إن قراءة تاريخ اليمن المعاصر من منظور قومي تقدمي تفرض علينا التوقف ملياً أمام تجربة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي. فهذا الرجل لم يكن مجرد ضابط عسكري قاد انقلاباً تقليدياً، بل كان مثقفاً ومناضلاً طليعياً استلهم مبادئ الثورة الناصرية ليقود ثورة بيضاء غيرت وجه اليمن. لقد سعى الحمدي لبناء دولة النظام والقانون، وتحرير القرار الوطني من الهيمنة الرجعية الإقليمية والدولية [1، 2].
أولاً: حركة يونيو التصحيحية.. مخاض الانتقال من الفوضى إلى الدولة
تولى إبراهيم الحمدي السلطة في 13 يونيو 1974 عبر حركة تصحيحية سلمية، جاءت لإنقاذ اليمن من أزمة خانقة هددت كيانه الوطني [1، 2]. وفق المنهج التحليلي، أدرك الحمدي أن بقاء اليمن أسيراً للولاءات القبلية المموَلة من الخارج يحرم الشعب من طاقته التحريرية، ويجعل من استقلال البلاد مجرد شعار أجوف [1، 2].
قاد الحمدي معركة شرسة لتفكيك دولة "المراكز القبلية" والإقطاعية عبر تجميد "مجلس الشورى" الذي كان يسيطر عليه شيوخ القبائل، وإلغاء "وزارة شؤون القبائل". حوّل الحمدي بوصلة الدولة نحو الفئات الشعبية الكادحة، فأسس "هيئات التطوير التعاوني" التي مثلت تجربة ديمقراطية تشاركية رائدة مكنت المواطنين من بناء قراهم وتطوير بلدهم بالاعتماد على الذات.
ثانياً: الهوية الناصرية والتحديث الاقتصادي والاجتماعي
رغم أنه لم يعلن رسمياً انتماءه الحزبي، إلا أن الممارسة السياسية للحمدي عكست عمق توجهه الناصري التقدمي. لقد آمن بأن العدالة الاجتماعية هي العمود الفقري لأي استقلال وطني. وفي عهده القصير، شهد اليمن طفرة تنموية غير مسبوقة عُرفت بـ"العصر الذهبي"، حيث أُقرت خطط التنمية الخمسية، ونُظمت مالية الدولة، ورُفعت المرتبات، وحُققت طفرة في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية [1، 2].
ولم يقتصر مشروعه التحديثي على الاقتصاد، بل امتد ليتصدى للعادات الاجتماعية المعرقلة للإنتاج والتقدم، مثل الحد من تعاطي القات وتحديد أوقاته، ومحاربة المظاهر الباذخة في المناسبات، وترسيخ ثقافة الإنتاج والعمل، وبناء جيش وطني حديث يقوم على العقيدة العسكرية القومية لا على الولاءات القبلية والمناطقية [1، 2].
ثالثاً: السيادة الوطنية ومعركة السيادة على البحر الأحمر
على الصعيد الخارجي، انتهج الحمدي سياسة "اليمن أولاً" لانتزاع القرار اليمني من الوصاية الرجعية الإقليمية. آمن الحمدي بالبعد القومي للأمن العربي، وتجلى ذلك في تنظيمه لـ"مؤتمر تعز لقمة الدول المطلة على البحر الأحمر" عام 1977، بمشاركة اليمن الجنوبي، والسودان، والصومال.
كان الهدف المقاصدي من هذا التحرك هو إعلان البحر الأحمر "بحيرة سلام عربية"، وحمايته من الأطماع الإمبريالية والمخططات الصهيونية. هذا الموقف الشجاع أكد ندية اليمن وتجاوزه لعقدة التابع، وشكل تهديداً مباشراً لمصالح القوى القومية والرجعية التي أرادت إبقاء اليمن تحت الهيمنة المستمرة [1، 2].
رابعاً: حلم الوحدة والمؤامرة الغادرة
كان المشروع الأبرز الذي عجّل بتصفية الحمدي هو خطواته الجادة والمتسارعة نحو تحقيق الوحدة اليمنية مع الشطر الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) بقيادة الرئيس سالمين. التقى الرئيسان وتجاوزا الخلافات الأيديولوجية المصطنعة لصالح الأفق القومي التحرري المشترك، وكان من المقرر أن يزور الحمدي عدن في 14 أكتوبر 1977 لإعلان خطوات وحدوية مصيرية.
لكن قوى الارتداد الداخلي، بالتوافق مع المخابرات الإقليمية والدولية، قطعت الطريق على هذا الحلم القومي الفذ [1، 2]. ففي 11 أكتوبر 1977، تم اغتيال إبراهيم الحمدي وشقيقه في مؤامرة غادرة استهدفت تصفيته جسدياً وتصفية مشروعه النهضوي [1، 2].
خامساً: الخاتمة والمقاصد التاريخية
إن إبراهيم الحمدي لم يكن مجرد رئيس عابر، بل كان حالة وعي ثوري وقومي متقدم في الجزيرة العربية. لقد أثبتت تجربته أن كسر طوق التخلف والتبعية أمر ممكن متى ما توفرت الإرادة السياسية الصلبة والانحياز الكامل للجماهير الكادحة [1، 2].
سيبقى الشهيد إبراهيم الحمدي ملهماً في الوجدان العربي والقومي، وشاهداً حياً على أن دماء القادة التنويريين هي التي تعبد الطريق للأجيال القادمة نحو استرداد الذات الحضارية والسيادة الوطنية المطلقة.
الهوامش والمراجع الفكرية:
- أدبيات الفكر القومي الناصري: دراسات في تجارب الحكم وتحديات التنمية المستقلة.
- أرشيف التوثيق التاريخي لحركة 13 يونيو التصحيحية ومسار بناء الدولة الوطنية في اليمن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق