قائمة المدونات الإلكترونية

الجمعة، 17 يوليو 2026

محمد عابد الجابري.. ونقد العقل العربي في سبيل النهضة التقدمية بقلم: الناصر خشيني

 


يمثل المفكر والمشرح الفلسفي المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) أحد أهم أعمدة الفكر القومي التقدمي المعاصر؛ إذ أحدث ثورة ابستمولوجية في كيفية تعاملنا مع التراث العربي الإسلامي [1]. لم يكن الجابري يرى في القومية مجرد شعار عاطفي، بل مشروعاً تاريخياً ومستقبلياً يتطلب "ثورة ثقافية داخلية" تعيد بناء العقل العربي، وتخلصه من آليات الركود، لتمكينه من الانخراط في الحداثة من موقع الفاعل والأصيل [2].
النشأة والتكوين: من النضال الحزبي إلى التأسيس المعرفي
ولد الجابري عام 1935 في مدينة فكيك بالشرق المغربي. عايش في شبابه معارك الاستقلال، وانخرط مبكراً في صفوف الحركة الوطنية المغربية وتحديداً في "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" (ثم الاتحاد الاشتراكي) ذي التوجه التقدمي والعروبي [3]. حصل على الدبلوم العالي في الفلسفة ثم الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط، ليتحول من النضال الحزبي المباشر إلى نضال فكري أكثر عمقاً، مدفوعاً بوعي حاد بأن أزمة العمل السياسي العربي ناتجة بالأساس عن أزمة في بنية العقل نفسه [4].
مشروع "نقد العقل العربي": تفكيك البنية التراثية
يعد مشروع "نقد العقل العربي" بأجزائه الأربعة المحطة الأبرز في مسيرة الجابري العلمية [1]. استخدم الجابري أدوات المنهج البنيوي والتاريخي لتفكيك آليات التفكير العربي، وقسم العقل التراثي إلى ثلاث نظم معرفية متصارعة:
  1. نظام البيان: وهو عقل النص واللغة والفقه والمشافهة [5].
  2. نظام العرفان: وهو العقل المستند إلى اللامعقول، والتصوف الفلسفي الغنوصي، والهروب من الواقع [5].
  3. نظام البرهان: وهو عقل الملاحظة، والتحليل المنطقي، والسببية، والذي تجلى في المغرب العربي والأندلس مع ابن رشد، وابن حزم، وابن خلدون [5].
ومن منظور تقدمي، دعا الجابري إلى ضرورة "تدشين رشدية جديدة" في الفكر العربي المعاصر؛ أي إحياء النظام البرهاني القائم على العقل والواقع والسببية، وتهميش النظام العرفاني الاستقالي الذي يكرس الخرافة والاستسلام السياسي [6].
الكتلة التاريخية والمشروع القومي الديمقراطي
لم ينفصل الجابري قط عن هموم أمته السياسية؛ فقدم أطروحات هامة حول "المسألة القومية" و"الديمقراطية" [7]. صاغ مفهوم "الكتلة التاريخية" (المستوحى بتطوير من غرامشي)، داعياً إلى تحالف عريض يجمع القوى التقدمية، واليسارية، والقومية، والإسلامية المستنيرة في الوطن العربي [8].
يرى الجابري أن معركة الاستبداد والتبعية للإمبريالية لا يمكن أن تحسمها فئة واحدة، بل تتطلب جبهة عريضة تتجاوز الخلافات الإيديولوجية الثانوية للتركيز على المشتركات: التحرر الوطني، وتحقيق الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحماية الأمن القومي العربي [8].
نقد الاستشراق والمركزية الغربية
في موازاة نقده للتراث، قدم الجابري نقداً تقدمياً لاذعاً للمركزية الغربية والاستشراق [2]. واعتبر أن التحديث لا يعني "الفرنسة" أو "الأمركة"، بل هو تفاعل واعي مع الكونية المعاصرة ينطلق من الجذور التاريخية للأمة [4]. إن تجديد العقل العربي عند الجابري هو المدخل الوحيد لبناء مجتمع عربي تقدمي يمتلك القدرة على التجدد التاريخي ومواجهة التحديات المصيرية [9].

الهامش والمصادر (مقال محمد عابد الجابري)
  1. الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي (نقد العقل العربي 1)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص 15-22.
  2. الداوي، عبد الرزاق، محمد عابد الجابري والمشروع النهضوي العربي، الرباط: دار الأمان، 2012، ص 44.
  3. الجابري، محمد عابد، حفريات في الذاكرة: من فكيك إلى الرباط (سيرة ذاتية)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص 89-94.
  4. تيزيني، طيب، من الاستشراق إلى الفكر النقدي: قراءة في أطروحات الجابري، دمشق: دار طلاس، 1996، ص 105-108.
  5. الجابري، محمد عابد، بنية العقل العربي (نقد العقل العربي 2)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986، ص 210-218.
  6. سبيلا، محمد، النزعة الرشدية في الفكر المغربي المعاصر: الجابري نموذجاً، الدار البيضاء: دار توبقال، 2001، ص 77.
  7. الجابري، محمد عابد، المسألة القومية: نحو رؤية تاريخية نقدية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985، ص 53-59.
  8. الجابري، محمد عابد، الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994، ص 134-140.
  9. محمود، زكي نجيب، رؤية فكرية في مشروع محمد عابد الجابري الإبستمولوجي، القاهرة: دار الشروق، 1989، ص 92.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...