قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 20 يونيو 2026

صحيح مسلم وكيف تقبّلته الأمة طيلة هذه القرون: مقاربة نقدية بقلم: الناصر خشيني

 


  مقدمة

يُعدّ "صحيح مسلم" أحد أهم كتب الحديث عند أهل السنة والجماعة، ويُصنَّف ثالث أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم وصحيح البخاري، وهو من كتب "الجوامع" التي تستوعب أبواب الحديث كافة: عقائد، أحكام، آداب، تفسير، تاريخ، مناقب، ورقاق. جمعه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261ه) خلال قرابة خمس عشرة سنة، منتقيًا أكثر من ثلاثة آلاف حديث غير مكرر من ثلاثمائة ألف حديث كان يحفظها.
والسؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس سؤال الإسناد فحسب، بل سؤال المتن: هل يصمد محتوى هذا الكتاب أمام عرضه على القرآن الكريم والعقل والمنطق التاريخي؟
أولاً: نقد العلماء للسند
قدح العلماء في 160 راويًا من رواة صحيح مسلم، في حين قدحوا في 80 راويًا فقط من رواة البخاري¹. وقد فصّل الحافظ ابن حجر العسقلاني هذه الانتقادات في خمسة أقسام: اختلاف الرواة بالزيادة والنقص في رجال الإسناد، اختلافهم بتغيير بعض رجال الإسناد، تفرّد بعضهم بزيادة في المتن، الحكم بالوهم على بعض الرجال، واختلاف بعض ألفاظ المتن. وخلص ابن حجر إلى أن أغلب هذه العلل "لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب... إلا النادر"².
لكن هذا التبرير يقتصر على إشكال السند، بينما الإشكال الأعمق يخصّ المتن نفسه، وهو ما يتناوله هذا المقال.
ثانيًا: اعتراف الإمام مسلم بمنهجه
يكشف مسلم في مقدمته عن منهج انتقائي صريح في توزيع الأخبار على ثلاث طبقات من الرواة، مع تكرار الحديث "إذا أتى موضع لا يُستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى"³. وهذا الاعتراف المنهجي يفتح الباب لمساءلة المتون لا الأسانيد فقط.
ثالثًا: كتاب الإيمان ومخالفة حرية العقيدة القرآنية
تضمّن كتاب الإيمان، الذي افتُتح به الصحيح، 96 بابًا، منها باب يتعلق بقتال الناس "حتى يقولوا لا إله إلا الله"⁴، في مخالفة صريحة لمبدأ حرية العقيدة الذي أقرّه القرآن الكريم. وقد ورد هذا المعنى في حديثين متتاليين (20 و22)، أحدهما يقتصر على الشهادتين والآخر يضيف الصلاة والزكاة، وكلاهما يجعل أساس "عصمة الدم والمال" هو القول لا الإيمان الباطني، وهو ما يتعارض مع منطق القرآن في مسألة الإيمان والكفر.
رابعًا: تناقضات في السيرة الغيبية للرسول
شقّ الصدر: يتناقض الحديثان (162 و163) في تحديد زمن شقّ الصدر؛ فأحدهما يجعله في الصغر والآخر ليلة الإسراء.
المعراج: لم يرد ذكر المعراج في القرآن الكريم، وقد شكّك في صحة أحاديثه عالمان معاصران: الشيخ عبد الجليل عيسى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، الذي رصد سبع روايات مختلفة للإسراء والمعراج في البخاري وقرّر أن اختلاف الروايات ينفي عنها صفة الصحة والحسن⁵؛ والشيخ الطاهر بن عاشور، الذي ميّز في "التحرير والتنوير" بين الإسراء الوارد في القرآن والمعراج الوارد في حديث الصحيحين، معتبرًا أنهما كرامتان منفصلتان⁶.
خامسًا: انتهاك الحياة الخاصة للرسول في باب الحيض
يخصّص كتاب الطهارة عشرات الأبواب لمسألة الحيض، رغم أن آية الطهارة في القرآن لخّصت الحكم بوضوح بالأمر باعتزال النساء في المحيض. ومع ذلك، يورد مسلم حديثًا (293) عن عائشة يصوّر الرسول وهو "يباشر" نساءه أثناء حيضهنّ بعد أن "تأتزر" المرأة بإزار، وهو ما يتعارض مع الحكم القرآني الصريح.
سادسًا: حديث رضاع الكبير
يورد مسلم حديثًا (1453) يأمر فيه الرسول سهلة بنت سهيل بإرضاع سالم، رجل بالغ كبير، حلًّا لمشكلة دخوله بيت أبي حذيفة، وقد استُغرب الأمر حتى من سهلة نفسها، فتبسّم الرسول وضحك. وهذا الحديث يُستعمل أحيانًا أساسًا فقهيًا لمسألة "رضاع الكبير" رغم منافرته للعقل والفطرة.
سابعًا: حديث وطء المسبيّات
في باب "جواز وطء المسبيّة بعد الاستبراء وإن كان لها زوج"، يورد مسلم حديثًا (1456) يربط آية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: 24) بسبي نساء أوطاس يوم حنين، رغم وجود أزواج لهنّ من المشركين، في تأويل يحوّل آية قرآنية إلى مشروعية فعل وقع بعد نزولها.
ثامنًا: كتاب الفتن وأشراط الساعة
يتضمن هذا الكتاب 28 بابًا، أغلبها غير مقبول عقلًا لاشتمالها على أخبار غيب لا يعلمها إلا الله، إضافة إلى تناقضات داخلية، أبرزها في مسألة الدجال: فالباب 24 المتعلق بـ"الجسّاسة" يحمل طابعًا أقرب إلى الحكايات الخرافية، والباب 19 يجعل ابن صيّاد يعيش في المدينة نفسها، بينما يقرّر حديث آخر (2938) أن الدجال "محرّم عليه أن يدخل نِقاب المدينة" لأنها محروسة. وهذا التناقض يتعزز تاريخيًا بواقعة استباحة الجيش الأموي للمدينة المنورة سنة 63ه⁷، إذ لو صحّت هذه الأحاديث لما تمكّن جيش بشري من اقتحام مدينة موصوفة بهذه الحراسة الغيبية.
تاسعًا: كتاب اللباس والزينة والأشربة
تضمّن كتاب اللباس أحكامًا تتعلق بمنع الذهب والحرير عن الرجال وتحديد أنواع من اللباس، وهي بحسب طبيعتها أقرب إلى العادات الاجتماعية منها إلى التشريع الثابت، إضافة إلى الباب 26 الذي يقرّر عدم دخول الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة. وفي باب الأشربة تناقض بين بابين حول النبيذ، أحدهما يجيزه والآخر يكرهه، إلى جانب حديث فضل تمر المدينة (2047) الذي يَعِد من يأكل سبع تمرات صباحًا بالعصمة من السمّ والسحر طوال يومه، وهو ادعاء يمكن اختباره تجريبيًا ولا يصمد لذلك الاختبار.
خاتمة
إن الحديث المنسوب إلى الرسول، والمدوَّن بعد أكثر من قرنين من وفاته، قد ألحق بالإسلام وبشخص الرسول إساءات جوهرية لا يمكن السكوت عنها في ظل توافر أدوات البحث المعاصرة. وما تقدّم ليس استقصاءً شاملًا لكل ما تضمنه صحيح مسلم من هنات، بل عرضٌ لنماذج تستدعي إعادة النظر. ويبقى القرآن الكريم، بتدبّره بأدوات عصرنا، المرجعية المنهجية الوحيدة الصالحة لتقييم هذا التراث، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال.
الهوامش
مقارنة عدد المقدوح فيهم من رواة الصحيحين، حسب رصد الحافظ ابن حجر العسقلاني.
ابن حجر العسقلاني، تفصيل أقسام الانتقادات الموجّهة لرواة الصحيحين.
مسلم بن الحجاج، مقدمة صحيح مسلم.
صحيح مسلم، كتاب الإيمان، الأحاديث رقم 20 و22.
عبد الجليل عيسى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، دراسته حول روايات الإسراء والمعراج في صحيح البخاري.
الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، في تفسير آية الإسراء.
واقعة استباحة المدينة المنورة على يد الجيش الاموي

صالح الفوزان وفضائح الفقه المعاصر: كتاب "الملخص الفقهي" نموذجاً بقلم الناصر خشيني

 

    المقدمة
حين ننتقد تراث المتقدمين من فقهاء الأمة، قد نجد لهم بعض العذر في تبنّي مواقف تبدو اليوم شاذّة وخارجة عن سياق العصر، إذ كانوا أسرى زمانهم ومحدودية معارفه. أما أن يتبنّى معاصرون لنا نفس تلك المواقف بأسلوبها ومصطلحاتها، في تبعية مطلقة وتقديس أعمى لأفكار من سبقهم، فتلك طامة كبرى تستوجب الوقوف والتحليل. وفي هذا السياق يتنزّل كتاب "الملخص الفقهي" لمؤلفه صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان (1)، الصادر عن دار العاصمة بالرياض في طبعته الأولى سنة 1423هـ، في جزأين: خصّص أولهما لفقه العبادات (الطهارة، الصلاة، الزكاة، الحج، الجهاد)، وثانيهما لفقه المعاملات على المذهب الحنبلي.
يسعى هذا المقال إلى مساءلة هذا الكتاب من زاوية نقدية رشيدة، تكشف كيف تتحوّل اجتهادات فقهية تعود إلى القرن الثالث الهجري إلى نص يُراد تنزيله على واقع القرن الحادي والعشرين دون أي مراجعة أو تجديد، مع ما يحمله ذلك من إساءة بالغة لمكانة المرأة، وتضييق على العقل، ومصادرة لمستجدات العصر.
المحور الأول: المؤلف ومكانته المؤسسية
يُعدّ صالح الفوزان من أبرز الوجوه الدينية الرسمية في المملكة العربية السعودية، فهو عضو في هيئة كبار العلماء، وعضو في المجمع الفقهي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي، وعضو في لجنة الإشراف على الدعاة في موسم الحج، إلى جانب عضويته في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (2). وهو إمام وخطيب ومدرّس في أحد جوامع الرياض، له مشاركات إذاعية منتظمة، وأكثر من ستين مؤلفاً، فضلاً عن إشرافه على عدد من الرسائل الجامعية في الماجستير والدكتوراه (3).
هذا الثقل المؤسسي هو ما يجعل من الضروري تفحّص ما يصدر عنه من فتاوى ومؤلفات بعين النقد، فهي ليست آراء فردية عابرة، بل تشكّل مرجعية يُحتكم إليها في تنظيم حياة شريحة واسعة من الناس.
المحور الثاني: مواقف مثيرة للجدل خارج الكتاب
قبل الدخول إلى نص "الملخص الفقهي"، تجدر الإشارة إلى مواقف سابقة للمؤلف تكشف عن المنهج الفكري الذي يحكم كتاباته:
في موضوع الرق: أقرّ الفوزان بأن الرق جزء من الإسلام، وربطه بمفهوم الجهاد، معتبراً معارضي هذا الموقف من المسلمين جاهلين وغير علماء (4).
في موضوع المخالفين في المذهب: نُسب إليه خطاب وُصف بأنه معادٍ للشيعة، وصف فيه أتباع هذه الطائفة بأوصاف تكفيرية تصل إلى نسبتهم إلى الكذب على الله ورسوله (5).
في موضوع شهادة البدوي: ذهب في شرحه لحديث نبوي إلى أن شهادة البدوي لا تُقبل على الحضري، مستدلاً بجهل البدو وجفائهم، وهو موقف عارضه فقهاء آخرون من أصحاب المذاهب الأخرى ممن قبلوا شهادة البدوي ما لم تكن عدالته مجهولة (6).
هذه المواقف الثلاثة، رغم تفاوت خطورتها، تكشف عن نسق فكري واحد: استدعاء فقه القرون الأولى بحرفيته، دون أي محاولة لقراءته في ضوء مقاصد الشريعة أو معطيات العصر.
المحور الثالث: المرأة في "الملخص الفقهي" — نماذج من الفقه المعتوه
يمثّل ما ورد في الكتاب حول المرأة الوجه الأكثر صدمة في هذا المؤلَّف، فهو يستعيد فقه أحمد بن حنبل كما تشكّل في القرن الثالث الهجري، في مواجهة الفكر العقلاني المعتزلي حينها، ليقدّمه اليوم بصفته ديناً ثابتاً لا يجوز الخروج عنه.
أ. تعدد الزوجات دون قيد
يبيح الكتاب التعدد لمن توفرت له القدرة والأمن من الحيف، مستنداً إلى الآية القرآنية في سورة النساء، ومعتبراً إباحة التعدد من "محاسن الشريعة" التي تصلح لكل زمان ومكان (7). وهذا فهم سطحي يتجاوز السياق الذي وردت فيه الآية أصلاً، والمتعلق برعاية اليتامى، ليحوّلها إلى إباحة مطلقة منفصلة عن سياقها التاريخي والمقاصدي.
ب. عشرة النساء وتراتبية الخضوع
يقدّم الكتاب جملة من الأحاديث التي تؤسس لعلاقة غير متكافئة بين الزوجين، منها ما يصل إلى تشبيه حق الزوج على زوجته بحق السجود، أو وصف من تمتنع عن فراش زوجها بأنها ملعونة حتى الصباح (8). وهي صياغات تُسقط على المرأة وضعاً أقرب إلى التبعية المطلقة منه إلى الشراكة الزوجية التي يقوم عليها مفهوم "المعاشرة بالمعروف" الذي تستشهد به الآيات القرآنية نفسها.
ج. تحريم السفر ووصاية الأولياء
يذهب الكتاب إلى تحريم سفر الزوجة مع زوجها إلى "البلاد الخارجية الكافرة" لمجرد النزهة، بل يصل إلى وصف شهر العسل بـ"شهر السم"، ويطالب أولياء الزوجة بمنعها من السفر مع زوجها ولو رضيت هي بذلك، بدعوى أنها "قاصرة النظر لنفسها" (9). وهنا تتجلى أقصى درجات الوصاية على المرأة، إذ يُنزع عنها حق التصرف في أمرها الخاص حتى داخل العلاقة الزوجية المشروعة.
د. سقوط النفقة عقاباً
يقرر الكتاب سقوط حق المرأة في النفقة والقسم إن سافرت بغير إذن زوجها، أو رفضت مرافقته في سفره، أو امتنعت عن فراشه، معتبراً ذلك في كل الحالات نوعاً من "النشوز" و"العصيان" (10). وهي أحكام تحوّل العلاقة الزوجية إلى منظومة عقابية مالية، بعيدة كل البعد عن مفهوم السكن والرحمة الذي يؤسس له القرآن الكريم لهذه العلاقة.
المحور الرابع: قراءة نقدية في بنية الكتاب ومنهجه
يكشف تصميم الكتاب نفسه عن قصور منهجي عميق. فالجزء الأول، المخصص للعبادات، يحصر مفهوم العبادة في الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد، في تضييق لمعنى قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وهي آية تحمل في دلالتها الأوسع كل عمل صالح في الحياة، لا الشعائر التعبدية فحسب.
أما الجزء الثاني، المخصص للمعاملات، فيكتفي بتلخيص الفقه الحنبلي التقليدي في البيوع والشركة والمساقاة والمغارسة والحدود والقضاء والطلاق، دون أي انفتاح على مستجدات العصر: التقدم العلمي، الصناعة الحديثة، العلاقات الدولية، الحقوق الفردية والجماعية، الاقتصاد المعولم، وتبادل السلع والخدمات والمعلومات في عالم تحوّل إلى قرية صغيرة. وبذلك يُغلق الكتاب الباب أمام كل اجتهاد يستجيب لواقع متغيّر، مكرّساً فقهاً جامداً يعيد إنتاج القرن الثالث الهجري بحرفيته.
الخاتمة
يقدّم صالح الفوزان، في ظل موقعه المؤسسي الرسمي وتأثيره الواسع عبر مؤلفاته وفتاواه، صورة قاتمة عن التعامل مع المرأة، وكأنها كائن ناقص الأهلية يحتاج إلى وصاية دائمة، لا إنسانة كاملة الحقوق والكرامة. وهو بذلك يعيد إحياء رؤى بشرية محكومة بظروف نشأتها التاريخية في القرن الثالث الهجري، ويُسبغ عليها صفة الديمومة والقداسة، متجاهلاً أن هذه الرؤى نتاج بيئة بعينها، لا نص مقدّس ثابت.
إن مثل هذا الفقه، حين يُقدَّم اليوم بوصفه التمثيل الشرعي الوحيد للإسلام، لا يخدم الدين بقدر ما يشوّه صورته أمام عالم يتغيّر، ويُبقي شريحة واسعة من المسلمين رهينة تصورات لا تمت بصلة إلى روح العصر ولا إلى مقاصد الشريعة الكبرى في العدل والكرامة الإنسانية.
الهوامش:
(1) الملخص الفقهي، صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، 1423هـ.
(2) نفس المصدر، ترجمة المؤلف.
(3) نفس المصدر.
(4) منظمة هيومن رايتس ووتش، تقرير حول خطابات دينية متعلقة بالرق.
(5) نفس المصدر، حول خطاب كراهية متعلق بالشيعة.
(6) تصريحات منسوبة إلى عضو لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية في مجلس الشورى السعودي تعليقاً على موقف الفوزان من شهادة البدوي.
(7) الملخص الفقهي، باب التعدد، استناداً إلى سورة النساء، الآية 3.
(8) الملخص الفقهي، باب في عشرة النساء.
(9) نفس المصدر.
(10) الملخص الفقهي، باب فيما تستحقه الزوجة من نفقة وقسم.

قرات لكم الطريق الى الديمقراطية لعصمت سيف الدولة بقلم الناصر خشيني



   يأتي هذا الكتاب ليكمل البناء النظري الذي شيده الدكتور عصمت سيف الدولة، منتقلاً من بحث “الوحدة والاشتراكية” إلى معالجة الركنين المتلازمين والمكملين لمشروع النهضة العربية: الديمقراطية (بمفهوم سيادة القانون) ووحدة القوى التقدمية (كأداة للتغيير).

أولاً: في منهجية سيادة القانون (الطريق إلى الديمقراطية)

يبدأ الكاتب بمقاربة قانونية وفلسفية عميقة لمفهوم “سيادة القانون”. فالقانون في نظر سيف الدولة ليس نصوصاً جامدة، بل هو “وسيلة” لغاية أسمى وهي الحفاظ على وجود المجتمع.

نقد الديمقراطية الشكالية: يحلل الكاتب كيف تحولت القوانين في الوطن العربي أحياناً إلى أدوات لقهر الأمة بدلاً من حمايتها. ويرى أن “الديمقراطية” الحقيقية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي تحرير الإنسان العربي من الاستغلال، ليصبح قادراً على ممارسة إرادته السياسية دون ضغط اقتصادي أو أمني.

العلاقة بين الوجود والقانون: يطرح الكاتب رؤية جريئة مفادها أن “الحياة فوق القانون”؛ فإذا عجز القانون عن حماية وجود الأمة واستقلالها، يصبح من الضروري اجتماعياً وتاريخياً تصحيح المسار القانوني لخدمة الوجود القومي.

ثانياً: وحدة القوى التقدمية (جدلية الأداة والهدف)

في القسم الثاني من الكتاب، يعالج سيف الدولة المعضلة الكبرى التي واجهت الثورة العربية: تشتت القوى الثورية.

وحدة الأداة: يطرح الكاتب مفهوم “وحدة القوى التقدمية” ليس كتحالف تكتيكي عابر، بل كضرورة استراتيجية. فالعدو (سواء كان استعماراً أو صهيونية أو تخلفاً) يعمل ككتلة واحدة، وبالتالي لا يمكن مواجهته إلا بكتلة تاريخية موحدة.

منهج الحوار لا الصراع: يشدد سيف الدولة على أن التناقضات بين القوى العربية التقدمية (قوميين، يساريين، ديمقراطيين) هي “تناقضات ثانوية” يجب حلها عبر الحوار الفكري المنظم، بينما التناقض الرئيسي هو مع أعداء الأمة.

ثالثاً: التحليل البنيوي لمشروع الثورة العربية

من خلال قراءتنا لهذا المجلد، نجد أن الكاتب يربط بين “الديمقراطية” و”الوحدة” برباط جدلي؛ فلا وحدة مستدامة بدون ديمقراطية تحميها وتمنع استبداد النخب، ولا ديمقراطية حقيقية في ظل التجزئة التي تجعل الإرادة العربية رهينة للقوى الخارجية.

دور الجماهير: يؤكد سيف الدولة أن الطريق إلى الديمقراطية يبدأ بتنظيم الجماهير وتوعيتها بحقوقها القومية والاجتماعية، بحيث تصبح هي “الحارس” الحقيقي لسيادة القانون.

رابعاً: الاستنتاجات الفكرية

من خلال سياقنا التحليلي، يمكن تلخيص أهم الدروس المستفادة من هذا العمل في النقاط التالية:

رفض الاغتراب القانوني: ضرورة صياغة قوانين نابعة من وجدان الأمة العربية وحاجاتها الواقعية، لا استيراد قوالب جاهزة.

الوعي القومي بالديمقراطية: الديمقراطية في الوطن العربي يجب أن تكون “قومية” في أهدافها، و”اجتماعية” في مضمونها.

التنظيم هو الحل: إن وحدة القوى التقدمية هي “صمام الأمان” ضد الانقلابات والردات السياسية التي أجهضت تجارب وحدوية سابقة.

الخلاصة: إن كتاب “الطريق إلى الديمقراطية.. إلى وحدة القوى التقدمية” ليس مجرد تنظير سياسي، بل هو “خارطة طريق” لكل مؤمن بالعمل العربي المشترك. يدعونا عصمت سيف الدولة من خلاله إلى إعادة الاعتبار لسيادة القانون كدرع للحرية، وإلى توحيد صفوف القوى المناضلة كشرط وحيد لتحقيق الانتصارات الكبرى.

كانت هذه قراءة في فكر الدكتور عصمت سيف الدولة، ضمن سلسلة “قرأت لكم”، نرجو أن تفتح آفاقاً للنقاش والتدبر في واقعنا العربي المعاصر

منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور بقلم الناصر خشيني

    قراءة نقدية تفكيكية في بنية المذهب النَّقلي وتوطنه المغاربي إن إشكالية التعامل مع التراث المعرفي والفقهي الإسلامي تفرض علينا اليوم، أكثر...