الصفحات

الصفحات

الأربعاء، 15 يوليو 2026

أحمد بن بلة: من الخندق التحريري إلى الريادة القومية الاشتراكية بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة أعلام الأمة

 


  إن قراءة مسار الثورة الجزائرية من منظور قومي تقدمي تلزمنا بالوقوف عند الشخصيات الكاريزمية التي لم تكتفِ بقيادة الكفاح المسلح، بل صاغت للثورة هويتها الأيديولوجية وأبعادها الأممية. يبرز أحمد بن بلة كعنوان للمناضل الصلب الذي جسد تلاحم الهوية العربية الرافضة للاستعمار مع التوجهات الاشتراكية الساعية للعدالة الاجتماعية، مشكّلاً حلقة وصل متينة بين ثورة الأول من نوفمبر والمد القومي العروبي.

أولاً: تشكّل الوعي الثوري ومرحلة التنظيم الطليعي
لم يكن وعي بن بلة وليد صدفة تاريخية، بل كان نتاجاً لمعاينة مباشرة لبنية القهر الكولونيالي الفرنسي. إن انخراطه المبكر في "حزب الشعب الجزائري" ثم "حركة انتصار الحريات الديمقراطية"، قاده لتأسيس "المنظمة الخاصة" عام 1947، والتي كانت بمثابة الجناح العسكري السري الطليعي لضرب الوجود الاستعماري [1].
وفق المنهج التحليلي، أدرك بن بلة مبكراً أن العمل السياسي السلمي المنضبط تحت سقف القوانين الفرنسية قد وصل إلى أفق مسدود. هذا الخيار الاستراتيجي أثمر لاحقاً، بعد فراره من سجن البليدة ورحلته إلى القاهرة، عن تأسيس "جبهة التحرير الوطني" عام 1954 مع رفاقه من "مجموعة التسعة"، لتبدأ أعظم ثورات القرن العشرين التي حطمت أسطورة "الجزائر الفرنسية" [1].
ثانياً: بؤرة القرصنة الجوية والاعتقال (1956 - 1962)
في أكتوبر 1956، أقدمت فرنسا على ارتكاب أول عملية قرصنة جوية في التاريخ الحديث باختطاف الطائرة التي كانت تقل بن بلة رفقة قادة الثورة (بوضياف، خيضر، آيت أحمد، لشرف). هذا الحدث لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل كان دليلاً على حالة الذعر التي عاشها المستعمر من التنسيق القومي المتصاعد بين الثورة الجزائرية ومصر الناصرية [1].
أثبتت سنوات السجن الخمس في "أوليرون" و"تُورنُو" صلابة بن بلة؛ فلم يزده العزل إلا تمسكاً بالثوابت ومتابعة دقيقة لمجريات المعركة من وراء القضبان. أصبحت قضية اعتقاله رمزاً دولياً لعدالة القضية الجزائرية، وعجلت بفضح الممارسات الفرنسية في المحافل الأممية.
ثالثاً: رئاسة الدولة وصياغة الهوية القومية الاشتراكية
مع بزوغ فجر الاستقلال عام 1962، تولى بن بلة رئاسة الجمهورية الفتية لتبدأ معركة أشد ضراوة: بناء الدولة واسترداد الذات الحضارية. انحاز بن بلة علناً وبقوة إلى الخيار الاشتراكي التقدمي، متبنياً سياسة "التسيير الذاتي" للأراضي والمصانع التي تركها المعمرون، لإعادة توزيع الثروة لصالح الفئات الشعبية المحرومة [1، 3].
وعلى الصعيد القومي، أعلن بن بلة انتماء الجزائر الكامل لعروبتها، رافعاً شعار "نحن عرب، عرب، عرب"، لينهي عقوداً من سياسات الفرنسة الممنهجة. فتحت الجزائر في عهده أبوابها لتصبح "مكة الثوار"، وملاذاً لكل حركات التحرر في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، متخالفاً مع قادة الخط الأممي والعروبي مثل جمال عبد الناصر، وفيديل كاسترو، وتشي جيفارا [1].
رابعاً: المحنة، المراجعات الفكرية، والعمل الإنساني
أدى الانقلاب العسكري في 19 يونيو 1965 إلى إزاحة بن بلة ودخوله مرحلة سجن واعتقال منزلي دامت 15 عاماً. لم تكن هذه المحنة الطويلة نهاية لمسيرته، بل تحولت إلى خلوة فكرية وتأملية قادته إلى مراجعات معمقة. زاوج بن بلة في وعيه المتأخر بين المقاربة الاشتراكية التقدمية وبين الأصالة الفكرية الحضارية المستمدة من روح الإسلام التحرري المناهض للإمبريالية [1، 3].
بعد إطلاق سراحه في عهد الشاذلي بن جديد، انتقل إلى المنفى حيث أسس "الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر"، وركز جهوده على الساحة الدولية كرئيس لـ"اللجنة الدولية للشمال - الجنوب"، مدافعاً شرساً عن قضايا العالم الثالث، ومناهضاً للعولمة المتوحشة وحروب الهيمنة الغربية (خاصة حرب الخليج والحصار على العراق) [1].
خامسة: الخاتمة والمقاصد التاريخية
عاد أحمد بن بلة إلى وطنه في تسعينيات القرن الماضي ليمارس دور الأب الروحي والحكيم، داعياً إلى الوحدة والمصالحة الوطنية لإنقاذ الجزائر من أزمتها الداخلية. إن رحيله عام 2012 طوى صفحة رجل عاش كفاحاً مستمراً طوال قرن كامل [1].
يمثل بن بلة في الوجدان القومي التقدمي رمزية تاريخية تؤكد أن التحرر الوطني لا يكتمل إلا بالانحياز للعدالة الاجتماعية وبناء أمن ثقافي وهوية قومية مستقلة. ستبقى مواقفه ملهماً للأجيال في سعيها لاسترداد السيادة الكاملة والوقوف بندية أمام مشاريع التبعية والهيمنة الجديدة [1، 3].

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. أرشيف التوثيق القومي التاريخي لسير قيادات الثورة الجزائرية وجبهة التحرير الوطني.
  2. محاضر ووثائق الثورة الجزائرية: دراسات في العمل المسلح السري وتأسيس المنظمة الخاصة.
  3. دراسات في الفكر السياسي العربي المعاصر: الخيار الاشتراكي وأزمات بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق