قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 6 يونيو 2026

من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية بقلم: الناصر خشيني

 


لم تكن هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 مجرد انكسار عسكري عابر على جبهات القتال، بل كانت زلزالاً استراتيجياً وبنيوياً أعاد تشكيل الوعي العربي وصاغ مسارات الصراع في الشرق الأوسط لعقود طويلة [1]. واليوم، ونحن نستحضر ذكرى النكسة في ظل مشهد إقليمي شديد المعاصرة والخطورة، ندرك أن قراءة تلك المرحلة لا تجوز أن تقتصر على البكاء فوق أطلال الهزيمة، بل يجب أن تتحول إلى مختبر فكري لقراءة الحاضر واستشراف لاءات المستقبل العروبي.
من الانهيار إلى الالتفاف: الوعي الجماهيري كحائط صد
كشفت النكسة بمرارة عن فجوة هائلة في أساليب التخطيط، والتفوق التقني والاستخباراتي للعدو، والخلل البنيوي في الإدارة العسكرية العربية آنذاك [2]. لكن العبقرية الحقيقية للمشروع القومي برزت في كيفية امتصاص الصدمة؛ فخطاب التنحي التاريخي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 9 يونيو لم ينته بانسحاب القائد، بل بتفجير طاقة الرفض الشعبي الكامنة. خرجت الجماهير العربية لترفض الهزيمة، معلنةً أن سقوط الجيوش لا يعني سقوط إرادة الأمة.
هذا الالتفاف الجماهيري العفوي والمنظم مـثّل حجر الأساس لـ "مرحلة الصمود"، والتي تُرجمت سياسياً في قمة الخرطوم (أغسطس 1967)، حيث صاغ العرب جداراً صلباً تمثل في اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض [3]. كانت هذه اللاءات إعلاناً صريحاً بأن التنازل عن الحقوق التاريخية تحت وطأة السلاح أمر غير قابل للنقاش.
حرب الاستنزاف وأكتوبر 1973: كسر أسطورة التفوق
لم تقف القيادة العسكرية مكتوفة الأيدي، بل تحولت اللاءات سريعاً إلى عقيدة قتالية تجسدت في حرب الاستنزاف (1967 - 1970). نجحت هذه الحرب في تدمير مفهوم "الأمن المستدام" للاحتلال، وفرضت عليه استنزافاً بشرياً واقتصادياً متواصلاً، وتُوّجت ببناء حائط الصواريخ المعقد الذي حرم العدو من تفوقه الجوي المطلق [4].
أدت هذه المقدمات العلمية والجادة إلى ملحمة أكتوبر 1973، حيث تحطمت تحصينات خط بارليف والجولان في أكبر انهيار وجودي وعسكري شهدته إسرائيل منذ نشأتها [5]. ولم يوقف هذا الانهيار الشامل سوى التدخل الأمريكي المباشر والفوري عبر الجسر الجوي العسكري الشامل (عملية عشب النيكل)، لإنقاذ حليفتها الاستراتيجية في اللحظات الأخيرة.
مقارنة الأرقام: بين "عشب النيكل" والمدد المعاصر
إن التدخل الغربي لحماية الكيان الصهيوني ليس حدثاً طارئاً، بل هو عقيدة إمبراطورية ثابتة تطورت لغتها الإحصائية عبر الزمن بكثافة مرعبة:
  • عام 1973 (عملية عشب النيكل): شحنت واشنطن حوالي 22,325 طناً من الدبابات والمدفعية والذخائر عبر طائرات "سي-5 غالاكسي" و"سي-141"، بالإضافة إلى 560 ألف طن شُحنت بحراً، بكلفة ناهزت 2.2 مليار دولار آنذاك لإنقاذ جيش الاحتلال من الانهيار الكلي [6].
  • الدعم العسكري المعاصر (المعركة الحالية): تجاوز الدعم الأمريكي كل الخطوط القياسية السابقة؛ حيث رصدت واشنطن حزم مساعدات عسكرية تجاوزت 17.9 مليار دولار في عام واحد من الحرب، تضمنت تشغيل جسور جوية ممتدة نقلت عشرات الآلاف من القنابل الموجهة بدقة (مثل GBU-39 وMK-84) وقذائف المدفعية، فضلاً عن النشر المباشر لحاملات الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة (مثل ثاد تلو الآخر) باعتراف البنتاغون لحماية العمق الإسرائيلي من الهجمات الإقليمية ومسيرات المقاومة الصامدة [7].
يكشف هذا التطور الرقمي أن واشنطن لم تعد تكتفي بدور "المموِّل العسكري الحليف" كما في 1973، بل تحولت إلى شريك عملياتي مباشر في إدارة الميدان وخوض الحرب الإقليمية بالوكالة لحماية منظومة الردع الإسرائيلية المتآكلة.
القواعد الأمريكية: وهم الحماية واستنزاف الثروات
عند إسقاط دروس الماضي على واقعنا الراهن، نجد أن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة ما زالت محكومة بنفس الثوابت الاستعمارية. إن الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في المنطقة، والذي تم تبريره لسنوات طويلة تحت لافتة "حماية العروش وأنظمة الحكم"، لم يكن يوماً لصالح الاستقرار العربي.
لقد أثبتت المحطات التاريخية الصعبة، وصولاً إلى موجات التصعيد الراهنة والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة مع إيران، أن هذه الترسانات الممتدة والمدفوعة بـ "ترليونات الدولارات" من ثروات الأمة، صُممت بالأساس لخدمة هدفين لا ثالث لهما:
  1. حماية الأمن الوجودي لإسرائيل: وضمان تفوقها العسكري النوعي على محيطها، واعتراض أي تهديد يطال عمقها الاستراتيجي عبر شبكات الرادارات والقواعد المنتشرة.
  2. استنزاف ورهن الموارد العربية: وإبقاء القرار السياسي الإقليمي تابعاً للمظلة الغربية، وتجريد الدول من مقومات الدفاع الذاتي المستقل [7].
الدرس المستفاد: المقاومة كبديل تاريخي
إن الدرس الأبرز المستوحى من روح حزيران، والذي تعيد المقاومة الباسلة في غزة وفلسطين ولبنان واليمن والعراق كتابته بدمائها اليوم، هو أن توازن القوى لا تصنعه الترسانات التكنولوجية وحدها، بل تصنعه "عدالة القضية وعقيدة الصمود".
تماماً كما تحولت نكسة الجيوش عام 1967 إلى طاقة استنزاف ومواجهة شاملة، يثبت الواقع المعاصر أن الرهان على التحالفات الغربية والمظلات الأمريكية لحماية العروش ما هو إلا وهم مكلف. إن المظلة الوحيدة الحقيقية هي التلاحم الشعبي، وبناء القوة الذاتية المستقلة، والتمسك بخيار المقاومة الشاملة لكسر أوهام الهيمنة وتغيير الموازين المفروضة على الأمة منذ عقود.

الهامش والمراجع :
  • [1] الناصر خشيني: قراءات في فكر حزيران وتداعيات النكسة، أرشيف دراسات دنيا الرأي.
  • [2] محمد حسنين هيكل: الانفجار 1967 - حرب الثلاثين سنة، مركز الأهرام للترجمة والنشر.
  • [3] وثائق جامعة الدول العربية: قرارات ومخرجات قمة الخرطوم (مؤتمر اللاءات الثلاث)، أغسطس 1967.
  • [4] الفريق أول محمد فوزي: حرب الاستنزاف 1967 - 1970، مذكرات وزير الحربية المصري الأسبق.
  • [5] المشير أحمد إسماعيل: التوجيه الاستراتيجي وحرب أكتوبر (وثائق عسكرية ومذكرات رسمية).
  • [6] تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون): سجلات عملية الجسر الجوي "عشب النيكل" (Operation Nickel Grass 1973)، الأرشيف العسكري.
  • [7] نوام تشومسكي: الهيمنة أم البقاء - السعي الأمريكي نحو السيطرة العالمية، دراسات في الجيوسياسية الشرق أوسطية (محدث ببيانات تمويل 

الجمعة، 5 يونيو 2026

المحامية نادية الشواشي تكشف حقائق مثيرة تتعلق بقضية فرار خمسة إرهابيين من سجن المرناقية.

 نقلا من هذا الموقع https://tunisie-telegraph.com/a-la-une-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/terroriste-tunisie/


كشفت المحامية نادية الشواشي، المكلفة بالدفاع عن بعض المتهمين في ملف فرار مساجين إرهابيين من السجن المدني بالمرناقية، عن عدد من الحقائق التي تسلط الضوء على واقع المؤسسات السجنية في تونس، مشيرة إلى نقص الإمكانيات المادية والبشرية، وتعقيدات التعامل مع المعتقلين من ذوي الخبرة في الأعمال الإرهابية.

وأوضحت الشواشي أن أحد المتهمين، ويدعى عامر البلعزي، أظهر قدرات غير عادية في استخدام وسائل بسيطة لفتح الأبواب، وأطلق عليه القضاء لقب “ماك غيفر” بسبب دهائه في التعامل مع الحديد والأقفال. وأضافت أن الموقوفين الإرهابيين غالبًا ما يكونون على وعي كامل بثغرات النظام، ما يزيد من صعوبة التحكم فيهم داخل السجون، مؤكدة أن نقص الإمكانيات لدى الإطارات المسؤولة يضعهم أحيانًا أمام مواقف صعبة جدًا.        وقالت الشواشي: “الطفل الذي لا تحتضنه القرية يصبح وحشًا من وحوش غابتها… ليت دولتنا استقطبتهم قبل أن يحولهم الإرهاب إلى خطر على المجتمع.”

وأشارت إلى أن بعض المسؤولين الأمنيين كانوا مهددين بالتصفية من قبل الإرهابيين، وأن المراقبة الدقيقة للمعتقلين غالبًا ما تتحول إلى إجراءات قاسية، مثل التفتيش العميق المتكرر، ما يؤثر على حياتهم الشخصية وعائلاتهم، مؤكدة أن بعض الإفادات التي قدمها المتهمون تحتوي على مغالطات، أدت إلى تحميل آخرين مسؤوليات غير مباشرة » في الملف هذا الي وجعني على بلادي تاكل في رجالها ….صرح عامر البلعزي انه صرح بما صرح به من مغالطات وورط ناس باش حتى هوما يتفتشو تفتيش عميق ..وياكلو الصبة ويحسبوهم مرتين في النهار ويتحرمو من حياتهم الخاصة وعايلاتهم... »                    وكانت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس قد قررت تأخير النظر في قضية فرار خمسة مساجين إرهابيين خطيرين من سجن المرناقية إلى جلسة يوم الغد الجمعة 16 جانفي 2026، لتخصيصها لمرافعات المحامين قبل التصريح بالحكم لاحقًا.

وخلال جلسة أول أمس الثلاثاء، استكملت المحكمة استنطاق المتهمين سواء الموقوفين أو المحالين بحالة سراح، وتواصلت الاستنطاقات إلى ساعة متأخرة من الليل، وتشمل القضية أكثر من أربعين متهماً، بينهم أعوان وإطارات من الهيئة العامة للسجون.

الفجوة المعرفية بين كمال التنزيل وأسطرة "الْوَحْيِ الثَّانِي بقلم الناصر خشيني




​لم يكن القرآن الكريم مجرد كتاب ديني هبط في بقعة جغرافية محددة، بل كان إعلاناً إلهياً حاسماً بانتهاء عهد الوصاية الكهنوتية، وانبثاقاً لـ "طَور الرُّشد البشري". فقد جاء النص القرآني متسقاً مع النضج العقلاني والحضاري الذي بلغتْه الإنسانية إبان ظهور الرسالة المحمّدية؛ فخاطب العقل، وحث على السير في الأرض، وحرّر الوجدان من ربقة الميثولوجيا (الأساطير) القديمة، مقدماً منظومة قيمية وتشريعية تتسم بالمرونة، والسمو، والتنزّه التام عن التشبيه أو التجسيم.

​لكن المأساة التاريخية الكبرى تكمن في ذلك "التناقض الفظيع" والبون الشاسع بين جوهر هذا التنزيل الحكيم، وبين ما صُنِع لاحقاً في مختبرات التراث البشري وتدثّر زوراً بعباءة القداسة تحت مسمى "الوحي الثاني". فما إن انقطع الوحي الشفهي برحيل الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى انفتحت الأبواب أمام حركة تحريف ممنهجة، تضافرت فيها المصالح السياسية للسلطة الناشئة مع الخلفيات الثقافية والدينية الوافدة من الموروثات التلمودية، والمدراشية، والقصص الكنسي القديم.

​هذا التسلل الممنهج لم يقف عند حدود رواية الحديث النبوي فحسب، بل حوّل منظومة "التراث" بكافة تجلياتها إلى ساحة لإنتاج التناقضات:

  • ​في الحديث والسيرة: اسْتُبْدِلتْ شخصية الرسول الإنسانية الرسالية، الشاهدة والمبشرة والنذيرة، بشخصية أسطورية محاطة بخرافات الملاحم والغيبيات الشعبية، والدموية أحياناً، لتوافق النبوءات الإسرائيلية القديمة.
  • ​في التفسير والفقه: عُطِّلت المقاصد القرآنية الكبرى لحساب تفاصيل فقهية طقوسية ضيقة، وتأويلات قائمة على الروايات التوراتية الوعظية (الإسرائيليات) التي حُشيت بها أمهات كتب التفسير بالمأثور، حتى صُيِّر الدِّين أغلالاً وإصراً بعد أن جاء ليضعها عن البشر.

​إن هذا الركام التراثي الذي يُدافع عنه "أهل العنعنات" اليوم باعتباره ديناً، لا يمثل حقيقة الإسلام، بل يمثل ارتداداً معرفياً عن "طور الرشد" الذي أسسه القرآن، وعودةً بالبشرية إلى طفولتها الفكرية حيث تروج الخرافة، وينتعش الكهنوت، ويُحجر على العقل؛ وهو ما يستلزم قراءة تفكيكية صارمة لمعرفة الأيدي الخفية التي صاغت هذا التحول، وعلى رأسها الأحبار والموالي الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الاختراق.

​الأربعين يهودياً الذين اخترعوا للمتأسلمين (وحيهم الثاني)

​الكاتب الأصلي: د. زهير جمعة المالكي (مع التوسع العلمي والتوثيق التراثي والحديث)

​لو رجع أهل العنعنات والروايات المذهبية إلى أمهات كتبهم في الجرح والتعديل والتاريخ، لعرفوا بدقة من الذي وضع لهم أسس (وحيهم الثاني) وصاغ لهم الروايات التي نُسبت لاحقاً إلى الرسول. هذا التراث الذي يُحارب الكثيرون اليوم من أجل الحفاظ عليه واعتباره مقدساً موازياً للقرآن، إنما تشكلت نواته الأولى ومساراته العقائدية والتفسيرية على يد مجموعة من الأحبار، والموالي، ومسلمة أهل الكتاب، والقصاصين [1].

​فيما يلي تفصيل وتوسع في الشخصيات الأربعين التي رسمت ملامح هذا التحول التراثي:

​أولاً: رؤوس الأحبار ومخططو الاختراق العقدي والسياسي

​1. أبو السمؤال الجليلي

​كبير أحبار الشام في عصره، وهو من الشخصيات التي تذكر القراءات النقدية للتراث أنه لم يسلم حقيقةً بل ظل متمسكاً بخلفيته المعرفية حتى زمن معاوية بن أبي سفيان [2]. يُنظر إليه في القراءات التفكيكية باعتباره واضع اللبنة الأولى والمهندس الخفي لخطة إدخال "التلموديات" (الروايات والقصص المستمدة من التلمود والمدراش اليهودي) في التراث الإسلامي عبر تلاميذه [3].

​2. ذو قرنات بفتحات الحميري

​من أحبار اليمن البارزين الذين تصفهم الروايات التراثية بعمق المعرفة، حتى إن كعب الأحبار نفسه قال عنه إنه «أعلم الناس» [4]. تنسب إليه المدارس النقدية دوراً محورياً في صياغة الروايات الأولى التي بررت قمع حروب الردة وتثبيت الرؤية السياسية لانتقال السلطة في الدولة الناشئة. كما زار الشام وكان حلقة الوصل في تأسيس مدرسة "القصاصين" في بلاط معاوية بن أبي سفيان لتحشيد الدعم الأيديولوجي لبني أمية [5].

​3. كعب بن ماتع (كعب الأحبار)

​أشهر أحبار اليهود الذين أعلنوا إسلامهم في عهد عمر بن الخطاب. كان تلميذاً لأبي السمؤال الجليلي، وتحول سريعاً إلى مستشار مقرب في الشؤون القصصية والغيبيات في المدينة والشام [6]. يُعد كعب الأحبار القناة الرئيسية التي تدفقت عبرها الإسرائيليات إلى الصحابة؛ حيث كان أستاذاً مباشراً تلقى عنه مكثرون من الرواية مثل أبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص [7]. من خلاله، تسللت مفاهيم التجسيم (تجسيد الذات الإلهية)، وخرافات "أرض الميعاد"، وتفاصيل "عذاب القبر" التي لم ترد في القرآن بتلك التفاصيل الأسطورية [8].

​4. تميم بن أوس الداري

​راهب مسيحي وقيل إنه كان على دراية بالكتب القديمة والمتاجرة بالخمر قبل إسلامه [9]. هو أول من سمح له عمر بن الخطاب بـ "القصص" وإلقاء المواعظ في المسجد النبوي يوماً في الأسبوع، وزادها عثمان بن عفان إلى يومين [10]. يُعد تميم الداري الصانع الأول في الرواية الإسلامية لخرافة "المسيح الدجال" وأسطورة دابة "الجساسة" في جزيرة غامضة، وهي الرواية التي رواها عنه النبي نفسه فيما يُعرف بحديث الجساسة الشهير، مما يوضح حجم تغلغل قصصه في الرواية [11].

​5. عبد الله بن سلام

​من أحبار يهود بني قينقاع في المدينة. حاول إضفاء الشرعية التنبؤية على نفسه داخل النص القرآني, فادعى (وادعى له الرواة لاحقاً) أن آيات مثل: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (الرعد: 43) وآية {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} (الأحقاف: 10) قد نزلتا فيه مكافأة له على إسلامه [12]. وجه الإشكال والمغالطة التاريخية هنا هو أن هاتين السورتين (الرعد والأحقاف) هما سورتان مكيّتان بالإجماع أو الغالب، في حين أن عبد الله بن سلام لم يسلم ولم يسمع به المسلمون إلا بعد الهجرة إلى المدينة، مما يكشف عن عملية "صناعة أسباب نزول" بأثر رجعي لرفع مكانة الأحبار [13].

​ثانياً: فقهاء ومؤرخو مدرسة الأثر والإسرائيليات

​6. زيد بن ثابت

​رغم مكانته الكبيرة في جمع القرآن، إلا أن المدارس النقدية تشير إلى خلفيته المعرفية وثقافته اليهودية؛ حيث تعلم كتابة اليهود (السريانية أو العبرية) في مدارس "بيت المدارس" بالمدينة في أيام معدودة بأمر النبي [14]. يُعزى إليه تأسيس "علم الفروض" (توزيع المواريث) بناءً على آراء واجتهادات حسابية وتنظيمية تأثرت بالمنظومة القانونية السائدة في يثرب، وتوسعت في تفاصيل لم ينص عليها النص القرآني المباشر [15].

​7. تبيع بن عامر الحميري

​ابن زوجة كعب الأحبار، وتربى في حجر الصانع الأكبر للإسرائيليات. عُرف في كتب التراث بلقب "تبيع صاحب الملاحم" لشدة ولعه بنقل نبوءات كتب أهل الكتاب حول الحروب والفتن المستقبلية [16]. شارك بشكل موسع في صياغة الملامح الأسطورية لـ "مغازي الرسول" وسيرته الشعبية، محولاً معارك الإسلام الأولى من سياقها التاريخي الواقعي إلى معارك كونية ملحمية تشبه أساطير العهد القديم [17].

​8. وهب بن منبه

​أحد التابعين من أهل اليمن، ذو أصول فارسية ويهودية مشتركة. كان متبحراً في كتب الأوائل، ووصفه المحدث المؤرخ محمد رشيد رضا (صاحب تفسير المنار) مع كعب الأحبار بأنهما "منبع الإسرائيليات" ومفسدي التراث التفسيري [18]. يُعد وهب من أوائل من نظروا ونشروا عقيدة "الجبرية" (أن الإنسان مسير لا مخير في أفعاله) مستنداً إلى رؤى توراتية قديمة وظفها بني أمية سياسياً لشرعنة حكمهم [19].

​9. همام بن منبه

​شقيق وهب بن منبه وتلميذ أبي هريرة. وضع ما عُرف بـ "صحيفة همام بن منبه" والتي تُعد من أقدم المدونات الحديثية. امتلأت هذه الصحيفة بروايات التجسيم والتشبيه المستعارة مباشرة من سفر التكوين والتلمود، ومن أشهرها حديث: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً»، وهو انعكاس صارخ للفكر الأنثروبومورفي (أنسنة الإله) اليهودي [20].

​10. عبد الصمد بن معقل بن منبه

​ابن أخي همام ووهب، دار في ذات الفلك العائلي وحمل ذات الإرث المعرفي المعتمد على روايات وقصص أهل الكتاب، ونقلها إلى أجيال المحدثين اللاحقين باعتبارها سنناً مأثورة [21].

​11. عبد المنعم بن إدريس بن سنان اليماني

​ابن بنت وهب بن منبه. كان يروي عن جده قصص الأنبياء ومبتدأ الخلق. ضعفه أئمة الجرح والتعديل مثل الإمام أحمد وابن معين، ووصفوه بأنه "كذاب يضع الحديث" ويختلق الروايات التاريخية والقصصية بالاعتماد على كتب الإسرائيليات الضائعة [22].

​12. محمد بن إسحاق بن يسار

​صاحب "المغازي والسير" وإمام السيرة النبوية. كان جده "يسار" من سبايا عين التمر (المسيحيين أو اليهود). طعن فيه معاصروه مثل الإمام مالك بن أنس ووصفه بأنه "دجال من الدجاجلة" لأنه كان ينقل أخبار المغازي والقصص عن أولاد يهود المدينة (مثل أبناء كعب القرظي) ويضمنها في تاريخ الإسلام دون تثبت [23].

​ثالثاً: ناقلو الأساطير وصانعو المرويات الغيبية

​13. أبو الجلد الجوني

​جيلان بن فروة الأسدي (أو البصري)، كان قارئاً مواظباً للكتب القديمة (التوراة والزبور والكتب المنسوبة للأنبياء) [24]. اعتبره المحدثون "ثقة" في روايته، لكن هذه الوثاقة كانت الغطاء الذي مرر من خلاله تفاصيل غيبية هائلة عن بدء الخلق والملائكة ونهاية العالم إلى التابعين في البصرة [25].

​14. أهبان اليهودي

​شخصية ارتبط اسمها بوضع المرويات الإعجازية الشعبية، وتحديداً أسطورة "حديث الذئب" الذي تكلم وتنبأ ببعثة النبي، وهي من الروايات التي وُضعت لتعويض النقص في المعجزات المادية الحية في العهد المدني [26].

​15. بستاني الإسرائيلي

​شخصية مغمورة في أسانيد بعض كتب التفسير بالمأثور، يُنسب إليه وضع وتفصيل أسماء النجوم الأحد عشر التي رآها النبي يوسف في منامه مسمياً إياها بأسماء عبرية وتلمودية غريبة لا أصل لها في النص القرآني [27].

​16. تميمة بنت وهب القرظية

​امرأة من بقايا يهود بني قريظة. نُسب إليها وضع الحديث الشهير في الأحوال الشخصية والطلاق: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، والذي أسس لتشريع "المحلل" وشرائطه الفقهية المعقدة في الفقه الإسلامي [28].

​17. جبل بن جوال الثعلبي

​شاعر يهودي أسلم لاحقاً. كان متغلغلاً في الأحداث السياسية لتهجير وإبادة يهود يثرب، وتُشير القراءات النقدية إلى إسهامه في صياغة الأرقام والتفاصيل الأسطورية والمأساوية المحيطة بـ "مذبحة بني قريظة"، حيث ظل يرثي حيي بن أخطب وكبار اليهود ويبث الحكايات الداخلية التي تحولت إلى حقائق تاريخية في كتب السير [29].

​18. أسد بن كعب

​من مسلمة اليهود الذين ساهموا في صياغة نبوءات البشارة؛ حيث اخترع أو نقل قصة الحبر اليهودي "ابن الهيبان" الذي قدم من الشام إلى المدينة قبل البعثة وبشر اليهود بأن نبياً سيبعث "بسفك الدماء وسبي الذراري"، وهي مرويات صبغت الدين الجديد بصبغة عنيفة توافق التصورات التوراتية عن نبي الملحمة [30].

​19. محمد بن مسلمة

​الأنصاري الذي تولى العمليات الأمنية والاغتيالات السياسية في العهد النبوي (مثل قصة اغتيال كعب بن الأشرف). تشير الروايات التاريخية إلى حذر الإمام علي بن أبي طالب منه وموقف علي الصارم تجاهه؛ حيث يروي ابن قتيبة في "الإمامة والسياسة" أن علياً قال: «وذُنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلتُ أخاه يوم خيبر: مَرحَب اليهودي»، في إشارة رمزية أو حقيقية إلى الروابط والخلفيات المعرفية والاجتماعية التي تحكمت في مواقف بعض الشخصيات [31].

​20. ثعلبة بن قيس

​من يهود المدينة الذين دخلوا الإسلام ظاهرياً أو تأخروا، وشاركوا في نقل المرويات المحلية والأعراف التلمودية السائدة في يثرب وصياغتها في قالب أحاديث نبوية شفهية [32].

​21. يامين بن عمير بن كعب النضري

​أحد أحبار بني النضير وبيت "المدراش" (بيت همدراش - بيت تدارس التوراة). أسلم وحافظ على ثروته المعرفية، وكان مصدراً أساسياً للأخبار التاريخية المتعلقة بالصراع اليهودي الإسلامي ومؤامرات المدينة في كتب ابن إسحاق والواقدي [33].

​رابعاً: الموالي والمدونون الأوائل والثقافة المترجمة

​22. ابن جريج (عبد الملك بن عبد العزيز)

​أول من دون العلم وصنف التصانيف بمكة. كان جده "جريج" (جورجيوس) عبداً رومياً أو نصرانياً لأم حبيب بنت جبير. اعتمد ابن جريج في تدوينه على التوسع والرواية المرسلة، وأدخل في تفسيره ومصنفاته الكثير من مرويات أهل الكتاب النصرانية واليهودية حول مريم وعيسى وقصص الأنبياء [34].

​23. جريجرة اليهودي

​من الشخصيات النقلية الشامية التي نشطت في الترويج لفكرة "مركزية الشام" وأسطورية الأرض المقدسة، مساهماً في نشر عقيدة أن "أرض الميعاد التوراتية" هي ذاتها الأرض المباركة التي يجب أن تتمحور حولها الخلافة الإسلامية الأموية [35].

​24. محمد بن كعب القرظي

​كان أبوه كعب من سبايا بني قريظة الذين لم يُقتلوا لصغر سنهم، وأمه من بني النضير. سكن الكوفة ثم المدينة، وكان مفسراً ممتلئاً بالثقافة التلمودية العائلية، وقُبلت تفسيراته الغيبية للقرآن في كتب الطبري وابن كثير بلا مراجعة لخلفيته العائلية النضيرية-القرظية [36].

​25. نوف بن فضالة البكالي

​ابن زوجة كعب الأحبار (حميري الشام). كان قاصاً لبلاد الشام، ومثل أبيه الروحي كعب، كان يقول: «إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء»، في إشارة صريحة إلى استخدام "الكتب القديمة" (التي يسميها كتاب الله) للتنبؤ السياسي وتوجيه الصراعات داخل الأمة [37].

​26. محمد بن سيرين

​إمام التابعين في البصرة، وكان أبوه سريناً من سبايا عين التمر. يُعد ابن سيرين البوابة التشريعية الأولى التي أدخلت ثقافة "تأويل الأحلام" والغيبيات المنامية إلى صلب الشريعة الإسلامية، مقتبساً طرق التأويل والرموز من الأدبيات البابلية واليهودية القديمة المحيطة بالعراق [38].

​27. موسى بن نصِير

​القائد العسكري الشهير، والده نصير كان من سبايا عين التمر أيضاً. تشير الروايات النقدية إلى دور عائلته ومواليه في تمرير الكثير من الثقافات المترجمة؛ حيث نُسبت إلى أمه "النابغة" خطوط اجتماعية وثقافية أثرت في البيئة السياسية الأموية [39].

​28. يوسف بن الزبير المكي

​مولى آل الزبير، كان يهودياً فأسلم، وكان رضيعاً للخليفة عبد الملك بن مروان. كان يقرأ الكتب القديمة، ويُعد من القنوات السرية التي غذت البلاط الأموي بالرؤى التنبؤية والقصص التاريخية الإسرائيلية [40].

​29. حمران بن أبان

​مولى عثمان بن عفان، وأصله من سبايا عين التمر (من أصول مسيحية أو يهودية). يُنظر إليه نقدياً باعتباره مخترع أو الصائغ الأساسي للتفاصيل الطقوسية المعقدة في "حديث وضوء النبي" (الصفة الثلاثية والترتيب)، وهي طقوس طهارة بابلية وتلمودية نُقلت بدقة إلى الفقه الإسلامي [41].

​خامساً: الموالي والقصاصون وصانعو الملاحم والأساطير

​30. أبو عمرة (مولى الأنصار)

​من الموالي الذين الروابط الاجتماعية ومجتمع المدينة عُبِّدت لهم الطريق ليكونوا حلقة الوصل في نقل الإرث الثقافي غير العربي وتضمينه في الأحاديث اليومية للصحابة [42].

​31. عبد الأعلى بن أبي عمرة

​زوج أخت موسى بن نصير. من رواد الميثولوجيا (الأساطير) الغيبية؛ حيث يُنسب إليه وضع الحديث الفلكي الأسطوري الذي يقول: «إن المجرة التي في السماء هي عرق الأفعى التي تحت العرش»، وهو تصور كوني مأخوذ بالكامل من الأساطير البابلية واليهودية القديمة حول التنانين والحيَّات الكونية [43].

​32. أبو عبيد (مولى المعلى)

​من التابعين من الموالي الذين نقلوا الروايات والسنن الفقهية المتاخمة للثقافات المجاورة في العهد الأموي والمدني [44].

​33. عبيد بن حنين

​مولى زيد بن الخطاب، كان يروي عن أبي هريرة وزيد بن ثابت، ويُعد من القنوات النشطة في تمرير أحاديث الصفات والقصص التفسيرية ذات الطابع التجسيمي [45].

​34. أفلح (مولى أبي أيوب الأنصاري)

​تابع ومولى، نقل مرويات البيئة المدنية المتأثرة بالثقافة اليهودية السائدة قبل الإسلام [46].

​35. مغيث بن سمي الأوزاعي

​أبو أيوب الشامي، من كبار القصاصين والمحدثين في الشام، عُرف بتبحره في "الكتب المتقدمة" (التوراة والكتب القديمة)، وكان يحدّث بما يجد فيها من الملاحم والفتن وأمور آخر العالم في بلاط الخلفاء [47].

​36. عبد الله بن رباح الأنصاري

​قاص ومحدث مدني ثم بصري، كان يجمع بين القصص الوعظي المستند إلى خلفيات أهل الكتاب والرواية المأثورة [48].

​37. عبيد الله بن رباح

​شقيق عبد الله، سار في نفس المسار الروائي التابع لمدرسة القصاصين والموالي الذين شكلوا الوجدان العام للعامة عبر الحكايات الغيبية [49].

​38. كيسان أبو فروة

​من سبايا عين التمر. اشتراه عثمان بن عفان ثم أعتقه وجعله حافراً للقبور في المدينة. أسس كيسان عائلة روائية كاملة (آل أبي فروة) تخصصت في صياغة ونقل مرويات التفسير والحديث والمغازي تحت رعاية أموية [50].

​39. عبد الله بن كيسان

​ابن أبي فروة، أكمل مسيرة والده في الرواية والاندماج في الآلة الإعلامية الأموية لصناعة الأحاديث والسنن [51].

​40. الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة

​حفيد كيسان، وأحد أقوى رجال الدولة العباسية (حاجب المنصور والمهدي). يمثل هذا الخط العائلي ذروة تحول الموالي من سبايا عين التمر إلى صُناع القرار السياسي والمدونين الكبار للتراث الإسلامي، مكرسين المنظومة الروائية (الوحى الثاني) التي صيغت عبر أجيال من أصول غير عربية ممتلئة بالثقافات الإسرائيلية القديمة [52].

​الهوامش والمراجع والتخريج التراثي

​[1] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج 1، ص 9-11 (الكلام عن إفساد الإسرائيليات للتفسير).

[2] ابن عساكر، تاريخ دمشق، دار الفكر، ج 68، ص 112 (ترجمة الأحبار في الشام).

[3] محمود أبو رية، أضواء على السنة النبوية، دار المعارف، ط 5، ص 145-148 (تسلل التلموديات).

[4] ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، دار صادر، ج 8، ص 413 (أخبار أحبار اليمن).

[5] الذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، ج 3، ص 489 (تأسيس مدرسة القصاصين).

[6] ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر، ج 7، ص 445 (ترجمة كعب الأحبار).

[7] ابن كثير، البداية والنهاية، دار هجر، ج 8، ص 114 (أخذ الصحابة عن كعب).

[8] محمود أبو رية، شيخ المضيرة أبو هريرة، دار المعارف، ص 110-115 (أثر كعب في التجسيم وعذاب القبر).

[9] ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، دار الجيل، ج 1، ص 192 (ترجمة تميم الداري وقصة الخمر).

[10] السيوطي، تاريخ الخلفاء، دار القلم، ص 134 (أولية القصص في المسجد).

[11] صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، حديث رقم 2942.

[12] الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، دار هجر، ج 16، ص 481؛ وج 22، ص 102.

[13] ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، ج 4، ص 312 (نقد مكيّة الآيات ونزولها في ابن سلام).

[14] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب ترجمة الحكام، حديث رقم 7193 (تعلم زيد كتابة اليهود).

[15] ابن قتيبة الدينوري، المعارف، دار الكتب العلمية، ص 243 (تأسيس زيد لعلم الفروض).

[16] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 122 (ترجمة تبيع صاحب الملاحم).

[17] ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 476.

[18] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 4، ص 234 (منبع الإسرائيليات).

[19] المقريزي، الخطط المقريزية (المواعظ والاعتبار)، دار الكتب العلمية، ج 3، ص 356 (نشأة الجبرية والسياسة).

[20] صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، حديث رقم 6227 (حديث خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً).

[21] ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، ج 6، ص 54.

[22] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي، ج 13، ص 441 (ترجمة عبد المنعم بن إدريس وتكذيبه).

[23] الذهبي splinter، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، دار المعرفة، ج 3، ص 468 (طعن مالك في ابن إسحاق وروايته عن اليهود).

[24] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 7، ص 213 (ترجمة جيلان بن فروة أبو الجلد).

[25] ابن حجر، تقريب التهذيب، دار الرشيد، ص 142 (رتبة أبي الجلد).

[26] الإمام أحمد، مسند أحمد بن حنبل، مسند أبي سعيد الخدري، حديث رقم 11779 (حديث كلام الذئب).

[27] الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، ج 5، ص 201 (ذكر أسماء النجوم عن بستاني الإسرائيلي).

[28] صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب لعن المحلل والمحلل له، وحديث تميمة (عسيلتك).

[29] الواقدي، كتاب المغازي، دار الأعلمي، ج 2، ص 512 (أشعار وروايات جبل بن جوال في بني قريظة).

[30] ابن هشام، السيرة النبوية، دار القلم، ج 1، ص 211 (قصة ابن الهيبان ونبوءة سفك الدماء).

[31] ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، دار الأضواء، ج 1، ص 68 (موقف علي من محمد بن مسلمة وقصة خيبر).

[32] ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 453.

[33] البلاذري، أنساب الأشراف، دار اليقظة، ج 1، ص 344 (أخبار يامين بن عمير النضري).

[34] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 325 (ترجمة ابن جريج وأوليته في التدوين).

[35] ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج 11، ص 392 (مرويات جريجرة اليهودي في الشام).

[36] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 361 (ترجمة محمد بن كعب القرظي ونسبه).

[37] ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 10، ص 432 (ترجمة نوف البكالي ومروياته التنبؤية).

[38] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 606 (ترجمة ابن سيرين وسبي عين التمر وتأويل الأحلام).

[39] ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة، ج 2، ص 12 (أصول موسى بن نصير).

[40] المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، مؤسسة الرسالة, ج 32، ص 214 (ترجمة يوسف بن الزبير).

[41] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، رواية حمران عن عثمان، حديث رقم 159.

[42] ابن حجر، الإصابة، ج 7، ص 281 (ترجمة أبي عمرة مولى الأنصار).

[43] الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 124؛ والسيوطي، الدر المنثور، ج 1، ص 89 (حديث المجرة وعرق الأفعى الكونية).

[44] ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج 9، ص 411.

[45] البخاري، التاريخ الكبير، دار دائرة المعارف العثمانية، ج 5، ص 376 (ترجمة عبيد بن حنين).

[46] ابن حبان، كتاب الثقات، دار الكتب العلمية، ج 4، ص 53.

[47] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 278 (ترجمة مغيث بن سمي الأوزاعي وقراءته للكتب القديمة).

[48] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 288.

[49] المزي، تهذيب الكمال، ج 19، ص 41.

[50] ابن قتيبة، المعارف، ص 311 (قصة كيسان أبي فروة وحفر القبور وسبي عين التمر).

[51] الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، ص 472 (ترجمة عبد الله بن كيسان آل أبي فروة).

[52] الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، ج 8، ص 143 (دور الربيع بن يونس في الدولة العباسية ونفوذ آل أبي فروة).

 

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني



مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس

​مقدمة

​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر.

​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1].

​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغاشمة والانتصارات السريعة على الجيوش العربية النظامية، لم يعد بإمكانهم اليوم تحقيق مثل تلك الانتصارات؛ إذ لم يعد الصراع محصوراً في حرب جيوش تقليدية كما كان سابقاً. وقد تجلى ذلك بوضوح بعد الهزيمة المدوية للكيان عام 2006 أمام المقاومة الإسلامية في لبنان في حرب غير متكافئة عُدداً وعُدة، وأمام صمود المقاومة الفلسطينية الباسلة، خاصة في قطاع غزة الذي تحررت أجزاء عديدة منه رغماً عن أنوف الصهاينة بفعل ضربات المقاومة [2].

​أولاً: جوهر الصراع (صراع وجود لا صراع حدود)

​بناءً على المعطيات التاريخية والميدانية، يمكن الجزم بأن طبيعة الصراع لم تتغير؛ فهو صراع وجود لا صراع حدود، وبالتالي فهو صراع لا يُحل بالمعاهدات، أو الاتفاقيات، أو بترسيم الحدود بين الأطراف المتنازعة. إن هذا الصراع لن يتوقف إلا بإنهاء أحد الطرفين للآخر، وهذه هي الحقيقة التاريخية الثابتة للصراعات بين الشعوب المُستعمَرة (بفتح الميم) والقوى المُستعمِرة (بكسر الميم)؛ إذ ينتهي الصراع دائماً لمصلحة الشعوب صاحبة الأرض الشرعية.

​والأدلة التاريخية المعاصرة ماثلة أمام أعيننا:

​اندحار الاستعمار التقليدي: هزيمة الدول الاستعمارية الكبرى أمام حركات التحرر الوطني في العالم الثالث ونيل هذه الشعوب استقلالها.

​انهيار نظام الأبرتهايد: سقوط النظام العنصري في جنوب إفريقيا واختفاؤه إلى الأبد، بالرغم من الدعم المادي والسياسي والعسكري الهائل الذي كان يتلقاه من الدول الغربية الإمبريالية [3].

​وعليه، فإن النظام العنصري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين سوف ينهار حتماً، وتعود الأرض إلى أصحابها الشرعيين دون أدنى شك. إن كل قضية أو مشكلة موضوعية في الواقع الاجتماعي لا بد أن يكون لها حل صحيح واحد نهائي مهما تباينت الرؤى والمحاولات، وطبيعة القضية الفلسطينية تقتضي حلاً جذرياً واحداً لا يقبل المساومة أو التجزئة، لأن الحلول الترقيعية لا تزيد المشكلة إلا تعقيداً واستعصاءً.

​ثانياً: نقد الرؤى والحلول القاصرة والمتجاوزة

​منذ قيام دولة العصابات الصهيونية على جزء من الوطن العربي عام 1948، استقطبت هذه القضية الكثير من القوى والحركات الفكرية والسياسية، وسال في سبيلها الكثير من الحبر تنظيراً، والكثير من الدماء دفاعاً عن الأمة. ولكي نفهم المشكلة بصورة علمية وموضوعية، لا بد من نقد وتفكيك بعض الرؤى المطروحة من داخل الساحة العربية، والتي جانبت الصواب وانقادت -من حيث لا تشعر- لخدمة المشروع الصهيوني بسبب قصورها الفكري:

​1. الأطروحة الدينية (اختزال الصراع في البُعد الديني)

​تتمثل هذه الرؤية في الادعاء القائل بأن حقيقة المشكلة في فلسطين هي صراع ديني بحت بين العرب واليهود. وهذا خطأ جسيم في الفهم والتوصيف؛ لأن العروبة قومية واليهودية ديانة، ولكل منهما دلالة واشتراطات مختلفة. إن تصوير القضية كصراع ديني يحلّه "قبول التعايش بين الأديان" هو تشويه للواقع، فالتعايش كان قائماً التاريخ الإسلامي برمتّه وقبل العدوان الصهيوني المدعوم من الاستعمار الغربي، بدليل أن العرب (مسلمين ومسيحيين) قاتلوا معاً صفاً واحداً ضد الغزوات الصليبية تاريخياً [4].

​إن الذين يقدمون الدين بديلاً عن القومية الجامعة سينتهي بهم الأمر -نظرياً وعملياً- إلى قبول اقتسام الوطن العربي بين الأديان الثلاثة، وبالتالي سيكون على كل مسلم أو مسيحي الخروج من "أرض اليهود" في فلسطين، وهو ما يعني القبول بالحل الصهيوني العنصري من حيث يظنون أنهم يحاربونه بالتعصب الديني.

​2. الأطروحة الطبقية والأممية المتجاوزة

​وهو الادعاء الذي يطرح قضية فلسطين على أساس أنها صراع حول ملكية أدوات الإنتاج بين الطبقات الاجتماعية (بين رجعيين وتقدميين). هذا الفهم يُعد خطأً فادحاً حتى لو طُرح كمناورة تكتيكية لشق الجبهة الداخلية للصهاينة؛ لأن تحويل هذا التمزيق الطبقي إلى غاية بديلة عن الغاية التحررية الأصلية سينتهي بالصراع إلى مجرد انتقال أرض فلسطين من فريق صهيوني "رجعي" إلى فريق صهيوني "تقدمي".

​إن إحلال الأممية بدلاً من القومية والاحتكام لوحدة الموقف من علاقات الإنتاج سيعني قبول أن يحل العمال والفلاحون الصهاينة محل العمال والفلاحين العرب المغتصبة أرضهم، واعتبار الصهاينة "حلفاء طبيعيين" للمشردين العرب في المخيمات، وتحويل اللاجئين إلى احتياط بشري تحت قيادة "البروليتاريا الصهيونية" في نضالها الثوري المزعوم من أجل الاشتراكية! وهي مفارقة تنتهي بخلع الشرعية عن حقوق الأمة المعتدى عليها والانتصار للمعتدي الصهيوني [5].

​3. أطروحة "الشرعية الدولية" والاعتراف الواقعي

​وهي الأطروحة القائلة بأن مشكلة اغتصاب الأرض قد حُلت منذ اعتراف المجتمع الدولي بدولة إسرائيل وقبولها عضواً في الأمم المتحدة، وتحولها إلى مشكلة "سلام بين دول متجاورة".

​إن هذه الاعترافات والقرارات الدولية لا تمنح أي شرعية لوجود الكيان على الأرض العربية؛ ففي القانون الدولي، القرارات التي تتخذها الدول غير قابلة لإحداث أثر مشروع خارج نطاق الإقليم الذي تمارس عليه سيادتها الأصيلة [6]. وبما أن الدول التي اعترفت بالكيان لا تملك السيادة على إقليم فلسطين، فإن اعترافها يضفي "قانونية" على تعاملاتها الثنائية فقط، ولكنه لا يضفي "شرعية" على اغتصاب أراضي الغير بالقوة، وهو أمر محظور صراحة في ميثاق الأمم المتحدة نفسه.

​وبالتالي، فإن ما يُسمى بـ"الشرعية الدولية" ليس قدراً محتوماً، والقضية الفلسطينية هي قضية شعب احتُلت أرضه بالقوة وطُرد منها ليحل محله شتات جيء بهم من أوروبا وأصقاع العالم لحل "المسألة اليهودية" الأوروبية على حساب العرب. إن الهروب إلى الحلول السلمية والتسويات لا يمنح الصهاينة الأمن مطلقا؛ لأنهم يعلمون في أعماقهم أنهم مغتصبون، وأن أصحاب الأرض لن يسكتوا عن الظلم.

​أما بخصوص اعتراف بعض النظم العربية أو الأطراف الفلسطينية بالكيان الصهيوني تحت ذريعة "الواقعية السياسية" أو "الظروف الموضوعية"، فإننا -ومع استبعاد تهمة الخيانة العمدية عن الجميع- نضع هذه التنازلات تحت طائلة الأخطاء الاستراتيجية الجسيمة. إن هذا الاعتراف لا يغير من جوهر الصراع شيئاً؛ لأن الطرف المعترف لا يملك أرض فلسطين بمفرده، فهي ملكية مشتركة للأمة العربية بأكملها وعبر أجيالها المتعاقبة. ولو فرضنا جدلاً أن الجيل الحالي استسلم تحت وطأة الظروف، فإن هذا الاعتراف لا يُلزم الأجيال المقبلة التي ستنشأ في ظروف وموازين قوى أفضل [7].

​ثالثاً: مفهوم السلام العادل والشامل

​إن معظم الأطروحات الدولية والمساعي الدبلوماسية التي تتحدث عن "السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط" هي أطروحات مخادعة ومخاتلة؛ لأنها مصممة لخدمة الكيان الصهيوني وتثبيت مكاسبه الاستعمارية. السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بالاستناد إلى طبيعة الأمة العربية وهويتها الحضارية، والتي تتميز ببعدين أساسيين:

​الأمة العربية أمة مسالمة أصيلة: إن انتماء الأمة للاستنارة والقيم الحضارية والإسلامية (حيث يشكل المسلمون أكثر من 90% والمسيحيون الشرقيون بقيتهم الحية والمشاركة في كل حروب التحرير ضد الصليبيين والاستعمار الحديث) يجعلها أمة ترفض العدوان. الحروب التاريخية للأمة كانت دفاعية ولم تنتج فكراً استعمارياً أو نازياً أو صهيونياً، بل كانت دائماً ضحية لهذه الأفكار الوافدة.

​أمة ترفض الاستسلام ومستعدة للدفاع لآخر رمق: الأمة العربية لا تظلم، ولكنها إذا ظُلمت لا تستكين. وخلافاً لشعوب أخرى أعلنت الاستسلام عقب ضربات كبرى (كاليابان بعد القنبلتين النوويتين)، فإن الشعب العربي لا يستسلم؛ ففي العراق عام 2003، أُلقي من المتفجرات ما يعادل عشرات القنابل النووية ومع ذلك انطلقت مقاومة ضارية أجبرت قوات الاحتلال الأمريكي على الانكفاء والانسحاب لاحقاً [8]. وفي لبنان تم دحر العدو عام 2000 وصمود عام 2006، وكذلك الحال في غزة المحاصرة.

​بناءً على هذه المعطيات، فإن الحل السلمي والعادل والوحيد يكمن في:

​خروج الصهاينة من أرض فلسطين وعودتهم إلى بلدانهم الأصلية التي جاؤوا منها (خاصة وأن جلهم يحتفظ بجنسيته الأصيلة).

​عودة كافة اللاجئين والمشردين إلى ديارهم وتعويضهم عن سنوات الحرمان، وعلى الدول الأوروبية المسؤولة عن المأساة تحمّل كلفة هذا التعويض وتسهيل عودة رعاياها.

​تقديم القيادات الصهيونية المجرمة للمحاكمة العادلة أمام محاكم جرائم الحرب.

​رابعاً: الطريق إلى تحرير فلسطين

​إن التساؤل المشهدى والجوهري المطروح دائماً بعد كل جولة مواجهة أو عدوان يتوقف على قطاع غزة أو غيرها هو: ما السبيل إلى تحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر دون تنازل عن ذرة تراب واحدة؟

​إن خيار المقاومة هو السبيل الأوحد لإنهاء الوجود الصهيوني، ويتلخص الطريق إلى التحرير في النقاط الاستراتيجية التالية:

​1. استدامة الاشتباك وحرب العصابات

​تفعيل خيار المقاومة بكل أشكالها ومواصلة الاشتباك مع العدو الصهيوني بشكل دائم لعدم ترك الفرصة له لالتقاط أنفاسه. إن الهدف الاستراتيجي للكيان هو توفير "الأمن والرفاه" للمستوطنين المستجلبين، وبمنع تحقيق هذا الهدف ينهار أساس وجود الكيان وتتحول الأرض تحت أقدامه إلى رمال متحركة. المقاومة لا تحتاج بالضرورة لجيوش جرارة توازن العدو في الطائرات والدبابات، بل عبر حرب العصابات والوسائل القتالية غير المتكافئة التي أثبتت جدواها في لبنان وغزة والعراق.

​2. العصيان المدني والتخريب المنظم لبنية الكيان

​استخدام أدوات المقاومة الشعبية والعصيان المدني داخل الأرض المحتلة؛ عبر خرق قوانين الدولة الصهيونية، واستهداف الأعمدة الحيوية وشبكات البنية التحتية من كهرباء وهاتف وتوصيلات مياه وأنابيب صرف صحي، لخلق حالة من الإزعاج الدائم وعدم الاستقرار، وإفهام المستوطن الصهيوني عملياً بأن إقامته فوق هذه الأرض مكلفة وخطيرة جداً. أما التفاوض فلا يكون إلا في المراحل الأخيرة للصراع حول آلية وكيفية رحيلهم.

​3. المقاطعة الاقتصادية الشاملة

​تفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية ومحاصرة الكيان لمنع نموه الاقتصادي، ليبقى دائماً مأزوماً ويعاني من العجز المالي المستمر، مما يضرب ركيزة "الرفاهية الاقتصادية" التي تجذب الهجرات الصهيونية.

​4. المواجهة الإعلامية والقانونية

​تقديم الرواية التاريخية والحقيقة الموضوعية للصراع للرأي العام العالمي، وتأطير المواجهة بصفتها حركة تحرر وطني ضد استعمار استيطاني عنصري (أبرتهايد) شبيه بالنظام البائد في جنوب إفريقيا، مما يسهم في عزل الكيان دولياً وتجريده من غطائه الأخلاقي والسياسي [9].

​خاتمة

​إن الأمة العربية تملك من إمكانيات الصمود والمقاومة، ومن القدرات المادية والمعنوية والحضارية والتاريخية، ما يجعلها قادرة -ولو بعد حين- على فرض الحل الأمثل الذي يردع العدوان ويسترد الكرامة والعزة المسلوبة. إن فلسطين أرض مباركة تعمّدت بالدم والدموع، وتحريرها ليس وهماً، بل هو حتمية تاريخية تفرضها طبيعة الصراع الوجودي.

​المراجع والهوامش (References)

​[1] خشيني، الناصر (2014). طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين. مداخلة منشورة في شبكة الصفصاف الإخبارية (تاريخ النشر: 27 آب/أغسطس 2014).

[2] شفيق، منير (2007). الاستراتيجية والمقاومة: قراءة في تجربة حزب الله وحرب تموز 2006. بيروت: الدار العربية للعلوم. (توضيح لأثر حرب 2006 في تغيير موازين القوى العسكرية التقليدية).

[3] مانديلا، نيلسون (1994). رحلتي الطويلة من أجل الحرية. ترجمة: فاروق عبد القادر. القاهرة: دار الشروق. (للمقارنة التاريخية بين سقوط نظام الأبرتهايد ومستقبل الكيان الصهيوني).

[4] المسيري، عبد الوهاب (1999). موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (المجلد السادس). القاهرة: دار الشروق. (لبيان الفرق المفهومي بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية استعمارية).

[5] علوش، ناجي (1976). الحركة الوطنية الفلسطينية والصراع الطبقي. بيروت: دار الطليعة. (نقد للأطروحات الأممية والطبقية القاصرة في فهم البعد القومي للقضية الفلسطينية).

[6] القاسم، أنيس (1988). فلسطين والقانون الدولي. عمان: دار الجليل للنشر. (دراسة تفصيلية حول عدم شرعية القرارات الدولية الصادرة بنقل السيادة أو الاعتراف بكيانات استيطانية على أراضٍ مغتصبة).

[7] بشارة، عزمي (2002). من يهودية الدولة حتى شارون. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (تحليل لمفهوم "أخطاء التسوية" والاستراتيجيات العربية الرسمية).

[8] الكبيسي، وميض (2008). المقاومة العراقية والتوازن الاستراتيجي بعد غزو 2003. بغداد: مركز الدراسات الدولية.

[9] بايس، إيلان (2006). التطهير العرقي في فلسطين. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. (لبيان البُعد العنصري والاستيطاني للكيان الصهيوني والمشابه لنظام جنوب إفريقيا السابق).

الخميس، 4 يونيو 2026

حديد تونس بين مطرقة سوء التصرف وسندان اللوبيات: قراءة في استنزاف ثروة استراتيجية بقلم: الناصر خشيني

 


تعد صناعة الحديد والصلب في تونس عنواناً لسيادة اقتصادية مهدورة، حيث تحول قطاع كان من المفترض أن يكون قاطرة للتنمية إلى ساحة مفتوحة للصراعات والمضاربات. إن ما يشهده "مصنع الفولاذ" بمنزل بورقيبة اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو نتاج تضارب مصالح بين الدولة الساعية لاستعادة أصولها، و"لوبيات" ترى في استمرار الإنتاج الوطني عائقاً أمام أرباحها القائمة على الاستيراد والسمسرة.
أولاً: الثروة المنسية.. من المناجم إلى "الخردة"
تمتلك تونس إرثاً تعدينياً هاماً يرتكز على منجم جبل الجريصة بالكاف، الذي يمثل العمود الفقري لتزويد الصناعة الوطنية بالمادة الخام، بطاقة إنتاجية تاريخية كانت تتراوح بين 500 و600 ألف طن سنوياً. لكن، وبدلاً من تطوير هذا المنجم وربطه بسلسلة إنتاج متكاملة، عانى الموقع من تهميش تقني وتراجع في الاستثمارات.
بالتوازي مع ذلك، برزت فضيحة "الخردة" (Scrap)؛ حيث تقبع مئات آلاف الأطنان من الحديد عالي الجودة في مستودعات السكك الحديدية والشركات العمومية، ملقاة في العراء لتأكلها الصدأ، في حين يُحرم منها مصنع الفولاذ. هذه المادة الأولية، التي تُقدر قيمتها بمئات الملايين، كانت تُباع أحياناً بأسعار زهيدة لوسطاء يقومون بتصديرها، مما يُجبر الدولة لاحقاً على استيراد حديد مصنع بالعملة الصعبة.
ثانياً: الفوارق التقنية.. لماذا الحديد الوطني أفضل؟
من الناحية الفنية، يبرز فرق شاسع بين المنتج الوطني والحديد المستورد (خاصة الجزائري الذي يغرق السوق حالياً):
  1. المواصفات (NT): يخضع الحديد التونسي للمواصفات التونسية الصارمة التي تضمن نسبة مرونة عالية (Elongation). هذا يعني أن الحديد التونسي "يطاوع" البناء عند وقوع ضغوط هيكلية أو اهتزازات.
  2. أزمة الحديد الصلب (Acier Dur): يشتكي المقاولون من أن الحديد المستورد غالباً ما يكون "صلبًا" بشكل مفرط؛ فعند ثنيه في الورشات، يتعرض للتشقق أو الكسر الفجئي (ما يعرف بـ "الطرشقة")، وهو ما يمثل خطراً إنشائياً جسيماً على المدى الطويل.
ثالثاً: اللوبيات وسيناريو "الغلق للتفويت"
تتحرك في الكواليس لوبيات قوية تتبع استراتيجية "التجويع فالتفويت". تبدأ العملية بتعطيل تزويد المصنع بالمادة الخام، ثم افتعال أزمات في الصيانة أدت لتراكم ديون تجاوزت 450 مليون دينار. هذا التوقف المتعمد يخلق نقصاً حاداً، يبرر التدخل العاجل لـ "كبار المستوردين" الذين يعوضون المنتج الوطني بمنتجات مستوردة أقل جودة وأعلى ربحية لهم. والهدف النهائي هو إيصال المصنع إلى حالة "الموت السريري" ليتم التفويت فيه بأسعار بخسة لمستثمرين يتربصون بالقطاع.
رابعاً: الخاتمة واستراتيجية الإنقاذ الوطني
إن إنقاذ ثروة الحديد التونسية لم يعد ترفاً، بل هو معركة استرداد سيادة. ولتحقيق ذلك، يجب على الدولة تبني خارطة طريق واضحة تعتمد على:
  1. التكامل المنجمي: إعادة إحياء منجم جبل الجريصة وتطوير تقنيات الاستخراج لضمان تدفق المادة الخام بانتظام نحو منزل بورقيبة.
  2. تأميم "الخردة": تفعيل المراسيم التي تمنح مصنع الفولاذ الأولوية المطلقة والحصرية في الحصول على فضلات الحديد من كافة مؤسسات الدولة مجاناً أو بأسعار رمزية.
  3. الحماية الجمركية والنوعية: فرض رقابة مخبرية صارمة على الحديد المستورد، ومنع دخول أي شحنات لا تطابق مواصفات السلامة التونسية، مع فرض رسوم تحمي الصناعة المحلية من الإغراق.
إن الحديد التونسي هو عصب البناء والأمن القومي، وإعادة الروح لمصنع الفولاذ هي الرسالة الأقوى بأن الدولة لن تترك ثرواتها لقمة سائغة في أفواه المحتكرين.

المصادر المرجعية:
  • تقارير شركة جبل الجريصة ووزارة الصناعة (تونس).
  • بيانات المعهد الوطني للإحصاء حول واردات التعدين.
  • تصريحات رئاسة الجمهورية حول "ملف الخردة المنهوبة" (2023-2024).
  • تقارير فنية من عمادة المهندسين والمقاولين حول جودة حديد التسليح

هدر الثروة البشرية في تونس: حين تُصدِّر الدولة عقولها بدل أن تستثمرها بقلم: الناصر خشيني

 



مدخل
ثمة مفارقة مؤلمة تعيشها تونس منذ سنوات: دولة تُنفق من مال الشعب مئات الملايين لتكوين أطبائها ومهندسيها وأساتذتها، ثم تُقدّمهم على طبق من ذهب للاقتصادات الأوروبية والخليجية التي تستقبلهم بأذرع مفتوحة. وفي الوقت ذاته، يتقطر المواطن في طوابير الانتظار أمام مستشفيات مُنهَكة، ويعاني الاقتصاد من شُحّ في الكفاءات التقنية، بينما تتراكم في الجامعات حملة الشهادات المُعطَّلون الذين لا يجدون لهم موطئ قدم في سوق عمل منهكة. هذا الهدر المزدوج للثروة البشرية هو موضوعنا، بكل أرقامه ومفاعيله وحلوله الممكنة.
أولاً: حجم الكارثة بالأرقام
الأرقام المتعلقة بهجرة الكفاءات لا تحتاج إلى تعليق، فهي صادمة بذاتها.
في قطاع الطب: شهدت سنة 2024 هجرة حوالي 1450 طبيباً تونسياً إلى الخارج، وكشفت دراسة للمرصد الوطني للهجرة أن 3300 طبيب غادروا تونس ما بين سنتَي 2015 و2020.  (Ultra Tunisia) والمجموع الإجمالي للأطباء المهاجرين بلغ حتى مطلع 2024 نحو 4 آلاف طبيب من أصل 29 ألف طبيب مسجلين، ويغادر تونس سنوياً 80% من الأطباء الشبان حديثي التخرج، وجهتهم الأساسية ألمانيا وفرنسا ودول الخليج وكندا.  (Ourouba22)
في قطاع الهندسة: وصلت هجرة المهندسين إلى 6500 مهندس خلال عام 2022 وحده، وهو رقم يتضاعف من سنة إلى أخرى.  (AA.com.tr) وفي غضون خمس سنوات فقط، هاجر حوالي 40 ألف مهندس تونسي.  (Al Arab)
في قطاع التمريض والأطر شبه الطبية: بلغ عدد المنتدبين للعمل بالخارج عبر الوكالة التونسية للتعاون الفني 3650 إطاراً سنة 2024، استأثر قطاع الصحة منهم بـ1244 إطاراً طبياً وشبه طبي، أي ما يعادل 43% من مجموع الانتدابات.  (Ultra Tunisia)
الكلفة المالية على دافع الضرائب: تكوين طبيب واحد في تونس يكلّف أكثر من 100 ألف دينار عن السنة الواحدة، ما يعني أن التكوين الكامل لطبيب متخصص يُثقل كاهل الميزانية العامة بمبالغ طائلة.  (Ourouba22) وقد أكد رئيس لجنة التربية بالبرلمان أن كلفة تكوين الأطباء والمهندسين، البالغة نحو 34 ألف دولار للفرد، يتحمّلها التونسيون من دافعي الضرائب دون أن يستفيدوا من خدماتهم.  (Al Hurra)
ثانياً: الأسباب الجذرية... ليس الفرار شهوة سفر
من الإجحاف وصف الأطباء والمهندسين المهاجرين بناكري الجميل دون استيعاب الأسباب الهيكلية التي تدفعهم إلى الرحيل. فالمهاجر لا يهرب من وطنه، بل يهرب من شروط عمل لا تليق بكفاءته.
الأجور الضعيفة تُعدّ أبرز أسباب هجرة المهندسين والأطباء التونسيين، فضلاً عن محدودية التطور المهني وغياب الاعتراف بالكفاءة.  (AA.com.tr) وقد خلصت دراسة نشرها معهد الصحة والسلامة المهنية في يناير 2026 إلى أن 84.6% من الممرضين المهاجرين يغادرون بسبب تدني الرواتب، و76.9% بهدف تحسين ظروفهم المعيشية.  (Ultra Tunisia)
يُضاف إلى ذلك اختلال التوازن بين الجهد المبذول والأجر المقبوض، وظروف العمل في المستشفيات، وغياب الحماية الأمنية للأطباء.  (AA.com.tr) ناهيك عن أن الطبيب الشاب يُلقى في الشارع بعد سنوات من الدراسة دون ضمان لتشغيله ودون منظومة دعم تُعينه على الانطلاق.
أما على صعيد المنظومة الكبرى، فإن عميد المهندسين يُرجع استفحال الظاهرة إلى تقادم المنوال التنموي والاقتصادي الذي يعود إلى الستينيات، مشيراً إلى أنه كان بالإمكان الاستفادة من هؤلاء الخريجين لخلق الثروة لو أن الاقتصاد مبني على اقتصاد المعرفة بدلاً من الاقتصاد الريعي السائد.  (Al Jazeera)
في المقابل، تقدّم أوروبا ما لا تستطيع تونس تقديمه. تضاعف عدد الأطباء التونسيين الذين تنتدبهم فرنسا من 80 طبيباً لقسم الطوارئ عام 2019، إلى 160 طبيباً عام 2023، ثم إلى 250 طبيباً عام 2024، أي ما يساوي 50% من الأطباء الناجحين التونسيين.  (AA.com.tr)
ثالثاً: بطالة الخريجين... المفارقة الكبرى
والمعادلة بالغة الغرابة: تونس تُصدِّر كفاءاتها وتعاني في الوقت ذاته من بطالة مرتفعة بين حاملي الشهادات العليا.
ارتفعت نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا إلى 23.4% خلال الثلاثي الأول من 2024، وتبلغ 31.2% لدى الإناث منهم.  (Al Arab) وبلغ عدد خريجي التعليم العالي أكثر من 50 ألفاً سنة 2019-2020، في مقابل سوق شغل لا تستوعبهم.  (Al Jazeera)
والأشد مرارة أن 89% من خريجي الجامعات التونسية يرغبون في الهجرة  (Aajsa) ، وهو رقم يُلخّص في رقم واحد عمق اليأس وهشاشة الثقة في المستقبل. ويرى خبراء أن جوهر الأزمة يكمن في الاختلال بين ما توفره الجامعات من شهادات وما تطلبه سوق الشغل، وهو اختلال يعود إلى غياب الإصلاح التشاركي وضعف التأطير جراء هجرة الأساتذة الأكفاء لانعدام التحفيز.  (Al Jazeera)
رابعاً: ما صدر من قوانين وما بقي حبراً على ورق
لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي تماماً، بيد أن ردود أفعالها تبدو في الغالب انفعالية لا استراتيجية.
في مشروع قانون الموازنة لسنة 2025، تقدّم نواب بمبادرة تشريعية تُلزم الكفاءات المهاجرة بتسديد 50% من تكلفة تعليمهم على أقساط تمتد خمس سنوات، تُدفع بموجب عقد مع المشغّل الأجنبي.  (Alpheratzmag)
غير أن هذا المقترح فجّر جدلاً واسعاً، وذلك لأسباب موضوعية. أشار المعارضون إلى أن إلزام الأطباء بدفع تعويضات مالية قد يُعزّز عزوف الشباب عن دراسة الطب، ويُغلق الباب أمام عودة الكفاءات الطبية التي تفكر في الاستثمار داخل تونس.  (Alpheratzmag) وقد جاء مشروع القانون دون حوار وطني شامل ودون تشاور مع النقابات المهنية والجهات المعنية.  (Alpheratzmag)
والواضح أن معالجة عرض مؤلم بعقوبة مالية ليست حلاً جذرياً، بل هي تحميل الضحية وزر إخفاق المنظومة.
خامساً: الحلول الممكنة... شريطة الإرادة
الحلول الحقيقية معروفة ومدروسة، وليست وليدة الخيال، غير أنها تحتاج إلى شجاعة في التطبيق.
أولاً: إصلاح منظومة الأجور والحوافز. لا يمكن الاحتجاج بالولاء الوطني في مواجهة فارق صارخ بين الأجر في تونس وفي أوروبا. الحل يبدأ بمراجعة سلّم الأجور في القطاع الصحي والتقني، وربطه بمعايير موضوعية تُحترم. من بين المقترحات التي أوصى بها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية: دعم المهندسين مالياً ومهنياً، وتحسين مناخ الاستثمار ليتمكنوا من إنشاء مؤسسات خاصة تخلق الثروة وتُشغّل الناس.  (AA.com.tr)
ثانياً: إصلاح منظومة التكوين والتوجيه. التعليم الذي ينتج خريجاً لا تحتاجه سوق الشغل هو هدر مزدوج. يجب مراجعة التخصصات الجامعية وربطها باحتياجات الاقتصاد الفعلي، مع تطوير نظام التدريب المهني كبديل عملي يُقلّص الهوة بين الشهادات ومتطلبات العمل.
ثالثاً: تشجيع عودة الكفاءات المهاجرة. بدلاً من معاقبة المهاجر، الأجدى استقطابه بحوافز ملموسة كالإعفاءات الضريبية، والتسهيلات في التشغيل وفتح العيادات والمكاتب الهندسية، وبرامج تُمكّنه من الإسهام في التنمية حتى من الخارج. وقد أوصت الدراسات بأن تسعى تونس لتصدير المنتجات والخدمات عوضاً عن تصدير المهندسين والأطباء.  (AA.com.tr)
رابعاً: تعديل عقد التكوين بصورة عادلة. الفكرة الجوهرية معقولة: من تكوّن على نفقة الدولة، يُلتزم بخدمة وطنية لفترة معقولة قبل الرحيل. غير أن تطبيق هذا المبدأ يستلزم في المقابل أن توفّر الدولة لهم شروط العمل اللائقة، وإلا فهو عقد من طرف واحد.
خامساً: ضرب الاقتصاد الريعي ووسطاء التشغيل. المهندس الشاب الذي لا يجد عملاً في وطنه لا يهاجر بالضرورة لغياب الكفاءة، بل لغياب البيئة الاستثمارية السليمة. إصلاح منظومة التشغيل يمر عبر تكسير شبكات المحسوبية في توزيع المناصب العمومية، وتفعيل مبدأ الكفاءة بدلاً من الولاء.
خاتمة
الدولة تنفق نحو 100 ألف دينار على كل طالب منذ بداية مسيرته الدراسية  (Al Jazeera) ، ثم تتفرج عليه يحزم أمتعته نحو فرانكفورت وباريس وتورنتو. هذا ليس قدراً، بل هو نتيجة حتمية لسياسات تنموية متهالكة وأجور تُهين الكفاءة وبيئة عمل طاردة. الثروة البشرية التونسية حقيقية وموثوقة، والدليل أن الغرب يتسابق لاستقطابها. المسألة إذن ليست مسألة جودة الكفاءة، بل مسألة جودة السياسات. والسؤال المُلحّ: متى تُدرك الدولة أن الاستثمار في الإنسان وضمان كرامته لا يقل عن الاستثمار في الإنفراستركتشر والمشاريع الكبرى؟ وأن العقول التي تغادر اليوم لن تعود غداً بمجرد نداء وطني مُجوَّف لا يُرفق بأفعال؟
المراجع والمصادر
وكالة الأناضول، "هجرة الأطباء والمهندسين التونسيين: أسباب وحلول"، تحليل خاص، 2024.
موقع ألفراتس، "هجرة الكفاءات في تونس: مشروع قانون يُلزم الأطباء بالخدمة عشر سنوات"، يوليو 2025.
موقع أوروبا22، "معضلة هجرة الأطباء في تونس: الأسباب والحلول"، نوفمبر 2024.
موقع الحرة، "المال مقابل المغادرة: مقترح قانون يفتح ملف هجرة الكفاءات في تونس"، نوفمبر 2024.
صحيفة العرب لندن، "جدل في تونس حول مقترح قانون يفتح ملف هجرة الكفاءات"، 2024.
موقع الترا تونس، "دراسة: 84.6% من الممرضين يهاجرون بسبب تدني الرواتب"، فبراير 2026.
موقع الترا تونس، "1450 طبيباً تونسياً هاجروا إلى الخارج سنة 2024"، يناير 2025.
موقع الجزيرة نت، "باتت حلم الكثيرين: ماذا تخسر تونس من هجرة كفاءاتها؟"، أكتوبر 2022.
موقع AAJSA، "مستقبل الخريجين في تونس"، ديسمبر 2025.
صحيفة العرب لندن، "تفاوت بين الجهات والاختصاصات في معدلات البطالة في تونس"، سبتمبر 2025.
المرصد الوطني للهجرة التونسي، "هجرة الأدمغة والكفاءات"، تقديرات 2024.
المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، دراسة حول هجرة المهنيين الصحيين، مارس 2024.
المعهد الوطني للإحصاء (INS)، مؤشرات التشغيل والبطالة 2024-2025.


 


انحسار "إسرائيل الكبرى" وانكفاء الهيمنة الأمريكية في مياه هرمز ​بقلم: الناصر خشيني



​يشهد العالم في مطلع عام 2026 تحولاً دراماتيكياً في موازين القوى؛ حيث لم يعد "مضيق هرمز" مجرد ممر مائي، بل صار مقبرة لأوهام الهيمنة الأحادية. إن ما جرى من "ضربة استباقية" في الفجيرة وما تبعها من مفاجآت استراتيجية على جبهة لبنان، وضع واشنطن وتل أبيب أمام واقع جيوسياسي جديد لا يمكن الالتفاف عليه.
​أولاً: إجهاض حملة الفجيرة والانكفاء الأمريكي
كانت المحاولة الأمريكية لتدشين حملة انطلاقاً من الإمارات تهدف إلى فرض "نسخة مشوهة" من حرية الملاحة تخدم مصالحها المنفردة. إلا أن رد الفعل الإيراني في الفجيرة، كضربة استباقية أجهضت هذه الحملة في مهدها، دفع واشنطن للانتقال من مربع التهديد العسكري إلى مربع "التفاوض الاضطراري" لحماية ما تبقى من تدفقات الطاقة العالمية.
​ثانياً: ملامح اتفاق هرمز المحتمل (الـ 14 بنداً)
تشير المعطيات السياسية الحالية إلى اقتراب واشنطن من توقيع تفاهم مع طهران يتضمن 14 بنداً جوهرياً لنزع فتيل الانفجار الشامل:
​الاعتراف المتبادل بالحقوق الملاحية وضمان أمن الناقلات.
​تحييد الموانئ الاستراتيجية (كالفجيرة) عن أي أعمال عدائية.
​تخفيف العقوبات التقنية والسماح بتصدير كميات محددة من النفط.
​إنشاء خط ساخن مشترك (نظام إنذار مبكر) لتجنب الصدام العرضي.
​جدولة سحب التعزيزات البحرية الأمريكية الاستثنائية من المنطقة.
​وضع ضوابط لتحليق المسيرات فوق الممرات المائية الدولية.
​إطلاق حوار أمني إقليمي مباشر (إيراني-خليجي) برعاية دولية.
​تجميد التصعيد الإعلامي والحملات الدعائية الموجهة.
​تعهد الطرفين بحماية الكابلات البحرية والبنية التحتية للطاقة.
​تشكيل لجان فنية مشتركة لمراقبة سلامة المرور البحري.
​تسوية ملف السجناء والرهائن كبادرة حسن نية.
​رسم خارطة طريق لتقليص الوجود العسكري الأجنبي واستبداله بمنظومة أمن إقليمي.
​التنسيق المشترك في عمليات مكافحة القرصنة البحرية.
​بروتوكول تفتيش فني لا يمس بالسيادة الوطنية للدول المشاطئة.
​ثالثاً: تصدع "إسرائيل الكبرى" وصعود الأقطاب
تزامن هذا الانكفاء الأمريكي مع تآكل بنيوي في قدرات الكيان الصهيوني. إن المواجهات المفاجئة والقوية مع حزب الله أثبتت أن نظرية "الجيش الذي لا يقهر" قد سقطت ميدانياً. لم يعد الكيان قادراً على لعب دور "الشرطي الوظيفي" لأمريكا، بل تحول إلى عبء يتطلب حماية خارجية مستمرة. هذا التراجع الصهيوني فسح المجال لظهور أقطاب دولية كالصين وروسيا، اللتين استغلتا الفراغ لتعزيز نفوذهما الاقتصادي والسياسي، مع تعاظم الدور الإيراني كقطب إقليمي وازن فرض شروطه بالصمود والمقاومة.
​خاتمة وحتمية المواجهة:
إن إرادة شعوب المنطقة التي ذاقت الويلات من "السرطان الصهيوني" هي التي تحسم الموقف اليوم. اللوبي الصهيوني لن يستسلم بسهولة، لكن المقاومة التي انطلقت بزخم متجدد منذ 7 أكتوبر 2023 لا تزال قائمة ومستمرة، وهي الكفيلة بإنهاء مشروع "إسرائيل الكبرى" وإعادة رسم خارطة المنطقة وفق إرادة أصحاب الأرض، لا وفق أهواء القوى الاستعمارية المنكفئة.
​المراجع والمصادر:
​موقع Axios الأمريكي: تقرير "مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران" (مايو 2026).
​صحيفة الخليج: "مسارات التهدئة في مضيق هرمز" (2026).
​تقرير مجلس الأمن الدولي (Security Council Report): "تحديثات الميدان في جنوب لبنان".
​مركز دراسات أسباب (Asbab): "التحولات الجيوسياسية وصعود التعددية القطبية".

الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية من التنافس الاقتصادي إلى إعادة رسم خريطة النظام الدولي بقلم: الناصر خشيني



منذ مطلع الألفية الثالثة، بات العالم يشهد تحولات جيوسياسية عميقة تُعيد رسم ملامح النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة الأمريكية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وفي خضم هذه التحولات، تبرز الصين بوصفها القوة الأكثر جدية في تحدي القطبية الأحادية، مسلّحةً بنموذج تنموي استثنائي وإرادة سياسية راسخة، ساعيةً إلى بناء نظام دولي متعدد الأقطاب يُفضي إلى توازن أكثر عدالة وإنصافاً.
أولاً: الصعود الاقتصادي الصيني — قوة تُغيّر قواعد اللعبة
لا يمكن فهم الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية بمعزل عن الأداء الاقتصادي المذهل الذي حققته الصين خلال العقود الأخيرة. فمنذ انطلاق مسيرة الإصلاح والانفتاح على يد دنغ شياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تحولت الصين من دولة نامية تُعاني الفقر والتخلف إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر شريك تجاري لأكثر من مئة وثلاثين دولة حول العالم.
وقد جاء هذا الصعود مدروساً وتدريجياً، إذ استثمرت الصين في بناء قاعدتها الصناعية والتكنولوجية، وحوّلت نفسها من مصنع العالم للسلع الرخيصة إلى رائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والاتصالات جيل الخامس. وباتت شركات صينية كهواوي وعلي بابا وتيك توك تُنافس مباشرةً كبرى الشركات الأمريكية، مما دفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات تقييدية غير مسبوقة في مواجهتها.
ثانياً: مبادرة الحزام والطريق — استراتيجية النفوذ العالمي
في عام 2013، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة الحزام والطريق، التي سرعان ما أصبحت أكبر مشروع للبنية التحتية في تاريخ البشرية، وأداةً جيوسياسية بالغة الأهمية. تمتد المبادرة عبر أكثر من مئة وخمسين دولة على امتداد قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وتتضمن مئات مشاريع الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة والمناطق الاقتصادية الحرة.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على بُعدها الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أبعادها الاستراتيجية الأعمق؛ إذ تُتيح للصين بناء شبكة من الشراكات والتحالفات مع دول الجنوب العالمي، وتُقلل من اعتماد هذه الدول على المؤسسات المالية الغربية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين طالما فرضا شروطاً قاسية على الدول المقترضة. وبهذا المعنى، تُشكّل المبادرة تحدياً مباشراً للنظام المالي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
ثالثاً: التحدي العسكري والتكنولوجي
لم يتوقف الصعود الصيني عند حدود الاقتصاد والتجارة، بل امتد ليشمل القدرات العسكرية والتكنولوجية. فخلال العقود الثلاثة الماضية، ضخّت الصين استثمارات ضخمة في تحديث جيشها، محوّلةً جيش التحرير الشعبي إلى قوة عسكرية من الطراز العالمي، قادرة على المنافسة في كل المجالات البرية والبحرية والجوية والفضائية والإلكترونية.
وعلى صعيد التكنولوجيا، باتت الصين تتصدر السباق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والطاقة النووية المدنية، والفضاء الخارجي، حيث أرسلت مسباراً إلى المريخ وأنجزت برنامجاً قمرياً متقدماً. وقد دفع هذا التقدم الولايات المتحدة إلى فرض قيود مشددة على تصدير أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة إلى الصين، في مسعى للحفاظ على تفوقها التكنولوجي.
رابعاً: الدور الصيني في إعادة تشكيل النظام الدولي
تتبنى الصين خطاباً سياسياً يرفض الهيمنة الأحادية ويدعو إلى التعددية القطبية وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية. وتتجلى هذه الرؤية في مواقف بكين الثابتة داخل مجلس الأمن الدولي، حيث كثيراً ما تستخدم حق النقض "الفيتو" إلى جانب روسيا لمنع ما تعتبره تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول، وفي دعمها الصريح للقرار السيادي للدول في اختيار نماذج حكمها.
وعلى الصعيد المؤسسي، تعمل الصين على بناء هياكل بديلة أو موازية للمؤسسات الغربية، من أبرزها: منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس التي توسعت لتضم عدداً من الدول الكبرى الناشئة، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي ينافس البنك الدولي. وتسعى هذه المؤسسات إلى تقديم منظومة بديلة من قواعد الحوكمة الدولية تكون أكثر انعكاساً للمصالح والقيم المتنوعة للأغلبية العالمية.
خامساً: الصين والقضايا الدولية الكبرى
في الأزمات الدولية الكبرى، تبرز الصين موقفاً يختلف جوهرياً عن الموقف الأمريكي وحلفائه الغربيين. ففي الأزمة الأوكرانية، تبنت الصين موقف الحياد الإيجابي ودعت إلى حل دبلوماسي تفاوضي، رافضةً الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا، ومقدّمةً نفسها وسيطاً محتملاً. وفي قضية القدس والحقوق الفلسطينية، تتبنى بكين موقفاً داعماً للحقوق الفلسطينية وحل الدولتين.
وفي ملفات التجارة الدولية، تخوض الصين معارك حامية ضد السياسات الحمائية الأمريكية، مستخدمةً منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الثنائية أداةً لتعزيز نظام تجاري حر ومتعدد الأطراف. وقد أبرمت بكين الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، أكبر اتفاقية تجارة حرة في التاريخ، في رسالة واضحة بأنها قادرة على قيادة النظام التجاري الدولي.
سادساً: حدود التحدي الصيني ورهانات المستقبل
غير أن التحدي الصيني للهيمنة الأمريكية لا يخلو من قيود وتعقيدات؛ فالصين تواجه داخلياً تحديات جسيمة من شيخوخة ديموغرافية، وضغوط تباطؤ النمو، وتوترات اجتماعية متعددة. كما أن صعودها العسكري والاقتصادي أثار حالةً من القلق لدى جيرانها في المنطقة، مما دفع كثيراً منهم إلى تعزيز علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة.
والصين بدورها لا تسعى — على الأقل في المدى المنظور — إلى إحلال هيمنتها محل الهيمنة الأمريكية، بل إلى نظام دولي تكون فيه لاعباً محورياً في عالم متعدد الأقطاب. وهذا التمييز الدقيق يمنح سياستها الخارجية قدراً من المرونة والبراغماتية، ويُبقي أمام الدول الأخرى خياراً للتعامل معها دون الانجرار نحو استقطاب حاد.
خاتمة: نحو نظام دولي أكثر عدالة
خلاصة القول، يُمثّل الصعود الصيني ظاهرة تاريخية فارقة تُعيد تشكيل موازين القوى الدولية بعد عقود من الأحادية القطبية. وبينما تنظر إليه الولايات المتحدة بعين الريبة والمخاوف، تراه دول الجنوب العالمي فرصةً لكسر احتكار الغرب للقرار الدولي وفتح آفاق أوسع للتنمية والشراكة.
إن النظام الدولي الناشئ ليس نظاماً صينياً بامتياز، بل هو نظام متعدد القوى والأصوات، حيث يتعايش التنافس مع التعاون، وتسعى الدول الكبرى إلى تحقيق مصالحها بأدوات الاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا بالدرجة الأولى. وفي هذا السياق، يبقى السؤال الكبير: هل ستنجح القوى الكبرى في إدارة تنافسها بحكمة وضبط النفس، أم ستجرّها ديناميكيات الهيمنة والمواجهة نحو احتكاكات خطيرة تُكلّف البشرية ثمناً باهظاً؟

 





توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلطانية بقلم الناصر خشيني

مدخل: التراث بين التقديس والنقد حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالر...