الحرية اولا صحيفة الحرية والوحدة للامة العربية من الخليج للمحيط
الحرية اولا صحيفة الحرية والوحدة للامة العربية من الخليج للمحيط
مدخل
حين نتأمل خارطة الوطن العربي الممزقة إلى اثنتين وعشرين دويلة، لا نقف أمام تنوع طبيعي في أشكال الحكم، بل أمام جريمة تاريخية مكتملة الأركان، صيغت بنودها في اتفاقية سايكس-بيكو، وأُحكم تنفيذها عبر أنظمة وُلدت من رحم الاستعمار وترعرعت في كنف الرضا الغربي. الإقليمية ليست ظاهرة سياسية بريئة، ولا هي تعبير عن "خصوصيات" وطنية كما يروّج دعاتها؛ إنها، في جوهرها، الوظيفة التي يقوم بها كل نظام عربي قطري، وهي ذاتها الوظيفة التي يقوم بها الكيان الصهيوني: اقتطاع جزء من الجسد العربي الواحد، وتسييجه بحدود مصطنعة، ومنع الأمة من استعادة وحدتها الطبيعية.
أولاً: الإقليمية كأداة سياسية للتفتيت
الحدود التي تُرسم اليوم على الخرائط لم تُرسم لحماية الشعوب، بل لحماية الأنظمة من شعوبها ومن محيطها العربي في آن واحد. كل "دولة قطرية" أنشأت جهازاً أمنياً ضخماً، لا لحراسة حدود خارجية حقيقية، بل لضبط الحدود الداخلية بين الوطن العربي ونفسه. هذه الأنظمة، التي وصل أغلبها إلى الحكم برضا غربي أو بتواطؤ معه، حوّلت السيادة إلى قناع تُمارس تحته الوصاية الأجنبية، فيما يُلهى الشعب بشعارات "الاستقلال الوطني" و"الأمن القومي القطري"، وهي في الحقيقة أمن الأنظمة لا أمن الأمة.
ثانياً: الإقليمية كأداة اقتصادية للنهب
اقتصادياً، أنتجت الإقليمية اثنتين وعشرين سوقاً صغيرة متنافرة بدل سوق عربية موحدة كان يمكن أن تنافس الكتل الاقتصادية الكبرى. النفط العربي يُستخرج في قطر ويُستثمر في الغرب، والعمالة العربية تُصدَّر كسلعة رخيصة بين الأقطار بشروط مذلة، بينما تبقى الثروات المائية والزراعية والمعدنية حبيسة حسابات إقليمية ضيقة. لو توحدت الإرادة السياسية العربية، لكانت الأمة اليوم قوة اقتصادية عالمية؛ لكن التجزئة أبقتها سوقاً استهلاكية تابعة، ومصدراً للمواد الخام، ومستورداً للسلاح الذي يُستخدم أحياناً ضد أبناء الأمة أنفسهم.
ثالثاً: الإقليمية كأداة اجتماعية وثقافية للتذويب
على الصعيد الاجتماعي والثقافي، عملت الإقليمية على اختراع "هويات قطرية" مصطنعة تتصادم مع الهوية العربية الجامعة، فرُوّج لخطاب "الخصوصية" و"التميز الوطني" بهدف تفكيك الشعور القومي وإحلال الولاء القطري الضيق محله. المناهج التعليمية أُعيدت صياغتها في كثير من الأقطار لتُقصي التاريخ العربي المشترك، وتُضخّم السرديات المحلية على حساب الرابطة القومية، تماماً كما يفعل الكيان الصهيوني حين يُنتج رواية تاريخية منقطعة عن السياق الفلسطيني والعربي.
رابعاً: الإقليمية والمشروع الصهيوني... تكامل لا تشابه
ليس من قبيل المبالغة القول إن بقاء الكيان الصهيوني مرهون ببقاء التجزئة العربية. فكل حدود قطرية جديدة هي في الواقع خط دفاع إضافي عن "إسرائيل"، وكل نظام عربي يكرّس القطرية إنما يمنح الكيان فسحة أكبر للتمدد. التطبيع، بهذا المعنى، ليس انحرافاً طارئاً عن السياسة القطرية، بل هو تتويج منطقي لها؛ فمن يقبل بالحدود المصطنعة بين دمشق وبغداد، لن يجد حرجاً كبيراً في قبول الحدود المصطنعة بين يافا والقدس.
خامساً: فرية "الإبراهيمية" وتوظيف الدين لتمييع الهوية
الترويج لمفهوم "الديانة الإبراهيمية" الجامعة ليس اجتهاداً لاهوتياً بريئاً، بل هندسة أيديولوجية مقصودة، الهدف منها إذابة الفوارق العقدية الجوهرية بين الإسلام واليهودية والمسيحية في قالب توفيقي فضفاض، يُراد منه تمهيد الأرضية النفسية لقبول الوجود الصهيوني كجزء "شرعي" من نسيج ديني مشترك، لا ككيان استعماري إحلالي اغتصب أرضاً وشرّد شعباً. حين يُختزل الصراع في فلسطين إلى "خلاف بين أبناء إبراهيم" يمكن حله بالحوار والتسامح الديني، تُمحى القضية المركزية للأمة من طابعها التحرري لتتحول إلى ملف "مصالحة روحية"، وهذا بالضبط ما تسعى إليه اتفاقيات ومراكز التطبيع الديني التي تناسلت في السنوات الأخيرة تحت شعارات "التعايش" و"الأخوة الإبراهيمية".
سادساً: الانسلاخ عن العروبة والإسلام كوظيفة، لا كنتيجة عرضية
التطبيع بهذا المعنى ليس غاية في ذاته، بل أداة لإعادة تعريف هوية الفرد العربي: من مواطن ينتمي لأمة عربية إسلامية لها قضية مركزية وعدو واضح المعالم، إلى "مواطن إقليمي" منسلخ عن عمقه الحضاري، مرتبط بمصالح قطرية ضيقة وشراكات اقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني. هذا الانسلاخ يُمهَّد له عبر مناهج تعليمية معدَّلة، وإعلام يُطبّع الصورة، ومنتجات ثقافية وفنية مشتركة، إلى أن يصبح العداء التاريخي المشروع لمشروع استعماري إحلالي "تطرفاً" ينبغي تجاوزه.
سابعاً: الأرقام تفضح الوهم الاقتصادي للتطبيع
يُسوَّق للتطبيع بوصفه بوابة لـ"ازدهار اقتصادي" و"شرق أوسط جديد" مزدهر بالتكامل، لكن الأرقام الحقيقية للاقتصاد العربي تكشف زيف هذا الطرح من جهة أخرى تماماً: أزمة التجزئة الاقتصادية العربية نفسها. فرغم أن حجم التجارة العربية الكلية في السلع والخدمات تجاوز 3.6 تريليون دولار خلال 2024، فإن التجارة العربية البينية في السلع لم تتجاوز 250 مليار دولار، أي ما لا يزيد عن 9% فقط من إجمالي التجارة العربية السلعية [1]. بمعنى أن أكثر من 90% من التبادل التجاري العربي يذهب إلى خارج المنظومة العربية، نحو شركاء دوليين كالصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما تبقى الأمة، رغم امتلاكها لكل مقومات التكامل من موارد طبيعية وأسواق استهلاكية وموقع جغرافي استراتيجي، غريبة عن نفسها اقتصادياً.
هذا النمط ليس صدفة إحصائية، بل انعكاس مباشر لبنية اقتصادية استعمارية لم تتغير جوهرياً منذ عصر الانتداب: الأقطار العربية تصدّر المواد الخام (نفط، غاز، فوسفات، معادن، منتجات زراعية أولية) إلى الخارج، ثم تستوردها مصنّعة بقيمة مضافة أعلى بأضعاف مضاعفة، في نزيف اقتصادي مزمن يُبقي الأمة في موقع التابع لا الشريك. والمفارقة الصادمة أن التبادل التجاري بين بعض الدول العربية المطبِّعة والكيان الصهيوني ينمو بمعدلات تفوق أحياناً نمو التبادل العربي-العربي نفسه: فقد بلغت التجارة الثنائية بين الإمارات والكيان الصهيوني نحو 3.24 مليار دولار في نهاية 2024، بزيادة تناهز 11% عن العام السابق [2]، فيما استحوذت أبوظبي وحدها على أكثر من ثلثي إجمالي حجم التبادل التجاري بين الدول العربية المطبِّعة والكيان مجتمعة [3]. وفي الوقت الذي كانت فيه صادرات الإمارات إلى الكيان تمثل أكثر من 81% من إجمالي الصادرات العربية إليه [4]، سجّلت التجارة بين المغرب والكيان قفزات لافتة بلغت 124% خلال أشهر معدودة [5]، رغم أن قيمتها المطلقة لا تزال متواضعة قياساً بحجم اقتصاد المملكة. هذه الأرقام تكشف مفارقة قاتلة: دول عربية تُنمّي علاقاتها التجارية مع كيان يخوض حرب إبادة ضد إخوتها في غزة، بمعدلات نمو تفوق أحياناً معدل نمو تجارتها مع أشقائها العرب، وهو ما يختصر بجلاء أولويات مشروع "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد فرضه على المنطقة.
ثامناً: منتدى النقب وممر IMEC... هندسة الاندماج القسري
لم يعد التطبيع يقتصر على اتفاقيات ثنائية معزولة، بل تحوّل إلى بنية مؤسسية إقليمية متكاملة، أبرز تجلياتها "منتدى النقب" الذي أُطلق سنة 2022 بمشاركة وزراء خارجية الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة، ومصر، والإمارات، والبحرين، والمغرب، والذي وُضع لتحويل التطبيع من ملف سياسي متقلب إلى إطار عمل دائم يشمل الأمن والمياه والطاقة والتكنولوجيا، أي كل مفاصل الحياة الاقتصادية للمنطقة. هذا المنتدى ليس آلية تعاون متكافئ بين ندّين، بل هيكل يضع الكيان الصهيوني في موقع المركز التقني والأمني الذي تدور حوله الأقطار العربية المطبِّعة كأطراف تابعة.
ويأتي "الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC)، الذي أُعلن عنه في قمة العشرين بنيودلهي سنة 2023، ليكرّس هذا المنطق على نطاق أوسع: مشروع بنية تحتية عملاقة يربط الهند بأوروبا عبر موانئ الإمارات والسعودية، مروراً بموانئ الكيان الصهيوني على المتوسط، متجاوزاً بذلك قناة السويس المصرية ومتجاهلاً أي دور مركزي لمعظم الأقطار العربية الأخرى. هذا الممر، المسوَّق إعلامياً بوصفه "طريق حرير جديد"، هو في جوهره إعادة رسم لخارطة النفوذ الاقتصادي الإقليمي بما يخدم دمج الكيان الصهيوني في قلب شبكات التجارة العالمية العابرة للمنطقة العربية، بدل أن يُدمَج الوطن العربي في ذاته عبر مشاريعه الخاصة كالسوق العربية المشتركة أو خط سكك حديد عربي موحد لم يبصر النور يوماً بسبب غياب الإرادة السياسية القومية.
تاسعاً: التخلف الحضاري كنتيجة حتمية للتجزئة
حين تغيب السوق العربية الموحدة، تغيب معها شروط النهضة الصناعية والتكنولوجية: فلا استثمار مشترك في البحث العلمي، ولا سلاسل إنتاج متكاملة بين الأقطار، ولا مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود بمستوى الطموح القومي. كل قطر يعيد اختراع نفس الصناعات الأساسية بشكل مكرر وغير تنافسي، بينما تبقى الصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة حكراً على الخارج، ويُستورد حتى غذاء الأمة من الخارج رغم امتلاكها لأراضٍ زراعية شاسعة معطّلة بفعل التشرذم السياسي وغياب سياسات مائية وزراعية عربية موحدة. التطبيع، في هذا السياق، لا يحل هذه المعضلة، بل يعمّقها، لأنه يُدخل الكيان الصهيوني كوسيط تقني واقتصادي إضافي بين الأمة ومقدراتها، بدل أن يفتح الطريق أمام تكامل عربي-عربي حقيقي.
عاشراً: أين الحل؟
الأدبيات القومية التقدمية لم تكتفِ بنقد الواقع القطري، بل قدّمت البديل: دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية، التي تجمع الأمة تحت مشروع سياسي واحد يعيد توزيع الثروة على أساس العدالة الاجتماعية، ويؤسس لديمقراطية شعبية حقيقية بدل الاستبداد القطري المموّه بالانتخابات الصورية. الوحدة هنا ليست حلماً رومانسياً، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني-الغربي، الذي لا يمكن مواجهته بقوى قطرية مبعثرة ومتناحرة، ولا بشراكات اقتصادية مع الكيان تحت مسميات "الإبراهيمية" أو "الممرات الاقتصادية".
خاتمة
الإقليمية العربية، إذن، ليست خياراً وطنياً مشروعاً كما يُصوَّر، بل هي استمرار للمشروع الاستعماري بأدوات محلية، والتطبيع هو المرحلة الأخيرة من هذا المشروع: بعد تفكيك الأمة سياسياً عبر الحدود القطرية، يأتي تفكيكها عقدياً عبر فرية "الإبراهيمية"، ثم تفكيكها اقتصادياً عبر إدماجها في منظومة إقليمية يقودها الكيان الغاصب بدل أن تُدمَج في ذاتها. والأرقام لا تكذب: تسعة بالمئة فقط من التجارة العربية تبقى داخل الوطن العربي، بينما تنمو تجارة بعض الأقطار المطبِّعة مع الكيان الصهيوني بمعدلات لافتة، وهذا وحده كافٍ لفضح زيف كل خطاب "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد منه تعويض الوحدة العربية الغائبة بشراكة مع العدو التاريخي للأمة. والتحرر الحقيقي لن يكتمل إلا بإسقاط هذه المنظومة القطرية-التطبيعية برمّتها، لا بترميمها أو "إصلاحها"، وبناء المشروع القومي الوحدوي الذي وحده يملك أدوات المواجهة الشاملة: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.
المراجع:
[1] الشرق الأوسط، "التجارة العربية البينية في السلع ترتفع 16.6% خلال 2024 لتتجاوز 250 مليار دولار"، 2025.
[2] الإمارات ليكس، "إحصائيات رسمية تكشف ارتفاع التبادل التجاري بين الإمارات وإسرائيل"، فبراير 2025.
[3] الإمارات ليكس، "الإمارات تستحوذ على أكثر من ثلثي حجم تجارة الدول العربية مع إسرائيل"، ديسمبر 2024.
[4] موقع عربي 71، "الإمارات بنسبة 81.4%.. دول عربية صدَّرت لـ'إسرائيل' بـ2 مليار دولار خلال العدوان على غزة"، يوليو 2024.
[5] القدس (نسخة إلكترونية)، "زيادة التبادل التجاري بين إسرائيل و4 دول عربية"، أغسطس 2024.
[1]. لم يكن الجابري يرى في القومية مجرد شعار عاطفي، بل مشروعاً تاريخياً ومستقبلياً يتطلب "ثورة ثقافية داخلية" تعيد بناء العقل العربي، وتخلصه من آليات الركود، لتمكينه من الانخراط في الحداثة من موقع الفاعل والأصيل [2].[3]. حصل على الدبلوم العالي في الفلسفة ثم الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط، ليتحول من النضال الحزبي المباشر إلى نضال فكري أكثر عمقاً، مدفوعاً بوعي حاد بأن أزمة العمل السياسي العربي ناتجة بالأساس عن أزمة في بنية العقل نفسه [4].[1]. استخدم الجابري أدوات المنهج البنيوي والتاريخي لتفكيك آليات التفكير العربي، وقسم العقل التراثي إلى ثلاث نظم معرفية متصارعة:[5].[5].[5].[6].[7]. صاغ مفهوم "الكتلة التاريخية" (المستوحى بتطوير من غرامشي)، داعياً إلى تحالف عريض يجمع القوى التقدمية، واليسارية، والقومية، والإسلامية المستنيرة في الوطن العربي [8].[8].[2]. واعتبر أن التحديث لا يعني "الفرنسة" أو "الأمركة"، بل هو تفاعل واعي مع الكونية المعاصرة ينطلق من الجذور التاريخية للأمة [4]. إن تجديد العقل العربي عند الجابري هو المدخل الوحيد لبناء مجتمع عربي تقدمي يمتلك القدرة على التجدد التاريخي ومواجهة التحديات المصيرية [9].
[1]. لم يكن بن نبي مجرد منظر ديني، بل كان عالم اجتماع ومفكراً استراتيجياً انشغل بتشريح أسباب الأفول الحضاري، مقدماً رؤية تقدمية تربط التحرر السياسي والوطني بالتحرر النفسي والفكري للأمة [2].[3]. سافر إلى فرنسا لمتابعة دراسته، ورغم رغبته في دراسة الحقوق والشرق ليفهم واقع أمته، إلا أن التضييق الاستعماري دفعه إلى دراسة الهندسة الكهربائية، مما منحه عقلاً منظماً يميل إلى التحليل الرياضي والبنيوي لظواهر المجتمع [4].[3].[5]. فقد جادل بأن تحرر الشعوب العربية والمستعمرة لا يتحقق بمجرد طرد الجيوش الغازية وتغيير الأعلام، بل يجب أولاً تصفية البيئة الداخلية النفسية والثقافية التي تسمح بنمو الاستبداد والتبعية [2].[5]. ومن هنا، فإن الفكر التقدمي الحقيقي عند بن نبي يبدأ من ثورة ثقافية ونفسية تعيد صياغة الإنسان العربي ليكون فاعلاً لا مفعولاً به [6].[1]. واعتبر أن هذه العناصر المادية تظل راكدة ما لم تحركها "الفكرة الدينية" أو النازع القيمي الأخلاقي الذي يربط بينها ويحولها إلى طاقة إنتاجية [7].[6]. فالنهضة في نظره هي عملية إبداع ذاتي تنبع من الاحتياجات الواقعية للجماهير الشعبية، وليست محاكاة عمياء للنموذج الغربي الإمبريالي أو استيراداً معلباً للمظاهر الحضارية [7].[8]. في كتابه "فكرة الإفريقية الآسيوية" (عقب مؤتمر باندونغ 1955)، دعا إلى صياغة جبهة تقدمية موحدة تجمع الشعوب المضطهدة في مواجهة الإمبريالية الغربية والرأسمالية المتوحشة [8].[9].
[1]. وفي قلب هذه الملحمة، تلألأ اسم جميلة بوحيرد كرمز خالد للمرأة العربية المقاوِمة، وأيقونة ألهمت حركات التحرر في الوطن العربي والعالم أجمع [2]. النشأة والتكوين: جذور الرفض. ولدت جميلة بوحيرد عام 1935 في حي القصبة العتيق بالعاصمة الجزائر، لأب جزائري مثقف وأم تونسية، مما منحها عمقاً مغاربياً وقومياً مبكراً [3]. وفي بيئة طغت عليها محاولات "الفرنسة" الممنهجة، تلقت تعليمها في المدارس الاستعمارية التي كانت تجبر التلاميذ على ترديد نشيد "فرنسا أمنا" [4]. وهنا تجلت بوادر التمرد التقدمي لدى الفتاة الصغيرة؛ إذ كانت تصرخ في الطابور المدرسي: "الجزائر أمنا"، متحديةً بطش الإدارة الاستعمارية [5]. غرس والدها فيها حب الأرض والدفاع عن الكرامة، ورغم شغفها بالخياطة والتطريز وركوب الخيل، إلا أن نداء الوطن كان أقوى مع اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954 [6].[7]. وانخرطت في صفوف الفدائيين الأوائل كمسؤولة اتصال للقائد سعدي ياسف في معركة الجزائر العاصمة [8]. غدت جميلة من أوائل المتطوعات لزرع القنابل في مسارات تحرك جنود الاحتلال، متسلحة بإرادة صلبة وبقدرة فائقة على التخفي وتجاوز الحواجز العسكرية الفرنسية بزيها العصري الغربي [9].[10]. واجهت بوحيرد في أقبية التعذيب أبشع صنوف التنكيل الجسدي والنفسي، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، لكنها رفضت أن تبوح بكلمة واحدة للاعتراف على رفاقها [11].[12]. ومن داخل زنزانتها، واجهت القضاة بعبارتها الشهيرة التي هزت ضمير العالم: "أعرف أنكم ستحكمون علي بالإعدام، لكن لا تنسوا أنكم بإعدامي تقتلون تقاليد الحرية في بلدكم" [13].[14]. وتحت وطأة الضغط الشعبي العارم في العواصم العربية والعالمية، وتضامن كبار المثقفين والأحرار، أُجبرت السلطات الفرنسية على تأجيل تنفيذ الحكم، وتعديله لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، إلى أن نالت حريتها مع استقلال الجزائر عام 1962 [15].[16]. ورغم الهالة الأسطورية التي أحاطت بها، آثرت الابتعاد عن بريق السلطة والمناصب السياسية الرسمية. ظلت بوحيرد وفية لضميرها النضالي؛ فلم تتردد في العقود الأخيرة في النزول إلى الشارع ودعم الحراك الشعبي الجزائري عام 2019 ومناصرة قضايا الحق العربي، رافضةً المساومة على كرامة الشعب أو تسييس تاريخها [17].