الصفحات

الصفحات

السبت، 18 يوليو 2026

العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية الاستعمارية ​بقلم: الناصر خشيني

 


​أولاً: الموقف من القضية الفلسطينية (بين الوجدان التاريخي والتحول الدبلوماسي)
​تميزت السياسة الخارجية الإسبانية تاريخياً بنوع من "الخصوصية الاستثنائية" تجاه الصراع العربي الصهيوني؛ وتجلى ذلك في تأخر مدريد الطويل في الاعتراف بالكيان الصهيوني حتى عام 1986 [1]. ويعود هذا التمايز جزئياً إلى محاولة إسبانيا – لا سيما في عهد نظام فرانكو – كسر العزلة الدولية المفروضة عليها عبر البوابة الدبلوماسية العربية، مستغلةً "الإرث الأندلسي المشترك" كجسر عاطفي وثقافي لتسويق نفسها كصديق تاريخي للعرب.
​وفي السنوات الأخيرة، وتتويجاً لهذا المسار الاستقلالي النسبي داخل الاتحاد الأوروبي، اتخذت مدريد مواقف متقدمة تمثلت في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في ماي 2024 [2]، مدفوعةً بضغط حثيث من القوى التقدمية في الحكومة والشارع الإسباني الذي شهد مسيرات تضامنية غير مسبوقة. ومع ذلك، يرى التحليل التقدمي والنقدي أن هذا الموقف، رغم أبعاده الرمزية الإيجابية ودعمه للحق الفلسطيني في المحافل الدولية، يصطدم بسقف الموقف الأوروبي العام الملتزم بالخطوط الحمر الأمريكية، ولا يصل إلى حد اتخاذ إجراءات عقابية صارمة كقطع العلاقات البنيوية أو إلغاء الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع القوة القائمة بالاحتلال، مما يجعله خطوة أخلاقية منقوصة الفعالية على أرض الواقع.
​ثانياً: ملف الصحراء الغربية والتأرجح بين الجزائر والرباط
​يمثل ملف الصحراء الغربية النموذج الأبرز للبراغماتية الإسبانية المحكومة بـ "ابتزاز الجغرافيا" وضغوط المصالح الآنية. فباعتبارها القوة المديرة قانونياً للإقليم قبل انسحابها المفاجئ والملتبس عام 1975 [3], ظلت مدريد لعقود تتبنى موقفاً يتماشى ظاهرياً مع قرارات الشرعية الدولية الداعمة لحق تقرير المصير عبر الاستفتاء.
​إلا أن التحول الجذري والدراماتيكي حدث في مارس 2022، عندما أعلنت حكومة بيدرو سانشيز دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي [4]. وكان هذا الانعطاف نتيجة مباشرة لضغوط الرباط المستمرة وتوظيفها لملفات حيوية وحساسة مثل الهجرة غير النظامية والتنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب. وقد ترتبت على هذا الانحياز تداعيات فورية قوضت التوازن الإسباني في المغرب العربي:
​الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر: علقت الجزائر معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا بشكل فوري، وسحبت سفيرها، كما فرضت قيوداً تجارية صارمة شلت الصادرات الإسبانية، باستثناء إمدادات الغاز الطبيعي التي استمرت تدفقاتها التزاماً بعقود دولية صارمة تجنباً لتبعات قانونية مالية ضخمة [5].
​القراءة التقدمية: يكشف هذا التأرجح تنصل مدريد من مسؤوليتها التاريخية والقانونية والأخلاقية كقوة استعمارية سابقة، وتفضيلها للمصالح الأمنية الجيوسياسية المؤقتة على حساب مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
​ثالثاً: استدامة الاحتلال في سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما
​في مفارقة سياسية صارخة، وفي الوقت الذي تطالب فيه إسبانيا بحقها في استعادة "صخرة جبل طارق" من التاج البريطاني، تُصر في المقابل على استمرار احتلالها لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين، بالإضافة إلى الجزر الجعفرية وصخور الحسيمة، قميرة، والبران [6].
​تتعامل مدريد مع هذا الملف بإنكار سياسي تام، وترفض رفضاً قاطعاً مجرد طرحه للنقاش أو التفاوض، معتبرة هذه الأراضي ثغوراً سيادية إسبانية لا تنازل عنها، بل وامتداداً للحدود الأوروبية. وتستغل إسبانيا بذكاء الخلافات البينية العربية-العربية، وضعف الموقف التفاوضي المغاربي المشترك، لتكريس هذا الاحتلال الواقعي عبر عسكرة وتسييج المدينتين وتحويلهما إلى حدود خارجية صلبة للاتحاد الأوروبي أو ما يُعرف بـ (Fortress Europe) [7]، مما يمثل طعنة مباشرة لمفهوم السيادة الوطنية العربية ومبادئ تصفية الاستعمار في القرن الحادي والعشرين.
​رابعاً: التوترات البحرية مع موريتانيا (أزمة الصيد والثروات المنهوبة)
​تتخذ العلاقات الإسبانية مع موريتانيا طابعاً تصادمياً صامتاً، تدور رحاه حول استغلال الثروات البحرية الهائلة. وتشكل المياه الإقليمية الموريتانية ساحة حيوية وأساسية لأساطيل الصيد الإسبانية والأوروبية بموجب اتفاقيات شراكة يراها الكثير من المراقبين مجحفة وغير متكافئة [8].
​وتتجدد التوترات بشكل دوري نتيجة عاملين أساسيين:
​انتهاك المياه الإقليمية: توقيف خفر السواحل الموريتاني المتكرر لسفن صيد إسبانية تتجاوز الحصص الصيدية المسموحة أو تعمد إلى الصيد في مناطق محمية ومحظورة بيئياً [9].
​الصيد الجائر والاستنزاف: استنزاف الثروة السمكية الموريتانية وتجريف البيئة البحرية دون تقديم مردود تنموي أو صناعي حقيقي للشعب الموريتاني. هذا النمط يكرس علاقة التبعية الكلاسيكية بين "الشمال والجنوب" القائمة على الاستغلال الاقتصادي الممنهج [10]، بغطاء من الاتفاقيات التي تفرضها بروكسل ومدريد مستغلة حاجة نواكشوط للدعم المالي والمساعدات الأمنية لمكافحة شبكات الهجرة غير الشرعية.
​ختاماً: أفق العلاقات العربية الإسبانية واستراتيجية التحرر
​تتأرجح العلاقات العربية الإسبانية بين ثنائية الجذب الوجداني القائم على الإرث الأندلسي المشترك والمواقف الدبلوماسية المتقدمة نسبياً (كالملف الفلسطيني)، وبين الصدمة البراغماتية الناعمة والخشنة التي تمارسها مدريد لحفظ مصالحها الحيوية والاستعمارية (كملفات الصحراء الغربية، سبتة ومليلية، واستنزاف الثروات البحرية). إن هذه العلاقة تكشف أن إسبانيا، رغم تمايزها النسبي، تظل محكومة ببنود العقيدة الجيوسياسية الغربية والأوروبية.
​ما العمل لتطوير العلاقات إيجابياً لصالح الأمة؟
​لتغيير قواعد اللعبة والانتقال بالعلاقات من التبعية والتأرجح إلى الندية المصيرية، تبرز الحاجة إلى تبني الاستراتيجيات التالية:
​بناء كتلة تفاوضية موحدة: لا يمكن للعالم العربي، والمغرب العربي تحديداً، انتزاع تنازلات حقيقية من مدريد دون تجاوز الخلافات البينية (الجزائرية-المغربية خاصة). تشكيل جبهة اقتصادية وسياسية مغاربية موحدة سيجعل إسبانيا هي الطرف الأضعف والمحتاج للتنسيق.
​تسييس الأوراق الاقتصادية الحيوية: يمتلك العرب أوراقاً استراتيجية خارقة (إمدادات الغاز والنفط، معابر الملاحة الدولية، والأسواق الاستهلاكية الكبرى). يجب ربط الشراكات الاقتصادية الكبرى بمدى احترام مدريد لسيادة الدول العربية وقضاياها العادلة، وليس العكس.
​تطوير التعاون الثقافي والشعبي: استثمار الدبلوماسية الثقافية وتفعيل "الإرث الأندلسي" من خلال حركات التضامن المدني والقوى التقدمية الإسبانية، لتشكيل أدوات ضغط داخلية على صانع القرار في مدريد.
​كيف الفكاك من الاحتلال الإسباني للجزر والمدن المغربية؟
​إن استمرار احتلال سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما يُعد إهانة للسيادة العربية، والتحرر منها يتطلب خطة متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد الاحتجاج الدبلوماسي الموسمي:
​المقاربة القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية: تدويل الملف بذكاء عبر الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، بوصفها "جيوباً استعمارية" متبقية يجب تصفيتها وفقاً للقرار الدولي 1514، مع إحراج إسبانيا دولياً بمقارنة موقفها الرافض للتفاوض بموقفها المطالب باسترداد جبل طارق من بريطانيا.
​استراتيجية "الضغط الاقتصادي والتنموي الناعم": من خلال خنق الثغرين اقتصادياً عبر وقف التهريب المعيشي بشكل نهائي، وفي المقابل بناء وتطوير أقطاب اقتصادية وموانئ عملاقة منافسة في محيطهما (مثل ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء طنجة المتوسط)، مما يحول وجودهما الاحتلالي إلى عبء مالي وأمني ثقيل على الخزينة الإسبانية بدلاً من كونهما مصدر ربح.
​تفكيك السردية الإسبانية للأمن الأوروبي: ترفض إسبانيا التفاوض بذريعة أن المدينتين هما حدود "أوروبا" الجنوبية؛ وهنا تبرز أهمية المقايضة الأمنية. على الجانب العربي ربط التعاون الصارم في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب بمدى استعداد إسبانيا لفتح جدول زمني للتفاوض حول مستقبل السيادة على المدينتين والجزر، فالأمن المشترك لا يسير في اتجاه واحد يحمي المحتل ويهمش أصحاب الأرض.
​خامساً: المصادر والمراجع (الهوامش)
​[1] الخطيب، أحمد. السياسة الخارجية الإسبانية تجاه العالم العربي: من فرانكو إلى الديمقراطية. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص. 94-96.
​[2] الجزيرة نت. (28 ماي 2024). إسبانيا وإيرلندا والنرويج تعلن رسمياً الاعتراف بدولة فلسطين. تاريخ الاطلاع: يوليو 2026.
​[3] الجمعية العامة للأمم المتحدة. القرار رقم 3458 بشأن مسألة الصحراء الغربية، ديسمبر 1975.
​[4] جريدة الشرق الأوسط. (19 مارس 2022). رسالة سانشيز إلى العاهل المغربي: تحول استراتيجي في موقف مدريد من الصحراء. العدد 15817.
​[5] وكالة الأنباء الجزائرية. (8 يونيو 2022). الجزائر تقرر التعليق الفوري لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا.
​[6] بن عبد الله، عبد العزيز. الثغور المغربية المحتلة: سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. دار المعرفة، الرباط، ص. 45-50.
​[7] أبو طالب، حسن. الصراعات الحدودية العربية-الأوروبية: دراسة حالة الجيوب الإسبانية في المغرب. مجلة السياسة الدولية، الأهرام، العدد 201، ص. 112.
​[8] الأمانة العامة للمجلس الأوروبي. اتفاقية الشراكة في مجال الصيد المستدام بين الاتحاد الأوروبي والجمهورية الإسلامية الموريتانية. بروكسل.
​[9] الوكالة الموريتانية للأنباء. (أرشيف متقاطع). تقارير خفر السواحل الموريتاني حول توقيف السفن الأجنبية المخالفة للنظم البيئية.
​[10] أمين، سمير. التبادل غير المتكافئ والتنمية غير المتكافئة. دار الطليعة، بيروت (تم إسقاط المفهوم نظرياً على العلاقات الاقتصادية الإسبانية الموريتانية).

 


الجمعة، 17 يوليو 2026

الإقليمية والتطبيع... وجهان لمشروع تفكيك الأمة بقلم: الناصر خشيني



مدخل

حين نتأمل خارطة الوطن العربي الممزقة إلى اثنتين وعشرين دويلة، لا نقف أمام تنوع طبيعي في أشكال الحكم، بل أمام جريمة تاريخية مكتملة الأركان، صيغت بنودها في اتفاقية سايكس-بيكو، وأُحكم تنفيذها عبر أنظمة وُلدت من رحم الاستعمار وترعرعت في كنف الرضا الغربي. الإقليمية ليست ظاهرة سياسية بريئة، ولا هي تعبير عن "خصوصيات" وطنية كما يروّج دعاتها؛ إنها، في جوهرها، الوظيفة التي يقوم بها كل نظام عربي قطري، وهي ذاتها الوظيفة التي يقوم بها الكيان الصهيوني: اقتطاع جزء من الجسد العربي الواحد، وتسييجه بحدود مصطنعة، ومنع الأمة من استعادة وحدتها الطبيعية.

أولاً: الإقليمية كأداة سياسية للتفتيت

الحدود التي تُرسم اليوم على الخرائط لم تُرسم لحماية الشعوب، بل لحماية الأنظمة من شعوبها ومن محيطها العربي في آن واحد. كل "دولة قطرية" أنشأت جهازاً أمنياً ضخماً، لا لحراسة حدود خارجية حقيقية، بل لضبط الحدود الداخلية بين الوطن العربي ونفسه. هذه الأنظمة، التي وصل أغلبها إلى الحكم برضا غربي أو بتواطؤ معه، حوّلت السيادة إلى قناع تُمارس تحته الوصاية الأجنبية، فيما يُلهى الشعب بشعارات "الاستقلال الوطني" و"الأمن القومي القطري"، وهي في الحقيقة أمن الأنظمة لا أمن الأمة.

ثانياً: الإقليمية كأداة اقتصادية للنهب

اقتصادياً، أنتجت الإقليمية اثنتين وعشرين سوقاً صغيرة متنافرة بدل سوق عربية موحدة كان يمكن أن تنافس الكتل الاقتصادية الكبرى. النفط العربي يُستخرج في قطر ويُستثمر في الغرب، والعمالة العربية تُصدَّر كسلعة رخيصة بين الأقطار بشروط مذلة، بينما تبقى الثروات المائية والزراعية والمعدنية حبيسة حسابات إقليمية ضيقة. لو توحدت الإرادة السياسية العربية، لكانت الأمة اليوم قوة اقتصادية عالمية؛ لكن التجزئة أبقتها سوقاً استهلاكية تابعة، ومصدراً للمواد الخام، ومستورداً للسلاح الذي يُستخدم أحياناً ضد أبناء الأمة أنفسهم.

ثالثاً: الإقليمية كأداة اجتماعية وثقافية للتذويب

على الصعيد الاجتماعي والثقافي، عملت الإقليمية على اختراع "هويات قطرية" مصطنعة تتصادم مع الهوية العربية الجامعة، فرُوّج لخطاب "الخصوصية" و"التميز الوطني" بهدف تفكيك الشعور القومي وإحلال الولاء القطري الضيق محله. المناهج التعليمية أُعيدت صياغتها في كثير من الأقطار لتُقصي التاريخ العربي المشترك، وتُضخّم السرديات المحلية على حساب الرابطة القومية، تماماً كما يفعل الكيان الصهيوني حين يُنتج رواية تاريخية منقطعة عن السياق الفلسطيني والعربي.

رابعاً: الإقليمية والمشروع الصهيوني... تكامل لا تشابه

ليس من قبيل المبالغة القول إن بقاء الكيان الصهيوني مرهون ببقاء التجزئة العربية. فكل حدود قطرية جديدة هي في الواقع خط دفاع إضافي عن "إسرائيل"، وكل نظام عربي يكرّس القطرية إنما يمنح الكيان فسحة أكبر للتمدد. التطبيع، بهذا المعنى، ليس انحرافاً طارئاً عن السياسة القطرية، بل هو تتويج منطقي لها؛ فمن يقبل بالحدود المصطنعة بين دمشق وبغداد، لن يجد حرجاً كبيراً في قبول الحدود المصطنعة بين يافا والقدس.

خامساً: فرية "الإبراهيمية" وتوظيف الدين لتمييع الهوية

الترويج لمفهوم "الديانة الإبراهيمية" الجامعة ليس اجتهاداً لاهوتياً بريئاً، بل هندسة أيديولوجية مقصودة، الهدف منها إذابة الفوارق العقدية الجوهرية بين الإسلام واليهودية والمسيحية في قالب توفيقي فضفاض، يُراد منه تمهيد الأرضية النفسية لقبول الوجود الصهيوني كجزء "شرعي" من نسيج ديني مشترك، لا ككيان استعماري إحلالي اغتصب أرضاً وشرّد شعباً. حين يُختزل الصراع في فلسطين إلى "خلاف بين أبناء إبراهيم" يمكن حله بالحوار والتسامح الديني، تُمحى القضية المركزية للأمة من طابعها التحرري لتتحول إلى ملف "مصالحة روحية"، وهذا بالضبط ما تسعى إليه اتفاقيات ومراكز التطبيع الديني التي تناسلت في السنوات الأخيرة تحت شعارات "التعايش" و"الأخوة الإبراهيمية".

سادساً: الانسلاخ عن العروبة والإسلام كوظيفة، لا كنتيجة عرضية

التطبيع بهذا المعنى ليس غاية في ذاته، بل أداة لإعادة تعريف هوية الفرد العربي: من مواطن ينتمي لأمة عربية إسلامية لها قضية مركزية وعدو واضح المعالم، إلى "مواطن إقليمي" منسلخ عن عمقه الحضاري، مرتبط بمصالح قطرية ضيقة وشراكات اقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني. هذا الانسلاخ يُمهَّد له عبر مناهج تعليمية معدَّلة، وإعلام يُطبّع الصورة، ومنتجات ثقافية وفنية مشتركة، إلى أن يصبح العداء التاريخي المشروع لمشروع استعماري إحلالي "تطرفاً" ينبغي تجاوزه.

سابعاً: الأرقام تفضح الوهم الاقتصادي للتطبيع

يُسوَّق للتطبيع بوصفه بوابة لـ"ازدهار اقتصادي" و"شرق أوسط جديد" مزدهر بالتكامل، لكن الأرقام الحقيقية للاقتصاد العربي تكشف زيف هذا الطرح من جهة أخرى تماماً: أزمة التجزئة الاقتصادية العربية نفسها. فرغم أن حجم التجارة العربية الكلية في السلع والخدمات تجاوز 3.6 تريليون دولار خلال 2024، فإن التجارة العربية البينية في السلع لم تتجاوز 250 مليار دولار، أي ما لا يزيد عن 9% فقط من إجمالي التجارة العربية السلعية [1]. بمعنى أن أكثر من 90% من التبادل التجاري العربي يذهب إلى خارج المنظومة العربية، نحو شركاء دوليين كالصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما تبقى الأمة، رغم امتلاكها لكل مقومات التكامل من موارد طبيعية وأسواق استهلاكية وموقع جغرافي استراتيجي، غريبة عن نفسها اقتصادياً.

هذا النمط ليس صدفة إحصائية، بل انعكاس مباشر لبنية اقتصادية استعمارية لم تتغير جوهرياً منذ عصر الانتداب: الأقطار العربية تصدّر المواد الخام (نفط، غاز، فوسفات، معادن، منتجات زراعية أولية) إلى الخارج، ثم تستوردها مصنّعة بقيمة مضافة أعلى بأضعاف مضاعفة، في نزيف اقتصادي مزمن يُبقي الأمة في موقع التابع لا الشريك. والمفارقة الصادمة أن التبادل التجاري بين بعض الدول العربية المطبِّعة والكيان الصهيوني ينمو بمعدلات تفوق أحياناً نمو التبادل العربي-العربي نفسه: فقد بلغت التجارة الثنائية بين الإمارات والكيان الصهيوني نحو 3.24 مليار دولار في نهاية 2024، بزيادة تناهز 11% عن العام السابق [2]، فيما استحوذت أبوظبي وحدها على أكثر من ثلثي إجمالي حجم التبادل التجاري بين الدول العربية المطبِّعة والكيان مجتمعة [3]. وفي الوقت الذي كانت فيه صادرات الإمارات إلى الكيان تمثل أكثر من 81% من إجمالي الصادرات العربية إليه [4]، سجّلت التجارة بين المغرب والكيان قفزات لافتة بلغت 124% خلال أشهر معدودة [5]، رغم أن قيمتها المطلقة لا تزال متواضعة قياساً بحجم اقتصاد المملكة. هذه الأرقام تكشف مفارقة قاتلة: دول عربية تُنمّي علاقاتها التجارية مع كيان يخوض حرب إبادة ضد إخوتها في غزة، بمعدلات نمو تفوق أحياناً معدل نمو تجارتها مع أشقائها العرب، وهو ما يختصر بجلاء أولويات مشروع "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد فرضه على المنطقة.

ثامناً: منتدى النقب وممر IMEC... هندسة الاندماج القسري

لم يعد التطبيع يقتصر على اتفاقيات ثنائية معزولة، بل تحوّل إلى بنية مؤسسية إقليمية متكاملة، أبرز تجلياتها "منتدى النقب" الذي أُطلق سنة 2022 بمشاركة وزراء خارجية الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة، ومصر، والإمارات، والبحرين، والمغرب، والذي وُضع لتحويل التطبيع من ملف سياسي متقلب إلى إطار عمل دائم يشمل الأمن والمياه والطاقة والتكنولوجيا، أي كل مفاصل الحياة الاقتصادية للمنطقة. هذا المنتدى ليس آلية تعاون متكافئ بين ندّين، بل هيكل يضع الكيان الصهيوني في موقع المركز التقني والأمني الذي تدور حوله الأقطار العربية المطبِّعة كأطراف تابعة.

ويأتي "الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC)، الذي أُعلن عنه في قمة العشرين بنيودلهي سنة 2023، ليكرّس هذا المنطق على نطاق أوسع: مشروع بنية تحتية عملاقة يربط الهند بأوروبا عبر موانئ الإمارات والسعودية، مروراً بموانئ الكيان الصهيوني على المتوسط، متجاوزاً بذلك قناة السويس المصرية ومتجاهلاً أي دور مركزي لمعظم الأقطار العربية الأخرى. هذا الممر، المسوَّق إعلامياً بوصفه "طريق حرير جديد"، هو في جوهره إعادة رسم لخارطة النفوذ الاقتصادي الإقليمي بما يخدم دمج الكيان الصهيوني في قلب شبكات التجارة العالمية العابرة للمنطقة العربية، بدل أن يُدمَج الوطن العربي في ذاته عبر مشاريعه الخاصة كالسوق العربية المشتركة أو خط سكك حديد عربي موحد لم يبصر النور يوماً بسبب غياب الإرادة السياسية القومية.

تاسعاً: التخلف الحضاري كنتيجة حتمية للتجزئة

حين تغيب السوق العربية الموحدة، تغيب معها شروط النهضة الصناعية والتكنولوجية: فلا استثمار مشترك في البحث العلمي، ولا سلاسل إنتاج متكاملة بين الأقطار، ولا مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود بمستوى الطموح القومي. كل قطر يعيد اختراع نفس الصناعات الأساسية بشكل مكرر وغير تنافسي، بينما تبقى الصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة حكراً على الخارج، ويُستورد حتى غذاء الأمة من الخارج رغم امتلاكها لأراضٍ زراعية شاسعة معطّلة بفعل التشرذم السياسي وغياب سياسات مائية وزراعية عربية موحدة. التطبيع، في هذا السياق، لا يحل هذه المعضلة، بل يعمّقها، لأنه يُدخل الكيان الصهيوني كوسيط تقني واقتصادي إضافي بين الأمة ومقدراتها، بدل أن يفتح الطريق أمام تكامل عربي-عربي حقيقي.

عاشراً: أين الحل؟

الأدبيات القومية التقدمية لم تكتفِ بنقد الواقع القطري، بل قدّمت البديل: دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية، التي تجمع الأمة تحت مشروع سياسي واحد يعيد توزيع الثروة على أساس العدالة الاجتماعية، ويؤسس لديمقراطية شعبية حقيقية بدل الاستبداد القطري المموّه بالانتخابات الصورية. الوحدة هنا ليست حلماً رومانسياً، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني-الغربي، الذي لا يمكن مواجهته بقوى قطرية مبعثرة ومتناحرة، ولا بشراكات اقتصادية مع الكيان تحت مسميات "الإبراهيمية" أو "الممرات الاقتصادية".

خاتمة

الإقليمية العربية، إذن، ليست خياراً وطنياً مشروعاً كما يُصوَّر، بل هي استمرار للمشروع الاستعماري بأدوات محلية، والتطبيع هو المرحلة الأخيرة من هذا المشروع: بعد تفكيك الأمة سياسياً عبر الحدود القطرية، يأتي تفكيكها عقدياً عبر فرية "الإبراهيمية"، ثم تفكيكها اقتصادياً عبر إدماجها في منظومة إقليمية يقودها الكيان الغاصب بدل أن تُدمَج في ذاتها. والأرقام لا تكذب: تسعة بالمئة فقط من التجارة العربية تبقى داخل الوطن العربي، بينما تنمو تجارة بعض الأقطار المطبِّعة مع الكيان الصهيوني بمعدلات لافتة، وهذا وحده كافٍ لفضح زيف كل خطاب "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد منه تعويض الوحدة العربية الغائبة بشراكة مع العدو التاريخي للأمة. والتحرر الحقيقي لن يكتمل إلا بإسقاط هذه المنظومة القطرية-التطبيعية برمّتها، لا بترميمها أو "إصلاحها"، وبناء المشروع القومي الوحدوي الذي وحده يملك أدوات المواجهة الشاملة: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

المراجع:

[1] الشرق الأوسط، "التجارة العربية البينية في السلع ترتفع 16.6% خلال 2024 لتتجاوز 250 مليار دولار"، 2025.

[2] الإمارات ليكس، "إحصائيات رسمية تكشف ارتفاع التبادل التجاري بين الإمارات وإسرائيل"، فبراير 2025.

[3] الإمارات ليكس، "الإمارات تستحوذ على أكثر من ثلثي حجم تجارة الدول العربية مع إسرائيل"، ديسمبر 2024.

[4] موقع عربي 71، "الإمارات بنسبة 81.4%.. دول عربية صدَّرت لـ'إسرائيل' بـ2 مليار دولار خلال العدوان على غزة"، يوليو 2024.

[5] القدس (نسخة إلكترونية)، "زيادة التبادل التجاري بين إسرائيل و4 دول عربية"، أغسطس 2024.

محمد عابد الجابري.. ونقد العقل العربي في سبيل النهضة التقدمية بقلم: الناصر خشيني

 


يمثل المفكر والمشرح الفلسفي المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) أحد أهم أعمدة الفكر القومي التقدمي المعاصر؛ إذ أحدث ثورة ابستمولوجية في كيفية تعاملنا مع التراث العربي الإسلامي [1]. لم يكن الجابري يرى في القومية مجرد شعار عاطفي، بل مشروعاً تاريخياً ومستقبلياً يتطلب "ثورة ثقافية داخلية" تعيد بناء العقل العربي، وتخلصه من آليات الركود، لتمكينه من الانخراط في الحداثة من موقع الفاعل والأصيل [2].
النشأة والتكوين: من النضال الحزبي إلى التأسيس المعرفي
ولد الجابري عام 1935 في مدينة فكيك بالشرق المغربي. عايش في شبابه معارك الاستقلال، وانخرط مبكراً في صفوف الحركة الوطنية المغربية وتحديداً في "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" (ثم الاتحاد الاشتراكي) ذي التوجه التقدمي والعروبي [3]. حصل على الدبلوم العالي في الفلسفة ثم الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط، ليتحول من النضال الحزبي المباشر إلى نضال فكري أكثر عمقاً، مدفوعاً بوعي حاد بأن أزمة العمل السياسي العربي ناتجة بالأساس عن أزمة في بنية العقل نفسه [4].
مشروع "نقد العقل العربي": تفكيك البنية التراثية
يعد مشروع "نقد العقل العربي" بأجزائه الأربعة المحطة الأبرز في مسيرة الجابري العلمية [1]. استخدم الجابري أدوات المنهج البنيوي والتاريخي لتفكيك آليات التفكير العربي، وقسم العقل التراثي إلى ثلاث نظم معرفية متصارعة:
  1. نظام البيان: وهو عقل النص واللغة والفقه والمشافهة [5].
  2. نظام العرفان: وهو العقل المستند إلى اللامعقول، والتصوف الفلسفي الغنوصي، والهروب من الواقع [5].
  3. نظام البرهان: وهو عقل الملاحظة، والتحليل المنطقي، والسببية، والذي تجلى في المغرب العربي والأندلس مع ابن رشد، وابن حزم، وابن خلدون [5].
ومن منظور تقدمي، دعا الجابري إلى ضرورة "تدشين رشدية جديدة" في الفكر العربي المعاصر؛ أي إحياء النظام البرهاني القائم على العقل والواقع والسببية، وتهميش النظام العرفاني الاستقالي الذي يكرس الخرافة والاستسلام السياسي [6].
الكتلة التاريخية والمشروع القومي الديمقراطي
لم ينفصل الجابري قط عن هموم أمته السياسية؛ فقدم أطروحات هامة حول "المسألة القومية" و"الديمقراطية" [7]. صاغ مفهوم "الكتلة التاريخية" (المستوحى بتطوير من غرامشي)، داعياً إلى تحالف عريض يجمع القوى التقدمية، واليسارية، والقومية، والإسلامية المستنيرة في الوطن العربي [8].
يرى الجابري أن معركة الاستبداد والتبعية للإمبريالية لا يمكن أن تحسمها فئة واحدة، بل تتطلب جبهة عريضة تتجاوز الخلافات الإيديولوجية الثانوية للتركيز على المشتركات: التحرر الوطني، وتحقيق الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحماية الأمن القومي العربي [8].
نقد الاستشراق والمركزية الغربية
في موازاة نقده للتراث، قدم الجابري نقداً تقدمياً لاذعاً للمركزية الغربية والاستشراق [2]. واعتبر أن التحديث لا يعني "الفرنسة" أو "الأمركة"، بل هو تفاعل واعي مع الكونية المعاصرة ينطلق من الجذور التاريخية للأمة [4]. إن تجديد العقل العربي عند الجابري هو المدخل الوحيد لبناء مجتمع عربي تقدمي يمتلك القدرة على التجدد التاريخي ومواجهة التحديات المصيرية [9].

الهامش والمصادر (مقال محمد عابد الجابري)
  1. الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي (نقد العقل العربي 1)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص 15-22.
  2. الداوي، عبد الرزاق، محمد عابد الجابري والمشروع النهضوي العربي، الرباط: دار الأمان، 2012، ص 44.
  3. الجابري، محمد عابد، حفريات في الذاكرة: من فكيك إلى الرباط (سيرة ذاتية)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص 89-94.
  4. تيزيني، طيب، من الاستشراق إلى الفكر النقدي: قراءة في أطروحات الجابري، دمشق: دار طلاس، 1996، ص 105-108.
  5. الجابري، محمد عابد، بنية العقل العربي (نقد العقل العربي 2)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986، ص 210-218.
  6. سبيلا، محمد، النزعة الرشدية في الفكر المغربي المعاصر: الجابري نموذجاً، الدار البيضاء: دار توبقال، 2001، ص 77.
  7. الجابري، محمد عابد، المسألة القومية: نحو رؤية تاريخية نقدية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985، ص 53-59.
  8. الجابري، محمد عابد، الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994، ص 134-140.
  9. محمود، زكي نجيب، رؤية فكرية في مشروع محمد عابد الجابري الإبستمولوجي، القاهرة: دار الشروق، 1989، ص 92.

 

مالك بن نبي.. فيلسوف الحضارة ومشرح شروط النهضة العربية بقلم: الناصر خشيني

 


    في سياق الفكر التقدمي الباحث عن شروط الانعتاق الحقيقي للأمة العربية ومواجهة رواسب الاستعمار، يبرز المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) كواحد من أعمق فلاسفة الحضارة في القرن العشرين [1]. لم يكن بن نبي مجرد منظر ديني، بل كان عالم اجتماع ومفكراً استراتيجياً انشغل بتشريح أسباب الأفول الحضاري، مقدماً رؤية تقدمية تربط التحرر السياسي والوطني بالتحرر النفسي والفكري للأمة [2].

النشأة والمسار المعرفي: بين القصبة وباريس
ولد مالك بن نبي عام 1905 في قسنطينة بالشرق الجزائري، ونشأ في بيئة عانت من وطأة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي ومحاولاته الدؤوبة لطمس الهوية العربية [3]. سافر إلى فرنسا لمتابعة دراسته، ورغم رغبته في دراسة الحقوق والشرق ليفهم واقع أمته، إلا أن التضييق الاستعماري دفعه إلى دراسة الهندسة الكهربائية، مما منحه عقلاً منظماً يميل إلى التحليل الرياضي والبنيوي لظواهر المجتمع [4].
في باريس، عايش بن نبي عن قرب أزمة الحضارة الغربية وازدواجية معاييرها، وتفاعل مع الحركات الطلابيّة والمغاربية، وبدأ في صياغة مشروعه الفكري المتمحور حول سؤال جوهري: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ [3].
مفهوم "القابلية للاستعمار": التحرر الذاتي أولاً
يمثل مفهوم "القابلية للاستعمار" (Colonhabilité) الإسهام الأكثر جرأة وتقدمية في فكر مالك بن نبي [5]. فقد جادل بأن تحرر الشعوب العربية والمستعمرة لا يتحقق بمجرد طرد الجيوش الغازية وتغيير الأعلام، بل يجب أولاً تصفية البيئة الداخلية النفسية والثقافية التي تسمح بنمو الاستبداد والتبعية [2].
يرى بن نبي أن الاستعمار الخارجي ليس سوى نتيجة للمرض الداخلي؛ فالشعوب عندما تفقد ديناميكيتها الحضارية وتعيش حالة من الركود، تصبح مهيأة ذاتياً لتقبل التبعية [5]. ومن هنا، فإن الفكر التقدمي الحقيقي عند بن نبي يبدأ من ثورة ثقافية ونفسية تعيد صياغة الإنسان العربي ليكون فاعلاً لا مفعولاً به [6].
شروط النهضة ومستويات التغيير الاجتماعي
طرح بن نبي في كتابه التأسيسي "شروط النهضة" معادلة ثلاثية لتركيب أي حضارة، تتكون من: (الإنسان + التراب + الوقت) [1]. واعتبر أن هذه العناصر المادية تظل راكدة ما لم تحركها "الفكرة الدينية" أو النازع القيمي الأخلاقي الذي يربط بينها ويحولها إلى طاقة إنتاجية [7].
ومن منظور سوسيولوجي تقدمي، انتقد بن نبي ما سماه "التكديس"؛ أي إغراق المجتمعات العربية بالسلع والأفكار المستوردة دون امتلاك القدرة على "البناء والتوطين" [6]. فالنهضة في نظره هي عملية إبداع ذاتي تنبع من الاحتياجات الواقعية للجماهير الشعبية، وليست محاكاة عمياء للنموذج الغربي الإمبريالي أو استيراداً معلباً للمظاهر الحضارية [7].
البعد الأفرو-آسيوي وفكرة الفضاء القومي
تميز فكر مالك بن نبي بوعي جيوسياسي متقدم؛ إذ كان من أوائل الذين التقطوا أهمية التضامن بين شعوب العالم الثالث [8]. في كتابه "فكرة الإفريقية الآسيوية" (عقب مؤتمر باندونغ 1955)، دعا إلى صياغة جبهة تقدمية موحدة تجمع الشعوب المضطهدة في مواجهة الإمبريالية الغربية والرأسمالية المتوحشة [8].
هذا المنظور يتقاطع بقوة مع المشروع القومي التقدمي؛ حيث يرى بن نبي أن الوطن العربي يمثل حلقة الوصل الجغرافية والحضارية الأساسية في هذا القطب العالمي الجديد، وهو ما يتطلب تكاملأً سياسياً واقتصادياً عربياً مبنياً على أسس معرفية وحضارية متينة [9].

الهامش والمصادر (مقال مالك بن نبي)
  1. بن نبي، مالك، شروط النهضة، ترجمة: عمر كامل مسقاوي، دمشق: دار الفكر، 1986، ص 35-42.
  2. سليمان، محمود، الفكر الاجتماعي عند مالك بن نبي، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2005، ص 112.
  3. مسقاوي، عمر كامل، في صحبة مالك بن نبي: سيرة ومسار، بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1998، ص 55-60.
  4. بن نبي، مالك، مذكرات شاهد للقرن، الجزائر: دار الانتفاضة، 1970، ج 1، ص 145.
  5. حنفي، حسن، تجارب في الفكر الحديث: قراءة في فلسفة مالك بن نبي، القاهرة: دار المعارف، 1992، ص 88-91.
  6. بوزيد، بومدين، مالك بن نبي وتفكيك الاستعمار: رؤية نقدية تقدمية، وهران: منشورات جامعة وهران، 2011، ص 134.
  7. بن نبي، مالك، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة: عبد الصبور شاهين، القاهرة: مكتبة عمار، 1959، ص 73-77.
  8. بن نبي، مالك، فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ، القاهرة: مطبعة الرائد، 1956، ص 18-24.
  9. العتوم، علي، الفكر السياسي عند مالك بن نبي وأثره في الواقع العربي المعاصر، عمان: دار عمار للنشر، 2003، ص 105.

الخميس، 16 يوليو 2026

العربي بن مهيدي: حكيم الثورة ومهندس الاستراتيجية التقدمية للتحرر العربي بقلم: الناصر خشيني


    إن قراءة تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية من منظور قومي تقدمي تفرض علينا التوقف طويلاً أمام العبقرية التنظيمية والفكرية للشهيد العربي بن مهيدي. فلم يكن بن مهيدي مجرد قائد عسكري عابر، بل كان طليعة ثورية واعية، ومفكراً استراتيجياً صاغ مع رفاقه فلسفة التحرر الشامل، واضعاً المصلحة العليا للجماهير الشعبية فوق كل اعتبار حزبي أو ضيق، ليتحول إلى أيقونة كونية في التضحية والصلابة الفكرية.

النشأة والتكوين: الوعي المبكر وجذور الانتماء
ولد العربي بن مهيدي عام 1923 في دوار الكواهي بضواحي عين مليلة (شرق الجزائر)، لأسرة فلاحية متمسكة بهويتها العربية الإسلامية في مواجهة سياسات الطمس الاستعماري. تلقى تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى باتنة وقسنطينة لمتابعة دراسته.
في قسنطينة، تفتح وعيه القومي والسياسي عبر الانخراط في "الكشافة الإسلامية الجزائرية"، التي كانت بمثابة المدرسة الأولى لتخريج الطلائع الثورية وتعميق أواصر الانتماء المغاربي والعربي. ومنذ شبابه الباكر، تميز بن مهيدي بهدوء رصين، وثقافة واسعة، وقدرة فائقة على التحليل السياسي، مما جعل رفاقه يلقبونه لاحقاً بـ "الحكيم".
التبلور النضالي: من العمل الحزبي إلى الطليعة السرية
انخرط بن مهيدي في صفوف "حزب الشعب الجزائري" ثم "حركة انتصار الحريات الديمقراطية" (MTLD). شكلت مجازر 8 ماي 1945، التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي ضد الجماهير العزل، نقطة تحول حاسمة في فكره التقدمي؛ إذ أدرك يقيناً عقم النضال السياسي السلمي والمساومات الإصلاحية مع منظومة استعمارية فاشية بطبيعتها. تعرض للاعتقال عقب تلك الأحداث، لكن التجربة زادته إصراراً.
في عام 1947، كان بن مهيدي من الرعيل الأول الذي أسس "المنظمة الخاصة" (OS)، الجناح العسكري السري الذي تولى مهمة الإعداد المادي والنفسي للكفاح المسلح وجمع السلاح وتدريب الكوادر. وعندما اكتشف الاحتلال أمر المنظمة عام 1950، انتقل بن مهيدي إلى العمل السري التام في منطقة وهران (القطاع الوهراني)، حيث قاد التنظيم بحنكة واقتدار رغم الملاحقة المستمرة.
هندسة الثورة: من لجنة الـ 22 إلى تفجير الملحمة
مع تفاقم الأزمة الداخلية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية وانقسامها، رفض بن مهيدي الصراعات السياسوية العقيمة، وانحاز إلى الخيار التقدمي الطليعي الداعي إلى تجميع القوى الحية للشعب. كان عضواً بارزاً في "لجنة الـ 22" التاريخية التي اجتمعت في يونيو 1954 لإقرار مبدأ الثورة المسلحة.
انبثقت عن هذه اللجنة لجنة مصغرة صاغت بيان "أول نوفمبر 1954" وأسست "جبهة التحرير الوطني" (FLN) وجيش التحرير الوطني (ALN)، وكان بن مهيدي أحد القادة الستة الكبار (مجموعة الستة) الذين خططوا لتفجير الثورة. أُسندت إليه قيادة المنطقة الخامسة (القطاع الوهراني)، حيث نجح بعبقريته التنظيمية في تذليل العقبات وإشعال فتيل الكفاح المسلح في غرب البلاد رغم الصعوبات الجغرافية والتسليحية.
مؤتمر الصومام 1956: صياغة الخط الاستراتيجي والديمقراطي
أدرك بن مهيدي أن الثورة بحاجة إلى مأسسة وفكر استراتيجي يضمن استمراريتها؛ فكان المهندس الرئيسي لـ مؤتمر الصومام (20 أوت 1956) رفقة عبان رمضان. صاغ المؤتمر ميثاقاً تقدمياً رائداً رسخ مبدأين أساسيين: أولوية العمل الداخلي على الخارجي، وأولوية العمل السياسي على العسكري.
عقب المؤتمر، عُين بن مهيدي عضواً في "لجنة التنسيق والتنفيذ" (CCE)، القيادة العليا للثورة، وتولى الإشراف على العمل الفدائي والعسكري في العاصمة. وهو صاحب المقولة التاريخية السوسيولوجية التي تختزل الفكر التقدمي الشعبي: "ألقوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب".
معركة الجزائر وصمود الأسطورة
في أواخر عام 1956 وأوائل 1957، قاد بن مهيدي برؤية ثاقبة "معركة الجزائر العاصمة"، محولاً المدينة إلى ساحة مواجهة مفتوحة كشفت الوجه البشع للاستعمار أمام الرأي العام الدولي من خلال إضراب الثمانية أيام الشهير.
في 23 فبراير 1957، اعتقلته قوات المظليين الفرنسية بقيادة الجنرال بيجار. واجه بن مهيدي جلاديه بكبرياء قومي وأنفة ثورية أذهلت أعداءه؛ فرغم التعذيب الوحشي والهمجي الذي تعرض له (بما في ذلك سلخ جلد وجهه)، لم ينطق بكلمة واحدة تخص أسرار الثورة. وعندما سأله بيجار مستهجناً زرع القنابل في قفف النساء، أجاب بن مهيدي بتهكمه التقدمي الشهير: "أعطونا طائراتكم ونحن سنعطيكم قففنا".
الاستشهاد والخلود: انتصار الضحية على الجلاد
أمام عجز المنظومة العسكرية الفرنسية عن كسر إرادته الصُّلبة، واغتيالاً لمنهجه الفكري والتنظيمي، أقدمت قوات الاحتلال على إعدامه شنقاً دون محاكمة في ليلة 3 إلى 4 مارس 1957. وحاول الاستعمار تزييف الحقيقة بادعاء انتحاره، وهي كذبة دحضها التاريخ واعترافات القادة الفرنسيين أنفسهم لاحقاً.
لقد ترك الجنرال بيجار شهادة تاريخية في حق بن مهيدي حين قال: "لو كان لي ثلة من الرجال أمثال بن مهيدي لفتحت العالم".
خاتمة
يظل العربي بن مهيدي في الوجدان القومي والتقدمي نموذجاً للمناضل العضوي الذي ربط الوعي الفكري بالممارسة الثورية على الأرض. لم تكن شهادته نهاية المطاف، بل كانت الوقود الذي أذكأ نيران الثورة حتى النصر والاستقلال عام 1962، ليبقى اسمه منارة لكل الأحرار الطامحين إلى كسر قيود التبعية والإمبريالية في العالم العربي بأسره.

الهامش والمصادر (References)
  1. فينس، ناتاليا، المرأة والثورة الجزائرية: التاريخ المنسي والمواطنة ما بعد الاستعمار، لندن: دار نشر أكسفورد، 2015، ص 102.
  2. الخطيب، أحمد، العربي بن مهيدي: الرجل الذي هز إمبراطورية، الجزائر: دار المعرفة، 2008، ص 15-19.
  3. موسوعة الجزيرة للمعلومات، "العربي بن مهيدي.. حكيم الثورة الجزائرية ومهندس معركة الجزائر"، باب شخصيات، مارس 2024.
  4. تلمساني، بن يوسف، أبطال الثورة الجزائرية: قراءات في مسيرة قادة نوفمبر، وهران: دار الأمل للنشر، 2012، ص 67-71.
  5. حربي، محمد، جبهة التحرير الوطني: الأسطورة والواقع، باريس: منشورات جون أفريك، 1980، ص 44-48.
  6. بوداوود، مراد، المنطقة الخامسة وإستراتيجية بن مهيدي العسكرية، تلمسان: منشورات جامعة تلمسان، 2015، ص 89-93.
  7. كافي، علي، مذكرات الرئيس علي كافي: من جبهة التحرير إلى رئاسة الدولة، الجزائر: دار القصبة للنشر، 1999، ص 112-116.
  8. عبان، رمضان وآخرون، أرشيف الثورة: ميثاق الصومام وهيكلة الدولة الوطنية، الجزائر: موفم للنشر، 2005، ص 54-60.
  9. ياسف، سعدي، معركة الجزائر العاصمة، الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 2003، ج 1، ص 205.
  10. أوساريس، الجنرال بول، الأجهزة السرية ومعركة الجزائر، باريس: منشورات بلون، 2001، ص 134-139.
  11. جريدة لوموند الفرنسية، "اعترافات القادة العسكريين حول تصفية العربي بن مهيدي"، ملحق التاريخ، باريس، عدد نوفمبر 2000.

 

إبراهيم الحمدي: شهيد المشروع التحديثي ورائد الدولة القومية المستقلة بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة أعلام الأمة

 


إن قراءة تاريخ اليمن المعاصر من منظور قومي تقدمي تفرض علينا التوقف ملياً أمام تجربة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي. فهذا الرجل لم يكن مجرد ضابط عسكري قاد انقلاباً تقليدياً، بل كان مثقفاً ومناضلاً طليعياً استلهم مبادئ الثورة الناصرية ليقود ثورة بيضاء غيرت وجه اليمن. لقد سعى الحمدي لبناء دولة النظام والقانون، وتحرير القرار الوطني من الهيمنة الرجعية الإقليمية والدولية [1، 2].
أولاً: حركة يونيو التصحيحية.. مخاض الانتقال من الفوضى إلى الدولة
تولى إبراهيم الحمدي السلطة في 13 يونيو 1974 عبر حركة تصحيحية سلمية، جاءت لإنقاذ اليمن من أزمة خانقة هددت كيانه الوطني [1، 2]. وفق المنهج التحليلي، أدرك الحمدي أن بقاء اليمن أسيراً للولاءات القبلية المموَلة من الخارج يحرم الشعب من طاقته التحريرية، ويجعل من استقلال البلاد مجرد شعار أجوف [1، 2].
قاد الحمدي معركة شرسة لتفكيك دولة "المراكز القبلية" والإقطاعية عبر تجميد "مجلس الشورى" الذي كان يسيطر عليه شيوخ القبائل، وإلغاء "وزارة شؤون القبائل". حوّل الحمدي بوصلة الدولة نحو الفئات الشعبية الكادحة، فأسس "هيئات التطوير التعاوني" التي مثلت تجربة ديمقراطية تشاركية رائدة مكنت المواطنين من بناء قراهم وتطوير بلدهم بالاعتماد على الذات.
ثانياً: الهوية الناصرية والتحديث الاقتصادي والاجتماعي
رغم أنه لم يعلن رسمياً انتماءه الحزبي، إلا أن الممارسة السياسية للحمدي عكست عمق توجهه الناصري التقدمي. لقد آمن بأن العدالة الاجتماعية هي العمود الفقري لأي استقلال وطني. وفي عهده القصير، شهد اليمن طفرة تنموية غير مسبوقة عُرفت بـ"العصر الذهبي"، حيث أُقرت خطط التنمية الخمسية، ونُظمت مالية الدولة، ورُفعت المرتبات، وحُققت طفرة في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية [1، 2].
ولم يقتصر مشروعه التحديثي على الاقتصاد، بل امتد ليتصدى للعادات الاجتماعية المعرقلة للإنتاج والتقدم، مثل الحد من تعاطي القات وتحديد أوقاته، ومحاربة المظاهر الباذخة في المناسبات، وترسيخ ثقافة الإنتاج والعمل، وبناء جيش وطني حديث يقوم على العقيدة العسكرية القومية لا على الولاءات القبلية والمناطقية [1، 2].
ثالثاً: السيادة الوطنية ومعركة السيادة على البحر الأحمر
على الصعيد الخارجي، انتهج الحمدي سياسة "اليمن أولاً" لانتزاع القرار اليمني من الوصاية الرجعية الإقليمية. آمن الحمدي بالبعد القومي للأمن العربي، وتجلى ذلك في تنظيمه لـ"مؤتمر تعز لقمة الدول المطلة على البحر الأحمر" عام 1977، بمشاركة اليمن الجنوبي، والسودان، والصومال.
كان الهدف المقاصدي من هذا التحرك هو إعلان البحر الأحمر "بحيرة سلام عربية"، وحمايته من الأطماع الإمبريالية والمخططات الصهيونية. هذا الموقف الشجاع أكد ندية اليمن وتجاوزه لعقدة التابع، وشكل تهديداً مباشراً لمصالح القوى القومية والرجعية التي أرادت إبقاء اليمن تحت الهيمنة المستمرة [1، 2].
رابعاً: حلم الوحدة والمؤامرة الغادرة
كان المشروع الأبرز الذي عجّل بتصفية الحمدي هو خطواته الجادة والمتسارعة نحو تحقيق الوحدة اليمنية مع الشطر الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) بقيادة الرئيس سالمين. التقى الرئيسان وتجاوزا الخلافات الأيديولوجية المصطنعة لصالح الأفق القومي التحرري المشترك، وكان من المقرر أن يزور الحمدي عدن في 14 أكتوبر 1977 لإعلان خطوات وحدوية مصيرية.
لكن قوى الارتداد الداخلي، بالتوافق مع المخابرات الإقليمية والدولية، قطعت الطريق على هذا الحلم القومي الفذ [1، 2]. ففي 11 أكتوبر 1977، تم اغتيال إبراهيم الحمدي وشقيقه في مؤامرة غادرة استهدفت تصفيته جسدياً وتصفية مشروعه النهضوي [1، 2].
خامساً: الخاتمة والمقاصد التاريخية
إن إبراهيم الحمدي لم يكن مجرد رئيس عابر، بل كان حالة وعي ثوري وقومي متقدم في الجزيرة العربية. لقد أثبتت تجربته أن كسر طوق التخلف والتبعية أمر ممكن متى ما توفرت الإرادة السياسية الصلبة والانحياز الكامل للجماهير الكادحة [1، 2].
سيبقى الشهيد إبراهيم الحمدي ملهماً في الوجدان العربي والقومي، وشاهداً حياً على أن دماء القادة التنويريين هي التي تعبد الطريق للأجيال القادمة نحو استرداد الذات الحضارية والسيادة الوطنية المطلقة.

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. أدبيات الفكر القومي الناصري: دراسات في تجارب الحكم وتحديات التنمية المستقلة.
  2. أرشيف التوثيق التاريخي لحركة 13 يونيو التصحيحية ومسار بناء الدولة الوطنية في اليمن

الأربعاء، 15 يوليو 2026

أحمد بن بلة: من الخندق التحريري إلى الريادة القومية الاشتراكية بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة أعلام الأمة

 


  إن قراءة مسار الثورة الجزائرية من منظور قومي تقدمي تلزمنا بالوقوف عند الشخصيات الكاريزمية التي لم تكتفِ بقيادة الكفاح المسلح، بل صاغت للثورة هويتها الأيديولوجية وأبعادها الأممية. يبرز أحمد بن بلة كعنوان للمناضل الصلب الذي جسد تلاحم الهوية العربية الرافضة للاستعمار مع التوجهات الاشتراكية الساعية للعدالة الاجتماعية، مشكّلاً حلقة وصل متينة بين ثورة الأول من نوفمبر والمد القومي العروبي.

أولاً: تشكّل الوعي الثوري ومرحلة التنظيم الطليعي
لم يكن وعي بن بلة وليد صدفة تاريخية، بل كان نتاجاً لمعاينة مباشرة لبنية القهر الكولونيالي الفرنسي. إن انخراطه المبكر في "حزب الشعب الجزائري" ثم "حركة انتصار الحريات الديمقراطية"، قاده لتأسيس "المنظمة الخاصة" عام 1947، والتي كانت بمثابة الجناح العسكري السري الطليعي لضرب الوجود الاستعماري [1].
وفق المنهج التحليلي، أدرك بن بلة مبكراً أن العمل السياسي السلمي المنضبط تحت سقف القوانين الفرنسية قد وصل إلى أفق مسدود. هذا الخيار الاستراتيجي أثمر لاحقاً، بعد فراره من سجن البليدة ورحلته إلى القاهرة، عن تأسيس "جبهة التحرير الوطني" عام 1954 مع رفاقه من "مجموعة التسعة"، لتبدأ أعظم ثورات القرن العشرين التي حطمت أسطورة "الجزائر الفرنسية" [1].
ثانياً: بؤرة القرصنة الجوية والاعتقال (1956 - 1962)
في أكتوبر 1956، أقدمت فرنسا على ارتكاب أول عملية قرصنة جوية في التاريخ الحديث باختطاف الطائرة التي كانت تقل بن بلة رفقة قادة الثورة (بوضياف، خيضر، آيت أحمد، لشرف). هذا الحدث لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل كان دليلاً على حالة الذعر التي عاشها المستعمر من التنسيق القومي المتصاعد بين الثورة الجزائرية ومصر الناصرية [1].
أثبتت سنوات السجن الخمس في "أوليرون" و"تُورنُو" صلابة بن بلة؛ فلم يزده العزل إلا تمسكاً بالثوابت ومتابعة دقيقة لمجريات المعركة من وراء القضبان. أصبحت قضية اعتقاله رمزاً دولياً لعدالة القضية الجزائرية، وعجلت بفضح الممارسات الفرنسية في المحافل الأممية.
ثالثاً: رئاسة الدولة وصياغة الهوية القومية الاشتراكية
مع بزوغ فجر الاستقلال عام 1962، تولى بن بلة رئاسة الجمهورية الفتية لتبدأ معركة أشد ضراوة: بناء الدولة واسترداد الذات الحضارية. انحاز بن بلة علناً وبقوة إلى الخيار الاشتراكي التقدمي، متبنياً سياسة "التسيير الذاتي" للأراضي والمصانع التي تركها المعمرون، لإعادة توزيع الثروة لصالح الفئات الشعبية المحرومة [1، 3].
وعلى الصعيد القومي، أعلن بن بلة انتماء الجزائر الكامل لعروبتها، رافعاً شعار "نحن عرب، عرب، عرب"، لينهي عقوداً من سياسات الفرنسة الممنهجة. فتحت الجزائر في عهده أبوابها لتصبح "مكة الثوار"، وملاذاً لكل حركات التحرر في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، متخالفاً مع قادة الخط الأممي والعروبي مثل جمال عبد الناصر، وفيديل كاسترو، وتشي جيفارا [1].
رابعاً: المحنة، المراجعات الفكرية، والعمل الإنساني
أدى الانقلاب العسكري في 19 يونيو 1965 إلى إزاحة بن بلة ودخوله مرحلة سجن واعتقال منزلي دامت 15 عاماً. لم تكن هذه المحنة الطويلة نهاية لمسيرته، بل تحولت إلى خلوة فكرية وتأملية قادته إلى مراجعات معمقة. زاوج بن بلة في وعيه المتأخر بين المقاربة الاشتراكية التقدمية وبين الأصالة الفكرية الحضارية المستمدة من روح الإسلام التحرري المناهض للإمبريالية [1، 3].
بعد إطلاق سراحه في عهد الشاذلي بن جديد، انتقل إلى المنفى حيث أسس "الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر"، وركز جهوده على الساحة الدولية كرئيس لـ"اللجنة الدولية للشمال - الجنوب"، مدافعاً شرساً عن قضايا العالم الثالث، ومناهضاً للعولمة المتوحشة وحروب الهيمنة الغربية (خاصة حرب الخليج والحصار على العراق) [1].
خامسة: الخاتمة والمقاصد التاريخية
عاد أحمد بن بلة إلى وطنه في تسعينيات القرن الماضي ليمارس دور الأب الروحي والحكيم، داعياً إلى الوحدة والمصالحة الوطنية لإنقاذ الجزائر من أزمتها الداخلية. إن رحيله عام 2012 طوى صفحة رجل عاش كفاحاً مستمراً طوال قرن كامل [1].
يمثل بن بلة في الوجدان القومي التقدمي رمزية تاريخية تؤكد أن التحرر الوطني لا يكتمل إلا بالانحياز للعدالة الاجتماعية وبناء أمن ثقافي وهوية قومية مستقلة. ستبقى مواقفه ملهماً للأجيال في سعيها لاسترداد السيادة الكاملة والوقوف بندية أمام مشاريع التبعية والهيمنة الجديدة [1، 3].

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. أرشيف التوثيق القومي التاريخي لسير قيادات الثورة الجزائرية وجبهة التحرير الوطني.
  2. محاضر ووثائق الثورة الجزائرية: دراسات في العمل المسلح السري وتأسيس المنظمة الخاصة.
  3. دراسات في الفكر السياسي العربي المعاصر: الخيار الاشتراكي وأزمات بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال


ليلى خالد: السنديانة التحررية وأيقونة الكفاح المسلح العابر للحدود بقلم: الناصر خشيني (ضمن سلسلة أعلام الأمة  )

 



أولاً: جدلية اللجوء والمقاومة.. مخاض الوعي الثوري
لم تولد ليلى خالد في غرف السياسة الفارهة، بل ولدت في عكا/حيفا وعاشت طفولة اقتلعت فيها من برتقال حيفا وجذورها التاريخية عام 1948. هذا الاغتصاب المادي للأرض شكّل صدمة وجودية مبكرة تعمقت في مخيمات صيدا بلبنان. 
وفق المنهج التحليلي، فإن انخراطها المبكر وهي في الخامسة عشرة من عمرها في "حركة القوميين العرب" لم يكن ترفاً حزبياً، بل كان استجابة حتمية لحاجة الأمة لاسترداد ذاتها الحضارية. ومع ولادة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" بقيادة الحكيم جورج حبش، تحوّل هذا الوعي النظري إلى ممارسة كفاحية ملتزمة بأيديولوجيا يسارية تقدمية تدرك أن تحرير فلسطين يمر حتماً عبر تفكيك المنظومة الإمبريالية العالمية الداعمة للكيان الصهيوني. 
ثانياً: بؤرة الصدمة الثورية.. أبعاد وأهداف اختطاف الطائرات
حينما نفذت ليلى خالد، كأول امرأة في التاريخ، عملية اختطاف طائرة الركاب الأمريكية (TWA) عام 1969، ثم محاولة اختطاف طائرة "العال" الإسرائيلية عام 1970، لم يكن الهدف ممارسة العنف الارتجالي أو الإرهاب بالمفهوم الغربي المضلل. إن تفكيك المقاصد السياسية لهذه العمليات يكشف عن بعدين استراتيجيين: 
  1. كسر الحصار الإعلامي والسياسي: لفت أنظار ضمير العالم الأعمى إلى أن هناك شعباً بأكمله شُرد من أرضه.
  2. الندية في المواجهة: فرض معادلات جديدة لتبادل الأسرى وتحرير النضال من قيود الاستجداء الدبلوماسي العقيم. 
لقد أثبتت هذه العمليات النوعية الجرأة الأيديولوجية للفدائي الفلسطيني وقدرته على نقل المعركة إلى الفضاء الدولي لتعرية زيف الديمقراطيات الغربية الراعية للاحتلال. 
ثالثاً: الأيقونة الأممية وتدمير القوالب الجندرية الرجعية
في مجتمع عربي كان يرزح تحت قوالب اجتماعية وتفسيرات نصية رجعية تحبس المرأة في دور الضحية أو التابع، برزت ليلى خالد بالكوفية الفلسطينية تلتف حول عنقها، وتحمل بندقية "الكلاشنكوف" بيمينها. هذه الصورة لم تكن مجرد ملصق ثوري، بل كانت بياناً نسوياً تقدمياً عملياً. 
لقد أسقطت ليلى خالد الفوارق البيولوجية في خنادق القتال، وأثبتت أن التحرر الاجتماعي والسياسي للمرأة العربية لا يتحقق بالوصفات المستوردة من صالونات الغرب الليبرالي، بل يولد من صلب معركة التحرر الوطني والقومي. غدت ليلى رمزاً عالمياً ملهماً لحركات التحرر من فيتنام إلى أمريكا اللاتينية، موازية في رمزيتها الثورية لـ"تشي جيفارا". 
رابعاً: الاستمرارية وصيانة الذاكرة في جيل العودة
لم تنتهِ مسيرة ليلى خالد بانتهاء مرحلة العمليات الخارجية؛ بل تواصلت في أروقة النضال السياسي والمؤسساتي داخل "المجلس الوطني الفلسطيني" وقيادة "الجبهة الشعبية". وهي اليوم -رغم المرض والتقدم في السن- لا تزال تمثل "جيل النكبة" الشاهد والمقاوم، الذي يرفض التفريط بالثوابت القومية. 
إن تداول النضال في فكر ليلى خالد يرتكز على تسليم الراية للأجيال الشابة وتأصيل فكرة أن المقاومة هي قدر تاريخي ممتد. فالاستسلام والتسويات الاستسلامية (كأوسلو وأخواتها) لم تزد القضية إلا تراجعاً، وهو ما حذرت منه دائماً داعية إلى استعادة الوحدة الوطنية المبنية على برنامج المقاومة الشاملة. 
خاتمة ومقاصد قومية
إن ليلى خالد في تاريخ النضال العربي ليست مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي رمز لإمكانية "الفعل" والثورة عندما تتوفر الإرادة الثورية الصلبة والتنظيم الطليعي الملتزم. ستبقى هويتها الفدائية حية في العقل الجمعي العربي؛ لتؤكد مجدداً أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن كوفيتها وبندقيتها هما الطريقان الوحيدان نحو العودة والسيادة الوطنية الكاملة. 

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. خالد، ليلى. شعبي سيعيش: السيرة الذاتية لثورية، لندن، 1973 (توثيق المقاصد الكفاحية).
  2. أرشيف سلسلة أعلام الأمة، قراءات في سيكولوجيا الثورة والفعل النسوي المقاوم.
  3. أدبيات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: وثائق ومواقف في العمل الثوري الخارجي

 

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة الجزائرية ومنارة التحرر القومي العربي بقلم: الناصر خشيني


 تظل الثورة التحريرية الجزائرية (1954-1962) واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية في التاريخ الحديث؛ إذ لم تكن مجرد كفاح مسلح لطرد مستعمر استيطاني، بل كانت مدرسة لبعث الهوية العربية وتكريس الفكر التقدمي الرافض لجميع أشكال العبودية والاضطهاد [1]. وفي قلب هذه الملحمة، تلألأ اسم جميلة بوحيرد كرمز خالد للمرأة العربية المقاوِمة، وأيقونة ألهمت حركات التحرر في الوطن العربي والعالم أجمع [2].               النشأة والتكوين: جذور الرفض.                ولدت جميلة بوحيرد عام 1935 في حي القصبة العتيق بالعاصمة الجزائر، لأب جزائري مثقف وأم تونسية، مما منحها عمقاً مغاربياً وقومياً مبكراً [3]. وفي بيئة طغت عليها محاولات "الفرنسة" الممنهجة، تلقت تعليمها في المدارس الاستعمارية التي كانت تجبر التلاميذ على ترديد نشيد "فرنسا أمنا" [4]. وهنا تجلت بوادر التمرد التقدمي لدى الفتاة الصغيرة؛ إذ كانت تصرخ في الطابور المدرسي: "الجزائر أمنا"، متحديةً بطش الإدارة الاستعمارية [5]. غرس والدها فيها حب الأرض والدفاع عن الكرامة، ورغم شغفها بالخياطة والتطريز وركوب الخيل، إلا أن نداء الوطن كان أقوى مع اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954 [6].

المسيرة النضالية: الفدائية المقاتلة في وضح النهار
انضمت جميلة بوحيرد إلى جبهة التحرير الوطني (FLN) وهي في العشرين من عمرها [7]. وانخرطت في صفوف الفدائيين الأوائل كمسؤولة اتصال للقائد سعدي ياسف في معركة الجزائر العاصمة [8]. غدت جميلة من أوائل المتطوعات لزرع القنابل في مسارات تحرك جنود الاحتلال، متسلحة بإرادة صلبة وبقدرة فائقة على التخفي وتجاوز الحواجز العسكرية الفرنسية بزيها العصري الغربي [9].
في عام 1957، وأثناء مواجهة مسلحة، أصيبت جميلة برصاص الاحتلال وتم اعتقالها [10]. واجهت بوحيرد في أقبية التعذيب أبشع صنوف التنكيل الجسدي والنفسي، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، لكنها رفضت أن تبوح بكلمة واحدة للاعتراف على رفاقها [11].
المحاكمة التاريخية: عندما تحولت الضحية إلى قاضٍ
أمام عجز الجلادين، أحيلت جميلة إلى محكمة عسكرية صورية قضت بإعدامها في أواخر عام 1957 [12]. ومن داخل زنزانتها، واجهت القضاة بعبارتها الشهيرة التي هزت ضمير العالم: "أعرف أنكم ستحكمون علي بالإعدام، لكن لا تنسوا أنكم بإعدامي تقتلون تقاليد الحرية في بلدكم" [13].
تولى الدفاع عنها المحامي التقدمي الفرنسي جاك فيرجيس، الذي آمن بعدالة قضيتها وأسس مع رفاقه حملة دولية كبرى لإنقاذها عبر كتابهما المشترك "من أجل جميلة" [14]. وتحت وطأة الضغط الشعبي العارم في العواصم العربية والعالمية، وتضامن كبار المثقفين والأحرار، أُجبرت السلطات الفرنسية على تأجيل تنفيذ الحكم، وتعديله لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، إلى أن نالت حريتها مع استقلال الجزائر عام 1962 [15].
ما بعد الاستقلال: الالتزام بالمبادئ ورفض الانتهازية
بعد الاستقلال، تزوجت جميلة من محاميها جاك فيرجيس بعد أن أشهر إسلامه [16]. ورغم الهالة الأسطورية التي أحاطت بها، آثرت الابتعاد عن بريق السلطة والمناصب السياسية الرسمية. ظلت بوحيرد وفية لضميرها النضالي؛ فلم تتردد في العقود الأخيرة في النزول إلى الشارع ودعم الحراك الشعبي الجزائري عام 2019 ومناصرة قضايا الحق العربي، رافضةً المساومة على كرامة الشعب أو تسييس تاريخها [17].
خاتمة
إن جميلة بوحيرد ليست مجرد صفحة مطوية في كتاب التاريخ؛ بل هي نموذج للمرأة العربية التقدمية التي كسرت قيود التبعية وصنعت مع رفاقها فجر الحرية. تظل "جميلة" المعادل الموضوعي للأنفة والتحرر القومي، ومثالاً حياً على أن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالوعي والطلائعية، قادرة على دحر أعتى الإمبراطوريات الاستعمارية.

الهامش والمصادر (References)
  1. فينس، ناتاليا، المرأة والثورة الجزائرية: التاريخ المنسي والمواطنة ما بعد الاستعمار، لندن: دار نشر أكسفورد، 2015، ص 89.
  2. شربيط، أحمد شربيط (جمع وتقديم)، كتاب جميلة بوحيرد في الوجدان العربي، الجزائر: موفم للنشر، 2011، ص 45.
  3. لازريج، مارنيا، بليغة ولكن صامتة: المرأة الجزائرية في الحرب، نيويورك: روتليدج، 1994، ص 105.
  4. موقع جدلية الأكاديمي، "أرشيف الشخصيات الوطنية: جميلة بوحيرد"، ملف سبتمبر 2012.
  5. لوفيفر، ماري آن، المحاكمات السياسية وحركات التحرر في المغرب العربي، ترجمة: أحمد الصادق، بيروت: دار التنوير، 1988، ص 142.
  6. شربيط، أحمد شربيط، مرجع سابق، ص 48.
  7. ياسف، سعدي، معركة الجزائر العاصمة، الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 2003، ج 2، ص 112.
  8. موسوعة الجزيرة للمعلومات، "المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد.. أيقونة الثورة"، باب شخصيات، مارس 2023.
  9. ياسف، سعدي، مرجع سابق، ص 120.
  10. أرنو، جورج وفيرجيس، جاك، من أجل جميلة بوحيرد (Pour Djamila Bouhired)، باريس: منشورات منتصف الليل، 1957، ص 18.
  11. لازريج، مارنيا، مرجع سابق، ص 110.
  12. لوفيفر، ماري آن، مرجع سابق، ص 149.
  13. أرنو، جورج وفيرجيس، جاك، مرجع سابق، ص 22.
  14. لوفيفر، ماري آن، مرجع سابق، ص 153.
  15. فينس، ناتاليا، مرجع سابق، ص 94.
  16. شربيط، أحمد شربيط، مرجع سابق، ص 53.
  17. موقع جدلية الأكاديمي، مرجع سابق،