إني أعتقد أن الله سبحانه وتعالى اختار هذه الأمة لتنوء بحمل ثقيل، وهو مواجهة أعتى القوى في هذه الدنيا؛ ومن ذلك أن العراقيين لا يزالون يسعون لتحرير العراق من الاحتلال وعملائه، وكذلك السودان ولبنان والصومال، كلها تواجه تدخلا سافرا واحتلالا مباشرا أو غير مباشر، ولكنها مع ذلك لم تستكن، بل واجهت وقاومت وصمدت، وهو الحل الوحيد في رأيي لمواجهة التحديات.
وأما بالنسبة لفلسطين، فأعتقد أن الحل الوحيد لإنهاء الوجود الصهيوني يكمن في خيار المقاومة بكل أشكالها المشروعة، وفقا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة المؤكدة لحق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وتاريخ الشعوب المناضلة من أجل الحرية [2]، ومواصلة الاشتباك مع العدو الصهيوني بشكل دائم وعدم ترك الفرصة له ليلتقط أنفاسه، حتى يدرك أنه لا يستطيع القضاء على شعب بأكمله أراد التحرر. وذلك أن هدف الاحتلال هو توفير الأمن للمغرَّر بهم من الصهاينة من مختلف أنحاء العالم، فإذا منعناه من تحقيق هذا الهدف، فمعنى ذلك أن الهدف الاستراتيجي للعدو انهار، وبات العدو كأنه أتى الآن للمنطقة والأرض تهتز من تحته. فلا بد من تفعيل المقاومة والمواجهة اليومية بأدوات بسيطة، ولسنا في حاجة إلى جيوش جرارة تعادل قوة العدو من طائرات ودبابات وغيرها من الأسلحة المتطورة، فيمكن مواجهته بأسلحة بسيطة كالتي تمتلكها المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية أو العراقية، ونحارب العدو بحرب العصابات.
وأما بالنسبة للتفاوض معهم، فلن يكون إلا في المراحل الأخيرة للصراع، وحول كيفية مغادرتهم لفلسطين وعودة اللاجئين إلى أرض الوطن. كما لا بد من تفعيل المقاطعة الاقتصادية ومحاصرة العدو وعدم تمكينه من تنمية كيانه اقتصاديا حتى لا يشعر بالرفاه، ويبقى دائما يعاني من العجز. كما يجب المواجهة عن طريق الإعلام بتقديم الحقيقة التاريخية حول صراعنا مع هذا العدو، وتقديم ذلك للعالم على أن مواجهتنا معه لا تعدو كونها عملا تحرريا من استعمار استيطاني عنصري شبيه جدا بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
المحور الخامس: شهادة الأرقام — حصاد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني
إن ما سبق ذكره من طبيعة الصراع وحتمية المقاومة لا يبقى تجريدا نظريا، بل يتجسد دما ودموعا وتهجيرا تشهد عليه الأرقام الرسمية الفلسطينية والأممية عبر العقدين الأخيرين:
عدوان 2008-2009 ("الرصاص المصبوب"): استمر 23 يوما، واستُخدم فيه الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، وأسفر عن سقوط نحو 1417 شهيدا في الحصيلة الأولى، منهم 926 مدنيا و412 طفلا و111 امرأة، وإصابة أكثر من 4336 آخرين، ثم ارتفعت الحصيلة النهائية إلى 1328 شهيدا و5450 جريحا بعد انتشال جثث من تحت الركام [3].
عدوان 2014 ("الجرف الصامد"): دام 51 يوما، شُنّ خلاله أكثر من 60 ألف غارة جوية على القطاع، وأسفر عن سقوط ما لا يقل عن 2251 شهيدا فلسطينيا في غزة وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إضافة إلى نحو 11 ألف جريح، وما يقارب ألفي يتيم خلّفته الحرب [4].
عدوان 2021 ("سيف القدس"): استمر 11 يوما، وأسفر عن سقوط نحو 250 شهيدا فلسطينيا وأكثر من 5 آلاف جريح، إلى جانب تدمير عشرات الأبراج السكنية ونحو 100 كيلومتر من الأنفاق [5].
عدوان أكتوبر 2023 المستمر (حرب الإبادة): وهو الأشد دموية في تاريخ الصراع كله. فبحلول نهاية ديسمبر 2025، بلغ عدد الشهداء في فلسطين أكثر من 72 ألف شهيد منذ السابع من أكتوبر 2023، نسبة 98% منهم في قطاع غزة، وهي أعلى حصيلة شهداء في تاريخ عدوان الاحتلال على فلسطين. وتحديدا في قطاع غزة، بلغ عدد الشهداء 70942 شهيدا، بينهم 18592 طفلا ونحو 12400 امرأة، إضافة إلى نحو 11 ألف شخص لا يزالون في عداد المفقودين تحت الركام، وارتفاع عدد الجرحى إلى 171195، واضطرار نحو 100 ألف فلسطيني إلى مغادرة القطاع، ونزوح نحو مليوني فلسطيني من بيوتهم من أصل نحو 2.2 مليون كانوا يقيمون فيه عشية العدوان. وفي الضفة الغربية، أسفرت العمليات العسكرية المتصاعدة وعنف المستوطنين عن استشهاد 1102 شهيد وإصابة 9034 آخرين. وقد انعكست هذه الخسائر على البنية الديموغرافية، فانخفض عدد سكان قطاع غزة بنسبة 10.6% خلال عامين [6].
وبحلول أبريل 2026، أحصت وزارة الصحة في غزة استشهاد 72345 شخصا وإصابة 172250 آخرين منذ بدء العدوان، فيما أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة (أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة) قُتلن في غزة بين أكتوبر 2023 ونهاية 2025، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يوميا، وهي نسبة مرتفعة بشكل غير مسبوق مقارنة بكل النزاعات السابقة في القطاع [7]. وفي دراسة ديموغرافية مستقلة أجراها معهد ماكس بلانك لأبحاث الديموغرافيا ومركز الدراسات الديموغرافية، قُدِّر العدد الحقيقي للشهداء بما يتجاوز 100 ألف شخص حتى أكتوبر 2025، أي أكثر بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة وقتها، مما يعني أن الحصيلة الحقيقية للمجازر الصهيونية تفوق كل الإحصاءات المتداولة [8].
وقد استمرت المجازر حتى في "مراحل توزيع المساعدات" بعد إعلان الهدنة جزئيا؛ فقد أعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان استشهاد 798 فلسطينيا من منتظري المساعدات منذ نهاية مايو 2025 وحده، بينما رفع المكتب الإعلامي الحكومي في غزة العدد إلى 773 شهيدا و5101 جريح و41 مفقودا، وكلهم من المدنيين المجوَّعين تحت الحصار، في مشهد وصفه المفوض العام للأونروا بأن غزة "أصبحت مقبرة للأطفال والجوعى" [9].
هذه الأرقام، على هولها، لا تشمل ضحايا التهجير القسري المستمر منذ النكبة الأولى سنة 1948، حين اقتُلع مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم، ولا ضحايا العدوانات المتكررة على لبنان والعراق وسوريا، وهي وحدها كافية لإثبات أن ما يُسمى "السلام العادل" المطروح دوليا لم يكن في يوم من الأيام سوى غطاء لاستمرار هذه المجازر دون محاسبة.
خاتمة
إن ما تكشفه الأرقام أعلاه ليس سوى الترجمة الدموية لرفض الكيان الصهيوني الانصياع لأي حل عادل، ولاستمراره في سياسة الأرض المحروقة بدل الإقرار بحق شعب كامل في وطنه. وكل هذا يؤكد ما بدأنا به: أن "السلام العادل" المطروح دوليا خرافة ما لم يقترن باعتراف صريح بحق العودة، والمحاسبة القانونية للمجرمين أمام محاكم جرائم الحرب، وانسحاب الصهاينة إلى بلدانهم الأصلية. وأن الطريق الوحيد المتبقي أمام الأمة هو مواصلة الاشتباك مع هذا العدو ضمن مقاومة مشروعة بكل أدواتها السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية، حتى يدرك العدو أنه لا يستطيع، بكل ترسانته وحلفائه، أن يقضي على شعب بأكمله أراد التحرر، وأن أرض فلسطين، من البحر إلى النهر، ستبقى عربية إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
ثبت المراجع
[1] الناصر خشيني، "الصراع العربي الصهيوني وطبيعته" (مقال سابق للكاتب).
[2] الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 3246 (1974) والقرار 37/43 (1982)، المتعلقان بحق الشعوب في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال.
[3] ويكيبيديا، "الحرب على غزة (2008-2009)"؛ الجزيرة نت، "حروب إسرائيل على غزة".
[4] الحرة، "في 6 أيام.. إسرائيل قصفت غزة بما يعادل كل القنابل التي شنت بها حرب 2014"، أكتوبر 2023؛ وكالة الأناضول، "الذكرى الثالثة لحرب 2014 على غزة.. أرقام وحقائق".
[5] الجزيرة نت، "حروب إسرائيل على غزة.. بعضها بدأ باغتيالات"، يوليو 2024.
[6] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "أوضاع الفلسطينيين في نهاية عام 2025، وعشية رأس السنة الجديدة 2026"، ديسمبر 2025.
[7] صحيفة الدستور، "ارتفاع حصيلة الشهداء في غزة إلى 72345 منذ عدوان أكتوبر 2023"، أبريل 2026؛ هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تقرير حول قتلى النساء والفتيات في غزة، أبريل 2026.
[8] معهد ماكس بلانك لأبحاث الديموغرافيا ومركز الدراسات الديموغرافية (MPIDR/CED)، دراسة تقديرية لحصيلة شهداء غزة، أكتوبر 2025 (نقلا عن وكالة الأنباء الفلسطينية).
[9] الجزيرة نت، "إحصاء أممي يوثق حصيلة الشهداء المجوّعين بغزة"، يوليو 2025.

 

القرآن وحده الآية: نقد حشد الخرافة الحسية في "دلائل النبوة" عند ابن كثير بقلم الناصر خشيني

 

 مقدمة
يطرح هذا المقال مفارقة جوهرية في التراث السردي الإسلامي: فبينما يُقرّ كبار المصنفين، ومن بينهم ابن كثير في "البداية والنهاية"، بأن القرآن هو المعجزة الوحيدة التي تحدى بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم قومه، وأنه معجزة عقلية مستمرة لا تنقضي بانقضاء صاحبها، إلا أن هؤلاء المصنفين أنفسهم يعمدون إلى حشد عشرات بل مئات الروايات الحسية المادية بوصفها "دلائل نبوة" موازية أو مكمّلة. وسنحاول في هذه المحاور تفكيك هذه المفارقة، بدءًا من تأصيل فكرة التحدي القرآني، ومرورًا بنظرية تطور الأديان تبعًا لتطور المجتمعات، وانتهاءً بنماذج من حشد ابن كثير في الجزء السادس من "البداية والنهاية"، وقراءة في دلالة هذا الحشد التاريخية.
المحور الأول: القرآن آية التحدي العقلي الوحيدة
إنزال القرآن على الرسول هو أعظم المعجزات وأبين الحجج، لما اشتمل عليه من تركيب معجز تحدى به الإنس والجن: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء: 88)، وفي سورة الطور: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} (الطور: 33-34).
ولما عجز المعارضون عن ذلك مع توافر دواعي العداوة والفصاحة، تنازل التحدي إلى عشر سور: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} (هود: 13)، ثم إلى سورة واحدة، حتى أصغر سورة وهي الكوثر: {فأتوا بسورة من مثله} (البقرة: 23-24). وقد ربط القرآن هذا العجز بدعوى الافتراء والسحر: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} (الفرقان: 5)، فجاء الرد: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} (الفرقان: 6).
والدلالة المنهجية لهذا التدرج أن المعجزة الوحيدة التي ارتضاها الله لإقناع البشرية برسالة خاتم الأنبياء هي القرآن لا غيره، لأن الإنسانية بلغت من النضج العقلي ما لم يعد يقنعها بالوسائل الحسية التي اعتمدها الرسل السابقون.
المحور الثاني: التطور الاجتماعي للأديان وتدرج المعجزات
تتطور الأديان السماوية تبعًا للتطور الاجتماعي للبشرية، من الأسرة فالعشيرة فالقبيلة فالأمة فالمجتمع الإنساني ككل. ولذلك كانت الديانات السابقة على الإسلام محدودة بحدودها القبلية والعشائرية، ومعجزاتها مادية حسية تناسب العقل الطفولي لتلك الأطوار، كما في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا} (النمل: 45)، و{وإلى مدين أخاهم شعيبا} (هود: 84)، و{وإلى عاد أخاهم هودا} (الأعراف: 65). وكانت دعواتهم محدودة زمانًا ومكانًا وأهدافًا، كالنهي عن تطفيف الكيل عند مدين أو الفواحش عند قوم لوط.
ويمثّل موسى عليه السلام طورًا وسطًا بين القبلية القديمة والتكليف بالتوجه إلى غير قومه، فهو يطلب من ربه أن يشدّ أزره بأخيه هارون تناسقًا مع المنحى القبلي الذي لا يزال بنو إسرائيل يعيشونه حتى اليوم، كما تؤكده ممارسات الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة: {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا} (القصص: 35)، ثم يكلَّف بتبليغ دعوته إلى شعب مصر في شخص فرعون: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} (طه: 43)، فيكون قد دشّن عهدًا جديدًا بالخروج عن النطاق القبلي الضيق.
ثم يأتي طور أعمّ بدعوة عيسى عليه السلام رمز الرحمة والتسامح، إذ يدعو إلى أن "يدير الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن"، ففتح بعدًا إنسانيًا أوسع تهيئة للدور المناط بخاتم الرسالات. وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم يكتمل هذا التطور الجدلي، فتصبح الرسالة عامة لكافة الناس: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} (سبأ: 28)، ملكية مشتركة للبشرية جمعاء، تناهض العصبية والقبلية والعنصرية التي وصفها الرسول بأنها "منتنة"، بخلاف الديانات السابقة التي ظلت موجهة لأقوام رسلها وقبائلهم وعشائرهم دون سائر الناس.
المحور الثالث: التعريف بـ"البداية والنهاية" ومنهجه
"البداية والنهاية" لابن كثير، أبي الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي (ت 774هـ)، تحقيق علي شيري، طبعة دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408هـ/1988م[1]، عمل موسوعي ضخم في 14 جزءًا، يستعرض التاريخ من بدء الخلق إلى نهايته: من خلق السماوات والأرض والملائكة، إلى خلق آدم، فقصص الأنبياء مختصرة، فالتفصيل في الأحداث منذ مبعث النبي حتى سنة 767هـ بطريقة التبويب السنوي (ثم دخلت سنة...)، يتلوها ذكر أبرز من توفي فيها. أما جزء "النهاية" فيتناول علامات الساعة إلى يوم الحساب.
والمحور الذي يهمّنا هنا هو الجزء الثامن، عند الحديث عن السنة الحادية عشرة للهجرة، حيث يورد ابن كثير "شمائل ودلائل النبوة الحسية والأخلاقية"، وقبله الجزء السادس الذي يضمّ 54 بابًا في دلائل النبوة، وفيها من التهويل والتضخيم ما يصعب تصديقه.
المحور الرابع: ابن كثير بين الإقرار بإعجاز القرآن وحشد الدلائل الحسية
اللافت أن ابن كثير نفسه يفتتح باب "البينة" بالتأكيد على أن معجزات النبي مماثلة لمعجزات من قبله من الأنبياء، بل أعلى منها، خارجة عما اختُصّ به من معجزات عظيمة، وفي مقدمتها القرآن العظيم الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فهو معجزة مستمرة على الآباد، تحدى به الثقلين، وقد عجزوا. ويستشهد بالحديث المتفق على إخراجه في الصحيحين: "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"[2]، ويعلّق بأن القرآن لا يبيد ولا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء بانقضاء أيامهم، بخلاف معجزته هو، فهي متواترة مسموعة لكل من ألقى السمع.
وبالرغم من هذا الإقرار الصريح بأن القرآن هو الإعجاز الجامع الكافي، يعمد ابن كثير إلى حشد عشرات الروايات في 54 بابًا، يضاف إليها معجزات نوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وإدريس وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام، في مفارقة منهجية بين التنظير لكفاية القرآن والممارسة السردية التي تكدّس الحسي إلى جانبه.
المحور الخامس: نموذج شق القمر بين الرواية والتشكيك
من أبرز هذه الدلائل رواية انشقاق القمر في عهد النبي، وفيها عن ابن عباس، عن الطبراني بسنده: "كُسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر، فنزلت: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}"[3]. واللافت أن ابن كثير نفسه لا يسلّم بهذه الرواية تسليمًا تامًا، بل يستدرك قائلًا إن هذا "سياق غريب"، وإنه قد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف، فيدلّ ذلك على أن الانشقاق كان في ليالي إبداره. وهذا التشكيك الداخلي من المصنف نفسه يكشف عن وعي بضعف بعض الروايات حتى وهو يوردها.
المحور السادس: نماذج تكثير الماء واللبن
يورد ابن كثير في باب المعجزات الأرضية المتعلقة بالجمادات، ص 102 من الجزء السادس، حديث أنس بن مالك: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله بوضوء فوضع رسول الله يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم"، رواه البخاري، ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح[4].
كما يورد في باب تكثير الأطعمة حديث أبي هريرة الطويل عن تكثير اللبن، حيث يصف جوعه الشديد وعجزه عن الاستتباع من أبي بكر وعمر، حتى يلقاه النبي فيدعوه ويأمره بدعوة أهل الصفّة، فيشرب الجميع من قدح واحد حتى يرويهم، ثم يبقى هو وأبو هريرة، رواه الإمام أحمد[5]. وتتكرر هذه البنية الروائية في عدة مواطن: حاجة ملحّة، تدخل نبوي، ووفرة معجزة تتجاوز المنطق المادي.
المحور السابع: نماذج كلام الحيوانات وانقيادها
يذكر ابن كثير، ص 149 من الجزء السادس، رواية أنس بن مالك عن جمل استصعب على أهله، فجاءوا إلى النبي شاكين، فدخل الحائط نحو الجمل، فحذّرته الأنصار من صولته، فقال: "ليس عليّ منه بأس"، فلما نظر الجمل إليه "خرّ ساجدًا بين يديه"، فعلّق النبي: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، رواه الإمام أحمد[6].
ويضيف رواية ثانية عن عبد الله بن جعفر، أن جملًا أتى النبي "فجرجر وذرفت عيناه"، فمسح النبي سراته وذفراه فسكن، وسأل عن صاحبه، فإذا هو فتى من الأنصار، فقال له النبي: "أما تتقي الله في هذه البهيمة... إنه شكا إليّ أنك تُجيعه وتُدئبه"، رواه أيضًا الإمام أحمد[7]. ويضيف ابن كثير إلى هذه السلسلة قصص الغزالة المرضعة، وحمار النبي يعفور، وانقياد الشجر والجذع، وتسبيح الحصى، وتكلّم الرضّع شهادة برسالته، فضلًا عن الإخبار بالمستقبل كمقتل الحسين وموقعة الحرّة، مع تعليقه أحيانًا بالتضعيف على بعضها.
المحور الثامن: في دلالة الحشد التاريخي لزمن ابن كثير
إن حشد ابن كثير لهذا الكم الهائل من الروايات الحسية، في القرن الثامن الهجري، لا ينفصل عن سياقه التاريخي: فهو يكتب بعد نكسات متتالية ألحقتها بالأمة حروبها مع الصليبيين والتتار والمغول، وفي ظل ابتلائها بحكام ظلمة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة هذا الحشد السردي بوصفه آلية تعويضية، تستعيض بها الأمة عن واقعها المنكسر باستعادة أمجاد متخيَّلة، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والصدق في النسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
خاتمة
يكشف هذا العرض عن مفارقة بنيوية في التراث السردي: إقرار نظري بكفاية القرآن وحده آية وتحديًا عقليًا مستمرًا، يقابله حشد سردي حسي يتضخم مع تراكم الأزمات التاريخية للأمة. وهذا التضخّم، وإن كان مفهومًا من زاوية علم النفس الجماعي للأمم المنكسرة، إلا أنه يظل عبئًا منهجيًا على القراءة العقلانية للتراث، يستدعي إعادة تمحيص هذه الروايات بمعايير نقد السند والمتن، وردّها إلى الميزان القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثبت المراجع
[1] ابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1408هـ/1988م، الجزء السادس والجزء الثامن.
[2] حديث "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات..."، متفق عليه في الصحيحين، من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.
[3] رواية انشقاق القمر عن ابن عباس، أخرجها الطبراني بسنده عن أحمد بن عمرو البزار عن محمد بن يحيى القطيعي عن محمد بن بكير عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس.
[4] حديث تكثير الماء، عن أنس بن مالك، رواه البخاري عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ورواه مسلم والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[5] حديث تكثير اللبن، عن أبي هريرة، رواه الإمام أحمد عن روح عن عمر بن ذر عن مجاهد.
[6] حديث سجود الجمل، عن أنس بن مالك، رواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد عن خلف بن خليفة عن حفص بن عمر عن عمه أنس بن مالك.
[7] حديث الجمل الشاكي، عن عبد الله بن جعفر، رواه الإمام أحمد عن يزيد، وعن بهز وعفان، عن مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد.

 

الأربعاء، 24 يونيو 2026

منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور بقلم الناصر خشيني


   قراءة نقدية تفكيكية في بنية المذهب النَّقلي وتوطنه المغاربي

إن إشكالية التعامل مع التراث المعرفي والفقهي الإسلامي تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق التمجيد الوعظي أو الهدم العبثي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب شخصية الإمام مالك بن أنس ومنهجه الفقهي المتمثل في كتاب "الموطأ". لم يكن منهج مالك مجرد استجابة باردة لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة تشكلت في محرق الصراع بين النص والواقع، وضمن إحداثيات سياسية واجتماعية بالغة التعقيد عاشتها الحواضر الإسلامية إبان الانتقال من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية، وهو ما يفسر لاحقاً سر امتداده وتوطنه في الفضاء المغاربي والتونسي (1).
أولاً: الموطأ وبنية المنهج: جدلية النقل وعمل أهل المدينة
عند تشريحنا لمنهج الإمام مالك، نجد أن التميز الجوهري لمدرسته لا يكمن في مجرد جمع الأحاديث، بل في تقديمه "عمل أهل المدينة" كآلية تواترية تفوق في نظره رواية الآحاد. إن النقد العنيف الذي وُجّه للموطأ قديماً وحديثاً، وخاصة من مدارس أهل الحديث المتأخرة، نبع من هذا التقديم الذي اعتبره البعض تقليصاً من سلطة النص النبوي الفردي لحساب ممارسة مجتمعية جغرافية (2).
لكن من منظور نقد التراث، نرى أن مالكاً كان يحاول إيجاد مرجعية تطبيقية حية—وهي العمل المتوارث جيلًا عن جيل في مهد الوحي—لضبط سيولة النصوص وتفادي الاختراقات والوضع التي شاعت في الحواضر الأخرى كالعراق. ومع ذلك، وسّع مالك أصوله لتشمل أدوات مرنة كـ"المصالح المرسلة" و"سد الذرائع"، مما جعل مذهبه مزيجاً فريداً بين النقل الصارم والنزعة المقاصدية التي تروم حفظ مصالح العباد وتدبير شؤونهم (3).
ثانياً: وهم المهادنة: هل كان السكوت خوفاً من السلطة الباطشة؟
تطرح القراءة التاريخية التقليدية تساؤلاً جوهرياً: كيف لفقيه عاصر هول التحولات، وعاش في المدينة التي لا تزال ذاكرتها الجمعية تنزف من أثر "واقعة الحرة" (سنة 63 هـ) واستباحتها من قِبل يزيد بن معاوية، أن يسكت ولا يثور علانية ضد النظم الأموية والعباسية؟ هل كان الخوف والرهبة من بطش السلطان هما المحرك؟
القراءة العميقة والنقدية للحدث التاريخي تفكك هذا الوهم؛ فالإمام مالك لم يولد إلا عام 93 هـ، أي بعد الحرة بثلاثة عقود، لكن ظلال الفاجعة ومآلاتها الكارثية كانت حاضرة في وعيه الفكري. لم يكن موقفه نابعاً من الجبن أو الخوف على النفس، بل تولّد من "وعي سياسي بائس بالمآلات". لقد رأى مالك أن الثورات المسلحة المباشرة في عصره—كخروج محمد النفس الزكية—أدت إلى إراقة الدماء واستباحة الحرمات دون تحقيق البديل العادل، فآثر صياغة الاستقرار من خلال تثبيت "السلم الأهلي" وحفظ بيضة الأمة (4).
إن عدم الثورة المسلحة لم يعنِ التواطؤ أو المهادنة؛ والتاريخ يحفظ لمالك محنته الشهيرة عندما صدح بفتواه "ليس على مستكره طلاق"، والتي فككت الشرعية السياسية لبيعة الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور القائمة على الإكراه. فكان ثمن هذا الموقف الفكري الصارم أن جُرّد وضُرب بالسياط حتى انخلعت كتفه، مما يثبت أن موقفه كان نابعاً من رؤية إصلاحية تعليمية، لا من خنوع لسلطة باطشة (5).
ثالثاً: مدرسة المدينة ومدرسة العراق: صراع البيئة والأدوات المعرفية
في إطار الموازنة المنهجية، يتبدى لنا التباين الفكري بين "مدرسة الأثر" بالمدينة بقيادة الإمام مالك و"مدرسة الرأي" بالعراق بقيادة الإمام أبي حنيفة، وهو تباين لم يكن اختلافاً عقائدياً بل كان انعكاساً حتمياً لاختلاف البيئات الحاضنة وخصوصياتها الجغرافية. فالمدينة المنورة مثلت بيئة محافظة تختزن الإرث النبوي التطبيقي المباشر وتعتبر السلوك الجمعي للمدينة نصاً متواتراً يغني عن التأويل العقلي الزائد، وتعتمد في معيار قبول الحديث على عدم مخالفته لعمل أهل المدينة والأصول العامة، متخذة من الاستصلاح وسد الذرائع أدوات مرنة للاستنباط الفقهي.
وفي المقابل، نشأت المدرسة الحنيفة في الكوفة ضمن فضاء مدني منفتح وتعددية ثقافية صاخبة تموج بحركات الوضع السياسي والديني، مما دفعها إلى التشدد الكبير في قبول أحاديث الآحاد واشتراط عدم مخالفتها للقياس الجلي أو قواعد العقل وعموم البلوى، مع التوسع الواسع في أدوات التحليل والافتراض العقلي لحماية الشريعة من الاختراق وتفكيك النوازل المعقدة (6).
رابعاً: التوطن الفقهي: سر مالكية تونس وشمال إفريقيا واعتدالها
إن الانتقال الجغرافي للمذهب المالكي من الحجاز إلى تونس ومعظم أرجاء شمال إفريقيا لم يكن مجرد صدفة تاريخية، بل جاء نتيجة تلاؤم بنيوي بين طبيعة إنسان هذه المنطقة وقيم الاعتدال والواقعية التي تميز بها فقه الإمام مالك. ويمكن تفكيك هذا الارتباط في أبعاد سوسيولوجية وفقهية دقيقة:
  1. نبذ التطرف والنزوع نحو الوسطية: تميل البيئة التونسية والمغاربية تاريخياً إلى الاستقرار والنفور من الغلو المذهبي والعقائدية الجوفاء. وقد وجد علماء القيروان في هذا المذهب صمام أمان يجمع بين صيانة الأثر النبوي ومراعاة مقاصد الشريعة، مما حمى المنطقة من الانزلاق وراء الحركات المتطرفة التي عصف بها المشرق (7).
  2. مرونة الأصول (العُرف والمصلحة): تميزت تونس بتركيبة اجتماعية وثقافية ثرية عبر العصور. وقد أتاح اعتماد مالك على أصول مرنة مثل "العُرف والعادات" و"المصالح المرسلة" للمجتمع التونسي والمغاربي الحفاظ على خصوصياته المحلية وتطوير تشريعاته دون الاصطدام مع النص الشرعي (8).
  3. الدور الفكري للمدرسة القيروانية: لم يكن علماء إفريقية مجرد ناقلين جامدين لفقه المدينة، بل حوّلوا المذهب في جامع القيروان إلى منهج عملي واقعي قادر على تدبير شؤون الدولة والمجتمع بروح تتسم بالتسامح والتيسير (9).
  4. حماية السلم الأهلي المغاربي: مثلما كان هاجس الإمام مالك في المدينة هو حقن الدماء وتجنب الفتن، فإن تبني هذا المذهب في شمال إفريقيا وفّر وحدة مرجعية وقانونية منسجمة، منعت التشرذم السياسي والحروب الأهلية المذهبية وطبعت المنطقة بـ"إسلام معتدل" ومتوازن (10).
خاتمة نقدية
إن نقد التراث نقداً بناءً يقتضي منا أن نضع الإمام مالك في سياقه التاريخي والمعرفي. لم يكن منهجه النَّقلي انكفاءً سلبياً أو خوفاً من بطش، بل كان محاولة عبقرية لإنتاج الاستقرار الفقهي والاجتماعي في زمن الفتن العاصفة. إن مكمن القوة في منهجه هو هذه المرونة المقاصدية التي تركها في أصوله، وهي ذاتها الأدوات التي تفسر سر بقاء واعتدال هذا المذهب في تونس وشمال إفريقيا، وهي أيضاً ما نحتاجه اليوم لإعادة قراءة هذا التراث، لا لتكرار أجوبته القديمة، بل لتمثّل شجاعته في مواجهة النوازل واستبصار مصالح الإنسان.

الهوامش والإحالات المعرفية:
(1) القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق: أحمد بكير محمود، دار مكتبة الحياة، بيروت، ج1، ص 45-48.
(2) جلال الدين السيوطي، تنوير الحوالك بشرح موطأ مالك، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1969م، ص 7-10.
(3) ابن رشد الجد، المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988م، ج1، ص 23.
(4) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م، صوابية الموقف من الفتن، ج2، ص 11-15.
(5) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، تحقيق: أحمد صقر، دار المعرفة، بيروت، ص 234-237 (سياق محنة مالك في فتوى طلاق المكره).
(6) محمد أبو زهرة، مالك: حياته وعصره - آراؤه وفقهه، دار الفكر العربي، القاهرة، ط2، ص 210-225 (الموازنة بين مدرستي الرأي والأثر).
(7) محمد الجوادي، الفكر الاجتماعي في المذهب المالكي بالمغرب العربي، الدار التونسية للنشر، تونس، ص 88-92.
(8) ابن عاشور (محمد الطاهر)، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الشؤون الدينية، تونس، 2001م، ص 114.
(9) سحنون بن سعيد التنوخي، المدونة الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1994م، ج1، ص 5-8 (رواية سحنون وأثرها في صياغة الفقه المغاربي).
(10) حسن حسني عبد الوهاب، ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية، مكتبة المنار، تونس، ط3، ج1، ص 142-147.

مأزق الفكر الإسلامي المعاصر: من النصوصية الحنبلية إلى "حاكمية" الدمار الذاتي بقلم: الناصر خشيني

 

مقدمة تمهيدية
تعيش الأمة العربية والإسلامية في الراهن السياسي والحضاري مأزقاً إبستمولوجياً (معرفياً) فادحاً، يتجلى في ارتهان العقل الجمعي لمنظومات تراثية صُنعت في مناخات الصراع السلطوي القروسطي. إن تفكيك هذا الانسداد الحضاري يتطلب شجاعة نقدية تضع اليد على الجرح التاريخي؛ حيث تحولت "النصوصية الحرفية" من مجرد اختيار فقهي فرعي إلى أيديولوجيا شاملة صادرت الروح التحريرية للقرآن، وأفرزت في طياتها معالم العنف والتكفير والدمار الذاتي الذي يمزق أوطاننا اليوم، مستبعداً قضايا الأمة الجوهرية وعلى رأسها مجابهة التمدد الصهيونية الاستعمارية.
أولاً: "مسند أحمد" وتحوير السلف إلى سلطة تشريعية
يتجلى المأزق الفكري الأول في بنية الأثر الروائي نفسه؛ حيث يمثل "مسند أحمد" أضخم مستودع جامع للروايات [1]، دون الاكتراث بشروط الصحة الصارمة. إن تراكم الأحاديث الضعيفة والموضوعة في تضاعيف هذا السفر التاريخي [2]، شرع الأبواب لولوج الخرافة والإسرائيليات التي تصطدم صِدَاماً صارخاً مع قيم القرآن المحكمة ومبادئ العدل والتوحيد والتنـزيه.
ومن تداعيات هذا الفكر النصوصي، جرى تحوير مفهوم "السلف الصالح" من سياقه الزمني الطبيعي—كجيل بشري تاريخي أصاب وأخطأ—إلى سلطة تشريعية مطلقة ونهائية تملك حق الوصاية على العقول [3]. لم يعد النص القرآني هو الحاكم بمقاصده الكلية، بل أصبحت "أفهام السلف" وبيئتهم القروسطية هي المعيار الإجباري الوحيد، مما أفرغ العقل من فاعليته وجعل الأمة ترتد بوعيها إلى الخلف، عاجزة عن صياغة إجابات لأسئلة عصرها الحديث.
ثانياً: محنة خلق القرآن والانقلاب السياسي في عصر المتوكل
ومع صعود الخليفة المتوكل العباسي، حدث الانقلاب الكبير وتأسست لحظة الركود المعرفي؛ إذ أدرك المتوكل أن العقلانية المعتزلية نخبوية، فقرر الانقلاب عليها وتصفيتها طمعاً في الولاء الشعبي [4]. فأصدر المراسيم السلطانية بتجريم علم الكلام وحظر البحث العقلي، ورُفع الإمام أحمد كرمز مطلق لمقاومة المحنة، ومُنحت مدرسته غطاءً شرعياً مقدساً للسلطة [5].
بذلك انحصر دور العقل في "تبرير النص" وشرعنة الاستبداد السياسي، حيث وجدت السلطة العباسية في النصوصية الحنبلية—التي تدعو لطاعة "ولي الأمر" وإن كان جائراً وتحرم الخروج عليه—الضمانة المثالية لقمع الثورات وتأبيد حكمها [6]، وتراجع الدعم الرسمي لحركة الترجمة والعلوم الطبيعية والفلسفية، واستُبدلت "دار الحكمة" بحلقات التحديث ونقل الآثار الركيكة.
ثالثاً: تجليات "الحاكمية" المعاصرة واستراتيجية التدمير الذاتي
إن الركود المعرفي والانتصار التاريخي للمدرسة النصوصية الحرفية لم يتوقف عند حدود الماضي، بل أنتج قفزة إبستمولوجية خطيرة نقلت النصوصية من مربع الجمود الفقهي إلى مربع "العنف المسلح والتكفير الشامل" عبر أطروحة سيد قطب في "معالم في الطريق" [7].
انتزع قطب الآيات القرآنية من سياقها المقاصدي، وأعلن أن المجتمعات المسلمة المعاصرة قد ارتدت إلى "الجاهلية الأولى" [8]، وأن الأنظمة والدول والتشريعات الوضعية هي أنظمة كفر صراح [9]. هذا التكفير الشامل أفرغ مفهوم المواطنة من قيمته وحوّل المجتمعات العربية إلى "ديار حرب" تجب استباحتها فكرياً ومادياً.
بناءً على أدبيات الحاكمية هذه، اعتبرت حركات العنف والتطرف (ابتداءً من جماعات التكفير والجهاد وصولاً إلى القاعدة وداعش) أن العدو الأقرب أولى بالقتال والمحاربة من العدو الأبعد [10]. وهذا الانحراف الفكري يفسر المفارقة الصارخة والتاريخية؛ ففي الوقت الذي عاثت فيه هذه التنظيمات فساداً وتدميراً وذبحاً في حواضر العرب والمسلمين، وفجّرت البنى التحتية وجيوش الأوطان، لم تمتد يدها يوماً وبأي أثر حقيقي لضرب الكيان الصهيوني المغتصب أو تهديد وجوده. لقد تحول الإرهاب بفعل "الحاكمية" إلى أداة مجانية لإنهاك الذات العربية وتمزيق نسيجها المجتمعي، مما قدم أكبر خدمة استراتيجية للمشاريع الاستعمارية والصهيونية في المنطقة.
رابعاً: المنظومة التعليمية السائدة وإعادة إنتاج التكلس المعرفي
إن استدامة هذا الفكر الجنائزي الحرفي في واقعنا المعاصر لا تتأتى من فراغ، بل تغذيها منظومات تعليمية بائسة وقائمة بالأساس على مناهج التلقين والحفظ، وإلغاء ملكة النقد والتساوُل لدى الناشئة [11]. إن مدارسنا وجامعاتنا الدينية والتقليدية لا تزال تعيد إنتاج العقل الحنبلي النصوصي عبر تدريس فروع الفقه القروسطي باعتبارها ثوابت عابرة للزمان والمكان.
يتم حشو أذهان الطلاب بالركام الروائي دون تمحيص مقاصدي أو تاريخي، ويُربى الطالب على الطاعة والاتباع ونبذ الابتداع العلمي، مما يجعل هذه البيئات التعليمية المفرخ الحقيقي والمغذي الأساسي للعقول المستعدة لتقبل أطروحات "الحاكمية" والتكفير. إن غياب الفلسفة، والعلوم الإنسانية الحديثة، والمنهج البرهاني عن برامجنا التعليمية هو الجريمة المعرفية المتواصلة التي تؤمن استمرار ركودنا وحمايتنا للجهل المقدس [12].
خامساً: خارطة الطريق نحو فقه مقاصدي بديل
للانعتاق من هذا الانسداد التاريخي والفكري، لم يعد يكفي الاكتفاء بنقد التراث أو البكاء على أطلال العقلانية الضائعة. بل بات من الضروري صياغة "خارطة طريق معرفية" بديلة تتكون من:
  1. إعادة ترتيب الهرم المعرفي: بإعادة القرآن الكريم بوصفه المرجعية المهيمنة والوحيدة المطلقة، وردّ ورفض أي رواية أو حديث—مهما بلغت درجة تدوينه الحرفي—إذا صدم قيم القرآن الكبرى كالحرية، والعدل، والكرامة الإنسانية [13].
  2. الانتقال إلى فقه الغايات: بإعلاء المقاصد الكبرى وأنسنتها لتشمل الغايات الإنسانية الحديثة والملحة، مثل: التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، وحقوق المواطنة الشاملة، والحرية الفكرية.
  3. تحرير الاجتهاد: بانفتاح الفقه المقاصدي الجديد على العلوم الإنسانية المعاصرة (علم الاجتماع، الاقتصاد، العلوم السياسية) ليكون التشريع منبثقاً من وعي عميق وحقيقي بالواقع الإنساني المتغير ومستوعباً لتعقيداته.
  4. علمنة المعاملات وفصل الفقهي عن العقدي: التأكيد على أن فقه المعاملات وإدارة الدولة والمجتمع هو فضاء عقلي مصلحي دنيوي بامتياز، يخضع لمنطق المنفعة الإنسانية أينما كانت؛ "حيثما وُجدت المصلحة فثمّ شرع الله" [14]، وصيانة حرية الاعتقاد والتفكير كحق إنساني مقدس ومطلق كفله القرآن.
خاتمة استشرافية
إن الخروج من نفق النصوصية المظلم والتحرر من أيديولوجيا "الحاكمية" ليس خياراً ترفياً أو مجرد ترف فكري، بل هو معركة وجودية ومصيرية لاسترداد الذات الحضارية العربية والنهوض بها. إن إرساء فقه المقاصد والبرهان وتحرير المنظومة التعليمية هو السبيل الوحيد لإعادة الدين إلى غايته الحقيقية: طاقةً تحريرية شاملة تبني الإنسان والأوطان، وتعيد توجيه بوصلة الصراع والتنمية نحو مواجهة القوى الاستعمارية وحلفائها، من أجل بناء مجتمعات الحرية، والعدالة، والكرامة المستدامة.

الهوامش والمراجع الأكاديمية:
  • [1] السيوطي، جلال الدين. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. تحقيق: أحمد عمر هاشم. القاهرة: دار الكتاب العربي، ص 55-58. (حيث يذكر أن عدد أحاديث المسند يقارب 40 ألف حديث بالمكرر، وانتقاها أحمد من 750 ألف حديث).
  • [2] ابن الجوزي، أبو الفرج. الموضوعات من الأحاديث المرفوعات. تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان. المدينة المنورة: المطبوعة السلفية، ج 1، ص 34-40. (أفرد فيه الأحاديث الموضوعة وشديدة الضعف التي دخلت تضاعيف المسند).
  • [3] الجابري، محمد عابد. بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 9، ص 251-260. (يتناول فيه تفكيك آليات تحول فقه السلف إلى سلطة إبستمولوجية وتشريعية مطلقة).
  • [4] اليعقوبي، أحمد بن إسحاق. تاريخ اليعقوبي. بيروت: دار صادر، ج 2، ص 484. (يوثق اللحظة التاريخية لمرسوم المتوكل بالمنع التام لعلم الكلام والمناظرة الفلسفية).
  • [5] الذهبي، شمس الدين. سير أعلام النبلاء. تحقيق: شعيب الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، ج 11، ص 290-310. (يفصل أحداث فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد وتوظيفها اللاحق في عصر المتوكل).
  • [6] ابن حنبل، أحمد. كتاب السنة. تحقيق: عبد الله بن أحمد بن حنبل. الدمام: دار ابن القيم، ص 45-52. (يؤصل لقاعدة طاعة الإمام الجائر وتحريم الخروج عليه كأصل عقدي عند أهل الأثر).
  • [7] قطب، سيد. معالم في الطريق. القاهرة: دار الشروق، ط 10، ص 5-12.
  • [8] المرجع نفسه، ص 21-25. (فصل: "طبيعة المنهج القرآني" ونظرية ارتداد المجتمعات الحالية للجاهلية الأولى).
  • [9] المودودي، أبو الأعلى. المصطلحات الأربعة في القرآن. بيروت: دار القلم، ص 92-105. (وهو المصدر الأساسي الذي استقى منه قطب فلسفة الحاكمية والربوبية السياسية).
  • [10] فرج، محمد عبد السلام. الفريضة الغائبة. (الوثيقة الأيديولوجية لتنظيم الجهاد المصري التي قعدت لقتال "العدو الأقرب" استناداً لإرث الحاكمية والجاهلية القطبية).
  • [11] أركون، محمد. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة: هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، ص 112-120. (يناقش فيها أثر غياب الفكر البرهاني عن مناهج التعليم الديني التقليدي العربي).
  • [12] العظم، جلال صادق. نقد الفكر الديني. بيروت: دار الطليعة، ص 45-60.
  • [13] شحرور، محمد. الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة. دمشق: الأهالي للطباعة والنشر، ص 180-195. (يفصل فيه إعادة ترتيب الهرم المعرفي بإرجاع الحاكمة المطلقة للنص القرآني).
  • [14] ابن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية. تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة. تونس: الشركة التونسية للتوزيع، ص 88-102. (المرجع الأساسي لتأصيل فلسفة مصلحة الإنسان وغايات التشريع الكبرى).

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...