قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 13 يونيو 2026

تجارة الموت الأبيض وهندسة استئصال الأجساد في تونس بقلم الباحث: الناصر خشيني نابل تونس

 





 تجارة الموت الأبيض وهندسة استئصال الأجساد: حينما تتقاطع مأساة "الدواء المغتصب" بـ "أعضاء البشر" المهرّبة في تونس


إنّ الجريمة المنظمة العابرة للحدود لم تعد مجرّد فصول من سيناريوهات الرعب البعيدة، بل تحوّلت إلى واقع ملموس يخترق النسيج المجتمعي والأمني، متمثلاً في أخطر ثنائيات القرن الحادي والعشرين: احتكار الأدوية الحيوية وتهريبها، وشبكات المتاجرة بالأعضاء البشرية. هذه الأنشطة الإجرامية لا تقتصر خطورتها على كونها تجارة اقتصاد أسود غير مشروع، بل إنها تُمثل انتهاكاً صارخاً للحق الكوني في الحياة والصحة المضمونين قانوناً، وتستغل بشكل بشع الأزمات الاقتصادية الخانقة، والظروف المعيشية القاسية للضحايا المستضعفين لإرساء أركان هندسة القتل البطيء وتفكيك الأجساد.

أولاً: الأخطبوط الإجرامي الإقليمي والدولي (خارطة التورط والأدوار)
تُدار الجريمتان عبر توليفة معقدة وشبكات دولية دقيقة تتداخل فيها مسارات الفساد الإداري والمحلي بالمافيات عابرة الحدود، وتتقاسم الأدوار عبر آليات منظمة كالتالي:
1. مافيات تهريب واحتكار الدواء والمنظومات الصيدلانية
  • عصابات التهريب الإقليمية: مجموعات تعمد إلى تحويل مسار الأدوية المدعومة والمخصصة للمواطنين المحتاجين والأسواق المحلية، لتهريبها عبر الحدود وتسييلها بأسعار مضاعفة في الأسواق الموازية.
  • الفاسدون في المفاصل الصحية: تتورط في هذا الملف جهات من الإداريين، والمسؤولين داخل بعض المنشآت الصحية والاستشفاية، وبعض الصيادلة ممن يسهلون تسريب الشحنات وتفويض سحب الأدوية الحيوية والمفقودة.
  • العصابات الرقمية والمنصات الافتراضية: شبكات إلكترونية توظف الفضاء الافتراضي لترويج وتوريد مستحضرات دوائية مجهولة المصدر، أو مغشوشة ومقلدة، متجاوزة القنوات الرقابية الطبية والصيدلانية الرسمية [مرجع رقم 2].
2. شبكات استئصال الأجساد والاتجار بالأعضاء البشرية
  • سماسرة "اصطياد المستضعفين": وسطاء محليون يبحثون عن الأفراد الذين يعيشون تحت وطأة الفقر الشديد والمشقة المالية، مستغلين حاجتهم لإغرائهم أو الضغط عليهم للتفريط في كُلاهم أو أعضائهم مقابل فتات مالي.
  • أطقم طبية ومختبرية مارقة: ينضم إلى هذه المنظومة في بعض الأحيان أطباء جراحون، ممرضون، ومسؤولو مصحات ومختبرات خاصة يقومون بالغطاء الطبي للفحوصات والتحاليل وإجراء العمليات الخطيرة بعيداً عن أعين الرقابة.
  • مافيات "سياحة زراعة الأعضاء": شبكات تنسق لنقل المستفيدين (المرضى الأثرياء) والضحايا (المانحين المجبرين) إلى دول ومصحات أجنبية توفر مناخاً آمناً لإجراء عمليات النزع والزرع غير القانونية [مرجع رقم 1].

ثانياً: تونس تحت مجهر العدالة (أحكام قضائية نافذة تدين المتورطين)
لم تكن تونس بمنأى عن هذا الاختراق الإجرامي، إلا أن الملاحقات الأمنية وبسط سلطة القانون أسفرا عن أحكام قضائية صارمة صادرة عن المحاكم التونسية، كشفت بوضوح عن تورط جهات وموظفين محليين في ملفين هزا الرأي العام:
1. زلزال الصيدلية المركزية: سرقة الدواء واحتكاره
حققت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس اختراقاً كبيراً في تفكيك خلايا الفساد الصيدلاني، وأصدرت أحكاماً ردعية قاسية:
  • الأحكام القضائية: قضت المحكمة بعقوبات سجنية نافذة تتراوح بين 6 سنوات و11 سنة سجناً مع النفاذ العاجل في حق أربعة موظفين سابقين [مرجع رقم 3].
  • تكييف التهمة: وُجّهت إلى المتهمين تهم ثقيلة تشمل "استيلاء موظف عمومي على منقولات كانت تحت يده بمقتضى وظيفه"، وتكوين وفاق بغاية غسيل الأموال، ومخالفة التراتيب المنظمة لتوزيع الأدوية [مرجع رقم 3].
  • التعويضات والخطايا: ألزمت المحكمة المدانين بدفع خطايا مالية ثقيلة ناهزت 140 ألف دينار تونسي لفائدة الصيدلية المركزية كتعويض عن الأضرار الفادحة التي ألحقتها هذه السرقات بالخزينة العامة ومسالك التوزيع الرسمية [مرجع رقم 3].
2. خيوط شبكة تهريب الأعضاء البشرية بين تونس وتركيا
استناداً إلى المقتضيات الصارمة للقانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته، تصدت المحاكم التونسية لشبكات نزع الأعضاء الدولية:
  • الحكم القضائي: أدانت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس وسيطة تونسية وقضت في حقها بالسجن لمدة 8 سنوات وخطية مالية قدرها 30 ألف دينار [مرجع رقم 4].
  • تفاصيل الجريمة: ثبت تورط المدانة في لعب دور حلقة الوصل لصالح مصحة طبية خاصة في تركيا، حيث تركز نشاطها على استقطاب شبان تونسيين يمرون بضائقة مالية، وإقناعهم بالسفر لنزع وبيع كُلاهم مقابل مبالغ مالية، مع تكفل الشبكة بمصاريف التذاكر والإقامة [مرجع رقم 4].
  • الموقف الحقوقي والرسمي: صنّفت الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص هذه الأفعال كجنايات موصوفة عابرة للحدود، تقوم على الاستغلال الفج لحالة الاستضعاف والمشقة الاقتصادية التي يعيشها الشباب [مرجع رقم 5].

ثالثاً: تفكيك ترسانة الردع (مرسوم المضاربة غير المشروعة عدد 14 لسنة 2022)
يمثل المرسوم الرئاسي عدد 14 لسنة 2022 نقطة تحول جوهرية في المنظومة الجزائية التونسية، حيث نقل المشرّع التونسي بموجبه تهم احتكار المواد الأساسية والحيوية—وفي مقدمتها الأدوية—من مجرد جنح اقتصادية بسيطة إلى مصاف الجنايات الخطيرة التي تهدد الأمن القومي والصحي للبلاد [مرجع رقم 6].
  • العقوبة الأساسية والمشددة: وضع المرسوم عقوبة السجن لمدة 10 سنوات وبخطية مالية قدرها مائة ألف دينار لكل من يرتكب جرائم المضاربة غير المشروعة في المواد الأساسية، وتُشدد العقوبة إلى 20 سنة سجناً وبخطية مالية قدرها مائتا ألف دينار إذا كانت المضاربة تتعلق بمواد حيوية مثل الأدوية والمستلزمات الطبية [مرجع رقم 6].
  • العقوبة القصوى (السجن المؤبد): يرفع المرسوم العقوبة إلى السجن المؤبد وبخطية مالية قدرها خمسمائة ألف دينار إذا ارتكبت الجريمة في ظروف الأزمات الصحية والأوبئة، أو إذا ارتكبت من قبل وفاق إجرامي منظّم أو شبكات تهريب عابرة للحدود [مرجع رقم 6].
  • المصادرة والحرمان: ينص المرسوم على المصادرة الوجوبية لجميع الأدوية والمستلزمات المحجوزة، ووسائل النقل والمعدات المستخدمة في التهريب، مع غلق المحلات أو المخازن المتورطة ومنع المحكوم عليهم من ممارسة أي نشاط تجاري مرتبط بالقطاع مستقبلاً [مرجع رقم 6].

رابعاً: الاستراتيجية الوطنية والرقابة الشعبية (آليات المواجهة والتبليغ)
لا يمكن لترسانة القوانين أن تحقق الردع الكامل ما لم تقترن باستراتيجية ميدانية محكمة تنسق بين أجهزة الدولة، ورقابة مجتمعية نشطة تمكن المواطن من التحول إلى عنصر فاعل في حماية الأمن الصحي والاجتماعي.
1. الاستراتيجية الوطنية التونسية لحماية التوزيع والأشخاص
تعتمد الدولة التونسية خطة مشتركة تجمع بين وزارة الصحة، وزارة الداخلية، ووزارة التجارة لحصار شبكات الاحتكار والاستغلال عبر مسارات دقيقة [مرجع رقم 7]:
  • التأمين الرقمي لمسالك التوزيع: اعتماد منظومات تتبع رقمية لشحنات الأدوية الحيوية والمستوردة منذ لحظة وصولها إلى مخازن الصيدلية المركزية التونسية وحتى تسليمها للمستشفيات العمومية والصيدليات الخاصة.
  • الفرق المشتركة والمداهمات الميدانية: تشكيل فرق رقابية مختلطة (تضم متفقدين بوزارة الصحة، وأعوان المراقبة الاقتصادية، والوحدات الأمنية) للقيام بحملات تفتيشية فجائية على المخازن العشوائية والمناطق الحدودية [مرجع رقم 7].
  • رصد المؤشرات المبكرة للاتجار بالأشخاص: تدريب الوحدات الأمنية بالمطارات والمعابر الحدودية بالتنسيق مع الهيئات الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص لكشف مسارات السفر المشبوهة للشباب المستهدف من قبل السماسرة [مرجع رقم 5].
2. قنوات الرقابة الشعبية وطرق التبليغ الرسمية
أتاحت الدولة التونسية قنوات مباشرة وسرية للمواطنين للإبلاغ عن أي تجاوزات أو شبهات تمس قطاع الدواء أو كرامة الإنسان، وتشمل [مرجع رقم 7]:
  • الرقم الأخضر لوزارة التجارة (80100191): المخصص للإبلاغ الفوري عن مخازن احتكار الأدوية والبيع بأسعار غير قانونية في الأسواق الموازية.
  • موقع "بلغ" (Ballegh): المنصة الرقمية الرسمية التابعة لوزارة الحوكمة ومكافحة الفساد لتلقي شكاوى الفساد الإداري داخل المؤسسات الصحية والصيدليات الحكومية.
  • الخط الساخن للهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص (80105500): لتلقي الإشعارات حول شبكات الاستدراج، والوساطة للسفر المشبوه، وننزع الأعضاء.

الهوامش والتوثيق الرقمي 
  • [مرجع رقم 1] مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان؛ تقرير مفصل حول "بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال" (بروتوكول باليرمو لعام 2000 المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عابرة الحدود).
  • [مرجع رقم 2] منظمة الإنتربول الدولية (INTERPOL)؛ النشرة الرسمية بخصوص "مكافحة الجريمة الصيدلانية والمستحضرات الطبية المزيفة والمهربة عبر الحدود".
  • [مرجع رقم 3] المحكمة الابتدائية بتونس (الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي)؛ منطوق الحكم القضائي الصادر بحق أربعة موظفين سابقين بالصيدلية المركزية التونسية (أحكام سجنية تتراوح بين 6 و11 سنة سجناً، وخطية مالية بقيمة 140 ألف دينار).
  • [مرجع رقم 4] المحكمة الابتدائية بتونس (الدائرة الجنائية)؛ منطوق الحكم القضائي الصادر في شبكة الاتجار بالأعضاء البشرية الناشطة بين تونس وتركيا (حكم بالسجن لمدة 8 سنوات وغرامة مالية بـ 30 ألف دينار ضد وسيطة الشبكة الدولية).
  • [مرجع رقم 5] الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص في تونس؛ التقرير السنوي الصادر عن الهيئة لرصد حالات الاستغلال ونزع الأعضاء البشرية تحت طائلة الحاجة الاقتصادية والخصاصة بموجب القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته.
  • [مرجع رقم 6] الرائد الرسمي للجمهورية التونسية؛ المرسوم الرئاسي عدد 14 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022، المتعلق بمقاومة المضاربة غير المشروعة وعقوباتها المغلظة في قطاع الدواء والمستلزمات الطبية.
  • [مرجع رقم 7] وزارة التجارة وتنمية الصادرات التونسية؛ البلاغات والتقارير الدورية حول نشاط الفرق المشتركة لمراقبة مسالك توزيع المواد الحيوية والأدوية وتفعيل قنوات التبليغ المباشرة للمواطنين

الاتفاق الأمريكي-الإيراني المحتمل: تفكيك "التفاهم الإجرائي" ومناورات حافة الهاوية في الشرق الأوسط بقلم: الناصر خشيني (كاتب ومحلل سياسي تونسي)

 



تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تحول دبلوماسي متسارع بعد جولة من التصعيد العسكري العنيف كادت تعصف بالبنية التحتية الإقليمية. فبعد أسابيع من التهديد والوعيد والتلويح بضربة أمريكية وشيكة تستهدف المنشآت النفطية والحيوية الإيرانية، أطل علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن بصورة دراماتيكية أن "اتفاقاً مبدئياً" قد تم التوصل إليه، وأن وثيقة التفاهم سيتم توقيعها يوم الأحد (14 يونيو 2026) [1.1.1، 1.1.5]. هذا التحول اللامتوقع يفرض علينا تفكيكاً عميقاً للخلفيات، والبنود المسربة، وحقيقة الأرقام المالية المتداولة، لمعرفة ما إذا كنا أمام سلام دائم أم مجرد "تأجيل" مواجهة حتمية في ظل اختلال موازين القوى الإقليمية.
أولاً: دبلوماسية "حافة الهاوية" والوساطة الإقليمية
لم يكن إعلان ترامب وليد رغبة أمريكية مفاجئة في السلام، بل جاء نتاج حسابات استراتيجية معقدة ومخاوف جادة من تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي وخطوط إمداد الطاقة [1.1.4، 1.1.5]. لقد نجحت الوساطة الدبلوماسية المكثفة التي قادتها أطراف إقليمية (أبرزها قطر، باكستان، والإمارات) في نزع فتيل الانفجار الشامل [1.1.1، 1.1.2].
ومع ذلك، فإن هذا الاندفاع البراغماتي الأمريكي قوبل بـ "تحفظ حذر" في طهران؛ حيث تحرص القيادة الإيرانية على عدم إظهار التراجع، معتبرة أن أي اتفاق يجب ألا يمس خطوطها الحمراء المتعلقة بالسيادة الوطنية، وهو ما تجلى في تصريحات الخارجية الإيرانية التي حاولت التخفيف من حدة الاستعجال الأمريكي لتأكيد أن المفاوضات تجري من موقع الندية الإقليمية.
ثانياً: البُعد الجيوسياسي لثروات الطاقة والممرات المائية
لا يمكن قراءة هذا التراجع الأمريكي النسبي بمعزل عن "جيوسياسية النفط والغاز" وحرب الممرات المائية؛ فمضيق هرمز يمثل الشريان الأبهر للاقتصاد الرأسمالي العالمي، حيث يتدفق عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط. إن أي مغامرة عسكرية أمريكية لتدمير المنشآت الإيرانية كانت ستقابل بحظر نفطي واقعي ورد متبادل يشل الملاحة في الخليج وباب المندب، مما يرفع أسعار برميل النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة تضرب الأسواق الغربية في مقتل وتعمق أزمة التضخم العالمية. طهران تدرك جيداً وزن "سلاح الطاقة" وخطوط الإمداد كأوراق ضغط استراتيجية، ونجحت في استخدام جغرافيتها السياسية لفرض التراجع على إدارة ترامب التي ترفع شعار "أمريكا أولاً" وتخشى الانهيارات الاقتصادية الداخلية.
ثالثاً: فرية الـ 300 مليار دولار وسياق التعويضات
ارتبط الإعلان عن الاتفاق بضجيج إعلامي حول بند مالي ضخم يتحدث عن دفع الولايات المتحدة مبلغ 300 مليار دولار لإيران. ومن خلال القراءة المتأنية لمسارات التفاوض، يمكننا تفكيك هذا اللبس وفق الآتي:
  1. النفي الاستعراضي لترامب: سارع ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" إلى نفي دفع أي أموال سائلة من خزينة واشنطن، محاولاً المزايدة على الإدارات الديمقراطية السابقة ومؤكداً أن عهد "الشيكات المفتوحة" قد ولى.
  2. أصل الرقم وسياق إعمار الحرب: إن مبلغ الـ 300 مليار دولار ورد في المسودات المسربة من الجانب الإيراني كـ "سقف تفاوضي" ومطالبة قانونية بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن الحصار والعمليات العسكرية [1.1.6، 1.1.11].
  3. مخرج "الصندوق الدولي" والاستثمارات: القراءة الواقعية تشير إلى أن التسوية لن تشمل نقل أموال مباشرة، بل تتمحور حول تأسيس "صندوق استثماري دولي" لإعادة الإعمار، إلى جانب تسييل تدريجي للأصول الإيرانية المجمدة أصلاً في الخارج (والبدء بالإفراج عن 24 مليار دولار) لتوظيفها في ملفات إنسانية واقتصادية عبر قنوات وسيطة [1.1.10، 1.1.11].
رابعاً: قراءة في البنود الـ 14 المسربة (مذكرة التفاهم الإجرائية)
رغم محاولات الإدارة الأمريكية التشكيك في دقة التفاصيل المسربة لوسائل الإعلام الإيرانية، إلا أن الخطوط العريضة المنشورة تكشف عن ملامح "صفقة إجرائية موقتة" تهدف بالأساس إلى شراء الوقت (هدنة مدتها 60 يوماً) [1.1.1، 1.1.11]. ويمكن تبويب أهم هذه البنود المسربة في أربعة محاور دلالية:
  • المحور العسكري والأمني: وقف شامل لكافة العمليات القتالية على مختلف الجبهات (بما فيها الجبهة اللبنانية)، وإعادة فتح مضيق هرمز فورا للملاحة الدولية، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية خلال 30 يوماً [1.1.4، 1.1.5، 1.1.11].
  • محور السيادة والتموضع الإقليمي: تعهد الولايات المتحدة بالحد من تدخلها في الشؤون الداخلية الإيرانية وتخفيف الحشد العسكري المحيط بالبلاد، وهو ما تعتبره طهران اعترافاً ضمنياً بنفوذها.
  • المحور المالي والاقتصادي: تعليق العقوبات المفروضة على تصدير النفط والبتروكيماويات، والبدء بآلية الإفراج عن الأموال المجمدة على مراحل زمنية مرتبطة بمدى الالتزام بالاتفاق [1.1.5، 1.1.11].
  • الملف النووي وحظر الاستبعاد: الاتفاق أقر هدنة تفاوضية فنية لمدة 60 يوماً للتعامل مع معضلة اليورانيوم عالي التخصيب وآليات الرقابة، مع تأكيد إيران على سلمية برنامجها [1.1.1، 1.1.3]. واللافت هنا هو نجاح طهران في استبعاد برامجها الصاروخية الدفاعية وملفات حلفائها الإقليميين من جدول الأعمال الحالي، مما يعد انتصاراً تكتيكياً لمنطق المقاومة والممانعة الدبلوماسية.
خامساً: الموقف الصهيوني المأزوم ومحاولات التخريب
في المقابل، يتضح للمراقب حجم المأزق الذي يعيشه الكيان الصهيوني؛ حيث ينظر قادة الاحتلال إلى هذا التقارب الأمريكي-الإيراني المفاجئ باعتباره "طعنة في الظهر" وخروجاً عن سيناريو المواجهة الشاملة الذي طالما سعوا لجر واشنطن إليه لتدمير المشروع النووي الإيراني. إن حكومة الاحتلال، التي تجد نفسها اليوم معزولة وتواجه استنزافاً على جبهات متعددة، ترى في تجميد العقوبات النفطية الإيرانية والاعتراف بنفوذ طهران الإقليمي خطراً وجودياً يُنهي أسطورة "الردع الصهيوني". لذلك، تشير التقارير الأمنية إلى أن تل أبيب قد تلجأ خلال فترة الـ 60 يوماً القادمة إلى تنفيذ عمليات اغتيال نوعية، أو هجمات سيبرانية تخريبية داخل إيران، في محاولة يائسة لخلط الأوراق وإفشال توقيع الاتفاق النهائي.
خاتمة واستشراف
إن توقيع هذه المذكرة الإجرائية يوم الأحد لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية الصراع الأمريكي-الإيراني، بل هو انتقال من المواجهة الخشنة إلى "المواجهة الناعمة" فوق طاولات التفاوض. إن الـ 60 يوماً القادمة ستكون محفوفة بالمخاطر؛ فالشيطان كامن في التفاصيل التقنية لتفكيك الترسانة النووية وبقايا الغبار الذري [1.1.3، 1.1.5]، فضلاً عن تحركات الكيان الصهيوني الساعية بكل ثقلها لإجهاض هذا المسار الاستراتيجي. ستبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف مدى قدرة الأطراف على الالتزام بتعهداتها، في منطقة لا تحتمل مغامرات جديدة غير محسوبة العواقب.

الهوامش والمرجعيات:
  1. تقارير ومراسلات القنوات الدبلوماسية القطرية والباكستانية حول "الاتفاق المبدئي" لعام 2026، وكالة أكسيوس الإخبارية، يونيو 2026.
  2. مسودة مذكرة التفاهم المشتركة والبنود الـ 14 المسربة، نشرة وكالة "مهر" للأنباء (طهران)، يونيو 2026.
  3. دونالد ترامب، تصريحات وتدوينات على منصة "Truth Social" حول تفاصيل الاتفاق وإعادة إعمار إيران، واشنطن، يونيو 2026 [1.1.1، 1.1.10].
  4. عباس عراقجي (وزير الخارجية الإيراني)، مؤتمر صحفي حول الخطوط الحمراء الإيرانية ومستقبل العقوبات، طهران، يونيو 2026 [1.1.3، 1.1.4].
  5. تقرير مركز دراسات الطاقة الدولي (CIES) حول أمن الممرات المائية وجيوسياسية مضيق هرمز، لندن، مايو 2026.
  6. تقديرات الموقف الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني (INSS) حول "الخيار العسكري المنفرد ضد إيران وعزلة تل أبيب"، حزيران/يونيو 2026.
  7. الناصر خشيني، التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط، دراسة تحليلة منشورة، مركز الدراسات والبحاث، مايو/يونيو 2026 [1.2.3، 1.3.3].

الغزالي في زمن الحروب الصليبية: الموسوعية الدينية والتحوّل الصوفي ونبذ العقلانية بقلم الناصر خشيني




 الغزالي في زمن الحروب الصليبية: الموسوعية الدينية والتحوّل الصوفي ونبذ العقلانية

دراسة في السياق التاريخي والبنية الفكرية لمشروع الإمام الغزالي
الناصر خشيني — كاتب وباحث في الشؤون الفكرية والسياسية، تونس — يونيو 2026
ملخّص
يتناول هذا المقال مشروعَ الإمام أبي حامد الغزالي (450-505هـ / 1058-1111م) في ضوء سياقه التاريخي المتّسم بصدمة الحروب الصليبية وما أحدثته من ذعرٍ وجودي في الوجدان الإسلامي. ويُحاجج المقال بأن موسوعته الكبرى "إحياء علوم الدين" لم تكن مجرّد مؤلَّف فقهي أو صوفي، بل كانت مشروعًا دفاعيًا شاملًا لحفظ الهوية الحضارية الإسلامية في مواجهة الغزو الخارجي. كما يدرس المقال كتابَه "تهافت الفلاسفة" باعتباره تعبيرًا عن نبذ العقلانية الفلسفية لصالح المعرفة الروحية الإشراقية، ويُحلّل رحلتَه الوجدانية في "المنقذ من الضلال" حيث يُقدّم الغزالي اليقينَ الإلهي الموهوبَ بديلًا عن الدليل العقلي المبحوث. ويخلص المقال إلى أن هذا المسار أسّس لتحوّل فكري عميق في الحضارة الإسلامية جعل التصوّف والدفاعية الدينية يحتلّان مساحةً كانت للفلسفة والعلم.
الكلمات المفتاحية: الغزالي — الحروب الصليبية — إحياء علوم الدين — تهافت الفلاسفة — المنقذ من الضلال — التصوّف الإسلامي — نقد الفلسفة — اليقين الإلهي
أولًا: المشهد التاريخي — العالَم الإسلامي بين فكّي الكماشة
وُلد أبو حامد محمد الغزالي الطوسي عام 450هـ / 1058م في طوس بخراسان، وتوفّي عام 505هـ / 1111م، أي بُعيد سقوط القدس في يد الحملة الصليبية الأولى عام 1099م بما يزيد على اثني عشر عامًا.[1] وقد عاش الغزالي في حقبةٍ بالغة الاضطراب شهدت تداعيَ الدولة العباسية من الداخل وتمزّقَها في الصراع بين الخلافة السنّية في بغداد والخلافة الفاطمية الإسماعيلية في القاهرة، في حين كانت قوى مجهولة النيّة تزحف من الغرب في شكل حملات صليبية.[2]
أسهمت هذه اللحظة في إنتاج ما يمكن تسميته بـ**"الصدمة الهوياتية الكبرى"** في الوعي الإسلامي الكلاسيكي؛ إذ لم يكن الخطر مقتصرًا على الغزو العسكري، بل كان يشمل التهديدَ الثقافي الذي تمثّله الفلسفة اليونانية كما رسّختها ترجمات القرن التاسع الميلادي، والاختراقُ العقدي الذي مثّله الإسماعيليون والباطنيون.[3] وكان على الغزالي أن يواجه هذه التحديات الثلاثة معًا: الهجمةُ العسكرية الصليبية، والفلسفةُ اليونانية التي تُطمس خصوصية الوحي، والمذاهبُ الباطنية التي تُقوّض مرجعية العلماء.
يذهب المؤرّخ مارشال هودجسون إلى أن الغزالي كان يعيش في لحظة قلقٍ حضاري حقيقي، حيث كانت التيارات الفكرية الوافدة تُزعزع اليقينيات الدينية الراسخة وتفتح أبواب الشك في كلّ ما هو مقدّس.[4] وفي هذا السياق بالذات جاء مشروع الغزالي الفكري ليكون ردّ فعلٍ حضاريًا شاملًا، لا مجرّد إنتاجٍ أكاديمي متأمّل.
ثانيًا: "إحياء علوم الدين" — الموسوعة الدفاعية أو صون الهوية في مواجهة الغازي
ألّف الغزالي "إحياء علوم الدين" في أربعة أرباع تضمّ أربعين كتابًا، وقد فرغ منه نحو عام 1096م في خضمّ الحروب الصليبية الأولى.[5] ويُمثّل هذا العمل الموسوعي في جوهره مشروعَ إعادة تنظيم شامل للمعرفة الإسلامية، بما يضمن بقاءها وتماسكها في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.
وقد حدّد الغزالي في مقدّمة الكتاب غرضَه الجوهري بوضوح: إحياءُ العلوم الدينية التي أصابها الوهن بفعل انتشار علوم الجدل والكلام وتغلغل الفلسفة في عقول الخاصة، مما أفرز فجوةً بين العلماء والعوامّ وأضعف الوظيفة التربوية للدين.[6] فالكتاب ليس موسوعةً في الفقه وحسب، ولا في التصوّف وحده، بل هو محاولة تركيبية لوصل الشريعة بالتربية الروحية والأخلاق الفردية.
ولعلّ ما يُضيء الطابعَ الدفاعي لهذا العمل أنه جاء ليُوفّر للمجتمع الإسلامي مرجعيةً داخلية ذاتيةً تُغنيه عن اللجوء إلى التراث الفلسفي اليوناني أو الإشكاليات الكلامية المُقلَّدة. يقول المستشرق ونجيت مونتغمري وات إن الغزالي بنى مشروعه الإحيائي بوعيٍ كامل بوجود خطر على الهويّة الإسلامية، وأن ما قدّمه لم يكن استسلامًا للتصوّف بل تطويعًا له في خدمة الشريعة والمجتمع.[7]
يرى فضل الرحمن أن الغزالي في "الإحياء" أحكم مزجَ الفقه بعلم النفس الأخلاقي والمقامات الصوفية، مما جعل المؤلَّف يعمل على مستويات متعدّدة في آنٍ واحد: فهو للفقيه كتابُ أحكام، وللزاهد كتابُ سلوك، وللعامّي دليلُ حياة.[8] وفي هذا تجلّت عبقريةُ الغزالي في فهم الحاجة إلى توحيد المرجعية في زمن التشظّي والخطر.
ثالثًا: "تهافت الفلاسفة" — نبذ العقلانية أم تأسيس لعقلانية بديلة؟
ألّف الغزالي "تهافت الفلاسفة" (485هـ / 1095م) في بغداد حين كان يشغل كرسيّ التدريس في المدرسة النظامية، في اللحظة عينها التي كانت الحملة الصليبية الأولى تشقّ طريقها نحو الشام.[9] وكان المشروعُ الفلسفي الإسلامي قد بلغ ذروته في أعمال الفارابي وابن سينا، وصار يُشكّل تحدّيًا جدّيًا للسلطة الدينية والعقلية التفسيرية للفقهاء.
ووجّه الغزالي في "التهافت" عشرين انتقادًا للفلاسفة، أعلن فيها التكفيرَ عن ثلاث مسائل جوهرية: القولُ بقِدَم العالم، وإنكارُ علم الله بالجزئيات، وإنكارُ البعث الجسماني.[10] غير أن الأمر لا يُختزل في التكفير؛ فالغزالي كان يُدرك الفلسفةَ ويُتقنها ويُفرّق بين فروعها، وقد صرّح بأن المنطق والرياضيات والطبيعيات لا إشكال فيها، بل أبدى إعجابَه ببعض جوانب الفلسفة.[11]
بيد أن النقطة المحورية في موقف الغزالي هي رفضُ مزاحمة العقل الفلسفي للوحي في الميدان الذي يختصّ به الوحي، وهو معرفةُ الله وأسماؤه وأفعاله والغاية من الوجود الإنساني. يقول أوليفر ليمان إن الغزالي لم يرفض الفلسفة بالمطلق، بل رفض ادّعاءات الفلاسفة في تجاوز حدودهم المنهجية والتكلّم فيما لا تُصلح أدواتُهم للكلام فيه.[12]
ومن منظور التاريخ الحضاري، جاء "التهافت" ليُحصّن الفضاء الفكري الإسلامي من هيمنة نموذج معرفي وافد قد يُفضي إلى تفريغ الدين من محتواه التعبّدي والروحي. وقد أعاد ابن رشد الردّ عليه في "تهافت التهافت" بما أحيا الجدل المنهجي، غير أن الأثرَ الثقافي الأعمق كان للغزالي لا لابن رشد، إذ انتشر "الإحياء" في المشرق والمغرب واحتلّ مكانةً لم يبلغها أيّ مؤلَّف فلسفي.[13]
رابعًا: "المنقذ من الضلال" — رحلة الشكّ ونور الله المُلقى في الصدر
يُعدّ "المنقذ من الضلال" (نحو 499هـ / 1106م) من أندر ما كتبه الغزالي، إذ هو أقرب إلى السيرة الفكرية والروحية الذاتية منه إلى المؤلَّف العلمي. وفيه يُحدّثنا الغزالي عن أزمته الوجودية التي استغرقت نحو شهرين أو أكثر أصابه فيها عجزٌ عن اليقين وانهيارٌ في القدرة على الكلام والتدريس.[14]
بدأ الغزالي شكّه من الحواسّ والعقل معًا، إذ رأى أن الحواسّ تُخطئ وأن العقل يُفنّد أحكامها، لكنّه لا يأمن هو الآخر من التناقض والوهم. وهنا يُوصف الغزالي بأنه سبق ديكارت في منهج الشكّ المنهجي بقرون، وإن اختلفت الغاية جذريًا.[15] فقد أدرك الغزالي أن العقل لا يُزيل الشكّ من الشكّ، وأن اليقين الحقّ لا يأتي بالبرهان فحسب.
والنقطة المركزية في فلسفة الغزالي المعرفية تكمن في ما يُسمّيه "النور الذي قذفه الله في الصدر"، وهو ما جاء في معرض وصفه للخروج من أزمة الشكّ في "المنقذ". يقول الغزالي: "ثمّ إن الله تعالى شفاني من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، وعادت الضروريات العقلية مقبولةً موثوقًا بها... وذلك ليس بترتيب دليل وتأليف كلام بل بنورٍ قذفه الله تعالى في صدري."[16]
يُقدّم هذا التصوّر قطيعةً جوهرية مع نموذج المعرفة الفلسفي؛ إذ إن اليقين الغزالي ليس مُكتسبًا بالجهد الاستدلالي بل مَوهوبٌ من الله بوصفه نعمةً خاصة تمرّ عبر القلب المُصفّى. وهذا ما يجعل الغزالي يلتقي بالتيار الصوفي الكبير القائل بأن "القلب" — لا "الرأس" — هو أداة المعرفة الحقيقية.[17]
وقد رأى المستشرق ريتشارد مكارثي في "المنقذ" وثيقةً فريدة في تاريخ الفكر الإنساني تُجمع فيها أبعاد نادرة: السيرةُ الذاتية، والنقدُ المنهجي للمعرفة، والتجربةُ الصوفية، والدفاعيةُ الدينية في نسيجٍ واحد متماسك.[18]
خامسًا: التحوّل الصوفي — الزهد في مواجهة الحضارة المادية للصليبيين
اعتزل الغزالي كرسيَّ التدريس في بغداد عام 488هـ / 1095م، وهي السنة عينها التي أعلن فيها البابا أوربانوس الثاني الحملةَ الصليبية الأولى في كليرمون. وقد قضى سنواتٍ في التجوّال بين الشام والحجاز وخراسان.[19]
إن الزهدَ الغزالي لم يكن نكوصًا عن الدنيا بقدر ما كان تأسيسًا لنموذج بديل للقيم. فالأندلس والمشرق الإسلامي كانا يعيشان ثروةً حضارية ضخمة، في حين كانت أوروبا الصليبية تنظر إلى بيت المقدس من منظور أشدّ تركيزًا على الزهد الديني والنعيم الأخروي المُبتغى بالجهاد. ولذا فإن توجيه المسلم نحو الزهد والمحبة الإلهية بدلًا من الانجرار إلى الفلسفة أو الترف كان يُعيد رسمَ خريطة القيم الإسلامية من الداخل.[20]
ويصف الغزالي في "الإحياء" التصوّفَ بأنه ليس قطيعةً مع الشريعة بل استيعابًا لها وتجاوزًا لصورتها الجافّة نحو روحها الحيّة. وهو يُفرّق تفريقًا دقيقًا بين العلم كمعلومة مخزّنة في الذاكرة، والعلم كنورٍ يُضيء الوجدان ويُحرّك الإرادة، معتبرًا الثاني وحده هو العلم النافع.[21]
سادسًا: أثرُ الغزالي في مسار الحضارة الإسلامية — التوطيد أم التحجيم؟
ظلّت شخصية الغزالي وإرثُه موضعَ جدلٍ لا يخمد بين الباحثين والمفكّرين العرب والمستشرقين على حدٍّ سواء. فثمّة فريقٌ يُحمّله مسؤولية تراجع الفلسفة والعلم في الحضارة الإسلامية، وفريقٌ آخر يراه مُجدّدًا أنقذ الهويّةَ الروحية للإسلام من الذوبان في الأفلاطونية المحدثة.[22]
يرى المفكّر محمد إقبال أن الغزالي هو أبرز تعبيرٍ عن الوجدان الإسلامي الراسخ في الخبرة الباطنية، وأن تأثيره الهائل يكشف عن حاجة عميقة في الذات الجمعية الإسلامية لنموذج يُوازن بين الشريعة والتجربة الروحية.[23] في المقابل يرى المؤرّخ جورج مقدسي أن الغزالي أسهم في تعزيز نفوذ مؤسسة الفقه على حساب الفلسفة، مما أفضى إلى تضييق فضاء البحث الحرّ.[24]
غير أن قراءةً تاريخية منصفة تُلزمنا بالإقرار بأن الغزالي لم يُلغِ العقل، بل أعاد صياغة دوره ضمن هرميّة معرفية وضع الكشفَ الروحاني في قمّتها. وهذا الاختيار يمكن تفهّمه حين ندرك أنه جاء في لحظة شعر فيها المسلمون بأن الهويّة الحضارية ذاتها في خطر، فكان الاحتماء بالمنظومة الروحية أشدّ إلحاحًا من رعاية فلسفة قد يبدو أثرها غير مُجدٍ في مواجهة الغزو الصليبي.[25]
خاتمة: الغزالي ودرس التاريخ
يكشف مشروع الإمام الغزالي الفكري في مجمله عن ظاهرةٍ حضارية بالغة الدلالة: حين يشعر المجتمع بأن هويّته الوجودية مُهدَّدة من الخارج، فإنه يميل إلى توطيد البنى الداخلية المُعرِّفة للذات على حساب الانفتاح النقدي على الآخر. وقد جسّد الغزالي هذا التوجّه بعبقريةٍ نادرة: فأعاد تأطير المعرفة الإسلامية في "الإحياء"، وأقام جدارًا دفاعيًا أمام الفلسفة في "التهافت"، وأسّس لنظرية معرفية تقوم على الهبة الإلهية لا الكسب البرهاني في "المنقذ"، ثم وضع كلّ ذلك في إطار صوفي زهدي يُرسّخ البُعد الروحاني للحضارة الإسلامية في مواجهة إغراء المادية والقوة الصليبية.
ومن منظور نقدي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل أنقذ الغزالي الهويّة الإسلامية من الذوبان فأدّى وظيفة حضارية ضرورية في زمانه؟ أم أنه رسّخ نموذجًا معرفيًا أطال مسافةَ المسلمين من العقلانية النقدية فأثقل تاريخهم اللاحق؟ إن الإجابةَ عن هذا السؤال لن تصدر عن الغزالي وحده، بل عن كلّ جيلٍ يُقرأ فيه التراثُ قراءةً تنظر إلى الماضي بعيونٍ واعيةٍ بمتطلّبات الحاضر.
الهوامش والمصادر
[1] ابن خلّكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، بيروت: دار صادر، 1971، ج4، ص216-217.
[2] Claude Cahen, Orient et Occident au temps des Croisades, Paris: Aubier, 1983, pp. 23-47.
[3] Carole Hillenbrand, The Crusades: Islamic Perspectives, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999, pp. 30-56.
[4] Marshall G. S. Hodgson, The Venture of Islam, Chicago: University of Chicago Press, 1974, vol. 2, pp. 181-188.
[5] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، تحقيق بديع السيد اللحام، دمشق: دار الفكر، 2008، ج1، مقدمة المحقق، ص5-12.
[6] المرجع السابق، ج1، ص3.
[7] W. Montgomery Watt, Muslim Intellectual: A Study of Al-Ghazali, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1963, pp. 143-160.
[8] Fazlur Rahman, Islam, Chicago: University of Chicago Press, 2nd ed., 1979, pp. 96-99.
[9] أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، القاهرة: دار المعارف، 1961، مقدمة المحقق، ص5-20.
[10] المرجع السابق، ص42-65.
[11] المرجع السابق، ص23-26.
[12] Oliver Leaman, An Introduction to Classical Islamic Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, 2nd ed., 2002, pp. 42-60.
[13] Averroes (Ibn Rushd), Tahafut Al-Tahafut, trans. Simon Van Den Bergh, London: Luzac, 1954, Introduction, pp. xv-xxiii.
[14] أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق جميل صليبا وكامل عياد، بيروت: دار الأندلس، 1981، ص10-18.
[15] Avital Wohlman, Al-Ghazali, Averroès et l'Usage de la Philosophie, Paris: Cerf, 2008, pp. 55-73.
[16] الغزالي، المنقذ من الضلال، مرجع سابق، ص34.
[17] محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم، الكويت: دار القلم، 1971، ص44-48.
[18] Richard J. McCarthy, Freedom and Fulfillment, Boston: Twayne, 1980, Introduction, pp. xiii-xxix.
[19] Jonathan Phillips, The Second Crusade, New Haven: Yale University Press, 2007, pp. 10-13.
[20] Karen Armstrong, Holy War, New York: Anchor Books, 2nd ed., 2001, pp. 158-175.
[21] الغزالي، إحياء علوم الدين، مرجع سابق، ج1، ص8-9.
[22] محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي — تكوين العقل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط8، 2009، ص279-310.
[23] Muhammad Iqbal, The Reconstruction of Religious Thought in Islam, Lahore: Institute of Islamic Culture, 1986, pp. 4-9.
[24] George Makdisi, The Rise of Colleges, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1981, pp. 77-102.
[25] فيصل بدير عون، الغزالي ودوره في تشكيل العقلية الإسلامية، الكويت: مجلة عالم الفكر، مج23، ع3-4، 1993، ص47-79.



 

الجمعة، 12 يونيو 2026

الاستسلام الأمريكي الكبير: إيران ترسم ملامح العالم الجديد- بقلم: الناصر خشيني




تتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط لترسم ملامح نظام عالمي جديد، لم تعد فيه الولايات المتحدة تلك القوة التي تملي شروطها دون رادع. اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهد كان بالأمس القريب ضرباً من الخيال: واشنطن، بكل ثقلها العسكري والدبلوماسي، تبدو وكأنها ترفع “الراية البيضاء” أمام الثبات الإيراني، لتقبل بالشروط التي وضعتها طهران لإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية.

سقوط الهيمنة وتراجع القطبية

إن قبول أمريكا بالشروط الإيرانية ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل هو اعتراف ضمني بفشل سياسة “الضغوط القصوى” وانحسار القدرة الأمريكية على التأثير المباشر. هذا الاستسلام المعلن يؤسس لتحولات جيوستراتيجية عميقة؛ فكل خطوة تتراجعها واشنطن، تتقدم في مقابلها قوى صاعدة تتربص بكرسي القيادة العالمية، مما يعلن رسمياً نهاية “القرن الأمريكي” وبداية عصر التعددية القطبية، حيث تبرز الصين كبديل اقتصادي وضامن سياسي، وتتقدم روسيا كلاعب عسكري واستراتيجي لا يمكن تجاوزه.

تصدع “عرش الدولار” وحرب العملات

ولم يكن هذا الاستسلام سياسياً فحسب، بل هو اعتراف بتآكل أقوى أسلحة واشنطن: “سلاح العقوبات المالية”. لقد أثبتت طهران، مدعومةً بحلفاء استراتيجيين، أن الهيمنة الأحادية للدولار بدأت بالانهيار. نشهد اليوم تحولاً جذرياً حيث باتت إيران وروسيا والصين تدير تجارتها البينية بالعملات المحلية (الريال، الروبل، واليوان)، متجاوزةً نظام “سويفت” الذي طالما استُخدم كمقصلة اقتصادية ضد الشعوب المتمردة. هذا المسار في “إلغاء الدولرة” (De-dollarization) يسحب البساط من تحت أقدام الاقتصاد الأمريكي القائم على الديون المطبوعة، ويمنع واشنطن من تصدير تضخمها للعالم، ويسقط “بترودولار” الشرق الأوسط، مما ينهي عصر الابتزاز المالي الدولي.

التمدد الإيراني وانكفاء “إسرائيل”

على الصعيد الإقليمي، يفتح هذا الاستسلام الباب على مصراعيه لتمدد إيراني غير مسبوق كقوة إقليمية مهيمنة صمدت لعقود تحت الحصار. هذا المشهد يضع مشروع “إسرائيل” في مأزق وجودي؛ فمع انكفاء الدعم الأمريكي المطلق وانشغال واشنطن بأزماتها الداخلية، يجد الكيان الصهيوني نفسه أمام عزلة جغرافية وسياسية. إن القوة العسكرية للكيان لا يمكنها الصمود طويلاً دون الشريان المالي والسياسي الأمريكي الذي بدأ يضيق، مما يعزز فرضية انكفائه التام، وربما بداية مسار زواله التاريخي مع تغير موازين القوى الردعية في المنطقة.

خلاصة القول

نحن أمام زلزال جيوستراتيجي أعيدت فيه كتابة التاريخ بمداد إيراني وصبر استراتيجي. إن قبول واشنطن بالشروط الإيرانية هو المسمار الأخير في نعش القطبية الواحدة، وإعلان عن ولادة نظام عالمي جديد تتوزع فيه الثروة والقرار بين أقطاب تحترم سيادة الدول، وتتعامل بعملات تعكس القيمة الحقيقية للإنتاج لا سطوة الأساطيل؛ لتكتفي أمريكا بدور المتفرج بعد أن كانت المخرج والمنتج.

 

 

​"بين صفاء الوحي وزيف الفتاوى: معركة تحرير الدين من قيد التراث وسلطة السلطان بقلم الناصر خشيني

 



​مقدمة: معضلة الغربلة في عصر الرقمنة

​حينما نلتفت بالقراءة والتحليل إلى تراثنا الفكري، نجد أنفسنا أمام مزيج معقد يختلط فيه الغث بالسمين، والصالح بالطالح، إلى حدٍّ جعل من عملية تنقيته وغربلته مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر. وتكمن هذه الصعوبة في كون هذا التراث قد تحول عبر القرون إلى ركيزة بنيت عليها سياسات، وثقافات، واقتصادات، وعادات اجتماعية ترسخت في الوجدان الجمعي بوثوقية تامة. إن زحزحة هذا السائد تتطلب جهداً جهيداً، إلا أن الأمل يظل قائماً في عصرنا الراهن؛ إذ تتيح الثورة الرقمية والتسارع الآلي للمعلومات أدواتٍ تخفف العبء عن كاهل المفكرين والواعين بحقائق الأشياء.

​وفي المقابل، يصطدم هذا الجهد التنويري بمقاومة شرسة من "تجار الدين" الذين يستميتون للإبقاء على الوضع القائم حمايةً لامتيازاتهم ومكانتهم الدينية والاجتماعية والمالية. ومن هنا تندلع المعركة حامية الوطيس، لكون هؤلاء يمتلكون أذرعاً قوية من مال وإعلام وسلطة ونفوذ جماهيري. ورغم ضراوة المواجهة، فإن الذود عن مستقبل الأمة يظل واجباً مقدساً يتطلب رباطة جأش؛ لإنهاء المهزلة التاريخية التي استسلمت لمقولة "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، ولنفض الغبار عن الخزعبلات والأباطيل التي لا يمكن لعقل سوي أن ينسبها إلى جوهر الدين.

​حدود المقدس والمدنس في النتاج البشري

​إن التراث الإسلامي يحمل -بلا شك- جوانب إيجابية ملهمة تشكل أرضية صلبة للبناء والتقدم، على غرار ما فعلته المجتمعات الغربية حين انطلقت من الفكر الإغريقي والروماني، وأخذت من إبداعات الحضارة الإسلامية لتبني نهضتها الحديثة. بيد أن الخطأ الجسيم الذي وقعنا فيه يكمن في خلطنا بين الدين والتراث؛ حيث توهمنا أن الإنتاج الفكري البشري المعبر عن ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية معينة هو جزء من المقدس المعصوم.

​إن المقدس الحق هو الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم، والذي استند إليه الأقدمون لصياغة رؤاهم بشريةِ الطابع؛ فنشأ الفقه، والتفسير، والحديث، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والتصوف، وعلوم اللغة، والفنون المعمارية. وكل هذه العلوم والآداب هي صياغات بشرية محكومة ببيئتها وزمانها وليست ديناً في حد ذاتها. إن تقديس هذا النتاج البشري "المدنس" (بمعنى الدنيوي الخاضع للخطأ والصواب) يجعلنا سجناء للماضي وعاجزين عن الإبداع. لذا، يفرض الواجب العلمي المعاصر تجاوز هذه الأطر التقليدية، وصناعة ثقافة دينية تواكب التطور العلمي الرهيب في العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق، مستلهمةً من الوحي الثابت، لتتحرر عقولنا من أسر الماضي ومن الانبهار التام بالغرب وقيمه في آنٍ واحد، مستندين إلى المضمون العقلي الذي يزخر به القرآن الكريم.

​"حوانيت" الفتاوى وتسييس الخطاب الديني

​شهد الوطن العربي طفرة مذهلة في انتشار الفتاوى الدينية وصلت حد الابتذال، وتصدى لها من ليس أهلاً للإفتاء. وقد عمدت عدة أنظمة سياسية إلى تدشين مراكز إفتاء رسمية تهدف إلى تطويع الدين ليتناغم مع سياساتها العامة وإن كانت جائرة. إن الأصل في الفتوى أن تنبثق من القرآن الكريم ثم من السنة النبوية الشريفة الصائبة بجوامع الكلم، والتي تلزم المسلم متى صحت، امتثالاً لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}. وقد سار على هذا النهج فقهاء الصحابة والتابعين في مختلف الأمصار كما وثقهم الإمام ابن حزم في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام".

​بيد أن الواقع المعاصر شهد انحرافاً صريحاً عن هذا الإجماع؛ فبينما استقر في الأذهان تاريخياً أن المؤسسات العلمية العريقة كالأزهر في مصر والزيتونة في تونس هي المرجع الشرعي، تدخلت المصالح السياسية والمالية لتستبدل هذه المنارات بمؤسسات ورموز موجهة لخدمة أجندات معينة:

  • ​النموذج القطري: توظيف الوفرة المالية لإبراز يوسف القرضاوي عبر المنصات الإعلامية (كالجزيرة) وتأسيس "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" لخدمة أجندات سياسية تهدف لتفتيت الأمة وإثارة الفتن، وصياغة فتاوى تبيح الفوضى والقتل في عواصم عربية كطرابلس ودمشق، في مقابل صمت مريب عن الدعوة للجهاد الحقيقي في فلسطين، وتواتر شهادات (كشهادة طليقته أسماء بن قادة) حول علاقاته ومصالحه المادية، وصمته عن القواعد العسكرية الأجنبية التي دمرت العراق.
  • ​النموذج السعودي: تأسيس هيئة الإفتاء العامة ورابطة العالم الإسلامي بمكة لتوظيف المكان والتأثير في النفوس، ونشر المذهب الوهابي كبديل للدين الحق، لخدمة حكام يفتقرون للحد الأدنى من الكفاءة العلمية أو اللغوية، وتقديم نموذج مشوه للإسلام بريء منه ومن تصرفاتهم التاريخية (كمواجهة المد القومي التحرري لعبد الناصر في اليمن ودعم الرجعية).
  • ​النموذج التونسي بعد الثورة: استبعاد العلماء المؤهلين علمياً وعقلياً، وإفساح المجال لغير المختصين لاعتلاء منصات الإفتاء؛ ليمارسوا التسطيح والابتذال الفكري عبر فتاوى هامشية (كتعدد الزوجات، وتحريم عصيدة الزقوقو في المولد، ومنع سفر المرأة دون محرم)، بهدف إلهاء الشعب عن قضاياه الجوهرية كالوضع الاقتصادي المتردي والبطالة، وإفراغ الثورة من مضامينها التحررية.

​ومن هنا، يجب تحذير الشباب العربي من "حوانيت المتاجرة بالدين" التي تدر الملايين على أصحابها، وتغلف الفتاوى السياسية المسمومة بغلاف شرعي؛ تشرعن القتل في سوريا وليبيا وتصمت صمت القبور عن فلسطين المحتلة.

​الفتاوى السلطانية: جذور تاريخية وأثمان دموية

​إن توظيف الدين لخدمة الأغراض السياسية ليس بدعاً مستحدثاً، بل تمتد جذوره إلى زمن "الفتنة الكبرى" وانحياز بعض الصحابة (كعمرو بن العاص وأبو هريرة) لمعاوية بن أبي سفيان في مواجهة علي بن أبي طالب، ووصول الخلاف السياسي إلى تبادل الاتهامات حتى بين الفريق الواحد (كخلاف علي وابن عباس حول بيت المال ودماء المسلمين). وتوالت بعد ذلك الفرق الإسلامية التي استغلت الدين قهراً للخصوم وانتصاراً للمذهب، ورغم ذلك لم تجنِ تلك الفرق سوى الخسارات الفادحة عبر الخصومات الدموية.

​أما أئمة الفقه الأربعة المشهورين لدى أهل السنة والجماعة، فقد نالوا مكانتهم المرموقة واستمر فقههم لأنهم رفضوا أن يكونوا وعاظاً للسلاطين، وتحملوا في سبيل ذلك السجن والتعذيب والمضايقة، فكانوا تعبيراً حقيقياً عن نبض الأمة.

​أما اليوم، فقد غدا فقهاء السلطان يسوقون النفاق تحت عنوان "طاعة أولي الأمر" لتمجيد حكام يفتقدون لأبسط مقومات القيادة، ضاربين بعرض الحائط الوعيد الإلهي في سورة التوبة: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ... أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ...}. إن ثمن هذه الفتاوى السلطانية كان باهظاً ومدمراً؛ إذ أودت بحياة مئات الآلاف في ليبيا، والعراق، وأفغانستان، وسوريا، وشرعنت استدعاء قوات "الناتو"، في مقابل حيازة هؤلاء المفتين للقصور والسيارات الفخمة والثروات المليارية، بينما يُستبعد العلماء النزهاء. ونسي هؤلاء المشايخ مفهوم التجارة الرابحة الحقيقية التي دعت إليها سورة الصف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ...}. ورغم قتامة المشهد، لا يخلو الواقع من علماء صادقين يصدعون بالحق ويكشفون زيف وعاظ السلاطين.

​مظاهر الإضافات والبدع الدخيلة على الدين

​إن دراسة الدين دراسة علمية أكاديمية تكشف حجم الزوائد والعادات البالية التي أضيفت إليه عبر القرون نتيجة الجهل، أو الرغبة السياسية، أو العوامل الوراثية، حتى باتت هذه التراكمات تناقض مبادئ الإسلام الأساسية. ولتخليص الدين وجعله صافياً مستساغاً يقبله العقل السليم، لا بد من رصد هذه المظاهر وتجنبها:

  1. ​في العقيدة والتوحيد: أتى الإسلام بالتوحيد الخالص ونبذ الشرك والوساطة بين الخالق والمخلوق؛ لذا فإن سلوكيات طلب البركة من الأولياء والصالحين، وتقديم النذور والقرابين وإقامة المهرجانات حول أضرحتهم، تعد خروجاً عن أصل التوحيد. كما تظهر الإضافات السياسية في عقيدة الإمامة عند الشيعة، ومفهوم "ولاية الفقيه" الذي يصادر حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم، مدعياً "التفويض الإلهي"، وكذلك الحركات المتطرفة التي تتبنى الحاكمية المطلقة وتكفر المخالفين لتوظيف الدين دنيوياً.
  2. ​في العبادات والشعائر: يبرز الخلل في تقديم السنن والمندوبات على الفرائض والواجبات؛ كالمبالغة في الإنفاق على طقوس الختان (وهو سنة) وإهمال فريضة الحج، أو تحويل المناسبات الدينية كالأعياد وشهر رمضان إلى مواسم للاستهلاك والتفاخر بالأطعمة والموائد، على حساب جوهر العبادة والتقوى.
  3. ​في العادات والتقاليد (المآتم والأعراس): تبرز البدع الدخيلة في ممارسات الموت؛ كإقامة الأربعينيات والسنويات، وتحويل المقابر إلى ساحات لطقوس غريبة يشترك فيها بعض القراء والمشايخ بغرض التكسب. وكذلك الحال في طقوس الزواج والتعقيدات الاحتفالية والهرج التي تعسر الزواج وتجعله حكراً على الأغنياء، مما يفسد المجتمع ويبعده عن قيم العفة والتيسير.

​خاتمة

​إن مواجهة هذه العادات التي تحولت إلى "سلطة قوية" تكبل وعي المجتمعات هي معركة الوعي الحقيقية، حتى لا يستبدل المسلمون جوهر دينهم النقي بدين بديل، غريب وممسوخ، وحتى يظل الإسلام كحقيقته الموضوعية ديناً عالمياً يحقق الأمن والطمأنينة للبشرية جمعاء.

​مراجع المقال (مستندة إلى المتن):

  1. ​القرآن الكريم:
    • ​سورة الحشر، الآية 7.
    • ​سورة النساء، الآية 59.
    • ​سورة التوبة، الآية 24.
    • ​سورة الصف، الآيات 10-13.
  2. ​ابن حزم الأندلسي: كتاب "الإحكام في أصول الأحكام"، الجزء الخامس، الباب الثامن والعشرون (في ذكر الصحابة والتابعين المفتين في الأمصار).
  3. ​التوثيق الفكري والتاريخي: رصد المذاهب والمدارس الفقهية (الفقهاء الأربعة لأهل السنة، ومذهب الشيعة الإمامية ونظرية ولاية الفقيه، والفكر الوهابي)، والشهادات التاريخية المعاصرة

الخميس، 11 يونيو 2026

التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط: بقلم الناصر خشيني

 


التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط:
لن تُحلَّ العقدة إلا بعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه
الناصر خشيني
كاتب وصحفي ومحلل سياسي - نابل، تونس | مؤسس "الحرية أولاً"
مدخل: جذر الأزمة
لا يمكن فهم التصعيد الأمريكي-الإيراني المتجدد في منطقة الشرق الأوسط، ولا استيعاب تشعّبات الحروب والمحاصرات التي اجتاحت دوله من العراق إلى سوريا ومن ليبيا إلى اليمن، دون الرجوع إلى الجرح الأصلي الذي لم يُضمَّد منذ أكثر من سبعة عقود: الجرح الفلسطيني. فمنذ اليوم الأول لإعلان قيام الكيان الصهيوني في مايو 1948، والمنطقة تعيش على فوهة بركان لا يهدأ، وكل محاولة لمعالجة الأعراض دون معالجة العلّة الأصلية لم تُنتج سوى مزيد من الاحتراق والدماء.¹
يطرح هذا المقال مقاربةً تحليليةً تربط التصعيد الأمريكي-الإيراني الراهن بمحوره الحقيقي، وهو ضمان بقاء الكيان الصهيوني وحمايته على حساب حقوق الشعوب العربية ومصالحها الاستراتيجية، معتمداً على قراءة تاريخية وجيوسياسية متكاملة، تتتبع المسار الدموي لتدخلات واشنطن في المشرق العربي وشمال أفريقيا منذ عام 2003 حتى اليوم.²
أولاً: القضية الفلسطينية جوهر الصراع لا هامشه
يُصرّ المنطق الغربي والصهيوني على تصوير التوترات الإقليمية بوصفها صراعات دينية-مذهبية أو صراعات نفوذ إقليمي بين قوى متنافسة، وكل ذلك في سياق ذرّ الرماد في العيون وصرف الأنظار عن المعادلة الجوهرية: أن هذه المنطقة لن تعرف استقراراً حقيقياً طالما بقيت أرض فلسطين محتلة، وطالما ظلّ الشعب الفلسطيني شريداً مهجَّراً في مخيمات البؤس واللجوء.³
منذ نكبة عام 1948، وقعت حروب كبرى متعاقبة: حرب 1956، وحرب يونيو 1967 التي ابتلعت الضفة والقطاع وسيناء والجولان، وحرب أكتوبر 1973، والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، ثم الانتفاضتان الشعبيتان، وسلسلة الحروب على غزة من 2008 وحتى الإبادة الجماعية المتواصلة منذ أكتوبر 2023. هذا التسلسل ليس عرضياً، بل هو نتاج منطقي لوجود جسم غريب زُرع قسراً في القلب العربي دون موافقة أصحاب الأرض.⁴
والمعادلة بسيطة ومُرّة في آنٍ واحد: لا استقرار في المنطقة دون حل القضية الفلسطينية، ولا حل للقضية الفلسطينية دون عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه وإزالة الاحتلال، فكل ما عدا ذلك ليس سوى إدارة للأزمة وتدوير لها، لا علاج لها.⁵
ثانياً: أمريكا حارسة الكيان ومحرّكة التدمير
2-1: العراق.. أول الدروب
كانت حرب عام 2003 على العراق هي الفصل الأكثر جرأةً وفجاجةً في مشروع تدمير المنطقة بذريعة حماية الكيان الصهيوني. فالعراق الذي كان يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، وجيشاً وقدرات مؤسسية وعلمية لافتة، كان يُمثّل ثقلاً موازناً حقيقياً في المعادلة الإقليمية. أفضى الغزو الأمريكي إلى تدمير الدولة، وحلّ الجيش، وتفكيك المؤسسات، ثم فتح الباب واسعاً أمام الفوضى الطائفية والإرهاب المُصنَّع الذي استُخدم ذريعةً لتبرير الاحتلال الممتد.⁶
ولم يتوقف الأمر عند الغزو العسكري، بل امتد إلى حصار اقتصادي خانق سبقه منذ عام 1990 وتلاه، أودى بحياة مئات الآلاف من الأطفال وفقاً لتقارير الأمم المتحدة ذاتها. والعراق اليوم، رغم مرور عشرين سنة على الغزو، لا يزال يرزح تحت وطأة الانقسام والهشاشة المؤسسية والنفوذ الأجنبي المتشعّب.⁷
2-2: سوريا.. حرب الوكالة ومشروع التفتيت
لم تُدمَّر سوريا بجيوش أمريكية مباشرة بالضرورة، لكن واشنطن ضخّت عشرات المليارات من الدولارات في دعم الجماعات المسلحة وتنظيم شبكات التسليح عبر الأراضي التركية والأردنية، وأسبغت على ذلك غطاء خطاب «دعم الثورة الشعبية». والنتيجة التي رأيناها هي: دولة مهشّمة، وملايين من المهجّرين، وبنية تحتية دُمِّرت تدميراً منهجياً، وفوق كل ذلك حصار اقتصادي قاتل يُكرَّس عبر قانون قيصر الأمريكي الذي يستهدف الشعب السوري في رزقه وغذائه ودوائه.⁸
والهدف الاستراتيجي من وراء كل ذلك ليس خافياً: إزاحة الدولة السورية من معادلة محور المقاومة، وتأمين الجبهة الشمالية لإسرائيل، وتحقيق حلم التفتيت الذي طالما رسمه المخططون الأمريكيون والإسرائيليون في مراكز دراساتهم.⁹
وقد جاء سقوط دمشق في ديسمبر 2024 وتسلّم جماعات مسلحة ذات خلفيات جهادية مقاليد الحكم، بعد عقد كامل من الحرب الضروس، ليُؤكد مدى عمق هذا المشروع وطول نفَسه.¹⁰
2-3: ليبيا.. نموذج التدمير بالناتو
في ليبيا كان المشهد مختلفاً في أدواته لكن متشابهاً في مآلاته. استغلّت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون قرار مجلس الأمن رقم 1973 الخاص بحظر الطيران، لتحوّله إلى غطاء لعملية عسكرية شاملة أسقطت نظام القذافي وأجهزت على الدولة الليبية برمّتها. ليبيا التي كانت تمتلك أعلى مستوى معيشي في أفريقيا والاحتياطي النفطي الأضخم في القارة، صارت منذ 2011 دولة فاشلة مقسّمة بين حكومتين وميليشيات لا تُحصى.¹¹
والأدهى أن الفراغ الذي خلّفه التدخل الغربي فتح الأبواب أمام الإرهاب الذي تمدّد جنوباً نحو منطقة الساحل الأفريقي، في نتيجة كانت متوقَّعة لكل مراقب، وكأنها كانت مقصودة ومُبرمجة ابتداءً.¹²
2-4: اليمن.. الحرب بالوكالة على شعب جائع
أما اليمن فقد عاش واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية في التاريخ المعاصر، إذ رأت واشنطن في التدخل العسكري السعودي-الإماراتي منذ مارس 2015 أداةً مناسبة لإخضاع الحوثيين الذين رفعوا شعار معاداة إسرائيل، فضلاً عن احتواء النفوذ الإيراني. قدّمت الولايات المتحدة الدعم اللوجستي والاستخباراتي والتسليحي الكامل لهذه الحرب، وشاركت بصورة مباشرة في تحديد بعض الأهداف. ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2021 فإن الحرب على اليمن خلّفت نحو 377,000 ضحية بالقتل المباشر والأمراض والجوع.¹³
ثالثاً: الإمارات.. الذراع الخليجية في خدمة واشنطن
يستحق الدور الإماراتي وقفةً خاصة، إذ تحوّلت دولة الإمارات في العقد الأخير إلى أداة فاعلة لتنفيذ السياسة الأمريكية في المنطقة، وذلك في إطار تبادل المصالح: فأبوظبي توفّر الغطاء العربي وتضخّ الأموال، وواشنطن تضمن أمنها وتُمكّنها من التوسع الاقتصادي والنفوذ.¹⁴
في اليمن، قادت الإمارات عمليات برية وموّلت الميليشيات الانفصالية في الجنوب، وأدارت سجوناً سرية وفق ما وثّقته منظمات حقوق الإنسان الدولية. وفي السودان، كانت أبوظبي الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، التي شنّت حرب الإبادة والنهب الممنهج منذ أبريل 2023.¹⁵
ولا يفوتنا في هذا السياق أن الإمارات هي إحدى الدول العربية الموقّعة على اتفاقيات أبراهام عام 2020، التي طبّعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني ووفّرت له بذلك ظهيراً خليجياً ثميناً، في اللحظة التي كان مطلوباً فيها أن تكون إلى جانب القضية الفلسطينية.¹⁶
رابعاً: إيران في المعادلة.. الخصم الذي صُنع لأغراض بعينها
لا يعني التسليم بالدور الإيراني في المنطقة التبرئةَ الكاملة لسياساته أو القبول بكل ممارساته التوسعية، غير أنه لا بد من قراءة واقعية للدور الذي أدّته واشنطن في صناعة هذا الدور وتضخيمه. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 والحرب العراقية-الإيرانية التي دعمتها أمريكا بالسلاح والاستخبارات، لم تتوقف واشنطن عن استخدام إيران سواءً كعدو يُبرّر الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج أو كمنافس يُوظَّف لإرباك قوى الممانعة.¹⁷
والتصعيد الراهن بين البلدين ليس وليد عداء أيديولوجي خالص، بل هو في جوهره صراع نفوذ وإعادة رسم تموضع، يجد طريقه دائماً إلى التصعيد كلما اقتربت أطراف المفاوضات من اتفاق نووي أو تهدئة استراتيجية، ذلك أن جماعات الضغط الصهيونية واللوبيات المرتبطة بإسرائيل في واشنطن تعمل بجد لإفشال كل تقارب أمريكي-إيراني يُفضي إلى تخفيف القلق الوجودي على الكيان.¹⁸
خامساً: السودان.. ساحة التدمير الجديدة
لا يختلف الوضع في السودان عمّا شهدته الدول الأخرى في المنطقة من حيث البنية العميقة للأزمة. فبعد سنوات من الحصار الأمريكي الذي أُعلن رسمياً بتهمة دعم الإرهاب، ثم مسيرة التطبيع التي انطلقت في سياق اتفاقيات أبراهام، فُتحت الأبواب أمام نفوذ الإمارات في الخرطوم وفي العمق الأفريقي السوداني.¹⁹
حين اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، كشفت التقارير الدولية عن دعم إماراتي مالي وتسليحي واسع لقوات «حميدتي»، في استعادة لنموذج ليبيا: تمزيق دولة ذات ثقل عربي-أفريقي وإخراجها من معادلة القرار المستقل.²⁰
سادساً: لماذا لا حل دون فلسطين؟
الإجابة تستدعي فهم طبيعة المشروع الأمريكي-الصهيوني في المنطقة. هذا المشروع لا يسعى إلى الاستقرار، بل يستثمر في عدم الاستقرار. فالمنطقة المنهكة بالحروب الأهلية والتدخلات والحصارات لا تستطيع أن تُنشئ جبهة موحّدة في مواجهة التمدد الصهيوني. وما إن تتجمّع القوى نحو شكل من أشكال التوحّد السياسي أو الاقتصادي حتى تُطلق واشنطن الفتنة أو تشعل الحرب أو تُفرض العقوبات.²¹
أما فلسطين فهي ليست قضية أخلاقية أو إنسانية فحسب، وإن كانت كذلك، بل هي أيضاً قضية استراتيجية: فطالما بقي الشعب الفلسطيني محاصراً في غزة ومطارَداً في الضفة الغربية ومُشرَّداً خارج وطنه، فإن ذلك يُغذّي مستوىً من الغضب الشعبي العربي الذي تستثمر فيه إيران والقوى الإقليمية المختلفة لتبرير تدخلاتها، ولا يُلغي هذا الغضبَ إلا زوال سببه، أي زوال الاحتلال.²²
والحل الوحيد الحقيقي هو أن يعود الشعب الفلسطيني إلى أرضه بحق تقرير المصير الكامل، وأن تتوقف الدول الغربية عن دعم الاحتلال سياسياً وعسكرياً وعن توفير الغطاء الدولي له في مجلس الأمن. أما دون ذلك، فالشرق الأوسط يسير من أزمة إلى أزمة، من حرب إلى حرب، في دوامة لا قرار لها.²³
خاتمة: الدرس الذي لا يريد أحد أن يتعلّمه
يمكن تلخيص ما سبق في حكمة واحدة مُضمَّخة بدم الشهداء العرب على امتداد سبعة عقود: لن يهدأ الشرق الأوسط ما لم يعد الشعب الفلسطيني إلى أرضه ويحقّق استقلاله وسيادته. كل الحلول الجزئية، كل التسويات المُجزّأة، كل مشاريع التطبيع التي تتقدم بها واشنطن وتروّج لها دول الخليج، ليست سوى محاولات لإرجاء الاستحقاق لا إلغائه.²⁴
أما التصعيد الأمريكي-الإيراني الراهن، فينبغي قراءته بعيون مفتوحة: إنه ليس خلافاً بين طرفين متكافئين على مصالح مشروعة، بل هو جزء من إدارة منظومة إمبريالية لصراعات مصطنعة تدور رحاها فوق رؤوس الشعوب العربية وفي أراضيها وبدمائها، بينما تُخصَّب أرباح شركات التسليح في واشنطن وباريس ولندن، وتُصان حدود الكيان الصهيوني المتمدّد بحماية أمريكية مطلقة.²⁵
إن مصلحة الامة العربية تقتضي بناء إرادة جماعية مستقلة، ترفض الاصطفاف في أي محور خارجي وخاصة مع الغرب المتصهين، وتعمل على استعادة الحق الفلسطيني بكل الوسائل المشروعة المتاحةبما في ذلك المقاومة بكل اشكالها، وان تُعيد صياغة علاقاتها الدولية على أساس السيادة والتكافؤ لا التبعية والاستزلام. فهذا هو الطريق الوحيد للخروج من مأزق الشرق الأوسط المزمن.²⁶

 المراجع والهوامش

¹ أنور عبد الملك، المجتمع الجدلي في الفكر العربي المعاصر، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1985، ص 112-115.

² نوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام، ترجمة نبيل صبحي، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997، ص 89.

³ وليد الخالدي، «لماذا فلسطين؟» مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 3، صيف 1990، ص 5-17.

⁴ إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2007، ص 23-57.

⁵ محمد حسنين هيكل، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، الجزء الثاني، دار الشروق، القاهرة، 1996، ص 314.

⁶ هانز بليكس، خلع سلاح العراق، ترجمة شوقي جلال، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 2004، ص 200-234.

⁷ تقرير اليونيسف حول وفيات الأطفال في العراق في فترة الحصار 1990-2003، نيويورك، 2000.

⁸ روبرت فيسك، البلد الكبير، دار المدى، دمشق، 2006، ص 560-590.

⁹ أوفر شيلاح، لماذا تريد إسرائيل تفكيك سوريا؟، هآرتس، يوليو 2015 (مترجم).

¹⁰ تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان، ديسمبر 2024.

¹¹ منظمة هيومن رايتس ووتش، ليبيا: الحرب المنسية، تقرير 2012.

¹² تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الوضع في الساحل، مجلس الأمن، نوفمبر 2013.

¹³ فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، تقرير 2021، وثيقة رقم A/HRC/48/20.

¹⁴ ديفيد كيركباتريك، طريق الإمارات إلى السلطة الإقليمية، نيويورك تايمز، أبريل 2019 (مترجم).

¹⁵ منظمة العفو الدولية، الإمارات والحرب في اليمن: السلاح وإفلات الجناة من العقاب، 2020.

¹⁶ اتفاقيات أبراهام، وثيقة البيت الأبيض، سبتمبر 2020.

¹⁷ تريتا بارسي، خيانة إيران، دار الكتاب العربي، بيروت، 2009، ص 78-105.

¹⁸ ميرشايمر وولت، اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة محمد بشارة، الدار العربية للعلوم، 2009.

¹⁹ تقرير مجموعة الأزمات الدولية حول السودان والتطبيع، يناير 2021.

²⁰ تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش حول السودان، يوليو 2023.

²¹ نعوم تشومسكي، مصير المنطقة، خطاب في مؤتمر القضية الفلسطينية، بوسطن، 2014 (مترجم).

²² عزمي بشارة، فلسطين المسألة، المركز العربي للأبحاث، الدوحة، 2016، ص 340-380.

²³ بيان الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر عام 1948 وإقراره بحق العودة الفلسطيني.

²⁴ سلمى الخضراء الجيوسي، «الوجدان العربي وفلسطين»، الكرمل، العدد 15، 1985، ص 3-18.

²⁵ ستيوارت إيزنستات، مصالح أمريكا في الشرق الأوسط، مجلس العلاقات الخارجية، نيويورك، 2018 (مترجم).

²⁶ الناصر خشيني، الاحتلال الثلاثي للعراق، منشورات الحرية أولاً، نابل، 2022.

الغابات التونسية: الرئة الخضراء في مواجهة الجحيم بقلم: الناصر خشيني

 مقدمة: حين كان المسافر يسير في الظل يروي كبار السن أن تونس كانت يوماً بلاد الظل والخضرة، وأن المسافر كان يقطع مسافات طويلة بين الشمال والجن...