قائمة المدونات الإلكترونية

الجمعة، 5 يونيو 2026

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني



مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس

​مقدمة

​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر.

​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1].

​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغاشمة والانتصارات السريعة على الجيوش العربية النظامية، لم يعد بإمكانهم اليوم تحقيق مثل تلك الانتصارات؛ إذ لم يعد الصراع محصوراً في حرب جيوش تقليدية كما كان سابقاً. وقد تجلى ذلك بوضوح بعد الهزيمة المدوية للكيان عام 2006 أمام المقاومة الإسلامية في لبنان في حرب غير متكافئة عُدداً وعُدة، وأمام صمود المقاومة الفلسطينية الباسلة، خاصة في قطاع غزة الذي تحررت أجزاء عديدة منه رغماً عن أنوف الصهاينة بفعل ضربات المقاومة [2].

​أولاً: جوهر الصراع (صراع وجود لا صراع حدود)

​بناءً على المعطيات التاريخية والميدانية، يمكن الجزم بأن طبيعة الصراع لم تتغير؛ فهو صراع وجود لا صراع حدود، وبالتالي فهو صراع لا يُحل بالمعاهدات، أو الاتفاقيات، أو بترسيم الحدود بين الأطراف المتنازعة. إن هذا الصراع لن يتوقف إلا بإنهاء أحد الطرفين للآخر، وهذه هي الحقيقة التاريخية الثابتة للصراعات بين الشعوب المُستعمَرة (بفتح الميم) والقوى المُستعمِرة (بكسر الميم)؛ إذ ينتهي الصراع دائماً لمصلحة الشعوب صاحبة الأرض الشرعية.

​والأدلة التاريخية المعاصرة ماثلة أمام أعيننا:

​اندحار الاستعمار التقليدي: هزيمة الدول الاستعمارية الكبرى أمام حركات التحرر الوطني في العالم الثالث ونيل هذه الشعوب استقلالها.

​انهيار نظام الأبرتهايد: سقوط النظام العنصري في جنوب إفريقيا واختفاؤه إلى الأبد، بالرغم من الدعم المادي والسياسي والعسكري الهائل الذي كان يتلقاه من الدول الغربية الإمبريالية [3].

​وعليه، فإن النظام العنصري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين سوف ينهار حتماً، وتعود الأرض إلى أصحابها الشرعيين دون أدنى شك. إن كل قضية أو مشكلة موضوعية في الواقع الاجتماعي لا بد أن يكون لها حل صحيح واحد نهائي مهما تباينت الرؤى والمحاولات، وطبيعة القضية الفلسطينية تقتضي حلاً جذرياً واحداً لا يقبل المساومة أو التجزئة، لأن الحلول الترقيعية لا تزيد المشكلة إلا تعقيداً واستعصاءً.

​ثانياً: نقد الرؤى والحلول القاصرة والمتجاوزة

​منذ قيام دولة العصابات الصهيونية على جزء من الوطن العربي عام 1948، استقطبت هذه القضية الكثير من القوى والحركات الفكرية والسياسية، وسال في سبيلها الكثير من الحبر تنظيراً، والكثير من الدماء دفاعاً عن الأمة. ولكي نفهم المشكلة بصورة علمية وموضوعية، لا بد من نقد وتفكيك بعض الرؤى المطروحة من داخل الساحة العربية، والتي جانبت الصواب وانقادت -من حيث لا تشعر- لخدمة المشروع الصهيوني بسبب قصورها الفكري:

​1. الأطروحة الدينية (اختزال الصراع في البُعد الديني)

​تتمثل هذه الرؤية في الادعاء القائل بأن حقيقة المشكلة في فلسطين هي صراع ديني بحت بين العرب واليهود. وهذا خطأ جسيم في الفهم والتوصيف؛ لأن العروبة قومية واليهودية ديانة، ولكل منهما دلالة واشتراطات مختلفة. إن تصوير القضية كصراع ديني يحلّه "قبول التعايش بين الأديان" هو تشويه للواقع، فالتعايش كان قائماً التاريخ الإسلامي برمتّه وقبل العدوان الصهيوني المدعوم من الاستعمار الغربي، بدليل أن العرب (مسلمين ومسيحيين) قاتلوا معاً صفاً واحداً ضد الغزوات الصليبية تاريخياً [4].

​إن الذين يقدمون الدين بديلاً عن القومية الجامعة سينتهي بهم الأمر -نظرياً وعملياً- إلى قبول اقتسام الوطن العربي بين الأديان الثلاثة، وبالتالي سيكون على كل مسلم أو مسيحي الخروج من "أرض اليهود" في فلسطين، وهو ما يعني القبول بالحل الصهيوني العنصري من حيث يظنون أنهم يحاربونه بالتعصب الديني.

​2. الأطروحة الطبقية والأممية المتجاوزة

​وهو الادعاء الذي يطرح قضية فلسطين على أساس أنها صراع حول ملكية أدوات الإنتاج بين الطبقات الاجتماعية (بين رجعيين وتقدميين). هذا الفهم يُعد خطأً فادحاً حتى لو طُرح كمناورة تكتيكية لشق الجبهة الداخلية للصهاينة؛ لأن تحويل هذا التمزيق الطبقي إلى غاية بديلة عن الغاية التحررية الأصلية سينتهي بالصراع إلى مجرد انتقال أرض فلسطين من فريق صهيوني "رجعي" إلى فريق صهيوني "تقدمي".

​إن إحلال الأممية بدلاً من القومية والاحتكام لوحدة الموقف من علاقات الإنتاج سيعني قبول أن يحل العمال والفلاحون الصهاينة محل العمال والفلاحين العرب المغتصبة أرضهم، واعتبار الصهاينة "حلفاء طبيعيين" للمشردين العرب في المخيمات، وتحويل اللاجئين إلى احتياط بشري تحت قيادة "البروليتاريا الصهيونية" في نضالها الثوري المزعوم من أجل الاشتراكية! وهي مفارقة تنتهي بخلع الشرعية عن حقوق الأمة المعتدى عليها والانتصار للمعتدي الصهيوني [5].

​3. أطروحة "الشرعية الدولية" والاعتراف الواقعي

​وهي الأطروحة القائلة بأن مشكلة اغتصاب الأرض قد حُلت منذ اعتراف المجتمع الدولي بدولة إسرائيل وقبولها عضواً في الأمم المتحدة، وتحولها إلى مشكلة "سلام بين دول متجاورة".

​إن هذه الاعترافات والقرارات الدولية لا تمنح أي شرعية لوجود الكيان على الأرض العربية؛ ففي القانون الدولي، القرارات التي تتخذها الدول غير قابلة لإحداث أثر مشروع خارج نطاق الإقليم الذي تمارس عليه سيادتها الأصيلة [6]. وبما أن الدول التي اعترفت بالكيان لا تملك السيادة على إقليم فلسطين، فإن اعترافها يضفي "قانونية" على تعاملاتها الثنائية فقط، ولكنه لا يضفي "شرعية" على اغتصاب أراضي الغير بالقوة، وهو أمر محظور صراحة في ميثاق الأمم المتحدة نفسه.

​وبالتالي، فإن ما يُسمى بـ"الشرعية الدولية" ليس قدراً محتوماً، والقضية الفلسطينية هي قضية شعب احتُلت أرضه بالقوة وطُرد منها ليحل محله شتات جيء بهم من أوروبا وأصقاع العالم لحل "المسألة اليهودية" الأوروبية على حساب العرب. إن الهروب إلى الحلول السلمية والتسويات لا يمنح الصهاينة الأمن مطلقا؛ لأنهم يعلمون في أعماقهم أنهم مغتصبون، وأن أصحاب الأرض لن يسكتوا عن الظلم.

​أما بخصوص اعتراف بعض النظم العربية أو الأطراف الفلسطينية بالكيان الصهيوني تحت ذريعة "الواقعية السياسية" أو "الظروف الموضوعية"، فإننا -ومع استبعاد تهمة الخيانة العمدية عن الجميع- نضع هذه التنازلات تحت طائلة الأخطاء الاستراتيجية الجسيمة. إن هذا الاعتراف لا يغير من جوهر الصراع شيئاً؛ لأن الطرف المعترف لا يملك أرض فلسطين بمفرده، فهي ملكية مشتركة للأمة العربية بأكملها وعبر أجيالها المتعاقبة. ولو فرضنا جدلاً أن الجيل الحالي استسلم تحت وطأة الظروف، فإن هذا الاعتراف لا يُلزم الأجيال المقبلة التي ستنشأ في ظروف وموازين قوى أفضل [7].

​ثالثاً: مفهوم السلام العادل والشامل

​إن معظم الأطروحات الدولية والمساعي الدبلوماسية التي تتحدث عن "السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط" هي أطروحات مخادعة ومخاتلة؛ لأنها مصممة لخدمة الكيان الصهيوني وتثبيت مكاسبه الاستعمارية. السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بالاستناد إلى طبيعة الأمة العربية وهويتها الحضارية، والتي تتميز ببعدين أساسيين:

​الأمة العربية أمة مسالمة أصيلة: إن انتماء الأمة للاستنارة والقيم الحضارية والإسلامية (حيث يشكل المسلمون أكثر من 90% والمسيحيون الشرقيون بقيتهم الحية والمشاركة في كل حروب التحرير ضد الصليبيين والاستعمار الحديث) يجعلها أمة ترفض العدوان. الحروب التاريخية للأمة كانت دفاعية ولم تنتج فكراً استعمارياً أو نازياً أو صهيونياً، بل كانت دائماً ضحية لهذه الأفكار الوافدة.

​أمة ترفض الاستسلام ومستعدة للدفاع لآخر رمق: الأمة العربية لا تظلم، ولكنها إذا ظُلمت لا تستكين. وخلافاً لشعوب أخرى أعلنت الاستسلام عقب ضربات كبرى (كاليابان بعد القنبلتين النوويتين)، فإن الشعب العربي لا يستسلم؛ ففي العراق عام 2003، أُلقي من المتفجرات ما يعادل عشرات القنابل النووية ومع ذلك انطلقت مقاومة ضارية أجبرت قوات الاحتلال الأمريكي على الانكفاء والانسحاب لاحقاً [8]. وفي لبنان تم دحر العدو عام 2000 وصمود عام 2006، وكذلك الحال في غزة المحاصرة.

​بناءً على هذه المعطيات، فإن الحل السلمي والعادل والوحيد يكمن في:

​خروج الصهاينة من أرض فلسطين وعودتهم إلى بلدانهم الأصلية التي جاؤوا منها (خاصة وأن جلهم يحتفظ بجنسيته الأصيلة).

​عودة كافة اللاجئين والمشردين إلى ديارهم وتعويضهم عن سنوات الحرمان، وعلى الدول الأوروبية المسؤولة عن المأساة تحمّل كلفة هذا التعويض وتسهيل عودة رعاياها.

​تقديم القيادات الصهيونية المجرمة للمحاكمة العادلة أمام محاكم جرائم الحرب.

​رابعاً: الطريق إلى تحرير فلسطين

​إن التساؤل المشهدى والجوهري المطروح دائماً بعد كل جولة مواجهة أو عدوان يتوقف على قطاع غزة أو غيرها هو: ما السبيل إلى تحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر دون تنازل عن ذرة تراب واحدة؟

​إن خيار المقاومة هو السبيل الأوحد لإنهاء الوجود الصهيوني، ويتلخص الطريق إلى التحرير في النقاط الاستراتيجية التالية:

​1. استدامة الاشتباك وحرب العصابات

​تفعيل خيار المقاومة بكل أشكالها ومواصلة الاشتباك مع العدو الصهيوني بشكل دائم لعدم ترك الفرصة له لالتقاط أنفاسه. إن الهدف الاستراتيجي للكيان هو توفير "الأمن والرفاه" للمستوطنين المستجلبين، وبمنع تحقيق هذا الهدف ينهار أساس وجود الكيان وتتحول الأرض تحت أقدامه إلى رمال متحركة. المقاومة لا تحتاج بالضرورة لجيوش جرارة توازن العدو في الطائرات والدبابات، بل عبر حرب العصابات والوسائل القتالية غير المتكافئة التي أثبتت جدواها في لبنان وغزة والعراق.

​2. العصيان المدني والتخريب المنظم لبنية الكيان

​استخدام أدوات المقاومة الشعبية والعصيان المدني داخل الأرض المحتلة؛ عبر خرق قوانين الدولة الصهيونية، واستهداف الأعمدة الحيوية وشبكات البنية التحتية من كهرباء وهاتف وتوصيلات مياه وأنابيب صرف صحي، لخلق حالة من الإزعاج الدائم وعدم الاستقرار، وإفهام المستوطن الصهيوني عملياً بأن إقامته فوق هذه الأرض مكلفة وخطيرة جداً. أما التفاوض فلا يكون إلا في المراحل الأخيرة للصراع حول آلية وكيفية رحيلهم.

​3. المقاطعة الاقتصادية الشاملة

​تفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية ومحاصرة الكيان لمنع نموه الاقتصادي، ليبقى دائماً مأزوماً ويعاني من العجز المالي المستمر، مما يضرب ركيزة "الرفاهية الاقتصادية" التي تجذب الهجرات الصهيونية.

​4. المواجهة الإعلامية والقانونية

​تقديم الرواية التاريخية والحقيقة الموضوعية للصراع للرأي العام العالمي، وتأطير المواجهة بصفتها حركة تحرر وطني ضد استعمار استيطاني عنصري (أبرتهايد) شبيه بالنظام البائد في جنوب إفريقيا، مما يسهم في عزل الكيان دولياً وتجريده من غطائه الأخلاقي والسياسي [9].

​خاتمة

​إن الأمة العربية تملك من إمكانيات الصمود والمقاومة، ومن القدرات المادية والمعنوية والحضارية والتاريخية، ما يجعلها قادرة -ولو بعد حين- على فرض الحل الأمثل الذي يردع العدوان ويسترد الكرامة والعزة المسلوبة. إن فلسطين أرض مباركة تعمّدت بالدم والدموع، وتحريرها ليس وهماً، بل هو حتمية تاريخية تفرضها طبيعة الصراع الوجودي.

​المراجع والهوامش (References)

​[1] خشيني، الناصر (2014). طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين. مداخلة منشورة في شبكة الصفصاف الإخبارية (تاريخ النشر: 27 آب/أغسطس 2014).

[2] شفيق، منير (2007). الاستراتيجية والمقاومة: قراءة في تجربة حزب الله وحرب تموز 2006. بيروت: الدار العربية للعلوم. (توضيح لأثر حرب 2006 في تغيير موازين القوى العسكرية التقليدية).

[3] مانديلا، نيلسون (1994). رحلتي الطويلة من أجل الحرية. ترجمة: فاروق عبد القادر. القاهرة: دار الشروق. (للمقارنة التاريخية بين سقوط نظام الأبرتهايد ومستقبل الكيان الصهيوني).

[4] المسيري، عبد الوهاب (1999). موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (المجلد السادس). القاهرة: دار الشروق. (لبيان الفرق المفهومي بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية استعمارية).

[5] علوش، ناجي (1976). الحركة الوطنية الفلسطينية والصراع الطبقي. بيروت: دار الطليعة. (نقد للأطروحات الأممية والطبقية القاصرة في فهم البعد القومي للقضية الفلسطينية).

[6] القاسم، أنيس (1988). فلسطين والقانون الدولي. عمان: دار الجليل للنشر. (دراسة تفصيلية حول عدم شرعية القرارات الدولية الصادرة بنقل السيادة أو الاعتراف بكيانات استيطانية على أراضٍ مغتصبة).

[7] بشارة، عزمي (2002). من يهودية الدولة حتى شارون. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (تحليل لمفهوم "أخطاء التسوية" والاستراتيجيات العربية الرسمية).

[8] الكبيسي، وميض (2008). المقاومة العراقية والتوازن الاستراتيجي بعد غزو 2003. بغداد: مركز الدراسات الدولية.

[9] بايس، إيلان (2006). التطهير العرقي في فلسطين. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. (لبيان البُعد العنصري والاستيطاني للكيان الصهيوني والمشابه لنظام جنوب إفريقيا السابق).

الخميس، 4 يونيو 2026

حديد تونس بين مطرقة سوء التصرف وسندان اللوبيات: قراءة في استنزاف ثروة استراتيجية بقلم: الناصر خشيني

 


تعد صناعة الحديد والصلب في تونس عنواناً لسيادة اقتصادية مهدورة، حيث تحول قطاع كان من المفترض أن يكون قاطرة للتنمية إلى ساحة مفتوحة للصراعات والمضاربات. إن ما يشهده "مصنع الفولاذ" بمنزل بورقيبة اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو نتاج تضارب مصالح بين الدولة الساعية لاستعادة أصولها، و"لوبيات" ترى في استمرار الإنتاج الوطني عائقاً أمام أرباحها القائمة على الاستيراد والسمسرة.
أولاً: الثروة المنسية.. من المناجم إلى "الخردة"
تمتلك تونس إرثاً تعدينياً هاماً يرتكز على منجم جبل الجريصة بالكاف، الذي يمثل العمود الفقري لتزويد الصناعة الوطنية بالمادة الخام، بطاقة إنتاجية تاريخية كانت تتراوح بين 500 و600 ألف طن سنوياً. لكن، وبدلاً من تطوير هذا المنجم وربطه بسلسلة إنتاج متكاملة، عانى الموقع من تهميش تقني وتراجع في الاستثمارات.
بالتوازي مع ذلك، برزت فضيحة "الخردة" (Scrap)؛ حيث تقبع مئات آلاف الأطنان من الحديد عالي الجودة في مستودعات السكك الحديدية والشركات العمومية، ملقاة في العراء لتأكلها الصدأ، في حين يُحرم منها مصنع الفولاذ. هذه المادة الأولية، التي تُقدر قيمتها بمئات الملايين، كانت تُباع أحياناً بأسعار زهيدة لوسطاء يقومون بتصديرها، مما يُجبر الدولة لاحقاً على استيراد حديد مصنع بالعملة الصعبة.
ثانياً: الفوارق التقنية.. لماذا الحديد الوطني أفضل؟
من الناحية الفنية، يبرز فرق شاسع بين المنتج الوطني والحديد المستورد (خاصة الجزائري الذي يغرق السوق حالياً):
  1. المواصفات (NT): يخضع الحديد التونسي للمواصفات التونسية الصارمة التي تضمن نسبة مرونة عالية (Elongation). هذا يعني أن الحديد التونسي "يطاوع" البناء عند وقوع ضغوط هيكلية أو اهتزازات.
  2. أزمة الحديد الصلب (Acier Dur): يشتكي المقاولون من أن الحديد المستورد غالباً ما يكون "صلبًا" بشكل مفرط؛ فعند ثنيه في الورشات، يتعرض للتشقق أو الكسر الفجئي (ما يعرف بـ "الطرشقة")، وهو ما يمثل خطراً إنشائياً جسيماً على المدى الطويل.
ثالثاً: اللوبيات وسيناريو "الغلق للتفويت"
تتحرك في الكواليس لوبيات قوية تتبع استراتيجية "التجويع فالتفويت". تبدأ العملية بتعطيل تزويد المصنع بالمادة الخام، ثم افتعال أزمات في الصيانة أدت لتراكم ديون تجاوزت 450 مليون دينار. هذا التوقف المتعمد يخلق نقصاً حاداً، يبرر التدخل العاجل لـ "كبار المستوردين" الذين يعوضون المنتج الوطني بمنتجات مستوردة أقل جودة وأعلى ربحية لهم. والهدف النهائي هو إيصال المصنع إلى حالة "الموت السريري" ليتم التفويت فيه بأسعار بخسة لمستثمرين يتربصون بالقطاع.
رابعاً: الخاتمة واستراتيجية الإنقاذ الوطني
إن إنقاذ ثروة الحديد التونسية لم يعد ترفاً، بل هو معركة استرداد سيادة. ولتحقيق ذلك، يجب على الدولة تبني خارطة طريق واضحة تعتمد على:
  1. التكامل المنجمي: إعادة إحياء منجم جبل الجريصة وتطوير تقنيات الاستخراج لضمان تدفق المادة الخام بانتظام نحو منزل بورقيبة.
  2. تأميم "الخردة": تفعيل المراسيم التي تمنح مصنع الفولاذ الأولوية المطلقة والحصرية في الحصول على فضلات الحديد من كافة مؤسسات الدولة مجاناً أو بأسعار رمزية.
  3. الحماية الجمركية والنوعية: فرض رقابة مخبرية صارمة على الحديد المستورد، ومنع دخول أي شحنات لا تطابق مواصفات السلامة التونسية، مع فرض رسوم تحمي الصناعة المحلية من الإغراق.
إن الحديد التونسي هو عصب البناء والأمن القومي، وإعادة الروح لمصنع الفولاذ هي الرسالة الأقوى بأن الدولة لن تترك ثرواتها لقمة سائغة في أفواه المحتكرين.

المصادر المرجعية:
  • تقارير شركة جبل الجريصة ووزارة الصناعة (تونس).
  • بيانات المعهد الوطني للإحصاء حول واردات التعدين.
  • تصريحات رئاسة الجمهورية حول "ملف الخردة المنهوبة" (2023-2024).
  • تقارير فنية من عمادة المهندسين والمقاولين حول جودة حديد التسليح

هدر الثروة البشرية في تونس: حين تُصدِّر الدولة عقولها بدل أن تستثمرها بقلم: الناصر خشيني

 



مدخل
ثمة مفارقة مؤلمة تعيشها تونس منذ سنوات: دولة تُنفق من مال الشعب مئات الملايين لتكوين أطبائها ومهندسيها وأساتذتها، ثم تُقدّمهم على طبق من ذهب للاقتصادات الأوروبية والخليجية التي تستقبلهم بأذرع مفتوحة. وفي الوقت ذاته، يتقطر المواطن في طوابير الانتظار أمام مستشفيات مُنهَكة، ويعاني الاقتصاد من شُحّ في الكفاءات التقنية، بينما تتراكم في الجامعات حملة الشهادات المُعطَّلون الذين لا يجدون لهم موطئ قدم في سوق عمل منهكة. هذا الهدر المزدوج للثروة البشرية هو موضوعنا، بكل أرقامه ومفاعيله وحلوله الممكنة.
أولاً: حجم الكارثة بالأرقام
الأرقام المتعلقة بهجرة الكفاءات لا تحتاج إلى تعليق، فهي صادمة بذاتها.
في قطاع الطب: شهدت سنة 2024 هجرة حوالي 1450 طبيباً تونسياً إلى الخارج، وكشفت دراسة للمرصد الوطني للهجرة أن 3300 طبيب غادروا تونس ما بين سنتَي 2015 و2020.  (Ultra Tunisia) والمجموع الإجمالي للأطباء المهاجرين بلغ حتى مطلع 2024 نحو 4 آلاف طبيب من أصل 29 ألف طبيب مسجلين، ويغادر تونس سنوياً 80% من الأطباء الشبان حديثي التخرج، وجهتهم الأساسية ألمانيا وفرنسا ودول الخليج وكندا.  (Ourouba22)
في قطاع الهندسة: وصلت هجرة المهندسين إلى 6500 مهندس خلال عام 2022 وحده، وهو رقم يتضاعف من سنة إلى أخرى.  (AA.com.tr) وفي غضون خمس سنوات فقط، هاجر حوالي 40 ألف مهندس تونسي.  (Al Arab)
في قطاع التمريض والأطر شبه الطبية: بلغ عدد المنتدبين للعمل بالخارج عبر الوكالة التونسية للتعاون الفني 3650 إطاراً سنة 2024، استأثر قطاع الصحة منهم بـ1244 إطاراً طبياً وشبه طبي، أي ما يعادل 43% من مجموع الانتدابات.  (Ultra Tunisia)
الكلفة المالية على دافع الضرائب: تكوين طبيب واحد في تونس يكلّف أكثر من 100 ألف دينار عن السنة الواحدة، ما يعني أن التكوين الكامل لطبيب متخصص يُثقل كاهل الميزانية العامة بمبالغ طائلة.  (Ourouba22) وقد أكد رئيس لجنة التربية بالبرلمان أن كلفة تكوين الأطباء والمهندسين، البالغة نحو 34 ألف دولار للفرد، يتحمّلها التونسيون من دافعي الضرائب دون أن يستفيدوا من خدماتهم.  (Al Hurra)
ثانياً: الأسباب الجذرية... ليس الفرار شهوة سفر
من الإجحاف وصف الأطباء والمهندسين المهاجرين بناكري الجميل دون استيعاب الأسباب الهيكلية التي تدفعهم إلى الرحيل. فالمهاجر لا يهرب من وطنه، بل يهرب من شروط عمل لا تليق بكفاءته.
الأجور الضعيفة تُعدّ أبرز أسباب هجرة المهندسين والأطباء التونسيين، فضلاً عن محدودية التطور المهني وغياب الاعتراف بالكفاءة.  (AA.com.tr) وقد خلصت دراسة نشرها معهد الصحة والسلامة المهنية في يناير 2026 إلى أن 84.6% من الممرضين المهاجرين يغادرون بسبب تدني الرواتب، و76.9% بهدف تحسين ظروفهم المعيشية.  (Ultra Tunisia)
يُضاف إلى ذلك اختلال التوازن بين الجهد المبذول والأجر المقبوض، وظروف العمل في المستشفيات، وغياب الحماية الأمنية للأطباء.  (AA.com.tr) ناهيك عن أن الطبيب الشاب يُلقى في الشارع بعد سنوات من الدراسة دون ضمان لتشغيله ودون منظومة دعم تُعينه على الانطلاق.
أما على صعيد المنظومة الكبرى، فإن عميد المهندسين يُرجع استفحال الظاهرة إلى تقادم المنوال التنموي والاقتصادي الذي يعود إلى الستينيات، مشيراً إلى أنه كان بالإمكان الاستفادة من هؤلاء الخريجين لخلق الثروة لو أن الاقتصاد مبني على اقتصاد المعرفة بدلاً من الاقتصاد الريعي السائد.  (Al Jazeera)
في المقابل، تقدّم أوروبا ما لا تستطيع تونس تقديمه. تضاعف عدد الأطباء التونسيين الذين تنتدبهم فرنسا من 80 طبيباً لقسم الطوارئ عام 2019، إلى 160 طبيباً عام 2023، ثم إلى 250 طبيباً عام 2024، أي ما يساوي 50% من الأطباء الناجحين التونسيين.  (AA.com.tr)
ثالثاً: بطالة الخريجين... المفارقة الكبرى
والمعادلة بالغة الغرابة: تونس تُصدِّر كفاءاتها وتعاني في الوقت ذاته من بطالة مرتفعة بين حاملي الشهادات العليا.
ارتفعت نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا إلى 23.4% خلال الثلاثي الأول من 2024، وتبلغ 31.2% لدى الإناث منهم.  (Al Arab) وبلغ عدد خريجي التعليم العالي أكثر من 50 ألفاً سنة 2019-2020، في مقابل سوق شغل لا تستوعبهم.  (Al Jazeera)
والأشد مرارة أن 89% من خريجي الجامعات التونسية يرغبون في الهجرة  (Aajsa) ، وهو رقم يُلخّص في رقم واحد عمق اليأس وهشاشة الثقة في المستقبل. ويرى خبراء أن جوهر الأزمة يكمن في الاختلال بين ما توفره الجامعات من شهادات وما تطلبه سوق الشغل، وهو اختلال يعود إلى غياب الإصلاح التشاركي وضعف التأطير جراء هجرة الأساتذة الأكفاء لانعدام التحفيز.  (Al Jazeera)
رابعاً: ما صدر من قوانين وما بقي حبراً على ورق
لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي تماماً، بيد أن ردود أفعالها تبدو في الغالب انفعالية لا استراتيجية.
في مشروع قانون الموازنة لسنة 2025، تقدّم نواب بمبادرة تشريعية تُلزم الكفاءات المهاجرة بتسديد 50% من تكلفة تعليمهم على أقساط تمتد خمس سنوات، تُدفع بموجب عقد مع المشغّل الأجنبي.  (Alpheratzmag)
غير أن هذا المقترح فجّر جدلاً واسعاً، وذلك لأسباب موضوعية. أشار المعارضون إلى أن إلزام الأطباء بدفع تعويضات مالية قد يُعزّز عزوف الشباب عن دراسة الطب، ويُغلق الباب أمام عودة الكفاءات الطبية التي تفكر في الاستثمار داخل تونس.  (Alpheratzmag) وقد جاء مشروع القانون دون حوار وطني شامل ودون تشاور مع النقابات المهنية والجهات المعنية.  (Alpheratzmag)
والواضح أن معالجة عرض مؤلم بعقوبة مالية ليست حلاً جذرياً، بل هي تحميل الضحية وزر إخفاق المنظومة.
خامساً: الحلول الممكنة... شريطة الإرادة
الحلول الحقيقية معروفة ومدروسة، وليست وليدة الخيال، غير أنها تحتاج إلى شجاعة في التطبيق.
أولاً: إصلاح منظومة الأجور والحوافز. لا يمكن الاحتجاج بالولاء الوطني في مواجهة فارق صارخ بين الأجر في تونس وفي أوروبا. الحل يبدأ بمراجعة سلّم الأجور في القطاع الصحي والتقني، وربطه بمعايير موضوعية تُحترم. من بين المقترحات التي أوصى بها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية: دعم المهندسين مالياً ومهنياً، وتحسين مناخ الاستثمار ليتمكنوا من إنشاء مؤسسات خاصة تخلق الثروة وتُشغّل الناس.  (AA.com.tr)
ثانياً: إصلاح منظومة التكوين والتوجيه. التعليم الذي ينتج خريجاً لا تحتاجه سوق الشغل هو هدر مزدوج. يجب مراجعة التخصصات الجامعية وربطها باحتياجات الاقتصاد الفعلي، مع تطوير نظام التدريب المهني كبديل عملي يُقلّص الهوة بين الشهادات ومتطلبات العمل.
ثالثاً: تشجيع عودة الكفاءات المهاجرة. بدلاً من معاقبة المهاجر، الأجدى استقطابه بحوافز ملموسة كالإعفاءات الضريبية، والتسهيلات في التشغيل وفتح العيادات والمكاتب الهندسية، وبرامج تُمكّنه من الإسهام في التنمية حتى من الخارج. وقد أوصت الدراسات بأن تسعى تونس لتصدير المنتجات والخدمات عوضاً عن تصدير المهندسين والأطباء.  (AA.com.tr)
رابعاً: تعديل عقد التكوين بصورة عادلة. الفكرة الجوهرية معقولة: من تكوّن على نفقة الدولة، يُلتزم بخدمة وطنية لفترة معقولة قبل الرحيل. غير أن تطبيق هذا المبدأ يستلزم في المقابل أن توفّر الدولة لهم شروط العمل اللائقة، وإلا فهو عقد من طرف واحد.
خامساً: ضرب الاقتصاد الريعي ووسطاء التشغيل. المهندس الشاب الذي لا يجد عملاً في وطنه لا يهاجر بالضرورة لغياب الكفاءة، بل لغياب البيئة الاستثمارية السليمة. إصلاح منظومة التشغيل يمر عبر تكسير شبكات المحسوبية في توزيع المناصب العمومية، وتفعيل مبدأ الكفاءة بدلاً من الولاء.
خاتمة
الدولة تنفق نحو 100 ألف دينار على كل طالب منذ بداية مسيرته الدراسية  (Al Jazeera) ، ثم تتفرج عليه يحزم أمتعته نحو فرانكفورت وباريس وتورنتو. هذا ليس قدراً، بل هو نتيجة حتمية لسياسات تنموية متهالكة وأجور تُهين الكفاءة وبيئة عمل طاردة. الثروة البشرية التونسية حقيقية وموثوقة، والدليل أن الغرب يتسابق لاستقطابها. المسألة إذن ليست مسألة جودة الكفاءة، بل مسألة جودة السياسات. والسؤال المُلحّ: متى تُدرك الدولة أن الاستثمار في الإنسان وضمان كرامته لا يقل عن الاستثمار في الإنفراستركتشر والمشاريع الكبرى؟ وأن العقول التي تغادر اليوم لن تعود غداً بمجرد نداء وطني مُجوَّف لا يُرفق بأفعال؟
المراجع والمصادر
وكالة الأناضول، "هجرة الأطباء والمهندسين التونسيين: أسباب وحلول"، تحليل خاص، 2024.
موقع ألفراتس، "هجرة الكفاءات في تونس: مشروع قانون يُلزم الأطباء بالخدمة عشر سنوات"، يوليو 2025.
موقع أوروبا22، "معضلة هجرة الأطباء في تونس: الأسباب والحلول"، نوفمبر 2024.
موقع الحرة، "المال مقابل المغادرة: مقترح قانون يفتح ملف هجرة الكفاءات في تونس"، نوفمبر 2024.
صحيفة العرب لندن، "جدل في تونس حول مقترح قانون يفتح ملف هجرة الكفاءات"، 2024.
موقع الترا تونس، "دراسة: 84.6% من الممرضين يهاجرون بسبب تدني الرواتب"، فبراير 2026.
موقع الترا تونس، "1450 طبيباً تونسياً هاجروا إلى الخارج سنة 2024"، يناير 2025.
موقع الجزيرة نت، "باتت حلم الكثيرين: ماذا تخسر تونس من هجرة كفاءاتها؟"، أكتوبر 2022.
موقع AAJSA، "مستقبل الخريجين في تونس"، ديسمبر 2025.
صحيفة العرب لندن، "تفاوت بين الجهات والاختصاصات في معدلات البطالة في تونس"، سبتمبر 2025.
المرصد الوطني للهجرة التونسي، "هجرة الأدمغة والكفاءات"، تقديرات 2024.
المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، دراسة حول هجرة المهنيين الصحيين، مارس 2024.
المعهد الوطني للإحصاء (INS)، مؤشرات التشغيل والبطالة 2024-2025.


 


انحسار "إسرائيل الكبرى" وانكفاء الهيمنة الأمريكية في مياه هرمز ​بقلم: الناصر خشيني



​يشهد العالم في مطلع عام 2026 تحولاً دراماتيكياً في موازين القوى؛ حيث لم يعد "مضيق هرمز" مجرد ممر مائي، بل صار مقبرة لأوهام الهيمنة الأحادية. إن ما جرى من "ضربة استباقية" في الفجيرة وما تبعها من مفاجآت استراتيجية على جبهة لبنان، وضع واشنطن وتل أبيب أمام واقع جيوسياسي جديد لا يمكن الالتفاف عليه.
​أولاً: إجهاض حملة الفجيرة والانكفاء الأمريكي
كانت المحاولة الأمريكية لتدشين حملة انطلاقاً من الإمارات تهدف إلى فرض "نسخة مشوهة" من حرية الملاحة تخدم مصالحها المنفردة. إلا أن رد الفعل الإيراني في الفجيرة، كضربة استباقية أجهضت هذه الحملة في مهدها، دفع واشنطن للانتقال من مربع التهديد العسكري إلى مربع "التفاوض الاضطراري" لحماية ما تبقى من تدفقات الطاقة العالمية.
​ثانياً: ملامح اتفاق هرمز المحتمل (الـ 14 بنداً)
تشير المعطيات السياسية الحالية إلى اقتراب واشنطن من توقيع تفاهم مع طهران يتضمن 14 بنداً جوهرياً لنزع فتيل الانفجار الشامل:
​الاعتراف المتبادل بالحقوق الملاحية وضمان أمن الناقلات.
​تحييد الموانئ الاستراتيجية (كالفجيرة) عن أي أعمال عدائية.
​تخفيف العقوبات التقنية والسماح بتصدير كميات محددة من النفط.
​إنشاء خط ساخن مشترك (نظام إنذار مبكر) لتجنب الصدام العرضي.
​جدولة سحب التعزيزات البحرية الأمريكية الاستثنائية من المنطقة.
​وضع ضوابط لتحليق المسيرات فوق الممرات المائية الدولية.
​إطلاق حوار أمني إقليمي مباشر (إيراني-خليجي) برعاية دولية.
​تجميد التصعيد الإعلامي والحملات الدعائية الموجهة.
​تعهد الطرفين بحماية الكابلات البحرية والبنية التحتية للطاقة.
​تشكيل لجان فنية مشتركة لمراقبة سلامة المرور البحري.
​تسوية ملف السجناء والرهائن كبادرة حسن نية.
​رسم خارطة طريق لتقليص الوجود العسكري الأجنبي واستبداله بمنظومة أمن إقليمي.
​التنسيق المشترك في عمليات مكافحة القرصنة البحرية.
​بروتوكول تفتيش فني لا يمس بالسيادة الوطنية للدول المشاطئة.
​ثالثاً: تصدع "إسرائيل الكبرى" وصعود الأقطاب
تزامن هذا الانكفاء الأمريكي مع تآكل بنيوي في قدرات الكيان الصهيوني. إن المواجهات المفاجئة والقوية مع حزب الله أثبتت أن نظرية "الجيش الذي لا يقهر" قد سقطت ميدانياً. لم يعد الكيان قادراً على لعب دور "الشرطي الوظيفي" لأمريكا، بل تحول إلى عبء يتطلب حماية خارجية مستمرة. هذا التراجع الصهيوني فسح المجال لظهور أقطاب دولية كالصين وروسيا، اللتين استغلتا الفراغ لتعزيز نفوذهما الاقتصادي والسياسي، مع تعاظم الدور الإيراني كقطب إقليمي وازن فرض شروطه بالصمود والمقاومة.
​خاتمة وحتمية المواجهة:
إن إرادة شعوب المنطقة التي ذاقت الويلات من "السرطان الصهيوني" هي التي تحسم الموقف اليوم. اللوبي الصهيوني لن يستسلم بسهولة، لكن المقاومة التي انطلقت بزخم متجدد منذ 7 أكتوبر 2023 لا تزال قائمة ومستمرة، وهي الكفيلة بإنهاء مشروع "إسرائيل الكبرى" وإعادة رسم خارطة المنطقة وفق إرادة أصحاب الأرض، لا وفق أهواء القوى الاستعمارية المنكفئة.
​المراجع والمصادر:
​موقع Axios الأمريكي: تقرير "مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران" (مايو 2026).
​صحيفة الخليج: "مسارات التهدئة في مضيق هرمز" (2026).
​تقرير مجلس الأمن الدولي (Security Council Report): "تحديثات الميدان في جنوب لبنان".
​مركز دراسات أسباب (Asbab): "التحولات الجيوسياسية وصعود التعددية القطبية".

الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية من التنافس الاقتصادي إلى إعادة رسم خريطة النظام الدولي بقلم: الناصر خشيني



منذ مطلع الألفية الثالثة، بات العالم يشهد تحولات جيوسياسية عميقة تُعيد رسم ملامح النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة الأمريكية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وفي خضم هذه التحولات، تبرز الصين بوصفها القوة الأكثر جدية في تحدي القطبية الأحادية، مسلّحةً بنموذج تنموي استثنائي وإرادة سياسية راسخة، ساعيةً إلى بناء نظام دولي متعدد الأقطاب يُفضي إلى توازن أكثر عدالة وإنصافاً.
أولاً: الصعود الاقتصادي الصيني — قوة تُغيّر قواعد اللعبة
لا يمكن فهم الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية بمعزل عن الأداء الاقتصادي المذهل الذي حققته الصين خلال العقود الأخيرة. فمنذ انطلاق مسيرة الإصلاح والانفتاح على يد دنغ شياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تحولت الصين من دولة نامية تُعاني الفقر والتخلف إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر شريك تجاري لأكثر من مئة وثلاثين دولة حول العالم.
وقد جاء هذا الصعود مدروساً وتدريجياً، إذ استثمرت الصين في بناء قاعدتها الصناعية والتكنولوجية، وحوّلت نفسها من مصنع العالم للسلع الرخيصة إلى رائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والاتصالات جيل الخامس. وباتت شركات صينية كهواوي وعلي بابا وتيك توك تُنافس مباشرةً كبرى الشركات الأمريكية، مما دفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات تقييدية غير مسبوقة في مواجهتها.
ثانياً: مبادرة الحزام والطريق — استراتيجية النفوذ العالمي
في عام 2013، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة الحزام والطريق، التي سرعان ما أصبحت أكبر مشروع للبنية التحتية في تاريخ البشرية، وأداةً جيوسياسية بالغة الأهمية. تمتد المبادرة عبر أكثر من مئة وخمسين دولة على امتداد قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وتتضمن مئات مشاريع الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة والمناطق الاقتصادية الحرة.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على بُعدها الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أبعادها الاستراتيجية الأعمق؛ إذ تُتيح للصين بناء شبكة من الشراكات والتحالفات مع دول الجنوب العالمي، وتُقلل من اعتماد هذه الدول على المؤسسات المالية الغربية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين طالما فرضا شروطاً قاسية على الدول المقترضة. وبهذا المعنى، تُشكّل المبادرة تحدياً مباشراً للنظام المالي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
ثالثاً: التحدي العسكري والتكنولوجي
لم يتوقف الصعود الصيني عند حدود الاقتصاد والتجارة، بل امتد ليشمل القدرات العسكرية والتكنولوجية. فخلال العقود الثلاثة الماضية، ضخّت الصين استثمارات ضخمة في تحديث جيشها، محوّلةً جيش التحرير الشعبي إلى قوة عسكرية من الطراز العالمي، قادرة على المنافسة في كل المجالات البرية والبحرية والجوية والفضائية والإلكترونية.
وعلى صعيد التكنولوجيا، باتت الصين تتصدر السباق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والطاقة النووية المدنية، والفضاء الخارجي، حيث أرسلت مسباراً إلى المريخ وأنجزت برنامجاً قمرياً متقدماً. وقد دفع هذا التقدم الولايات المتحدة إلى فرض قيود مشددة على تصدير أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة إلى الصين، في مسعى للحفاظ على تفوقها التكنولوجي.
رابعاً: الدور الصيني في إعادة تشكيل النظام الدولي
تتبنى الصين خطاباً سياسياً يرفض الهيمنة الأحادية ويدعو إلى التعددية القطبية وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية. وتتجلى هذه الرؤية في مواقف بكين الثابتة داخل مجلس الأمن الدولي، حيث كثيراً ما تستخدم حق النقض "الفيتو" إلى جانب روسيا لمنع ما تعتبره تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول، وفي دعمها الصريح للقرار السيادي للدول في اختيار نماذج حكمها.
وعلى الصعيد المؤسسي، تعمل الصين على بناء هياكل بديلة أو موازية للمؤسسات الغربية، من أبرزها: منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس التي توسعت لتضم عدداً من الدول الكبرى الناشئة، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي ينافس البنك الدولي. وتسعى هذه المؤسسات إلى تقديم منظومة بديلة من قواعد الحوكمة الدولية تكون أكثر انعكاساً للمصالح والقيم المتنوعة للأغلبية العالمية.
خامساً: الصين والقضايا الدولية الكبرى
في الأزمات الدولية الكبرى، تبرز الصين موقفاً يختلف جوهرياً عن الموقف الأمريكي وحلفائه الغربيين. ففي الأزمة الأوكرانية، تبنت الصين موقف الحياد الإيجابي ودعت إلى حل دبلوماسي تفاوضي، رافضةً الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا، ومقدّمةً نفسها وسيطاً محتملاً. وفي قضية القدس والحقوق الفلسطينية، تتبنى بكين موقفاً داعماً للحقوق الفلسطينية وحل الدولتين.
وفي ملفات التجارة الدولية، تخوض الصين معارك حامية ضد السياسات الحمائية الأمريكية، مستخدمةً منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الثنائية أداةً لتعزيز نظام تجاري حر ومتعدد الأطراف. وقد أبرمت بكين الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، أكبر اتفاقية تجارة حرة في التاريخ، في رسالة واضحة بأنها قادرة على قيادة النظام التجاري الدولي.
سادساً: حدود التحدي الصيني ورهانات المستقبل
غير أن التحدي الصيني للهيمنة الأمريكية لا يخلو من قيود وتعقيدات؛ فالصين تواجه داخلياً تحديات جسيمة من شيخوخة ديموغرافية، وضغوط تباطؤ النمو، وتوترات اجتماعية متعددة. كما أن صعودها العسكري والاقتصادي أثار حالةً من القلق لدى جيرانها في المنطقة، مما دفع كثيراً منهم إلى تعزيز علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة.
والصين بدورها لا تسعى — على الأقل في المدى المنظور — إلى إحلال هيمنتها محل الهيمنة الأمريكية، بل إلى نظام دولي تكون فيه لاعباً محورياً في عالم متعدد الأقطاب. وهذا التمييز الدقيق يمنح سياستها الخارجية قدراً من المرونة والبراغماتية، ويُبقي أمام الدول الأخرى خياراً للتعامل معها دون الانجرار نحو استقطاب حاد.
خاتمة: نحو نظام دولي أكثر عدالة
خلاصة القول، يُمثّل الصعود الصيني ظاهرة تاريخية فارقة تُعيد تشكيل موازين القوى الدولية بعد عقود من الأحادية القطبية. وبينما تنظر إليه الولايات المتحدة بعين الريبة والمخاوف، تراه دول الجنوب العالمي فرصةً لكسر احتكار الغرب للقرار الدولي وفتح آفاق أوسع للتنمية والشراكة.
إن النظام الدولي الناشئ ليس نظاماً صينياً بامتياز، بل هو نظام متعدد القوى والأصوات، حيث يتعايش التنافس مع التعاون، وتسعى الدول الكبرى إلى تحقيق مصالحها بأدوات الاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا بالدرجة الأولى. وفي هذا السياق، يبقى السؤال الكبير: هل ستنجح القوى الكبرى في إدارة تنافسها بحكمة وضبط النفس، أم ستجرّها ديناميكيات الهيمنة والمواجهة نحو احتكاكات خطيرة تُكلّف البشرية ثمناً باهظاً؟

 





الثلاثاء، 2 يونيو 2026

عودة صحيفة الحرية اولا للمشهد الاعلامي

 


الحرية اولا صحيفة الكترونية عربية مقاومة تعود من جديد بعد ان عطلها طغاة الظلام وقوى الاستبداد بسطوة المال الحرام المنهوب من امتنا عدوانا على حقها المشروع هاهي اليوم تاخذ مكانها الطبيعي في المشهد الاعلامي العربي وفي ظل المقاومة العربية التي انطلقت يوم السابع من اكتوبر منذ ثلاث سنوات

-- وهي ليست تقليدية في طرحها للقضايا بل سيدرك القارىء العربي أنها موجهة أساسا للجماهير العربية من المحيط الى الخليج لتناول قضاياها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية باسلوب مختلف عما ألفه المواطن العربي أينما كان وتعبر عن قناعاته الحقيقية وهي لا تتبع أي تظام عربي أو حزب سياسي بل انها تابعة وخاضعة بالكامل للمواطن العربي العادي بل هي مرتبطة ارتباطا جدليا غير قابل للانفصام بهمومه و مشاكله على امتداد الوطن العربي من المحيط الى الخليج ديدنها الحقيقة الموضوعية و التحليل النزيه معبرة عن تطلعاته و همومه بعيدا عن السياسات الرسمية و التي يمكن وصفها بغير العقلانية لأنها تتاجر بمصير هذا الانسان المسكين و المقهور لذا فانها صرخة الضمير العربي الحي الذي يندفع نحو التغيير الحقيقي الذي يجعله يحس بآدميته التي تنتهك بشكل مستمر في العراق و فلسطين و الصومال و السودان ولبنان وسوريا بل في كل مخفر شرطة عربي وفي كل سجن من سجون أنظمة الخيبة و التآمر و النفاق الذين يتشدقون بخدمة المقدسات ويرتكبون الفظائع من الجرائم ويتسترون عليها بما ينفقونه من اموال عربية ينهبونها على حساب الامة العربية التي يتضور ابناؤها في القرن الافريقي وغزةجوعا وخصاصة بينما يمارسون أحط صنوف  الترف الفاجروصورهم وفضائحهم تملأ الدنيا أو بعض الحكام الذين يزورون الكيان الصهيوني سرا وعلانية ويدعون أنهم يدعمون النضال الفلسطيني و قنواتهم أكبر مطبع مع العدو الصهيوني .
الحرية اولا تعرضت للحجب اكثر من مرة  كانت قد ضربها الطغاة أثناء العدوان على غزة ولبنان ولم نتمكن من اعادة بنائها وها نحن نعود من جديد ولن نتوقف باذن الله
الحرية اولا اذن صرخة في وجه الطغاة وكشف للمستور بالأدلة الدامغة التي لايستطيع الطغاة تكذيبها انها بصقة في وجوه الذين أهدروا الأموال العربية بآلاف المليارات وذهبت لصالح الصهاينة سلاحا يقتلوننا به كما أنها كشف لفضائح الاعلام المأجور و المدفوع الثمن مسبقا و الذي يقدم تخديرا للجماهير العربية و ابعادا لها عن واقعها اما بتمييعها بقنوات ومواد اعلامية نهاية في التفاهة أو يقدمون تسطيحا للدين الاسلامي و تقديم فتاوى على الهواء من شأنها ابعاد الناس عن الجانب المضيىء و الثوري في الاسلام وبناء عليه فهي  صرخة مدوية في وجوه كل الذين أجرموا في حق هذا الوطن و انتصار للأحرار والشرفاء مصداقا لقوله تعالى

( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)- (17) سورة الرعد 

 

تطور المعجزات للانبياء في القران من فجر الرسالات الى ختم النبوة بقلم الناصر خشيني




مدخل: الآية بين الحدث والدلالة
من أعمق ما يُثيره التأمل في تاريخ الرسالات الإلهية ذلك التنوع المقصود في طبيعة المعجزات التي أيّد الله بها أنبياءه ورسله. فلم تكن المعجزة في يوم من الأيام حدثاً اعتباطياً يُبهر الجمهور ويُسكت المعارض فحسب، بل كانت في حقيقتها خطاباً إلهياً موجَّهاً إلى طور بعينه من أطوار الوعي البشري، ومرحلة محددة من مسيرة العقل الإنساني في اكتمالها وبلوغها النضج. وكان اختيار نوع المعجزة ووقتها ومكانها وحجمها قراراً حكيماً صادراً عن علم الله الشامل بطبيعة المخاطَب وحاجته ومستوى تلقيه.
وقد جرت سنة الله في الرسالات السابقة على الإسلام أن تكون المعجزة مادية حسية ملموسة، تخاطب الحواس قبل العقل، وتهز الوجدان قبل أن تستنهض الفكر. ذلك أن البشرية في أطوارها الأولى كانت لا تزال في طفولتها الحضارية، قريبة العهد بالأسطورة والسحر، تقيس الحقيقة بما تراه عيناها وتلمسه أيديها. فلما جاءت خاتمة الرسالات على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي، وكانت البشرية تخطو نحو طور النضج العقلي، جاءت معجزته عقلية خالصة وكتاباً خالداً تحدّى به العقول في كل زمان ومكان.
يسعى هذا المقال إلى جرد المعجزات المادية الملموسة للأنبياء والرسل قبل سيدنا محمد كما أثبتها القرآن الكريم، ثم يُقيم مقارنة دلالية بين تلك المعجزات الحسية ومعجزة الإسلام الكبرى: القرآن الكريم، كاشفاً عن الحكمة الإلهية في اختلاف الخطاب بحسب اختلاف المرحلة.
أولاً: معجزات سيدنا إبراهيم عليه السلام
1 — النار التي لم تحرق
تُعدّ هذه المعجزة من أجلى صور التدخل الإلهي المباشر في ناموس الطبيعة. فحين أُلقي إبراهيم في النار إثر جرأته على الأصنام وكسرها، عطّل الله الخاصية الجوهرية للنار وهي الإحراق، فكان أمره:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ — سورة الأنبياء: 69
وهذه المعجزة بالغة الأثر في نفس من يراها، لأنها تخاطب أول ما تخاطب الحس البصري والجسدي: كيف يدخل إنسان النار ولا يُحرق؟ وهو الدليل الأقوى أمام عقلية مرحلة لا تزال تقدّس القوى الطبيعية وتهابها. وقد أشار الطبري إلى أن هذه الآية تُفيد تحويل ماهية النار لا مجرد الحيلولة دون أثرها، وهو ما يجعلها معجزة كونية مطلقة لا محلية مؤقتة.(1)
2 — إحياء الطيور الأربعة
وهي معجزة أُجريت إجابةً لتساؤل إبراهيم الخليل عن كيفية إحياء الموتى، فأمره الله باختبار تجريبي حسّي ملموس:
﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ — سورة البقرة: 260
فكانت المعجزة مادية مباشرة: تقطيع الطيور وتوزيعها على الجبال، ثم بعثها حية أمام عين الخليل. والمشهد يخاطب الحس أولاً ثم يُعلّم اليقين ثانياً.
ثانياً: معجزات سيدنا موسى عليه السلام
خُصَّ موسى عليه السلام بأكبر عدد من المعجزات المادية الملموسة في القرآن الكريم، وهو ما يتسق مع طبيعة رسالته إلى فرعون وملئه وبني إسرائيل، في حقبة كانت مصر فيها سيدة الحضارة المادية المنظورة.
3 — العصا تنقلب ثعباناً
وهي أُولى الآيات التي أُعطيها موسى، وكانت الحجة الدامغة في مواجهة سحرة فرعون:
﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ — سورة الشعراء: 32
تحوّل الجماد الميت إلى كائن حي زاحف، معجزة تمسّ أعمق ما في الإنسان البدائي من رهبة تجاه الثعبان رمز القوة والخطر. وقد أُعيدت هذه المعجزة مرات عدة في القرآن (الأعراف: 107، النمل: 10، طه: 20)، مما يدل على مركزيتها في منظومة آيات موسى.
4 — اليد البيضاء
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ — سورة النمل: 12
تغيير مفاجئ مرئي في لون العضو البشري بلا سبب طبيعي، وكانت هذه الآية إلى جانب العصا المعجزتين الرئيسيتين اللتين بُعث بهما موسى. وقد وردت في مواضع متعددة (الشعراء: 33، طه: 22).
5 — انفلاق البحر
وهي أعظم معجزات موسى الكونية وأكثرها توثيقاً في القرآن الكريم:
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ — سورة الشعراء: 63
انشقاق جسم مائي هائل إلى جبلين من الماء يمرّ بينهما بنو إسرائيل آمنين، ثم انطباقه فجأةً على فرعون وجنوده. وهذه المعجزة تنطوي على بُعد سياسي-نجاتي واضح: حرية الشعب المستضعف من براثن الطاغوت.
6 — انبجاس العيون من الحجر
﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ — سورة البقرة: 60
خروج اثنتي عشرة عيناً ماء من صخرة صمّاء بضربة عصا واحدة، وبعدد أسباط بني إسرائيل الاثني عشر. وفي هذا إشارة إلى دقة التنظيم الإلهي في توزيع الرزق.
7 — المن والسلوى
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾ — سورة البقرة: 57
رزق مادي غيبي: طعام حلو ينزل من السماء وطير يُسخَّر للأكل في التيه، وظلال غيمية توقيّاً من حرارة الصحراء. وهذه المعجزة تخاطب أشد حاجات البشر إلحاحاً: الطعام والمأوى.
8 — الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾ — سورة الأعراف: 133
خمس آيات عذابية مادية متتابعة تضرب فرعون ومصره تباعاً. كل آية منها كارثة طبيعية مُوجَّهة بإرادة إلهية، لا يستطيع أي علم أو سحر درءها.
9 — إحياء القتيل ببعض البقرة
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ﴾ — سورة البقرة: 73
أُحيي ميت بلمسة عضو من البقرة المذبوحة، ليُفصح عن قاتله. وقد أُرفقت هذه المعجزة بتعليق قرآني صريح يجعلها دليلاً على البعث، فهي معجزة ودرس في آنٍ واحد. وقد فصّل ابن كثير في تفسيره القول في هذه الآية مبيناً أنها معجزة مزدوجة: إحياء وإخبار.(2)
10 — الألواح المُنزَّلة
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ — سورة الأعراف: 145
الألواح التي أنزلها الله مكتوبةً بيد القدرة الإلهية هي على الحدّ بين المعجزة المادية والرسالة التشريعية. وقد شكّلت المرجعية القانونية لبني إسرائيل وسط مرحلة كانوا فيها في أشد الحاجة إلى الإثبات البصري لشرعية الأمر الإلهي.
ثالثاً: معجزات سيدنا عيسى عليه السلام
جاءت معجزات عيسى عليه السلام متمحورةً حول ثيمة الحياة والموت والشفاء، وهي الثيمة ذاتها التي كان الوعي الديني اليهودي يترقبها في ضوء النبوءات المسيحانية.
11 — نفخ الطين طيراً حياً
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ — سورة المائدة: 110
هذه المعجزة الأشد غرابةً وعمقاً: تحويل الطين الجامد إلى طائر حي بمجرد النفخ. وهي تُحيل صراحةً إلى فعل الخلق الأول — خلق آدم من طين — مما يضعها في السياق اللاهوتي قبل الحسي.
12 — إبراء الأكمه والأبرص
﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ — سورة المائدة: 110
شفاء من وُلد أعمى ومن البرص، وكلتاهما آفتان اعتُبرتا خارج نطاق الشفاء الطبيعي. والمعجزة هنا تتجاوز المفهوم الطبي لتصنع مصالحةً بين المريض والمجتمع الذي كان يعزله.
13 — إحياء الموتى
﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ — سورة آل عمران: 49
أعلى المعجزات الحسية درجةً: استعادة الحياة بعد فراقها. وقد أُكّد في القرآن أنها تتم بإذن الله، نفياً لأي لبس في أصل القدرة.
14 — المائدة المنزَّلة
﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ — سورة المائدة: 114
طعام حسي ملموس ينزل من السماء بدعوة عيسى. والجدير بالملاحظة أن الله قرن هذه المعجزة بوعيد شديد لمن يكفر بعدها، مما يجعلها آيةً مُوجِبةً للحجة القاطعة.
15 — الميلاد من غير أب
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ — سورة آل عمران: 47
معجزة خلقية كبرى في أصل وجود عيسى ذاته. وقد قرن القرآن هذه الآية بخلق آدم من غير أب ولا أم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (آل عمران: 59)، في إشارة إلى سنّة الخلق الإلهي المتجاوزة للأسباب.
رابعاً: معجزات سائر الأنبياء
16 — ناقة صالح
﴿هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ — سورة الأعراف: 73
ناقة خرجت من صخرة بأمر إلهي لتكون آيةً لثمود. وقد حوّل القرآن قصة عقرها إلى مثل للعقر الحضاري والانتحار الجمعي: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ (الأعراف: 77).
17 — معجزات سليمان: الريح والجن وعرش بلقيس
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ — سورة سبأ: 12
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ — سورة النمل: 40
تسخير الريح لحمل الجيوش، واستخدام الجن في أعمال البناء الضخمة، ونقل عرش بلقيس من اليمن إلى الشام في لمح البصر. وهذه المعجزات تُشير إلى سلطة حضارية مادية هائلة مُسخَّرة لخدمة منظومة الحكم النبوي.
18 — تليين الحديد لداوود
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ — سورة سبأ: 10
تغيير الخاصية الفيزيائية للحديد بأمر إلهي لصناعة الدروع الواقية. وهي معجزة تكنولوجية بامتياز في سياقها التاريخي، تُدمج بين الكرامة النبوية والإنتاج المادي.
19 — الفلك والطوفان لنوح
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ — سورة القمر: 13
الطوفان الكوني الذي أغرق الأرض وأنجى نوحاً ومن معه في السفينة التي بُنيت بوحي إلهي. وهذه المعجزة تجمع بين الإنجاء والعقاب في مشهد مادي واحد.
20 — نجاة يونس من بطن الحوت
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ... فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ — سورة الصافات: 142-145
البقاء حياً في أعماق البحر داخل بطن الحوت ثم القذف إلى الشاطئ. وهذه المعجزة تتضمن التسبيح الشهير ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الذي جعله القرآن مفتاح النجاة.
21 — ولادة يحيى من أبوين عاجزَين
﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ — سورة آل عمران: 40
هبة الولد من أب بلغ الشيخوخة وأم عاقر: خرق بيولوجي صريح لسنن التناسل، جاء استجابةً لدعاء زكريا برغبة في وارث نبوي.
خامساً: المقارنة الدلالية — المعجزة الحسية في مواجهة المعجزة العقلية
أ — مرحلة الطفولة الحضارية للبشرية
إن الإنسان كالطفل في نموه العقلي والوجداني، لا يُصدّق ما لا تُثبته حواسه في مرحلة بعينها من حياته، ثم يترقى شيئاً فشيئاً نحو التجريد والفهم والاستدلال. وقد أدار الله الرسالات السابقة وفق هذه السنة التكوينية في العقل الإنساني.
فالمجتمعات التي خاطبتها رسالات إبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء كانت في طور حضاري لا يزال يؤمن بالسحر والعرافة، ويقيس مصدر القوة بالاستعراض المادي. فكان من الحكمة الإلهية أن تأتي الآية بصورة حسية تُبهر الحواس وتُفحم المنازع:
نار لا تُحرق: تُفحم القوى التي تعبدها الوثنية.
ثعبان يبتلع عصيّ السحرة: يُبطل أقوى ما أنتجه العلم السحري المصري.
بحر ينشق: يُعجز أعظم إمبراطورية عسكرية في عصرها.
إحياء الموتى: يُجيب عن أعمق تساؤل وجودي بطريقة مباشرة.
وقد أشار محمد الغزالي إلى أن هذه المعجزات جاءت كلها في سياق التحدي المباشر والحسي، لأن البيئة الفكرية التي احتضنتها لم تكن مهيأة بعد لتلقي المعجزة العقلية الخالصة.(3)
ب — قيد الآنية والمحلية
غير أن المعجزة الحسية تنطوي على قيد بنيوي جوهري: إنها معجزة آنية محلية تنتهي بانتهاء الحدث، ولا يمكن إعادتها أو استحضار دليلها الحسي في الزمن الآتي. فمن لم يرَ النار وإبراهيم فيها سليماً، لم يشهد المعجزة. ومن لم يحضر انفلاق البحر، لم تبقَ له منه إلا الرواية.
وهذا ما يُفسر كيف انحرفت الأمم التي شهدت هذه المعجزات وعادت إلى الوثنية بعد غيبة موسى في الطور، أو كيف حرّف أتباع عيسى رسالته بعد رفعه. لأن المعجزة الحسية لا تُغير البنية العقلية تغييراً جذرياً، بل قد تُذعن لها النفوس خوفاً أو إعجاباً لا يقيناً راسخاً.(4)
ج — القرن السابع الميلادي: مرحلة النضج العقلي للبشرية
كان القرن السابع الميلادي فجر مرحلة حضارية جديدة: الإنسانية تبدأ بالخروج من عصور الأسطورة والسحر والقبلية نحو التفكير المنهجي والكتابة والجدل الفكري والتنافس الحضاري. وكانت الجزيرة العربية بالذات، على رغم بداوتها، تمتلك ذاكرة شعرية وبيانية راقية، وبيئة فكرية قادرة على الاستجابة للتحدي اللغوي والمعرفي.
في هذا السياق جاء الوحي المحمدي بمعجزة من طبيعة مختلفة جذرياً: لا نار لا تُحرق، ولا بحر ينشق، ولا ميت يُحيا أمام الأعين. جاء بكتاب يُحدّي العقول جمعاء في كل زمان ومكان:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ — سورة الإسراء: 88
وقد رأى مالك بن نبي أن القرآن الكريم هو الظاهرة الكبرى في تاريخ الحضارة الإنسانية، لأنه يخاطب العقل البشري في مستوياته جميعها، ولا يُستنفد بتكرار القراءة والدرس.(5)
د — المعجزة الدائمة وختم النبوة
وتكمن عبقرية هذا الاختيار الإلهي في توافقه التام مع ختم النبوة: فإذا كانت الرسالة المحمدية هي الرسالة الأخيرة والخاتمة إلى يوم القيامة، فلا بد أن تكون معجزتها بطبيعتها خالدة غير مُنقطعة، حاضرةً في كل عصر لا في عصر واحد، مفتوحةً للتحدي في كل لغة وكل حقبة.
وهذا بالضبط ما يُميز القرآن الكريم عن كل معجزة سابقة:
المعجزات السابقة: حدث تاريخي محدود في زمان ومكان، يُروى ولا يُعاش من جديد.
القرآن الكريم: نص حيّ مُعاد تلاوته في كل لحظة، يتحدى كل جيل أن يأتي بمثله.
يقول الشيخ محمد عبده: «كانت معجزات الأنبياء تقهر إرادة من يشهدها، أما القرآن فإنه يُقنع العقل ويُنير البصيرة، فهو معجزة الحرية لا معجزة القهر».(6)
وهذا التمييز جوهري في فهم ختم النبوة: إذ يعني أن البشرية قد بلغت من النضج العقلي ما يُؤهلها لتتلقى الوحي الخاتم في صورة نصية عقلية، وأن تحمل هي مسؤولية الاجتهاد في فهمه وتطبيقه دون الحاجة إلى معجزات حسية تُجدَّد في كل جيل. وقد أشار محمد إقبال إلى أن الإسلام بإعلانه ختم النبوة يُعلن في الوقت ذاته نضج العقل الإنساني وأهليته لحمل الأمانة.(7)
خاتمة: الحكمة الإلهية في تطور الخطاب المعجزاتي
يكشف هذا الجرد القرآني لمعجزات الأنبياء أن ثمة سنةً تاريخية-إلهية تحكم توزيع الآيات على الرسالات: فالمعجزة الحسية جاءت في أطوار البشرية الأولى لأنها وحدها القادرة على اختراق الوعي الأسطوري السائد وإثبات الصلة بين النبي وربه أمام جمهور لا يقيس الحقيقة إلا بالبرهان الحسي المباشر.
غير أن الرسالة الخاتمة جاءت في مرحلة مختلفة من مسيرة العقل الإنساني: مرحلة القرن السابع الميلادي التي بدأت تُعلي من شأن الكلمة والجدل والبيان. فجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم كتاباً خالداً لا حدثاً عابراً، يُخاطب العقل قبل الحواس، ويتحدى الأجيال كلها لا جيلاً واحداً، ويبقى دليله الحي محفوظاً في الصدور والسطور عبر الأجيال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ — سورة الحجر: 9
وفي هذا التحول من المعجزة الحسية إلى المعجزة العقلية ما يُثبت أن الإسلام جاء ليُكمل مسيرة الإنسانية ويستوعبها في وحدة كلية، لا ليُلغي ما سبقه بل ليُتوّجه ويُبلّغه درجته الأعلى. وليكون ختم النبوة توافقاً عميقاً بين طبيعة الرسالة وطبيعة المرحلة التي دُشّنت فيها: مرحلة العقل الإنساني البالغ الذي أصبح أهلاً لحمل أمانة الكلمة الإلهية الخالدة دون وصاية معجزاتية مُجدَّدة في كل حين.
قائمة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2000م.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، 1999م.
الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ.
بن نبي، مالك، الظاهرة القرآنية، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1987م.
عبده، محمد، رسالة التوحيد، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1908م.
إقبال، محمد، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1955م.
الغزالي، محمد، من معالم الحق في الكفاح الإسلامي الحديث، دار الشروق، القاهرة، 1989م.
العقاد، عباس محمود، الإسلام دعوة عالمية، نهضة مصر للطباعة، القاهرة، 1952م.
محمود، مصطفى، القرآن محاولة لفهم عصري، دار المعارف، مصر، 1972م.
الشعراوي، محمد متولي، معجزة القرآن، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، 1985م.

 


الاثنين، 1 يونيو 2026

الحج والتقويم الإسلامي: إشكالية الزمان بين النص والاجتهاد بقلم: الناصر خشيني

 


 تقديم

في كل عام، وحين يشتد وهج الصيف ويبلغ الحرّ ذروته، يتجه ملايين المسلمين من أصقاع الأرض نحو مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، محملين بالإيمان ومثقلين بأعباء الحرارة القاسية. وتُسجّل إحصاءات الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري أرقاماً مفجعة في أغلب السنوات. غير أن المتأمل في السيرة النبوية يجد أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤدِّ حجته الوحيدة "حجة الوداع" إلا في فصل يوافق وفق الحسابات الفلكية فصلَ الشتاء الميلادي. فأين الخلل؟ وكيف يُفهم هذا التناقض بين ما سنّه النبي عملياً وما يعيشه المسلمون اليوم؟
أولاً: التقويم الهجري وإشكالية الانفصال عن الفصول
يقوم التقويم الهجري على أساس السنة القمرية البحتة، المكوّنة من اثني عشر شهراً قمرياً لا يتجاوز مجموعها 354 يوماً، أي بفارق 11 يوماً تقريباً عن السنة الشمسية البالغة 365 يوماً. ومن ثَمَّ، تتقدم الشهور الهجرية كل عام بمقدار هذا الفارق، لتدور دورة كاملة على الفصول الأربعة في غضون نحو 33 سنة شمسية.
وقد كان العرب قبل الإسلام يستخدمون نظام "النسيء"، أي تأجيل الأشهر الحرم وإضافة شهر كبيس كل فترة، للحفاظ على توافق التقويم مع الفصول. وقد جاء القرآن الكريم لينهى عن هذه الممارسة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (التوبة: 37). وقد فُسّر هذا النهي تاريخياً على أنه تحريم لأي شكل من أشكال التعديل التقويمي، مما أفضى إلى اعتماد السنة القمرية الخالصة نهجاً ثابتاً، بصرف النظر عن تداعياته العملية.
ثانياً: حجة الوداع في ميزان الفلك.                                                          وردت عدّة أقوالٍ للعلماء في بيان وتحديد التاريخ الميلاديّ لحجّة الوداع؛ فقد ذُكر في كتاب موجز التاريخ الإسلامي أنّ حجّة الوداع كانت سنة ستّمئةٍ وإحدى وثلاثين للميلاد،أمّا اليوم الذي صادف وقوع حجّة الوداع، فكان يوم السبت من شهر كانون الثاني/ يناير،وذكر محمد رضا في كتابٍ له اسمه "محمّد صلى الله عليه وسلم" أنّ حجّة الوداع كانت في شهر آذار/ مارس، من سنة ستّمئةٍ واثنين وثلاثين للميلاد بحيث.
 أن حجة الوداع من خلال هذا القول أُديّت في ذي الحجة من العام العاشر الهجري، الموافق لشهر مارس من عام 632 ميلادي. وشهر مارس في منطقة الحجاز يوافق أواخر فصل الشتاء وبداية الربيع، حيث تتراوح درجات الحرارة في مكة بين 20 و28 درجة مئوية، مناخٌ معتدل يختلف اختلافاً جذرياً عن الحرارة الخانقة التي تصل أحياناً إلى 45 درجة وما فوق خلال موسم الحج في أشهر الصيف اليوموبما ان المسالة خلافية فهي ليست دينا.
وبالمنطق ذاته، يُشير الباحثون إلى أن النبي صام رمضان على مدار تسع سنوات متتالية، بدءاً من السنة الثانية للهجرة، وكانت غالبية هذه السنوات تصادف فصلَي الخريف والشتاء، مما جعل الصيام في اعتدال نسبي مقارنة بما يعانيه المسلمون اليوم حين يصادف رمضان أشهر القيظ.
ثالثاً: الاجتهادات التي شكّلت الواقع
يُقرّ الفقهاء بأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو من أسّس للتقويم الهجري المعمول به اليوم في صيغته الرسمية، وذلك في العام السابع عشر للهجرة. وقد اختار أن يكون مبدأ التأريخ من هجرة النبي، وأن يظل التقويم قمرياً صرفاً دون أي تعديل شمسي. وهو اجتهاد بشري، لا وحيٌ إلهي، أسهم في ترسيخ هذا الانفصال بين المناسبات الدينية وفصول السنة.
والأهم من ذلك أن مسألة النسيء التي نهى عنها القرآن كانت في جوهرها ممارسةً سياسية يستغلها زعماء القبائل لتأجيل الأشهر الحرم خدمةً لمصالح الحرب. ويرى عدد من الباحثين المعاصرين أن النهي القرآني كان يستهدف هذه الحيلة السياسية تحديداً، لا مجرد التوافق الفلكي بين التقويم والفصول.
رابعاً: إشكاليات المنهج والتمييز بين الثابت والمتغير
إن جوهر المسألة يكمن في سؤال منهجي عميق: هل كل ما جرى في عهد النبي يُعدّ تشريعاً لازماً وملزماً، أم أن بعضه جاء استجابةً للسياق الزمني والظرف التاريخي؟
الشريعة الإسلامية في جوهرها تُفرّق بين العبادات ذات الأصل الثابت، وبين الوسائل والآليات التي تخضع لمبدأ المصلحة والدرء عن المفسدة. وفي هذا السياق، يمكن القول إن توقيت الحج في ذي الحجة ثابتٌ بالنص القرآني، لكن العلاقة بين ذي الحجة والفصول المناخية ليست ثابتةً في ذاتها، وإنما تتغير بطبيعة التقويم القمري.
والحجج المانعة من أي مراجعة تستند في الغالب إلى موروث فقهي تراكمي لا إلى نصوص قطعية الدلالة، في حين أن مآلات هذا الموروث تشمل وفيات بالآلاف جراء موجات الحر كل موسم.
خامساً: نحو مراجعة جريئة ومسؤولة
لا يعني الدعوة إلى المراجعة إنكاراً للثوابت أو خروجاً عن الأصول، بل هي دعوة إلى التمييز الدقيق بين ما هو من الدين وما هو من التاريخ والاجتهاد البشري. وقد أجاز كثير من علماء الفقه الإسلامي الكلاسيكيين أن تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال.
والأسئلة المشروعة التي تطرحها هذه الإشكالية هي:
هل يمكن إعادة النظر في التقويم الهجري بما يجمع بين القمرية في العبادات والاعتدال المناخي في التطبيق؟ وهل ثمة آليات فقهية معاصرة تُجيز إضافة تعديل شمسي دون أن يمسّ ذلك جوهر العبادة؟ وهل يجب أن تنتظر الأمة حتى يصادف الحج موسم الصيف القاتل كل بضعة عقود لتُعيد طرح هذه الأسئلة؟
خاتمة
إن الإسلام دين اليسر لا العسر، ودين العقل لا التقليد الأعمى. وما وصل إلينا من اجتهادات بشرية في إطار التقويم والتوقيت ليس قرآناً منزّلاً ولا سنةً ثابتة في كل تفاصيلها، بل هو تراثٌ فقهي قابل للنقد والمراجعة. والحجاج الذين يلقون حتفهم سنوياً تحت وطأة الحر ليسوا ضحايا الدين، بل هم ضحايا التقديس المزوّر لاجتهادات بشرية قابلة للتصحيح. آن لأهل العلم والفكر أن يُعيدوا طرح هذه المسائل بعيداً عن التابو، خدمةً للدين قبل أي اعتبار آخر.
المراجع والمصادر
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
ابن كثير، البداية والنهاية، أحداث السنة العاشرة الهجرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة.
محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، دار النفائس، عمّان، 2001.
يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم، الكويت، 1996.
جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة، دار الفكر، دمشق، 2001.
David King, Astronomy in the Service of Islam, Variorum, Aldershot, 1993.
F.C. De Blois, "Tā'rīkh", The Encyclopaedia of Islam, Vol. X, Brill, Leiden, 2000.
منظمة الصحة العالمية، تقارير الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري خلال موسم الحج، 2023-2024.

  أحمد معمور العسيري (1996)، موجز التاريخ الإسلامي من عهد آدم إلى عصرنا الحاضر (الطبعة الأولى)، صفحة 92، جزء 1. بتصرّف.                                                               وجدان فريق عناد العارضي (2017)، إمارة الحج في الدول العربية والإسلامية (الطبعة الأولى)، الأردن: دار أمجد، صفحة 297. بتصرّف.                                                            محمد رضا، محمد صلى الله عليه وسلم جزء 2  صفحة 71

 

الأراضي العربية المحتلة: فلسطين ليست وحدها بقلم: الناصر خشيني

 



حين يُذكر الاحتلال في الوطن العربي، تنصرف الأذهان فوراً نحو فلسطين، وهي قضية مركزية عادلة تستحق كلّ تضامن وكلّ نضال. غير أنّ ثمة حقيقة مؤلمة يُسكت عنها السياسيون ويتجاهلها الإعلام: أرض عربية أخرى تُحتلّ على امتداد الخارطة، من شمال أفريقيا إلى الخليج، ومن بلاد الشام إلى القرن الأفريقي. لا يُقلّل هذا التسليط من مركزية القضية الفلسطينية، بل يكشف مدى الهشاشة الجيوسياسية للأمة العربية، وعمق أزمة تشرذمها الذي يجعلها عاجزة عن استعادة ترابها المنهوب.
أولاً: لواء الإسكندرون — الجرح السوري المفتوح
لواء الإسكندرون أرض سورية عربية ضمّتها تركيا عام 1939، بعد أن تنازلت عنها فرنسا في عهد انتدابها على سوريا، وأطلقت عليه تركيا اسم "محافظة هاتاي"(1). وقد سبق ذلك مسلسل من التلاعب الدولي؛ ففي 29 مايو 1937 أصدرت عصبة الأمم قراراً بفصل اللواء عن سوريا وعُيّن له حاكم فرنسي(2). ثم جاء الضمّ القسري الكامل، إذ أُشرف في يونيو 1939 على استفتاء شهد تجاوزات فاضحة كنقل الآلاف من الأتراك بالشاحنات للمشاركة فيه، فيما قاطعه العرب الذين كانوا يمثّلون نحو 40% من سكان المنطقة، وفي أول سبتمبر من العام نفسه أُعلن رسمياً ضمّ اللواء إلى تركيا(3).
كان هذا الضمّ ثمرةَ مؤامرة حاكتها فرنسا وتركيا، ضمنت بموجبها فرنسا انضمام تركيا إلى صفّ الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، إذ أُبرم بعد نحو شهر من الضمّ اتفاقٌ يؤسّس لتحالف عسكري فرنسي-إنجليزي-تركي(3). والأخطر أنّ الأعوام التالية شهدت تطبيق سياسة "تتريك" اللواء، إذ تمّ تغيير كافّة الأسماء من العربية إلى التركية، وتعرّض العرب السوريون فيه لحملات تضييق متواصلة(3). وما زالت سوريا رسمياً تعدّ اللواء جزءاً من ترابها الوطني، وما زالت خرائطها تُدرجه باعتباره منطقة سورية محتلة(2).
ثانياً: عربستان (الأحواز) — النفط العربي تحت الهيمنة الفارسية
بدأت قصة معاناة إقليم الأحواز في العشرين من أبريل عام 1925، حين أقدمت إيران الشاهنشاهية على احتلاله، بعد أن استُدرج الشيخ خزعل الكعبي حاكم الإقليم إلى فخٍّ نصبه له قائد الجيش الإيراني الجنرال زهدي، فاعتُقل الشيخ وأُودع سجون طهران حتى اغتياله عام 1936(4). يعود السبب الجوهري لهذا الاحتلال إلى غنى الإقليم بالموارد الطبيعية من نفط وغاز وأراضٍ زراعية خصبة، إذ يُعدّ اليوم المنتج الرئيسي لمحاصيل مثل السكر والذرة في إيران(5). ومنذ ذلك الحين لم تتوقف المأساة؛ فقد اتّبعت السلطات الإيرانية المتعاقبة سياسات تمييزية ضد العرب في التوظيف والثقافة، وحرمتهم من تعلّم اللغة العربية، وحرّفت أسماء المدن والمناطق من العربية إلى الفارسية لطمس الهوية العربية للإقليم(5). وتحفل مسيرة عرب الأحواز بأكثر من ستة عشر انتفاضة، أبرزها ثورة "جنود الأمير خزعل" عام 1925، وحراك عام 2005 إثر تسريب وثيقة تتحدث عن مخطط لتهجير نصف سكان المناطق العربية واستبدالهم بالفرس(6).
ثالثاً: الجزر الإماراتية الثلاث — سطو مسلّح في قلب الخليج
في 30 نوفمبر 1971، وقبل يومين فقط من إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، أقدمت القوات الإيرانية على احتلال جزيرتَي طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى بصورة مفاجئة ودون إنذار مسبق، واقتحمت الجزر فجراً مما أفضى إلى سقوط ضحايا وتهجير كثير من السكان الإماراتيين(7). كانت أعلام رأس الخيمة والشارقة ترفرف فوق الجزر الثلاث حتى أُنزلت بيد قوات الاحتلال الإيراني فور انسحاب القوات البريطانية(8). وقد ندّدت الدول العربية بهذا العدوان، فطالبت مصر في الأول من ديسمبر 1971 بسحب القوات الإيرانية، كما ندّدت الكويت وسوريا بهذا الاحتلال السافر(9). وبسبب الموقع الاستراتيجي للجزر في مضيق هرمز، يظلّ أمن الخليج هشّاً في غياب تسوية فاعلة لهذا النزاع(10).
رابعاً: سبتة ومليلية والجزر المغربية — الاستعمار الذي لم ينتهِ
على الضفة الغربية من عالمنا العربي، تتواصل في صمت مريب سيطرة إسبانية على أرض مغربية مسلمة تمتد عبر ست قرون متواصلة. يعود احتلال سبتة إلى عام 1415 حين سقطت في يد البرتغاليين، لتنتقل بعدها إلى الإسبان عام 1668، فيما احتُلّت مليلية خريف عام 1497(11). وإلى هاتين المدينتين تُضاف الجزر الجعفرية الواقعة على بُعد أمتار من الشاطئ المغربي، وتضمّ جزر ليلى وتورة وبادس وسواها من الجزر والصخور المغربية التي تسيطر عليها إسبانيا(12). وهكذا تُشكّل مجتمعةً حزاماً استعمارياً أوروبياً ممتداً على الشمال المغربي لا نظير له في عالم ما بعد الاستقلال.
يرجع هذا الاحتلال المتشعّب إلى ما اعتبرته القوى الأوروبية حروباً صليبية على الوجود العربي المغربي الإسلامي، وقد تعرّض المغرب لثماني عشرة حملة برتغالية وثماني عشرة حملة إسبانية(13). والمفارقة المؤلمة أنّ هذا الاحتلال الأوروبي العتيق ما يزال يُرسم على خرائط العالم باعتباره "أراضي إسبانية"، فيما يصنّفه الاتحاد الأوروبي جزءاً من حدوده الخارجية بدلاً من أن يُعامَل باعتباره بقية استعمارية يفرضها القانون الدولي.
خامساً: الأوغادين — الجرح الصومالي الممتدّ
في القرن التاسع عشر غزا الملك الإثيوبي منليك الثاني إقليم أوغادين الصومالي العربي، مما أشعل صراعاً مديداً وأفضى إلى حملة مناهضة للاستعمار بقيادة سيد محمد بن عبد الله حسن(14). وقد ظلّ الإقليم محوراً للصراع طويلاً؛ ففي حرب أوغادين بين عامَي 1977 و1978 سقط عشرات الآلاف قبل أن تُعيد إثيوبيا هيمنتها بمساندة المستشارين العسكريين السوفييت والقوات الكوبية(15). واستباحت القوات الإثيوبية الإقليم وفرضت حصاراً خانقاً على سكانه الصوماليين العرب، وارتكبت بحقهم جرائم فادحة ظلّت طيّ الكتمان(16). وهو إقليم يرزح في صمت شبه تام عن الرأي العام العربي، رغم أن سكانه يحملون هوية عربية إسلامية راسخة.
سادساً: التجزئة — السلاح الذي يُشلّ الأمة
لا يمكن أن نقرأ هذا المشهد المأساوي لاحتلال الأراضي العربية المتعددة دون أن نُواجه السؤال الجوهري: لماذا تظل هذه الأراضي محتلة؟ الجواب لا يكمن فقط في قوة المحتل، بل في تمزّق الوطن العربي وتفتّت قدرته الجماعية.
يتألّف الوطن العربي اليوم من اثنتين وعشرين دولة، بعضها لا تتجاوز مساحته بضعة آلاف من الكيلومترات، وبعضها الآخر لا يتجاوز عدد سكانه بضعة ملايين. وقد نشأت هذه التجزئة في معظمها من رحم اتفاقيات الاستعمار الغربي كسايكس-بيكو عام 1916، التي رسمت حدوداً صناعية تقطع الجغرافيا الطبيعية والأواصر الثقافية والبشرية. هذه الدولة المجزأة تُفضي حتماً إلى ضعف تفاوضي مزمن، وعجز عن بناء قوة ردع موحّدة، وتنافس مصطنع على الموارد والنفوذ يُغذّي الانقسام بدلاً من التكامل.
والنتيجة الحتمية لهذه الحالة أنّ كلّ قضية تُعالَج بمعزل عن أخواتها: فلسطين وحدها في المحافل الدولية، ولواء الإسكندرون في ضمائر السوريين دون صوت عربي جماعي، وعربستان في الندوات الأكاديمية دون ضغط سياسي، والجزر الإماراتية في البيانات الدورية دون فعل استراتيجي، وسبتة ومليلية في الطروحات الدبلوماسية دون إرادة حقيقية، وأوغادين في طيّ النسيان التام. إنّ غياب المشروع القومي الجامع لا يعني فقط تأجيل التحرير، بل يعني في واقع الأمر التطبيع التدريجي مع الأمر الواقع.
خاتمة: الأرض لا تنتظر
أمام هذا المشهد المتكامل، يتبيّن أنّ قضية الأراضي العربية المحتلة ليست قضية شعب واحد أو إقليم واحد، بل هي أزمة منظومة: أزمة أمة مجزّأة، تفتقر إلى مشروع سيادي موحّد، وتتعامل مع احتلالاتها بمنطق ردّ الفعل الآني لا بمنطق الاستراتيجية التاريخية. فالأراضي العربية تُحتلّ جزئياً أو كلياً منذ عقود وقرون، والخريطة العربية تنزّ جراحاً في أطرافها الأربعة. وما لم يُعَد بناء الوعي الجمعي بهذه الجغرافيا المنهوبة كلّها، وما لم يُتحوّل من خطاب العجز إلى خطاب المطالبة الحقوقية والضغط الدولي المنظّم، فإنّ حدود الوطن العربي ستظلّ خاضعة لمنطق الغنيمة لا لمنطق القانون.
الهوامش والمراجع
(1) موقع ترك برس: "أين نحن من لواء إسكندرون؟ مراجعة للتاريخ ونقد الواقع"، يونيو 2017، متاح على: https://www.turkpress.co/node/35669
(2) ويكيبيديا العربية: مقالة "لواء إسكندرون"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/لواء_إسكندرون
(3) موقع حفريات: "هكذا أصبح لواء الإسكندرون السوري محافظة تركية"، متاح على: https://hafryat.com
(4) موقع المسلم: "الأحواز أو عربستان المحتلة إيرانياً"، متاح على: https://almoslim.net/node/127432
(5) ويكيبيديا العربية: مقالة "الأهواز"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/الأهواز
(6) موقع سكاي نيوز عربية: "عربستان — خزّان ثروات وثورات ضد الهيمنة الإيرانية"، نوفمبر 2018، متاح على: https://www.skynewsarabia.com/world/1202579
(7) موقع misaha.com: "قصة الجزر الإماراتية المحتلة: تاريخٌ من النزاع والمطالبات"، نوفمبر 2024، متاح على: https://misaha.com
(8) موقع UAE71: "تمخضت إيران فأنجبت فأراً — الجزر الثلاث المحتلة إماراتية بمئات الوثائق"، نوفمبر 2024، متاح على: https://www.uae71.com/posts/115342
(9) الدرر السنية — الموسوعة التاريخية: "احتلال إيران الجزر الإماراتية"، متاح على: https://dorar.net/history/event/5400
(10) مجلة العرب للدراسات والبحوث الاستراتيجية: "مسألة الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى"، متاح على: https://araa.sa
(11) موقع TRT عربي: "سبتة ومليلية والجزر الجعفرية — خارطة سيطرة إسبانيا شمال المغرب"، أغسطس 2025، متاح على: https://www.trtarabi.com/article/5624600
(12) موقع نون بوست: "سبتة ومليلية: المدينتان العالقتان بين الجغرافيا المغربية والسيادة الإسبانية"، أغسطس 2025، متاح على: https://www.noonpost.com/323160
(13) موقع الجزيرة نت: "سبتة ومليلية بين استعمار إسبانيا وأخطاء المغرب"، نوفمبر 2007، متاح على: https://aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2007/11/5
(14) ويكيبيديا العربية: مقالة "الصراع الإثيوبي الصومالي"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/الصراع_الإثيوبي_الصومالي
(15) مركز الدراسات الأمنية والاستراتيجية في الإمارات (ICSS): "الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية للاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال"، يناير 2024، متاح على: https://icss.ae
(16) مركز مقديشو للبحوث والدراسات: "اطلالة تاريخية محايدة على تاريخ الصراع الصومالي الإثيوبي في أوغادين"، أغسطس 2018، متاح على: http://mogadishucenter.com

توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلطانية بقلم الناصر خشيني

مدخل: التراث بين التقديس والنقد حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالر...