الصفحات

الصفحات

الأربعاء، 24 يونيو 2026

منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور بقلم الناصر خشيني


   قراءة نقدية تفكيكية في بنية المذهب النَّقلي وتوطنه المغاربي

إن إشكالية التعامل مع التراث المعرفي والفقهي الإسلامي تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق التمجيد الوعظي أو الهدم العبثي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب شخصية الإمام مالك بن أنس ومنهجه الفقهي المتمثل في كتاب "الموطأ". لم يكن منهج مالك مجرد استجابة باردة لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة تشكلت في محرق الصراع بين النص والواقع، وضمن إحداثيات سياسية واجتماعية بالغة التعقيد عاشتها الحواضر الإسلامية إبان الانتقال من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية، وهو ما يفسر لاحقاً سر امتداده وتوطنه في الفضاء المغاربي والتونسي (1).
أولاً: الموطأ وبنية المنهج: جدلية النقل وعمل أهل المدينة
عند تشريحنا لمنهج الإمام مالك، نجد أن التميز الجوهري لمدرسته لا يكمن في مجرد جمع الأحاديث، بل في تقديمه "عمل أهل المدينة" كآلية تواترية تفوق في نظره رواية الآحاد. إن النقد العنيف الذي وُجّه للموطأ قديماً وحديثاً، وخاصة من مدارس أهل الحديث المتأخرة، نبع من هذا التقديم الذي اعتبره البعض تقليصاً من سلطة النص النبوي الفردي لحساب ممارسة مجتمعية جغرافية (2).
لكن من منظور نقد التراث، نرى أن مالكاً كان يحاول إيجاد مرجعية تطبيقية حية—وهي العمل المتوارث جيلًا عن جيل في مهد الوحي—لضبط سيولة النصوص وتفادي الاختراقات والوضع التي شاعت في الحواضر الأخرى كالعراق. ومع ذلك، وسّع مالك أصوله لتشمل أدوات مرنة كـ"المصالح المرسلة" و"سد الذرائع"، مما جعل مذهبه مزيجاً فريداً بين النقل الصارم والنزعة المقاصدية التي تروم حفظ مصالح العباد وتدبير شؤونهم (3).
ثانياً: وهم المهادنة: هل كان السكوت خوفاً من السلطة الباطشة؟
تطرح القراءة التاريخية التقليدية تساؤلاً جوهرياً: كيف لفقيه عاصر هول التحولات، وعاش في المدينة التي لا تزال ذاكرتها الجمعية تنزف من أثر "واقعة الحرة" (سنة 63 هـ) واستباحتها من قِبل يزيد بن معاوية، أن يسكت ولا يثور علانية ضد النظم الأموية والعباسية؟ هل كان الخوف والرهبة من بطش السلطان هما المحرك؟
القراءة العميقة والنقدية للحدث التاريخي تفكك هذا الوهم؛ فالإمام مالك لم يولد إلا عام 93 هـ، أي بعد الحرة بثلاثة عقود، لكن ظلال الفاجعة ومآلاتها الكارثية كانت حاضرة في وعيه الفكري. لم يكن موقفه نابعاً من الجبن أو الخوف على النفس، بل تولّد من "وعي سياسي بائس بالمآلات". لقد رأى مالك أن الثورات المسلحة المباشرة في عصره—كخروج محمد النفس الزكية—أدت إلى إراقة الدماء واستباحة الحرمات دون تحقيق البديل العادل، فآثر صياغة الاستقرار من خلال تثبيت "السلم الأهلي" وحفظ بيضة الأمة (4).
إن عدم الثورة المسلحة لم يعنِ التواطؤ أو المهادنة؛ والتاريخ يحفظ لمالك محنته الشهيرة عندما صدح بفتواه "ليس على مستكره طلاق"، والتي فككت الشرعية السياسية لبيعة الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور القائمة على الإكراه. فكان ثمن هذا الموقف الفكري الصارم أن جُرّد وضُرب بالسياط حتى انخلعت كتفه، مما يثبت أن موقفه كان نابعاً من رؤية إصلاحية تعليمية، لا من خنوع لسلطة باطشة (5).
ثالثاً: مدرسة المدينة ومدرسة العراق: صراع البيئة والأدوات المعرفية
في إطار الموازنة المنهجية، يتبدى لنا التباين الفكري بين "مدرسة الأثر" بالمدينة بقيادة الإمام مالك و"مدرسة الرأي" بالعراق بقيادة الإمام أبي حنيفة، وهو تباين لم يكن اختلافاً عقائدياً بل كان انعكاساً حتمياً لاختلاف البيئات الحاضنة وخصوصياتها الجغرافية. فالمدينة المنورة مثلت بيئة محافظة تختزن الإرث النبوي التطبيقي المباشر وتعتبر السلوك الجمعي للمدينة نصاً متواتراً يغني عن التأويل العقلي الزائد، وتعتمد في معيار قبول الحديث على عدم مخالفته لعمل أهل المدينة والأصول العامة، متخذة من الاستصلاح وسد الذرائع أدوات مرنة للاستنباط الفقهي.
وفي المقابل، نشأت المدرسة الحنيفة في الكوفة ضمن فضاء مدني منفتح وتعددية ثقافية صاخبة تموج بحركات الوضع السياسي والديني، مما دفعها إلى التشدد الكبير في قبول أحاديث الآحاد واشتراط عدم مخالفتها للقياس الجلي أو قواعد العقل وعموم البلوى، مع التوسع الواسع في أدوات التحليل والافتراض العقلي لحماية الشريعة من الاختراق وتفكيك النوازل المعقدة (6).
رابعاً: التوطن الفقهي: سر مالكية تونس وشمال إفريقيا واعتدالها
إن الانتقال الجغرافي للمذهب المالكي من الحجاز إلى تونس ومعظم أرجاء شمال إفريقيا لم يكن مجرد صدفة تاريخية، بل جاء نتيجة تلاؤم بنيوي بين طبيعة إنسان هذه المنطقة وقيم الاعتدال والواقعية التي تميز بها فقه الإمام مالك. ويمكن تفكيك هذا الارتباط في أبعاد سوسيولوجية وفقهية دقيقة:
  1. نبذ التطرف والنزوع نحو الوسطية: تميل البيئة التونسية والمغاربية تاريخياً إلى الاستقرار والنفور من الغلو المذهبي والعقائدية الجوفاء. وقد وجد علماء القيروان في هذا المذهب صمام أمان يجمع بين صيانة الأثر النبوي ومراعاة مقاصد الشريعة، مما حمى المنطقة من الانزلاق وراء الحركات المتطرفة التي عصف بها المشرق (7).
  2. مرونة الأصول (العُرف والمصلحة): تميزت تونس بتركيبة اجتماعية وثقافية ثرية عبر العصور. وقد أتاح اعتماد مالك على أصول مرنة مثل "العُرف والعادات" و"المصالح المرسلة" للمجتمع التونسي والمغاربي الحفاظ على خصوصياته المحلية وتطوير تشريعاته دون الاصطدام مع النص الشرعي (8).
  3. الدور الفكري للمدرسة القيروانية: لم يكن علماء إفريقية مجرد ناقلين جامدين لفقه المدينة، بل حوّلوا المذهب في جامع القيروان إلى منهج عملي واقعي قادر على تدبير شؤون الدولة والمجتمع بروح تتسم بالتسامح والتيسير (9).
  4. حماية السلم الأهلي المغاربي: مثلما كان هاجس الإمام مالك في المدينة هو حقن الدماء وتجنب الفتن، فإن تبني هذا المذهب في شمال إفريقيا وفّر وحدة مرجعية وقانونية منسجمة، منعت التشرذم السياسي والحروب الأهلية المذهبية وطبعت المنطقة بـ"إسلام معتدل" ومتوازن (10).
خاتمة نقدية
إن نقد التراث نقداً بناءً يقتضي منا أن نضع الإمام مالك في سياقه التاريخي والمعرفي. لم يكن منهجه النَّقلي انكفاءً سلبياً أو خوفاً من بطش، بل كان محاولة عبقرية لإنتاج الاستقرار الفقهي والاجتماعي في زمن الفتن العاصفة. إن مكمن القوة في منهجه هو هذه المرونة المقاصدية التي تركها في أصوله، وهي ذاتها الأدوات التي تفسر سر بقاء واعتدال هذا المذهب في تونس وشمال إفريقيا، وهي أيضاً ما نحتاجه اليوم لإعادة قراءة هذا التراث، لا لتكرار أجوبته القديمة، بل لتمثّل شجاعته في مواجهة النوازل واستبصار مصالح الإنسان.

الهوامش والإحالات المعرفية:
(1) القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق: أحمد بكير محمود، دار مكتبة الحياة، بيروت، ج1، ص 45-48.
(2) جلال الدين السيوطي، تنوير الحوالك بشرح موطأ مالك، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1969م، ص 7-10.
(3) ابن رشد الجد، المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988م، ج1، ص 23.
(4) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م، صوابية الموقف من الفتن، ج2، ص 11-15.
(5) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، تحقيق: أحمد صقر، دار المعرفة، بيروت، ص 234-237 (سياق محنة مالك في فتوى طلاق المكره).
(6) محمد أبو زهرة، مالك: حياته وعصره - آراؤه وفقهه، دار الفكر العربي، القاهرة، ط2، ص 210-225 (الموازنة بين مدرستي الرأي والأثر).
(7) محمد الجوادي، الفكر الاجتماعي في المذهب المالكي بالمغرب العربي، الدار التونسية للنشر، تونس، ص 88-92.
(8) ابن عاشور (محمد الطاهر)، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الشؤون الدينية، تونس، 2001م، ص 114.
(9) سحنون بن سعيد التنوخي، المدونة الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1994م، ج1، ص 5-8 (رواية سحنون وأثرها في صياغة الفقه المغاربي).
(10) حسن حسني عبد الوهاب، ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية، مكتبة المنار، تونس، ط3، ج1، ص 142-147.

مأزق الفكر الإسلامي المعاصر: من النصوصية الحنبلية إلى "حاكمية" الدمار الذاتي بقلم: الناصر خشيني

 

مقدمة تمهيدية
تعيش الأمة العربية والإسلامية في الراهن السياسي والحضاري مأزقاً إبستمولوجياً (معرفياً) فادحاً، يتجلى في ارتهان العقل الجمعي لمنظومات تراثية صُنعت في مناخات الصراع السلطوي القروسطي. إن تفكيك هذا الانسداد الحضاري يتطلب شجاعة نقدية تضع اليد على الجرح التاريخي؛ حيث تحولت "النصوصية الحرفية" من مجرد اختيار فقهي فرعي إلى أيديولوجيا شاملة صادرت الروح التحريرية للقرآن، وأفرزت في طياتها معالم العنف والتكفير والدمار الذاتي الذي يمزق أوطاننا اليوم، مستبعداً قضايا الأمة الجوهرية وعلى رأسها مجابهة التمدد الصهيونية الاستعمارية.
أولاً: "مسند أحمد" وتحوير السلف إلى سلطة تشريعية
يتجلى المأزق الفكري الأول في بنية الأثر الروائي نفسه؛ حيث يمثل "مسند أحمد" أضخم مستودع جامع للروايات [1]، دون الاكتراث بشروط الصحة الصارمة. إن تراكم الأحاديث الضعيفة والموضوعة في تضاعيف هذا السفر التاريخي [2]، شرع الأبواب لولوج الخرافة والإسرائيليات التي تصطدم صِدَاماً صارخاً مع قيم القرآن المحكمة ومبادئ العدل والتوحيد والتنـزيه.
ومن تداعيات هذا الفكر النصوصي، جرى تحوير مفهوم "السلف الصالح" من سياقه الزمني الطبيعي—كجيل بشري تاريخي أصاب وأخطأ—إلى سلطة تشريعية مطلقة ونهائية تملك حق الوصاية على العقول [3]. لم يعد النص القرآني هو الحاكم بمقاصده الكلية، بل أصبحت "أفهام السلف" وبيئتهم القروسطية هي المعيار الإجباري الوحيد، مما أفرغ العقل من فاعليته وجعل الأمة ترتد بوعيها إلى الخلف، عاجزة عن صياغة إجابات لأسئلة عصرها الحديث.
ثانياً: محنة خلق القرآن والانقلاب السياسي في عصر المتوكل
ومع صعود الخليفة المتوكل العباسي، حدث الانقلاب الكبير وتأسست لحظة الركود المعرفي؛ إذ أدرك المتوكل أن العقلانية المعتزلية نخبوية، فقرر الانقلاب عليها وتصفيتها طمعاً في الولاء الشعبي [4]. فأصدر المراسيم السلطانية بتجريم علم الكلام وحظر البحث العقلي، ورُفع الإمام أحمد كرمز مطلق لمقاومة المحنة، ومُنحت مدرسته غطاءً شرعياً مقدساً للسلطة [5].
بذلك انحصر دور العقل في "تبرير النص" وشرعنة الاستبداد السياسي، حيث وجدت السلطة العباسية في النصوصية الحنبلية—التي تدعو لطاعة "ولي الأمر" وإن كان جائراً وتحرم الخروج عليه—الضمانة المثالية لقمع الثورات وتأبيد حكمها [6]، وتراجع الدعم الرسمي لحركة الترجمة والعلوم الطبيعية والفلسفية، واستُبدلت "دار الحكمة" بحلقات التحديث ونقل الآثار الركيكة.
ثالثاً: تجليات "الحاكمية" المعاصرة واستراتيجية التدمير الذاتي
إن الركود المعرفي والانتصار التاريخي للمدرسة النصوصية الحرفية لم يتوقف عند حدود الماضي، بل أنتج قفزة إبستمولوجية خطيرة نقلت النصوصية من مربع الجمود الفقهي إلى مربع "العنف المسلح والتكفير الشامل" عبر أطروحة سيد قطب في "معالم في الطريق" [7].
انتزع قطب الآيات القرآنية من سياقها المقاصدي، وأعلن أن المجتمعات المسلمة المعاصرة قد ارتدت إلى "الجاهلية الأولى" [8]، وأن الأنظمة والدول والتشريعات الوضعية هي أنظمة كفر صراح [9]. هذا التكفير الشامل أفرغ مفهوم المواطنة من قيمته وحوّل المجتمعات العربية إلى "ديار حرب" تجب استباحتها فكرياً ومادياً.
بناءً على أدبيات الحاكمية هذه، اعتبرت حركات العنف والتطرف (ابتداءً من جماعات التكفير والجهاد وصولاً إلى القاعدة وداعش) أن العدو الأقرب أولى بالقتال والمحاربة من العدو الأبعد [10]. وهذا الانحراف الفكري يفسر المفارقة الصارخة والتاريخية؛ ففي الوقت الذي عاثت فيه هذه التنظيمات فساداً وتدميراً وذبحاً في حواضر العرب والمسلمين، وفجّرت البنى التحتية وجيوش الأوطان، لم تمتد يدها يوماً وبأي أثر حقيقي لضرب الكيان الصهيوني المغتصب أو تهديد وجوده. لقد تحول الإرهاب بفعل "الحاكمية" إلى أداة مجانية لإنهاك الذات العربية وتمزيق نسيجها المجتمعي، مما قدم أكبر خدمة استراتيجية للمشاريع الاستعمارية والصهيونية في المنطقة.
رابعاً: المنظومة التعليمية السائدة وإعادة إنتاج التكلس المعرفي
إن استدامة هذا الفكر الجنائزي الحرفي في واقعنا المعاصر لا تتأتى من فراغ، بل تغذيها منظومات تعليمية بائسة وقائمة بالأساس على مناهج التلقين والحفظ، وإلغاء ملكة النقد والتساوُل لدى الناشئة [11]. إن مدارسنا وجامعاتنا الدينية والتقليدية لا تزال تعيد إنتاج العقل الحنبلي النصوصي عبر تدريس فروع الفقه القروسطي باعتبارها ثوابت عابرة للزمان والمكان.
يتم حشو أذهان الطلاب بالركام الروائي دون تمحيص مقاصدي أو تاريخي، ويُربى الطالب على الطاعة والاتباع ونبذ الابتداع العلمي، مما يجعل هذه البيئات التعليمية المفرخ الحقيقي والمغذي الأساسي للعقول المستعدة لتقبل أطروحات "الحاكمية" والتكفير. إن غياب الفلسفة، والعلوم الإنسانية الحديثة، والمنهج البرهاني عن برامجنا التعليمية هو الجريمة المعرفية المتواصلة التي تؤمن استمرار ركودنا وحمايتنا للجهل المقدس [12].
خامساً: خارطة الطريق نحو فقه مقاصدي بديل
للانعتاق من هذا الانسداد التاريخي والفكري، لم يعد يكفي الاكتفاء بنقد التراث أو البكاء على أطلال العقلانية الضائعة. بل بات من الضروري صياغة "خارطة طريق معرفية" بديلة تتكون من:
  1. إعادة ترتيب الهرم المعرفي: بإعادة القرآن الكريم بوصفه المرجعية المهيمنة والوحيدة المطلقة، وردّ ورفض أي رواية أو حديث—مهما بلغت درجة تدوينه الحرفي—إذا صدم قيم القرآن الكبرى كالحرية، والعدل، والكرامة الإنسانية [13].
  2. الانتقال إلى فقه الغايات: بإعلاء المقاصد الكبرى وأنسنتها لتشمل الغايات الإنسانية الحديثة والملحة، مثل: التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، وحقوق المواطنة الشاملة، والحرية الفكرية.
  3. تحرير الاجتهاد: بانفتاح الفقه المقاصدي الجديد على العلوم الإنسانية المعاصرة (علم الاجتماع، الاقتصاد، العلوم السياسية) ليكون التشريع منبثقاً من وعي عميق وحقيقي بالواقع الإنساني المتغير ومستوعباً لتعقيداته.
  4. علمنة المعاملات وفصل الفقهي عن العقدي: التأكيد على أن فقه المعاملات وإدارة الدولة والمجتمع هو فضاء عقلي مصلحي دنيوي بامتياز، يخضع لمنطق المنفعة الإنسانية أينما كانت؛ "حيثما وُجدت المصلحة فثمّ شرع الله" [14]، وصيانة حرية الاعتقاد والتفكير كحق إنساني مقدس ومطلق كفله القرآن.
خاتمة استشرافية
إن الخروج من نفق النصوصية المظلم والتحرر من أيديولوجيا "الحاكمية" ليس خياراً ترفياً أو مجرد ترف فكري، بل هو معركة وجودية ومصيرية لاسترداد الذات الحضارية العربية والنهوض بها. إن إرساء فقه المقاصد والبرهان وتحرير المنظومة التعليمية هو السبيل الوحيد لإعادة الدين إلى غايته الحقيقية: طاقةً تحريرية شاملة تبني الإنسان والأوطان، وتعيد توجيه بوصلة الصراع والتنمية نحو مواجهة القوى الاستعمارية وحلفائها، من أجل بناء مجتمعات الحرية، والعدالة، والكرامة المستدامة.

الهوامش والمراجع الأكاديمية:
  • [1] السيوطي، جلال الدين. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. تحقيق: أحمد عمر هاشم. القاهرة: دار الكتاب العربي، ص 55-58. (حيث يذكر أن عدد أحاديث المسند يقارب 40 ألف حديث بالمكرر، وانتقاها أحمد من 750 ألف حديث).
  • [2] ابن الجوزي، أبو الفرج. الموضوعات من الأحاديث المرفوعات. تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان. المدينة المنورة: المطبوعة السلفية، ج 1، ص 34-40. (أفرد فيه الأحاديث الموضوعة وشديدة الضعف التي دخلت تضاعيف المسند).
  • [3] الجابري، محمد عابد. بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 9، ص 251-260. (يتناول فيه تفكيك آليات تحول فقه السلف إلى سلطة إبستمولوجية وتشريعية مطلقة).
  • [4] اليعقوبي، أحمد بن إسحاق. تاريخ اليعقوبي. بيروت: دار صادر، ج 2، ص 484. (يوثق اللحظة التاريخية لمرسوم المتوكل بالمنع التام لعلم الكلام والمناظرة الفلسفية).
  • [5] الذهبي، شمس الدين. سير أعلام النبلاء. تحقيق: شعيب الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، ج 11، ص 290-310. (يفصل أحداث فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد وتوظيفها اللاحق في عصر المتوكل).
  • [6] ابن حنبل، أحمد. كتاب السنة. تحقيق: عبد الله بن أحمد بن حنبل. الدمام: دار ابن القيم، ص 45-52. (يؤصل لقاعدة طاعة الإمام الجائر وتحريم الخروج عليه كأصل عقدي عند أهل الأثر).
  • [7] قطب، سيد. معالم في الطريق. القاهرة: دار الشروق، ط 10، ص 5-12.
  • [8] المرجع نفسه، ص 21-25. (فصل: "طبيعة المنهج القرآني" ونظرية ارتداد المجتمعات الحالية للجاهلية الأولى).
  • [9] المودودي، أبو الأعلى. المصطلحات الأربعة في القرآن. بيروت: دار القلم، ص 92-105. (وهو المصدر الأساسي الذي استقى منه قطب فلسفة الحاكمية والربوبية السياسية).
  • [10] فرج، محمد عبد السلام. الفريضة الغائبة. (الوثيقة الأيديولوجية لتنظيم الجهاد المصري التي قعدت لقتال "العدو الأقرب" استناداً لإرث الحاكمية والجاهلية القطبية).
  • [11] أركون، محمد. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة: هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، ص 112-120. (يناقش فيها أثر غياب الفكر البرهاني عن مناهج التعليم الديني التقليدي العربي).
  • [12] العظم، جلال صادق. نقد الفكر الديني. بيروت: دار الطليعة، ص 45-60.
  • [13] شحرور، محمد. الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة. دمشق: الأهالي للطباعة والنشر، ص 180-195. (يفصل فيه إعادة ترتيب الهرم المعرفي بإرجاع الحاكمة المطلقة للنص القرآني).
  • [14] ابن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية. تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة. تونس: الشركة التونسية للتوزيع، ص 88-102. (المرجع الأساسي لتأصيل فلسفة مصلحة الإنسان وغايات التشريع الكبرى).

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

قرات لكم "الخيار العسكري العربي " للفريق سعد الدين الشاذلي والواقع المأزوم بقلم الناصر خشيني

 


  
مقدمة

تظل الأدبيات العسكرية الجادة بوصلة تكشف أين أخطأ العرب الطريق، وكيف تآكلت عناصر القوة حتى عزّ الردع وباتت الأرض مستباحة. ومن أبرز هذه الأدبيات كتاب "الخيار العسكري العربي" [1]، الذي وضع فيه مؤلفه خلال ثمانينيات القرن الماضي رؤية استشرافية دقيقة لموازين القوى بين الكيان الصهيوني وسوريا. غير أن المسافة بين تلك القراءة وواقع اليوم لا تُفهم بوصفها انحساراً طبيعياً للقوة، بل بوصفها نتيجة مباشرة لانقلاب على السلطة قاده الشرع وميليشياته الإرهابية، التي لم تُسقط النظام لتحرر الأرض، بل لتسلّمها — بحكم تجنيدها وتمويلها الخليجي — لمعادلة الهيمنة الأمريكية الصهيونية نفسها.
المحور الأول: قراءة عام 1985 — وهم التوازن الاستراتيجي
صدر الكتاب عقب خروج مصر من دائرة الصراع المسلح بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد [2]، فانصرف التحليل إلى جبهة "الصمود والتصدي" المتبقية، وكانت سوريا ركيزتها الأساسية. اعتمد المؤلف دراسة إحصائية وميدانية صارمة لأعداد الدبابات والطائرات ونظم الدفاع الجوي، مقيّماً قدرة دمشق على تحقيق ما كان يسمى "التوازن الاستراتيجي" مع الكيان بحلول عام 1985 بدعم سوفيتي [3].
خلصت تلك القراءة إلى حقيقتين جوهريتين:
أن سوريا بمفردها، ورغم ترسانتها الضخمة، قادرة على توازن دفاعي يمنع اجتياحها بسهولة، لكنها عاجزة عن تفوق هجومي حاسم دون جبهة شرقية موحدة تضم العراق والأردن.
أن أزمة العرب الحقيقية ليست في نقص السلاح أو الرجال، بل في الضعف السياسي الداخلي وغياب الديمقراطية وتسخير المقدرات العسكرية لحماية الأنظمة بدل التحرير — تحذير مبكر يحمل طابع النبوءة، وقد تحقق بأبشع صوره حين استُبدل نظام بنظام أكثر عمالة لا أقل.
المحور الثاني: من جبهة المواجهة إلى أداة تنفيذ مباشرة للأجندة المعادية
لا يصح وصف ما جرى بعد سقوط النظام السابق بأنه "تراجع" أو "ضعف" تراكمي فقط، بل هو تحول نوعي: انتقال من جيش وظيفته المعلنة مواجهة الكيان، إلى سلطة قائمة بذاتها مهمتها تفكيك ما تبقى من مقومات المواجهة. فالشرع وميليشياته لم يكونوا قوة تحرر وطني عاجزة، بل كانوا من البداية أداة مجنّدة وممولة من دول الخليج المتحالفة مع المشروع الأمريكي، استُخدمت تحديداً لإسقاط سوريا من معادلة محور المقاومة، لا لتحريرها.
2.1 تحول العقيدة القتالية: لم يعد الهدف الأساسي مواجهة العدو الخارجي واستعادة الجولان المحتل، بل تحول السلاح كلياً نحو تأمين بقاء السلطة الجديدة وتصفية الحاضنة الشعبية الرافضة لها، أي أن البندقية التي كان يُفترض أن تُصوَّب نحو الجولان، أُعيد توجيهها نحو الداخل السوري نفسه.
2.2 استنزاف القدرات وتفكك السيادة: أدت الحرب المستمرة، وما تلاها من تسليم فعلي للقرار العسكري، إلى تدمير شبكات الدفاع الجوي واستنزاف الذخيرة وتفكك القوة البشرية المحترفة، حتى غدت الأجواء السورية مستباحة تماماً، تُقصف دمشق وحلب شبه يومياً دون رد، في مشهد يؤكد أن القرار لم يعد سورياً بل مرتهناً لمن مَوَّل ومكَّن الواصلين الجدد إلى السلطة.
2.3 المعضلة اللبنانية: إذا كان التدخل السوري السابق في لبنان يُبرَّر بحماية الخاصرة ومنع تطويق دمشق، فإن النفوذ السوري اليوم — في ظل سلطة لا تملك مشروعية المواجهة ولا نيتها — لم يعد عمقاً قومياً بأي معنى، بل تحول إلى ورقة تستخدمها قوى الهيمنة نفسها لإبقاء الساحة اللبنانية في حالة ضغط دائم.
المحور الثالث: التجنيد الخليجي وانضمام سوريا رسمياً لمحور العداء للتحرر العربي
هذا هو المحور الذي يفسّر جذر الانقلاب: لم تنتقل سوريا من موقع المواجهة إلى موقع الحياد، بل انتقلت إلى الضفة الأخرى رسمياً.
3.1 من ميليشيا مجندة إلى سلطة وظيفية: الإرهابيون الذين تصدّرهم الشرع لم يكونوا في أي لحظة تعبيراً عن إرادة تحرر شعبية، بل كانوا منذ تأسيسهم وتسليحهم وتمويلهم بأموال دول خليجية منضوية في الفلك الأمريكي، أداة مصممة لتنفيذ هدف محدد: إخراج سوريا من محور المقاومة بالقوة، وتحييد آخر جبهة بَرّية فاعلة في مواجهة الكيان.
3.2 الخدمة المباشرة للأجندة الصهيونية الأمريكية: النتيجة الميدانية لم تكن خدمة "غير مقصودة" أو "تماهياً ظرفياً" كما قد يُخيَّل لبعض القراءات المخففة، بل خدمة مباشرة ومقصودة: تأمين حدود الجولان المحتل بوصفها أأمن الجبهات للكيان، وتسليم الورقة السورية بالكامل لمن مَوَّلها. فالشرع وميليشياته لا "يخدمون بالنتيجة" المشروع الأمريكي الصهيوني، بل كانوا الأداة التي صُممت أصلاً لخدمته.
3.3 إضعاف محور المقاومة بانضمام نظامي معادٍ: خروج سوريا من محور المقاومة لم يكن فراغاً استراتيجياً عابراً، بل تحول إلى انضمام نظامي وفعلي لمعسكر القوى المعادية للتحرر العربي، بما يكمّل حلقة محاصرة هذا المحور من حدوده الشمالية، ويُجهز على ما تبقى من توازن ردع كان قائماً منذ ثمانينيات القرن الماضي.
خاتمة: نبوءة متحققة بأسوأ صورها
لو كان مؤلف "الخيار العسكري العربي" بيننا اليوم، لقال إن ما نشهده يتجاوز ما حذّر منه قبل أربعين عاماً: فهو لم يتخيل فقط أن تستهلك الأنظمة جيوشها في معارك البقاء، بل أن تُسلَّم الأرض بالكامل لسلطة مجنَّدة من الخارج لتنفيذ هذا التسليم بالذات. لقد خسرت سوريا توازنها الاستراتيجي يوم انتقل القرار فيها من أيدي من حاول — رغم كل قصوره — حماية الجبهة، إلى أيدي من جُنِّد ومُوِّل أصلاً لتفكيكها. والدرس البليغ هنا أن قوة الأوطان لا تُهزم فقط بالضعف الداخلي، بل تُسلَّم أحياناً عبر بوابة من يُقدَّم للشعوب كـ"بديل" بينما هو في حقيقته الأداة التنفيذية لإسقاط آخر خطوط المواجهة.
الهوامش والمراجع:
[1] سعد الدين الشاذلي، الخيار العسكري العربي، (بيروت، ثمانينيات القرن العشرين).
[2] اتفاقية كامب ديفيد، 1978–1979، بين مصر والكيان الصهيوني.
[3] تقديرات الشاذلي لميزان القوى السوري-الإسرائيلي استندت إلى الدعم العسكري السوفيتي لسوريا في إطار "جبهة الصمود والتصدي".

تفسير القرطبي بين الجلالة العلمية ومآخذ المنهج بقلم الناصر خشيني



  قراءة نقدية في الإسرائيليات والروايات الضعيفة، مع نموذج تطبيقي من "التراث الموبوء"
مقدمة
يُعدّ "الجامع لأحكام القرآن" للإمام أبي عبد الله القرطبي (ت 671هـ) من أوسع موسوعات التفسير الفقهي في التراث الإسلامي، وقد حظي بإجماع عريض على قيمته العلمية في استخراج الأحكام واستيعاب الخلاف الفقهي. غير أن المنهج النقدي العقلي القرآني، الذي يُحاكم التراث إلى معيار النص القرآني الصريح وموازين العقل السليم، لا يمنحه ذلك حصانة من المساءلة. فالقرطبي، رغم تحرّزه المنهجي المعلن في مقدمته من الاعتماد على "قصص الإخباريين"، وقع - كغيره من كبار المفسرين - في تساهلات منهجية تستوجب الوقفة والتمحيص، أبرزها أربعة مآخذ منهجية: تأويل آيات الصفات على طريقة الأشاعرة، واستيعاب الإسرائيليات في قصص الأنبياء، والتساهل في الروايات الضعيفة والموضوعة، ونقل أخبار تتعارض مع مقام العصمة النبوية. ونضيف إلى هذه المآخذ النظرية نموذجاً تطبيقياً صارخاً نراه كافياً وحده لتبيان حجم ما تسرّب إلى هذا التفسير من خرافة، وهو ما نسوقه في خامس محاور هذا المقال. وهذا المقال محاولة لتفصيل هذه المآخذ في ميزان النقد العلمي لا التجريح.
المحور الأول: المنهج الأشعري في تأويل آيات الصفات
خالف القرطبي منهج السلف القائم على إثبات الصفات الإلهية كما وردت، بلا تكييف ولا تعطيل، فنحا منحى الأشاعرة في تأويل بعض النصوص؛ فأوّل "الاستواء" بـ"الاستيلاء"، وأوّل "المجيء" بمجيء الأمر أو القضاء، فراراً مما تصوّر أنه تشبيه. والمعضلة المنهجية هنا أن هذا التأويل يُحمّل النص القرآني معنى لم يقصده الخطاب الأول، ويُدخل في فهم القرآن إسقاطاً فلسفياً كلامياً متأخراً عن عصر النزول، وهو ما يتعارض مع قاعدة فهم الخطاب القرآني بلغة العرب ومقاصدهم المباشرة دون تكلّف فلسفي[1].
المحور الثاني: الإسرائيليات في قصص الأنبياء
اشترط القرطبي في مقدمته صراحة عدم الإغراق في "قصص الإخباريين"، لكنه لم يلتزم بهذا الشرط التزاماً كاملاً في مواضع عديدة من كتابه، فنقل روايات إسرائيلية المصدر حول قصص الأنبياء - كقصص بني إسرائيل وسليمان وداود وغيرهم - دون تمحيص كافٍ لمصدرها أو نسبتها. وهذه الإسرائيليات، التي تسرّبت إلى التفسير عبر رواة كعب الأحبار ووهب بن منبه، تحمل في أصلها تصورات توراتية وتلمودية لا تتفق مع التنزيه القرآني للأنبياء، وقد حذّر منها ابن تيمية وابن كثير وغيرهما من كبار المفسرين باعتبارها دخيلة لا سند لها في ديننا[2].
المحور الثالث: الروايات الضعيفة والموضوعة
تساهل القرطبي في إيراد كثير من الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة، خصوصاً في باب أسباب النزول وفضائل السور، دون تنبيه القارئ في كثير من المواضع على درجة صحتها أو ضعفها. وهذا التساهل - وإن كان شائعاً عند كثير من مفسري عصره - يُسهم في ترسيخ معارف غير موثقة في الوعي الديني العام، ويُضعف من قيمة العمل التفسيري كمرجع موثوق، لا سيما حين يتعلق الأمر بفضائل آيات أو سور يُبنى عليها ترغيب أو ترهيب لا أصل له[3].
المحور الرابع: روايات تتعارض مع مقام العصمة
من أخطر ما يُسجَّل على هذا الكتاب نقله لبعض الروايات الباطلة في قصص الأنبياء التي تنال من مقام عصمتهم، ومن أبرزها ما تردد في تفسير قصة داود عليه السلام (سورة ص)، حيث تسرّبت رواية إسرائيلية المصدر تتعلق بامرأة أحد قادة جيشه، وهي رواية رفضها محققون من علماء التفسير كأبي بكر بن العربي والرازي، واعتبروها مما لا يجوز نسبته إلى نبي مُصطفى مُطهَّر، لمخالفتها الصريحة لقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ولمنطق التكريم الإلهي للأنبياء الوارد في غير موضع من القرآن[4].
المحور الخامس: نموذج تطبيقي – روايات "تكاثر إبليس" في تفسير القرطبي
إن أبلغ رد على من يستهين بحجم ما تسرّب إلى كتب التفسير من الخرافة هو عرض نص بعينه دون تعليق مسبق، وترك القارئ يحاكمه بعقله ابتداءً. وهذا ما نجده في تفسير القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي﴾ (الكهف: 50)، حيث يورد جملة من الروايات في كيفية "تناسل" إبليس وتفصيل أسماء ذريته[5].
1. عرض النموذج
نقل القرطبي عن مجاهد قولاً مفاده أن إبليس يلد عن طريق إيلاج فرجه في نفسه فيبيض عدداً من البيض، ونقل قولاً آخر مفاده أن الله خلق له في فخذيه عضوين يتناسل بهما، يُخرج بهما عشرات البيضات يومياً يخرج من كل واحدة سبعون شيطاناً وشيطانة. ثم استدرك بنقل قول مخالف ينفي أصل الذرية الجسدية عن إبليس ويحصرها في معنى "الأعوان والأتباع" لا النسل الحقيقي. وأضاف إلى ذلك تعداداً تفصيلياً لأسماء أبناء إبليس ووظائفهم: زلنبور صاحب الأسواق، وثبر صاحب المصائب، والأعور صاحب الزنى، ومسوط صاحب الأخبار الكاذبة، وداسم صاحب البيوت، وغيرهم[6].
2. مساءلة النموذج بميزان العقل والنص القرآني
أولاً، التناقض الداخلي البيّن: فالروايات المنقولة في الموضع نفسه تتعارض فيما بينها تعارضاً صريحاً؛ فبعضها يجعل لإبليس ذرية جسدية متولّدة من بيض، وبعضها ينفي ذلك أصلاً ويحصر "الذرية" في معنى مجازي هو الأتباع. وإيراد المتناقضين في موضع واحد دون ترجيح أو تنبيه كافٍ يكشف عن منهج تجميعي غير تمحيصي.
ثانياً، غياب السند الصحيح المعترف به من النص نفسه: فالقرطبي ينقل عن أبي نصر القشيري قوله الصريح إنه "لا يثبت عندنا كيفية التوالد منهم ولا حدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح"، وينقل عن ابن عطية وصفه لهذه الأخبار بأنها "مما لم يأت به سند صحيح". فالنص يحمل في ثناياه شهادة علماء عدول بضعف أصله، وهذا نموذج صارخ على ما نسميه "الموبوء بالاعتراف الداخلي"، أي ما يحمل في جوف الرواية نفسها دليل وهنها[7].
ثالثاً، مخالفة المنهج القرآني في الحديث عن الجن وإبليس: فالقرآن الكريم تحدّث عن إبليس وذريته وأعوانه (ذرية، أولياء، حزب الشيطان) في معرض التحذير من اتباعهم في الغواية، لا في معرض السرد البيولوجي لكيفية تكاثرهم. ولم يرد في القرآن - وهو المصدر الوحيد المعصوم في هذا الباب - أي تفصيل عن "بيض" أو "أعضاء تكاثر" أو توزيع وظيفي للشياطين على الأسواق والبيوت والمزامير. فهذه تفاصيل دخيلة، أقرب إلى الأساطير البابلية والفارسية القديمة في تشخيص الشر وتشييطنه وظيفياً، منها إلى منهج القرآن في الحديث عن الغيب بقدر ما يُحتاج إليه هداية لا تشويقاً قصصياً[8].
رابعاً، الأثر التربوي السلبي: فإيراد مثل هذه التفاصيل دون حسم أو تحذير كافٍ يُكرّس في الوعي الديني العام خلطاً بين الغيب القرآني المُحَكَّم وبين الخرافة الشعبية المنقولة عن أهل الكتاب وأخباريي الجاهلية المتأسلمة، ويفتح الباب لمن يريد الطعن في جلالة التفسير الإسلامي ككل بانتقاء هذه النماذج وتعميمها.
خاتمة
إن النظر النقدي في تفسير القرطبي لا يستهدف الانتقاص من قيمته العلمية في باب الأحكام والاستنباط الفقهي، بل يستهدف تخليص التراث التفسيري من شوائب دخلت عليه عبر قرون من النقل غير المُمحّص. والمعيار الذي ينبغي أن يُحاكَم إليه أي تفسير هو النص القرآني نفسه ومقاصده الكلية، ومنطق العقل السليم الذي ميّز الله به الإنسان، لا سلطة الأسماء ولا قِدَم الأسانيد. ونموذج "تكاثر إبليس" الذي عرضناه في المحور الخامس ليس استثناءً نادراً، بل هو شاهد دالّ على نمط متكرر من التساهل المنهجي، يحمل في داخله - بشهادة العلماء الذين نقل عنهم القرطبي نفسه - اعترافاً بضعف سنده وتهافت أصله. وما أحرانا، في عصر تتاح فيه أدوات التحقيق والمقارنة، أن نعيد قراءة هذا التراث بعين ناقدة بصيرة، تُكرّم الأنبياء وتُنزّههم عما لا يليق، وتُقدّم للأمة قرآناً مفهوماً بمعزل عن الإسرائيليات والموضوعات والخرافات التي شوّهت صورة الغيب الإسلامي عند كثير من العامة.
الهوامش والمراجع:
[1] ابن تيمية، "التدمرية في توحيد الله وصفاته"، وانظر نقد مذهب التأويل الأشعري في آيات الصفات.
[2] رمزي نعناعة، "الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير"، دار القلم، دمشق.
[3] محمد حسين الذهبي، "التفسير والمفسرون"، دار الكتب الحديثة، القاهرة.
[4] أبو بكر بن العربي، "أحكام القرآن"؛ وانظر مناقشة قصة داود عليه السلام في تفاسير الرازي وابن كثير.
[5] القرطبي، "الجامع لأحكام القرآن"، ج10، ص420 وما بعدها، تفسير سورة الكهف، الآية 50.
[6] المصدر نفسه، نقلاً عن مجاهد وابن عباس والطبري وغيرهم.
[7] أبو نصر القشيري وابن عطية، كما نقله القرطبي في الموضع نفسه.
[8] انظر للمقارنة منهج القرآن في الحديث عن الجن في سورتي الجن والأعراف، حيث يغيب التفصيل البيولوجي تماماً.

الاثنين، 22 يونيو 2026

​عالمية الإسلام ودور العرب في صياغة الحضارة ​بقلم الناصر خشيني






​أولاً: التطور التاريخي للرسالات وعالمية الإسلام
​لم يكن الإسلام حدثاً معزولاً، بل جاء تتويجاً وخاتمة لمراحل متعددة مرت بها الرسالات السماوية السابقة. لقد اتبعت هذه الرسالات نسقاً تصاعدياً تطور بتطور الواقع الاجتماعي للبشرية؛ فانتقلت من تنظيم الأسرة، إلى العشيرة، فالقبيلة، وصولاً إلى الأمة، ثم المجتمع الإنساني ككل.
​وعندما بلغ التطور البشري ذروته، جاء الدين الإسلامي برسالة عالمية وإنسانية موجهة للبشرية قاطبة، ليكون الدين النهائي لكل الإنسانية.
​ثانياً: استهداف قيم العدالة وتحور "التحريض الغربي" عبر التاريخ
​بسبب هذه العالمية، كان من الطبيعي أن يواجه الإسلام عداءً مستمراً من القوى التي تسعى في الأرض فساداً، مدفوعة بجبروتها المادي وطغيان مصالحها الاقتصادية. هذه القوى ناهضت قيم الخير والعدل والمساواة، وعملت على تشويه الدعوة والقائمين عليها عبر التاريخ عبر "تهم جاهزة" تتغير شخوصها وتتحد أهدافها:
​في عهد الرسول (ص): رُمي بالدعوة بتهم السحر، الشعوذة، الكهانة، والشعر.
​في القرون الوسطى: رُفعت شعارات كراهية الإسلام والدفاع عن الصليب إبان الحروب الصليبية.
​في العصر الحديث: تحولت التهم إلى "الجهل، التخلف، والبعد عن الحضارة" لتبرير الاستعمار، ثم تطورت إلى وصم المقاومة بـ "الإرهاب ومعاداة السامية" لحماية الكيان الصهيوني.
​إن كفار قريش الذين واجهوا الرسول حمايةً لمصالحهم التجارية والمادية، لا يختلفون في الجوهر عن عتاة الصهاينة، واليمين المسيحي المتصهين، والقوى الرجعية (بمن فيهم محسوبون على المسلمين) الذين يبررون التبعية بدعاوى "العلمانية، التحضر، أو البرجماتية السياسية".
​ثالثاً: التلازم العضوي بين العروبة والإسلام
​تميزت الأمة العربية عن بقية الشعوب الإسلامية برابطة تكوينية خاصة؛ فالإسلام كان شاهداً على ميلاد الأمة العربية عندما استقرت القبائل والشعوب على الأرض العربية قبل أربعة عشر قرناً.
​ولم يكن الإسلام مجرد "إضافة" طارئة للهوية العربية (كما هو الحال بالنسبة لبعض الشعوب غير العربية التي كانت لها أمم مستقلة قبل الإسلام أو بعده)، بل هو جزء من النسيج الثقافي والوجودي للعرب.
​مفهوم الهوية الحضارية:
حتى العرب الذين يدينون بالمسيحية، فإن حضارتهم وسياقهم الثقافي هو الحضارة الإسلامية. ولذلك تجدهم تاريخياً أقرب إلى مواطنيهم المسلمين من أصحاب دينهم في الغرب. وآية ذلك مشاركتهم الفعالة في التصدي للحروب الصليبية والحملات الاستعمارية، حيث لم يعد العامل الديني الطائفي هو المحدد، بل العامل الوطني والحضاري المشترك.
​رابعاً: استراتيجية "تفتيت المفتت" ونهب الثروات
​تدرك القوى المعادية للأمة العربية مكامن قوتها، ولذلك تعمد بخبث ودهاء إلى تدمير مقومات الصمود والممانعة عبر إشعال النعرات الدينية، الطائفية، والإثنية.
​إن أي اقتتال داخلي أو احتقان مذهبي (كما شهدته وترسبت آثاره في أقطار كالعراق، لبنان، اليمن، السودان، والجزائر) يصب في مصلحة المستعمرين والصهاينة. هؤلاء يصبون الزيت على النار لإطالة أمد هيمنتهم، وتمكينهم من نهب ثروات الأمة، وتمديد عمر الكيان الصهيوني الذي تؤكد القراءات التاريخية والدراسات الاستشرافية أنه كيان طارئ لن يدوم طويلاً.
​خامساً: نماذج الصمود وبصيص الأمل
​تمتلك الأمة العربية إمكانيات بقاء وصمود استثنائية بحكم ارتباطها الوثيق بالإسلام. والتاريخ الحديث يقدم أدلة ناصعة على ذلك:
​العراق: كيف تمكن جزء محاصر من الشعب العراقي من استنزاف أعتى قوة عسكرية وإعلامية في العالم (الولايات المتحدة) وتدمير اقتصادها في بضع سنوات.
​لبنان: نجاح المقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني رغم التآمر المفضوح.
​فلسطين (غزة): تجذر قوى الممانعة والمقاومة على الأرض، وتحقيقها لـ "توازن الرعب" مع العدو الصهيوني رغم الحصار الخانق وتواطؤ بعض الأنظمة.
​سادساً: خاتمة المقال (حتمية التاريخ وسقوط الطغاة)
​في النهاية، تنتمي الأمة العربية بكل مكوناتها لحضارة إسلامية عصية على الفناء. ويكفي أن نتذكر صلف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 عندما أعلنها "حرباً صليبية"، كيف انتهى به المطاف في نهاية ولايته الثانية ليودع المنطقة بفردتي حذاء الصحفي منتظر الزيدي. فهل يتعظ الطغاة، 

 

أبو هريرة: الراوية الأكثر إشكالاً في تاريخ الحديث النبوي بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة
تُعدّ شخصية أبي هريرة من أكثر الشخصيات إشكالاً في التاريخ الإسلامي، فقد اختُلف حول اسمه واسم أمه وأبيه، وحول تاريخ ولادته ووفاته، وحول مدة مكثه مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ظل "مكثراً" للأحاديث بصورة لافتة لا تتناسب مع قِصر صحبته. وللاستزادة في التعرف على هذه الشخصية بصورة علمية موثقة، يحسن الرجوع إلى كتاب "شيخ المضيرة" لمحمود أبو رية(1).
والملاحَظ أن الخلاف حول أبي هريرة لم يكن خلافاً طائفياً محضاً، فالرفض الفكري والتجريح التاريخي الحاد له لم يأتِ من الشيعة أو أنصار الإمام علي بن أبي طالب فقط، بل جاء أيضاً من أنصار السنة النبوية الصارمي الإيمان بالحديث الشريف، ولم يكن الهجوم عليه فعل مستشرقين أو كارهين للإسلام، بل جاء ممن لا خلاف على إسلامهم وإيمانهم.
والمفارقة المركزية التي يطرحها هذا المقال هي: كيف يروي رجل لم يصاحب النبي سوى عام وبضعة شهور (والبعض يقول أكثر من عامين) 5374 حديثاً، لم تصح كلها حتى عند البخاري الذي لم يثبت منها سوى 446 حديثاً فقط؟ وكيف يتجاوز هذا الرقم ما رواه كبار الصحابة مجتمعين بأضعاف مضاعفة؟
أولاً: النشأة والتسمية وإسلام متأخر
يحيط الغموض بحياة أبي هريرة منذ البداية، والمحسوم أنه لم يلحق بالنبي إلا قبيل وفاته. وفي مسألة تاريخ إسلامه، يرى بعض المتحمسين له أنه أسلم قبل مجيئه من اليمن إلى المدينة بسنوات، لكن هذا الرأي يحيطه الشك: فإذا كان أبو هريرة فقيراً معدماً بلا شغل أو عشيرة تشده إلى اليمن، فما الذي أخّره عن نداء الإسلام واللحاق بنبيه؟
أما التسمية، فتجمع المراجع والروايات على أنه حملها قبل إسلامه، حيث قال عن نفسه: "كنت أرعى غنم أهلي وكان لي هرة صغيرة فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها، فكنّوني، أطلقوا عليّ اسمي أبا هريرة". ولم يُعرف شيء عن نشأته قبل إسلامه غير ما قاله هو عن نفسه: "نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراً بطعام بطني"، أي أنه كان يخدم الناس بطعام بطنه.
ثانياً: من "أهل الصفة" إلى أكثر الصحابة رواية
وصل أبو هريرة إلى المدينة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره، واتخذ سبيله إلى جانب النبي ضمن من عُرفوا بـ"أهل الصفة"، وهو موضع مظلل في الجزء الخلفي من المسجد النبوي، يأوي فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، كانوا ينامون فيه ليل نهار. وقد روى أبو هريرة عن نفسه حال الفاقة التي عاشها، حيث مرّ به أبو بكر وعمر فسألهما عن آية ليشبعاه فلم يفعلا، ثم مرّ به النبي فتبسّم وعرف حاجته فأطعمه(2).
كما عُرف بشدة شغفه بالطعام حتى لُقّب بـ"شيخ المضيرة" (المضيرة صنف من الحلوى)، وأجمع المؤرخون على أنه كان مزّاحاً مهزاراً.
ثالثاً: عمر بن الخطاب وأبو هريرة: الضرب والتهديد بالنفي
من الوقائع الأكثر ثبوتاً في التاريخ أن عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة بالدرّة وطرده من المسجد، وهدده بالنفي قائلاً أمام شهود المسجد: "أكثرت يا أبا هريرة من الرواية، ولتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنّك بأرض دوس"، وهو موطنه في اليمن. وقد روى مسلم في صحيحه أن عمر ضربه أيضاً لما سمعه يحدّث عن النبي: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"(3).
والثابت أن أبا هريرة نفسه قال: "إني أحدّثكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر لضربني ولشجّ رأسي"، وقال أيضاً: "ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتى قُبض عمر"، أي إلا بعد موته.
رابعاً: أبو هريرة في سلّم طبقات الصحابة
قسّم العلماء الصحابة من حيث الفضل إلى اثنتي عشرة درجة، تبدأ بقدماء السابقين الذين أسلموا بمكة، وتنتهي بصبيان وأطفال رأوا النبي يوم الفتح وفي حجة الوداع. والسؤال المطروح: في أي درجة من هذه الدرجات يقع أبو هريرة؟
الذين تطرفوا في الهجوم عليه وضعوه في درجة الأطفال والصبية، وهو أمر قاسٍ، إذ أسلم وهو في عمر الثلاثين، فليس بالطفل الذي اكتفى من النبي بالنظر. ومع ذلك، لم يكن في يوم من الأيام من أصفياء النبي وأحبابه، ولم يضعه أحد في أي طبقة محددة من طبقات الصحابة، رغم أنه ليس بالطفل ولا بالصبي.
خامساً: مفارقة الكثرة في الرواية
روى أبو هريرة 5374 حديثاً، أي بمعدل سبعة أحاديث أو أكثر في اليوم خلال العامين اللذين قضاهما قريباً من النبي. وللمقارنة:
أبو بكر: روى 143 حديثاً، وله في البخاري 22 حديثاً فقط.
عمر الفاروق: لم يرو أكثر من 50 حديثاً.
علي بن أبي طالب، الذي عاش في كنف النبي منذ بعثته حتى وفاته ولم يفارقه سفراً ولا حضراً: لم يرو سوى 58 حديثاً، صحّ في البخاري منها 20 فقط.
عثمان بن عفان والزبير: 9 أحاديث لكل منهما.
عبد الرحمن بن عوف: 5 أحاديث فقط.
ويُقدّر بعض الباحثين أن ما رواه أبو هريرة يمثل نحو 27% من إجمالي الأحاديث المروية عن النبي، نسبة لا تعبّر بحال عن مكانته أو علمه أو قربه من النبي قياساً بهؤلاء الصحابة.
سادساً: حجج المدافعين عن أبي هريرة وحدودها
أول حجج المدافعين أن أبا هريرة كان متفرغاً مع النبي، بخلاف بقية الصحابة الذين كانوا يعملون لكسب رزقهم، وأنه بعد وفاة النبي لم يكن من رجال الدولة والحكم والحرب والفتح، فانشغل بما يعرفه ويحفظه، بينما كان عمر مشغولاً بشؤون الأمة وخالد بن الوليد يفتح الأمصار.
لكن هذا التفسير له حدود: فالنبي لم يكن يخصّ أحداً بعلمه وأحكامه دون غيره، ولم يكن أي من تعاليمه بعيداً عن الصحابة. كما أن الصحابة مكثوا سنين وأياماً مع النبي تفوق ما عاشه أبو هريرة، وصاحبوه في أدق اللحظات التي تحتاج إلى الأوامر والنواهي. ولم يترك أحد منهم صلاة وراءه أو جلسة شورى، بينما يصاحبه أبو هريرة في عشاء أو طريق.
وحتى فرضية "غياب الصحابة" لا تنطبق على عائشة أم المؤمنين، التي كانت الأقرب إلى النبي والأعلم بأحاديثه، ومع ذلك لم تروِ ما روى هو.
سابعاً: عائشة أم المؤمنين في مواجهة رواياته
شهدت العلاقة بين عائشة وأبي هريرة خلافات صريحة بلغت حد التكذيب:
في مسألة من أصبح جنباً في رمضان: روت عائشة وأم سلمة أن النبي كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم، بينما كان أبو هريرة يرى أن من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم. وقد طُلب من أبي هريرة نفسه تأكيد الرواية فقال: "لا علم لي بذاك، إنما أخبرنيه مخبر"(4).
في مسألة "الطيرة": نُقل عن أبي هريرة أن النبي قال إن الطيرة في الفرس والمرأة والدار، فغضبت عائشة غضباً شديداً وقالت: "كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم، من حدّث بهذا"، وأكدت أن النبي إنما وصف ما كان عليه أهل الجاهلية(5).
وقد قالت عائشة عنه أيضاً، حسبما روى البخاري: "إن رسول الله لم يكن يسرد الحديث كسردكم"، في إشارة إلى طريقته في الإكثار من الرواية(6).
ثامناً: تكذيب صحابة آخرين له
لم يقف التشكيك في رواياته عند عائشة، فقد روى ابن عساكر أن عمر بن الخطاب اتهمه مباشرة قائلاً: "إنك تحدّث عن رسول الله ما لم تسمع منه"(7). وفي رواية البخاري، حين بلغ ابن عمر حديثه عن فضل اتباع الجنائز، قال: "أكثر أبو هريرة علينا"، إلى أن صدّقته عائشة في تلك الرواية بعينها(8).
تاسعاً: نماذج من المتن للتأمل
من الأحاديث المروية عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما، نذكر -للقراءة والاطلاع دون تعليق- النماذج التالية:
اعترافه بأن جزءاً من حديثه ليس مسموعاً عن النبي مباشرة، بل من "كيسه" الخاص، كما في حديث النفقة على الأهل(9).
قوله: "حفظت من رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم"(10).
حديث الذبابة المعروف(11).
حديثه عن سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب، وقصة عكاشة بن محصن(12).
رواية موسى والحجر الذي فرّ بثوبه(13).
روايته فتوى منسوبة للنبي بشأن مَن اطّلع في بيت غيره بلا إذن(14).
روايته الحديث الذي يصف فيه النبي نفسه بأنه بشر يغضب كما يغضب البشر(15).
وقد اعترف أبو هريرة نفسه بكثرة روايته، فقال: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثاً"، ثم تلا آيتين من سورة البقرة عن وجوب بيان العلم وعدم كتمانه(16).
عاشراً: سؤال الإسرائيليات وكعب الأحبار
من المسائل التي تستحق التوقف، العلاقة المؤكدة بين أبي هريرة وكعب الأحبار، اليهودي الغامض في الإسلام الذي يُتهم بزرع الإسرائيليات في التفسير والسنة. وهذه العلاقة تفتح باباً آخر من أبواب التشكيك في مصدرية بعض ما نُسب إلى أبي هريرة من روايات.
حادي عشر: التسييس الأموي للشخصية
تحوّل مقتل عثمان بن عفان إلى نقطة استقطاب سياسي وفكري كبرى، وتحوّلت روايات أبي هريرة بعدها إلى "سلاح" في يد الدولة وفقهائها من جهة، وسلاح في يد خصومها من جهة أخرى. ولم يكن أبو هريرة ملء السمع والبصر إلا بعد صعود الدولة الأموية، التي احتاجت إلى سند ديني ومساندة شرعية للخلاص من أزمة سمعة قتل آل البيت والعرش المتنازع عليه.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى ما روي عن النبي نفسه في صحيح مسلم: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عني ولا حرج"(17)، وهو نص فسّره بعض العلماء، مثل محمد البنا، بأن الهدف منه تجنّب تقديس بعض الأحاديث ذات الطابع الظرفي التي وردت لحل مشكلات اجتماعية خاصة بزمنها لا بكل الأزمان، فطلب النبي أن تُحدَّث شفاهاً لا أن تُكتب وتُجمَّد كنص مطلق.
خاتمة
إن استعراض هذا الجدل التاريخي حول أبي هريرة لا يهدف إلى البحث عن براءته من تهمة الكذب على النبي، فهذا ليس الهدف، بل إلى البحث عن براءته ممن دسّ عليه أو نسب إليه ما لم يقله النبي. فلا يمكن القول إن أبا هريرة كان كذوباً شريراً مطلقاً، ولا يمكن في المقابل تنزيهه وتقديسه، خصوصاً أن من بين خمسة آلاف وأكثر من حديث رواها، لم يصح عند البخاري سوى نحو 400، ومعظمها متشابه ومتداخل مع روايات صحابة وتابعين آخرين.
فالخلاف حول أبي هريرة، كما يبدو من مجمل المراجع، هو في جوهره صراع في الفكر والسياسة أكثر منه خلافاً في الدين والعقائد. وهو خلاف يصب في تقوية السنة النبوية ذاتها، عبر تبرئتها من أمراض السياسة حين تتداخل وأغراض النفوس حين تتدخل، لا عبر تحويل أبي هريرة إلى مرادف للسنة نفسها أو إلى حرب ضدها.
الهوامش والمراجع
(1) محمود أبو رية، شيخ المضيرة: أبو هريرة.
(2) صحيح البخاري، رقم 6452.
(3) صحيح مسلم، ج1، ص201، باب من شهد لا إله إلا الله مستيقناً دخل الجنة.
(4) صحيح البخاري، ج2، ص232، باب الصائم يصبح جنباً؛ موطأ مالك، تنوير الحوالك، ج1، ص272.
(5) أحمد، ابن خزيمة، الحاكم، عن قتادة عن أبي حسان؛ ابن حجر، فتح الباري، ج6، ص61.
(6) صحيح البخاري، ج4، ص231، عن عروة بن الزبير عن عائشة.
(7) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج67، ص344.
(8) صحيح البخاري، ج2، ص110.
(9) صحيح البخاري، كتاب النفقات، رقم 4936.
(10) صحيح البخاري، ج1، ص56، رقم 120، كتاب العلم، باب حفظ العلم.
(11) صحيح البخاري؛ سنن ابن ماجه؛ مسند أحمد.
(12) صحيح البخاري، ج7، ص473، كتاب اللباس، باب البرود والحبر والشملة.
(13) صحيح البخاري، ج1، ص169، كتاب الغسل، باب من اغتسل عرياناً وحده في خلوة.
(14) صحيح البخاري، ج9، ص18، كتاب الديات، باب من أخذ حقه أو اقتصّ دون السلطان.
(15) صحيح البخاري، ج8، ص96، كتاب الدعوات؛ صحيح مسلم، ج4، ص2008، كتاب البر والصلة والآداب.
(16) صحيح البخاري، ج1، ص88، كتاب العلم، باب حفظ العلم.
(17) صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري.
مراجع إضافية وردت في سياق الجدل التاريخي: صحيح البخاري، ج1 (ص56، 77، 88، 164، 169)، ج2 (ص110، 232)، ج4 (ص231)، ج5 (ص47، فضائل الصحابة، مناقب جعفر بن أبي طالب)، ج6 (ص353، كتاب التفسير)، ج7 (ص473)، ج8 (ص96)، ج9 (ص18)؛ صحيح مسلم، ج1 (ص201، 422)؛ سنن أبي داود، ج1 (ص60)؛ الترمذي، ج13 (ص189)؛ ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث (ص82).

 


الشافعي والرسالة وتجميد الفقه الإسلامي نحو قراءة نقدية في تأسيس سلطة النص وإقصاء العقل الناصر خشيني



مقدمة
لا يمكن فهم المسار الذي اتخذه الفقه الإسلامي السنّي نحو الانغلاق والجمود دون الوقوف عند اللحظة التأسيسية التي مثّلها محمد بن إدريس الشافعي (150هـ-204هـ) وكتابه "الرسالة". فهذا النص، الذي يُقدَّم تقليديًا بصفته الأب الشرعي لعلم أصول الفقه، لم يكن في حقيقته بناءً معرفيًا محايدًا لضبط آليات الاستنباط الفقهي، بل كان – كما سنحاول أن نُبيّن في هذا المقال – عملية إحكام لسلطة النص على حساب العقل، وانتصارًا حاسمًا لمدرسة أهل الحديث في صراعها التاريخي مع مدرسة أهل الرأي. ومن هذا المنظور، فإن "الرسالة" ليست كتاب تأصيل بقدر ما هي كتاب جدل كلامي وفقهي، أعاد تشكيل العلاقة بين القرآن والسنة والعقل بما يخدم تثبيت النقل وتضييق هامش الاجتهاد العقلي إلى أبعد الحدود.
سنتناول في هذا المقال السياق التاريخي لنشأة "الرسالة"، وبنيتها الموضوعية، وموقف الشافعي من الصراع بين النقل والرأي، ثم النقد الذي وُجِّه إليها من داخل الحقل السنّي ومن خارجه قديمًا وحديثًا، لنصل في الأخير إلى الأطروحة المركزية: أن هذا الكتاب كان حجر الأساس في تجميد الفقه الإسلامي وحرمانه من أن يكون أداة حيّة لتطوير عقلية إسلامية متجددة تنهل من القرآن الكريم مباشرة.
المحور الأول: السياق التاريخي لنشأة "الرسالة"
عاش الشافعي في فترة مفصلية من تاريخ التشريع الإسلامي، حيث كانت الساحة الفقهية منقسمة بين مدرستين كبيرتين: مدرسة أهل الرأي التي تزعّمها الأحناف والمعتزلة، وقامت على توسيع دائرة الاجتهاد العقلي والقياس والاستحسان، ومدرسة أهل الحديث أو النقل التي مثّلها المالكية وغيرهم، وقامت على التقيّد الحرفي بالنصوص المنقولة من قرآن وحديث[1].
في هذا السياق، طلب منه عبد الرحمن بن مهدي، أحد محدّثي البصرة المعروفين (المتوفى سنة 192هـ أو 198هـ على اختلاف الروايات)، أن يضع له كتابًا يجمع فيه معاني القرآن، ويبيّن فيه شروط قبول الأخبار (الحديث)، ويوضّح حجية الإجماع، وقواعد الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة[2]. وهذا الطلب نفسه دالّ: فهو لم يطلب من الشافعي علمًا محايدًا، بل طلب منه أداة لضبط معايير "قبول الأخبار"، أي تثبيت سلطة الحديث في مواجهة من يشكّك فيه أو يقدّم عليه العقل والرأي. ومن هذا الطلب وُلد كتاب "الرسالة"، الذي حمل هذا الاسم لأنه أُرسل بالفعل رسالةً إلى ابن مهدي.
المحور الثاني: البنية الموضوعية لـ"الرسالة"
يمكن تبويب مباحث "الرسالة" إلى أربعة عناصر كبرى:
أولًا، المباحث المتعلقة بالقرآن: وتشمل أساسًا قضايا الخاص والعام، والنسخ من القرآن، أي القول بأن آيات قرآنية يمكن أن "تُنسخ" أو يُبطل حكمها بآيات أخرى أو حتى بالسنة، وهي قضية ستكون – كما سنرى – من أخطر ما أسّس له هذا الكتاب.
ثانيًا، المباحث المتعلقة بالسنة: وأهمها مسألة خبر الآحاد، أي الحديث الذي يرويه راوٍ واحد أو عدد محدود من الرواة، ومدى حجيته التشريعية، إضافة إلى مسألة اختلاف الحديث وكيفية التعامل مع الأحاديث المتعارضة.
ثالثًا، مبحث الإجماع: وفيه يضع الشافعي تصورًا لحجية اتفاق العلماء أو الأمة على حكم معيّن.
رابعًا، مبحث القياس: وهو المساحة الوحيدة التي فتحها الشافعي لشيء من النظر العقلي، لكنها مساحة ضيّقة محكومة بضرورة الإلحاق بالنص، لا بانطلاق العقل من ذاته[3].
والملاحظ أن هذه الأبواب الأربعة، على أهميتها الشكلية في تاريخ الفكر الأصولي، لم تكن غايتها بناء منهج معرفي متوازن، بل كانت – كما سنناقش في المحور السادس – موجّهة لخدمة غرض مسبق: إثبات حجية النصوص المنقولة وتقليص دور العقل إلى أدنى حد ممكن.
المحور الثالث: الشافعي بين النقل والرأي: "ناصر الحديث"
من الأهمية البالغة أن نلاحظ أن الشافعي لم يكن، كما يُصوَّر أحيانًا، حكمًا وسيطًا بين مدرستي النقل والرأي يسعى للتوفيق بينهما. بل انحاز بوضوح إلى مدرسة أهل الحديث، وانتصر لمنهجها في التعامل مع النصوص، حتى لُقِّب بـ"ناصر الحديث"[4]. وهذا الانحياز ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو المفتاح لفهم طبيعة "الرسالة" بأكملها.
فمجرد احتواء الكتاب على مباحث تتعلق بمكانة السنة من القرآن، وأنواع البيان، والنسخ، وحجية خبر الآحاد، والقياس، لا يكفي وحده لوصفه بأنه "كتاب أصول" بالمعنى العلمي المحايد للكلمة. لأن قصد الشافعي من إيراد هذه المباحث لم يكن تأسيس علم مستقل قائم بذاته، بل كان إثبات حجية النصوص، أو بتعبير أدق: تثبيت سلطة النص وتضييق مجال استخدام العقل في الدين.
المحور الرابع: نقد "الرسالة" من داخل الحقل السنّي
لم تُسلَّم "الرسالة" من النقد حتى داخل البيت السنّي نفسه. فقد وجّه أبو بكر الجصاص (ت. 370هـ)، الفقيه الحنفي البارز، نقدًا لمنهج الشافعي في كتابه "الفصول في الأصول"، منتصرًا فيه لمنهج أهل الرأي الحنفي في مواجهة التضييق الذي فرضه الشافعي على استخدام العقل والاستنباط[5]. وهذا النقد يكشف أن الصراع بين النقل والرأي لم يُحسم نهائيًا بصدور "الرسالة"، بل استمر قرونًا، لكن الغلبة التاريخية كانت – لأسباب سياسية واجتماعية تجاوزت حدود النص نفسه – لمنهج الشافعي وأهل الحديث.
المحور الخامس: نقد "الرسالة" من خارج الدائرة السنّية
تجاوز النقد الحقل السنّي إلى الفكر الشيعي، حيث كتب أبو سهل النوبختي (ت. 311هـ)، أحد كبار متكلمي الشيعة، نقضًا لـ"رسالة" الشافعي[6]. كما دوّن القاضي النعمان الإسماعيلي (ت. 363هـ) كتابًا بعنوان "الرسالة المصرية في الرد على الشافعي"[7]. وتؤكد هذه الردود المتعددة، السنّية والشيعية، أن "الرسالة" لم تكن نصًا توافقيًا حظي بقبول عام، بل كانت موضع جدل وصراع فكري حاد منذ ظهورها، وأن انتصارها التاريخي كان نتيجة عوامل سياسية ومؤسسية أكثر منه نتيجة حسم علمي خالص.
المحور السادس: "الرسالة" كتاب جدل لا كتاب تأصيل
نخلص من هذا كله إلى الأطروحة المركزية لهذا المقال: إن "الرسالة" ليست كتاب أصول بالمعنى الذي يُقدَّم به عادة، بل هي كتاب جدل كلامي وفقهي، ألّفه الشافعي خصيصًا لتوسيع نطاق سلطة النصوص وتقليص شأن العقل في مجال الدين. ويمكن أيضًا، وبدقة أكبر، أن نعتبرها كتابًا موجَّهًا ضد أهل الرأي – أي الأحناف والمعتزلة وغيرهم – لا غير.
وبهذا الاعتبار، يكون الشافعي قد حكم على الفقه الإسلامي بالجمود، ومنعه من أن يكون أداة لتطوير عقلية إسلامية فذة تنهل من القرآن الكريم مباشرة، إذ حصره في نطاق المنقول، وحتى المساحة الصغيرة التي سمح بها في القياس ظلّت دائمًا رهينة الاعتماد على النص – قرآنًا وسنّة على السواء – لا على استقلالية العقل الاستدلالي.
المحور السابع: تغليب السنة على القرآن: مسألة الناسخ والمنسوخ
من أخطر النتائج التي أفرزها منهج الشافعي في "الرسالة" هو تغليب السنة على القرآن في عدد من المسائل، وعلى رأسها قضية الناسخ والمنسوخ. فهذا "الاختراع" الذي استنبطه الشافعي وأسلافه ومن جاء بعده، والذي يقضي بإمكانية إبطال حكم آية قرآنية بحديث نبوي أو بآية أخرى، لا يستند – في تقديرنا – إلى أي مستند حقيقي قاطع من القرآن الكريم نفسه، ولا إلى ما يقتضيه العقل الاستدلالي السليم. وهو بهذا يمثّل نموذجًا صارخًا على كيفية تحويل أداة منهجية (التأصيل) إلى وسيلة لفرض تأويلات بشرية على النص الإلهي، وتقديم المنقول الظني على المُحكَم القرآني القطعي.
المحور الثامن: استمرار النقد في الفكر العربي المعاصر — نموذج زكريا أوزون
لم يبق نقد المشروع الشافعي حبيس القرون الأولى، بل تجدّد في الفكر العربي المعاصر بأشكال أكثر جذرية، من أبرزها سلسلة الكتب الجدلية التي أصدرها المفكر السوري زكريا أوزون تحت عنوان "جناية"، فبعد "جناية سيبويه" في النحو، و"جناية البخاري" في علوم الحديث، أصدر كتابه "جناية الشافعي: تخليص الأمة من فقه الأئمة"، الذي خصّه لمراجعة الإرث الفقهي والأصولي للشافعي ومدرسته[8].
تقوم الفكرة المحورية لهذا الكتاب على التمييز الصارم بين الوحي المنزّل المقدّس من جهة، والفهم الإنساني له من جهة أخرى، باعتبار أن هذا الفهم – ومنه الفقه الإسلامي بأكمله – نتاج بشري مقيّد بظرفه الزماني والمكاني، ولا يصح بالتالي أن يُعطى صفة الإلزام التشريعي الدائم الذي أُسبغ عليه تاريخيًا[9]. وينطلق أوزون من هذا التمييز لمساءلة الأساس الذي قامت عليه منهجية الشافعي في "الرسالة"، رافضًا ما يعتبره تحويلًا لاجتهادات بشرية ظرفية إلى نصوص شبه مقدّسة لا يجوز الخروج عنها، ومطالبًا بإحكام العقل في الحكم على القضايا الفقهية بدل الانقياد للنقل المطلق[10].
وقد أثار هذا الكتاب، على غرار سابقيه في السلسلة، ردود فعل حادة من الحقل الفقهي التقليدي، الذي وصفه بعض منتقديه بالسطحية والافتقار إلى الأدوات العلمية الدقيقة في التعامل مع النصوص الأصولية[11]. ومع ذلك، فإن أهمية هذا النوع من النقد المعاصر لا تكمن في دقته الأكاديمية الصرفة بقدر ما تكمن في كونه عرضًا حيًّا على استمرار الجدل حول شرعية تحويل الفقه إلى سلطة مقدّسة، وهو الجدل الذي تتبّعه هذا المقال منذ نشأته الأولى مع الشافعي نفسه إلى يومنا هذا.
خاتمة
يكشف هذا المقال أن "الرسالة" للشافعي، على مكانتها التاريخية بصفتها أول مدوَّنة منهجية في أصول الفقه، لم تكن مشروعًا معرفيًا محايدًا بقدر ما كانت أداة جدلية في صراع فكري وسياسي محتدم بين أهل الحديث وأهل الرأي، انحاز فيها الشافعي بشكل صريح لمدرسة النقل، وأسّس بذلك لتقليد فكري سيهيمن قرونًا طويلة، يقوم على تغليب النص – وأحيانًا السنة على القرآن نفسه – على حساب العقل والاجتهاد المستقل. وقد كانت النتيجة المباشرة لهذا التأسيس هي تجميد الفقه الإسلامي وحرمانه من أن يتطور كعلم حيّ يستجيب لمتغيرات الزمان والمكان. وكما يكشف استمرار هذا النقد إلى عصرنا الحاضر، عبر أصوات مثل زكريا أوزون وغيره، فإن إعادة قراءة هذه اللحظة التأسيسية بعين نقدية ليست مجرد مراجعة تاريخية، بل شرط ضروري لأي مشروع نهضوي يسعى لتحرير العقل الإسلامي من القيود التي كرّستها "الرسالة" منذ أكثر من اثني عشر قرنًا، منطلقًا من روح القرآن الكريم ومقاصده لا من تراكمات تأويلية فرضتها ظروف تاريخية بعينها.
الهوامش والمراجع
[1] حول الصراع التاريخي بين مدرستي أهل الحديث وأهل الرأي في الفقه الإسلامي المبكر، انظر: وائل حلاق، تاريخ النظريات القانونية الإسلامية، ترجمة عربية متوفرة، الفصول الخاصة بنشأة المذاهب الفقهية.
[2] الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، القاهرة، مكتبة دار التراث، وفيه إشارة الشافعي نفسه إلى طلب عبد الرحمن بن مهدي.
[3] انظر تفصيل الأبواب الأربعة في: الشافعي، الرسالة، المصدر السابق، أبواب البيان والناسخ والمنسوخ وخبر الآحاد والإجماع والقياس.
[4] حول لقب "ناصر الحديث" وموقف الشافعي من مدرستي النقل والرأي، انظر: محمد أبو زهرة، الشافعي: حياته وعصره وفقهه، دار الفكر العربي.
[5] الجصاص، الفصول في الأصول، تحقيق عجيل جاسم النشمي، الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
[6] حول نقض أبي سهل النوبختي لرسالة الشافعي، انظر الإشارات الواردة في كتب الفهارس والتراجم الإمامية، كفهرست ابن النديم وفهرست الطوسي.
[7] القاضي النعمان بن محمد التميمي المغربي، الرسالة المصرية في الرد على الشافعي، من مصادر الفقه الإسماعيلي الفاطمي.
[8] زكريا أوزون، جناية الشافعي: تخليص الأمة من فقه الأئمة، وهو الكتاب الثالث في سلسلته الجدلية بعد "جناية سيبويه" و"جناية البخاري".
[9] أوزون، المصدر نفسه، حول التمييز بين الوحي المقدّس والفهم الفقهي البشري المقيّد بزمانه ومكانه.
[10] أوزون، المصدر نفسه، حول رفض إلزامية الاجتهادات الفقهية التاريخية والدعوة إلى تحكيم العقل بدل النقل المطلق.
[11] للاطلاع على ردود الحقل التقليدي على هذا الكتاب، انظر مثلًا: عبد الرحمن بن أحمد آل عبد القادر، جناية زكريا أوزون على الإمام الشافعي، دار رواسخ.
[12] جوزيف شاخت، أصول الفقه المحمدي، ترجمة عربية، حول نشأة علم أصول الفقه وموقع الشافعي منه.
[13] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، حول العلاقة بين سلطة النص وتقييد العقل في التراث الفقهي.


 


الأحد، 21 يونيو 2026

الفقه على المذاهب الأربعة والحجر على تطور التفكير عند المسلمين بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة
يحتل كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" للشيخ عبد الرحمن الجزيري، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1939، مكانة مرجعية واسعة الانتشار في الوعي الفقهي الشعبي للمسلمين، لكونه يجمع بين دفتيه اجتهادات المذاهب السنية الأربعة: الحنفي (المتوفى مؤسسه سنة 150ه)، والمالكي (المتوفى 179ه)، والشافعي (المتوفى 204ه)، والحنبلي (المتوفى 241ه) [1]. وهو كتاب يستحق التوقف عنده ليس لقيمته العلمية المجردة فحسب، بل بصفته نموذجا كاشفا لمعضلة أعمق تتعلق بعلاقة المسلمين المعاصرين بتراثهم الفقهي: هل هذا التراث نص ديني مقدس يجب الانصياع له بحرفيته، أم هو مجرد اجتهاد بشري نشأ في سياق تاريخي محدد ولا قداسة له تجعله عصيا على المراجعة والتطوير؟
هذا المقال يسعى إلى مساءلة هذا الإشكال عبر محورين متكاملين: الأول نقدي يفحص القيمة العلمية لكتاب الجزيري بالذات استنادا إلى مؤاخذات علماء مختصين، والثاني تأصيلي يضع الفقه الإسلامي عموما في موقعه الصحيح كمنتج بشري تاريخي، يقابله القرآن الكريم بصفته نصا إلهيا مطلقا متجاوزا لحدود الزمان والمكان.
المحور الأول: السياق التاريخي لنشأة الفقه المذهبي
نشأت المذاهب الفقهية الأربعة خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، في بيئة اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية معينة، وضمن مستوى حضاري ومعرفي يخص ذلك الزمن بعاداته وتقاليده ووسائله المتاحة [2]. وهذا أمر طبيعي لا غبار عليه من حيث المبدأ؛ فكل اجتهاد بشري هو بالضرورة ابن بيئته. لكن المعضلة تبدأ حين يُراد تعميم تلك الاجتهادات على كل العصور اللاحقة، وكأن الزمن قد توقف عند تلك المرحلة، وكأن الحياة البشرية لم تتطور منذ ذلك الحين بوسائلها وعلومها وأدواتها المعرفية.
والفارق الجوهري الذي يجب التأكيد عليه هو أن هذا الفقه ليس دينا في ذاته، بل هو رؤى ومحاولات فهم بشرية للنص الديني، تتأثر بظروفها وزمانها، وبالتالي فهي محدودة وغير مطلقة، بخلاف النص القرآني الذي هو وحي إلهي يتجاوز حدود الزمان والمكان لأن مصدره ليس بشريا محدودا. هذا التمييز بين النص المطلق والاجتهاد البشري النسبي هو حجر الزاوية في أي مراجعة جادة للتراث الفقهي.
المحور الثاني: مؤاخذات العلماء على كتاب الجزيري
رغم أن المؤلف وصف عمله في مقدمته بأنه بذل فيه مجهودا كبيرا ورتب مسائله ترتيبا دقيقا [3]، فإن الكتاب لم يخل من مؤاخذات علمية جدية رصدها باحثون مختصون، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:
أولا، عدم تحرير المعتمد من الأقوال عند كل مذهب. فقد اعتمد المؤلف في بعض المسائل على القول المرجوح بدل المعتمد عند المذهب، وتتبع باحثون أخطاء له في نسبة الأقوال إلى أصحابها، وإن لم يكن ذلك في كل ما كتب [4].
ثانيا، غياب التوثيق العلمي للنصوص. إذ لا يعزو المؤلف أي مقولة إلى مصدرها أو إلى مرجعها الفقهي الأصلي، وهو عيب منهجي جوهري حتى لو أوضح أن مادته مستمدة من الكتب الفقهية الأصلية. وقد عبّر الشيخ يوسف الشبيلي عن هذا بقوله إنه لا ينصح بالاعتماد على الكتاب لما فيه من خلط [5]، بينما لاحظ الشيخ محمد البلتاجي، في مقالة نشرها بمجلة "الدارة" عام 1977، أن الكتاب أُخلي بصورة مطلقة من المراجع التي يسهل على المثقفين غير المتخصصين الرجوع إليها وفهمها، كما أُخلي من بعض أدلة المذاهب التي لا يصعب إدراكها على هذه الفئة [6].
ثالثا، نقص الكتاب وعدم اكتماله. وقد نُقل عن الشيخ عبد الكريم الخضير وصفه للكتاب بأنه غير كامل، وأنه ينقل بعض المذاهب من كتب غير مشهورة فيها، ويعتمد روايات غير معمول بها في تلك المذاهب [7].
ولهذه الأسباب جميعا، يرى المختصون أن الكتاب لا يصلح مرجعا لمن أراد معرفة الراجح والمعتمد في أقوال المذاهب الأربعة، وأن الأصوب الرجوع إلى المصادر المعتمدة في كل مذهب، أو إلى المصنفات الجامعة الموثوقة كـ"المجموع" للنووي، و"المغني" لابن قدامة، أو إلى الموسوعة الفقهية الكويتية المعاصرة التي اشتغل فيها عشرات الباحثين وتميزت بتحرير أقوال المذاهب من مصادرها الأصلية [8].
المحور الثالث: من نقد الكتاب إلى نقد المنهج — تجميد الحياة عند نمط القرنين الثاني والثالث
لكن الإشكال الأعمق الذي يستحق المقال أن يتجاوز حدود النقد الببليوغرافي إلى مستوى تحليلي أشمل، هو أن هذا الكتاب — بصرف النظر عن عيوبه التقنية — يجسد بأمانة عقلية فقهية أوسع ظلت تكرس، حتى يومنا هذا، أنماط حياة عاشها الناس في القرنين الثاني والثالث للهجرة، بكل ما تحمله تلك الأنماط من خصوصية تاريخية. ويمكن ملاحظة ذلك في ثلاثة مجالات بالذات:
في موضوع المرأة، حافظ هذا الفقه على تكريس صور من امتهان المرأة واحتقارها لا تتناسب مع ما ورد في القرآن الكريم من تقدير لها وثورة حقيقية على موروثات المجتمع الجاهلي. والمفارقة أن الفقه، في هذا الباب، بدا أقرب إلى إعادة إنتاج الذهنية الجاهلية منه إلى استكمال المشروع التحريري الذي أسسه القرآن، فعَزَل بذلك النص القرآني عن واقع حياة الناس بدل أن يكون أداة تفعيله [9].
وفي باب الطهارة، ظل الفقه محافظا على المعيار الذي قال به الأئمة في القرون الأولى، وهو أن الماء الصالح للطهارة هو ما لم يتغير لونه ورائحته ومذاقه، باستثناء ماء البحر، دون أن يستفيد من ما بلغه العلم الحديث من أدوات التحليل الكيميائي والبيولوجي الدقيق التي تمكّن من تحديد مدى أمان المياه للاستهلاك البشري شربا أو طهارة، بمعايير أدق بكثير من معايير اللون والرائحة والمذاق التي كانت متاحة لأهل ذلك العصر [10].
وفي باب الوصية، حافظ الفقهاء على استبعاد الوصية لما يتجاوز الثلث ومنعها على الورثة، استنادا إلى حديث مشهور في هذا الباب، وذلك بخلاف ما يفهم من عموم النصوص القرآنية المتعلقة بالميراث والعدل في توزيع الأموال. وبالجملة، فإن هذا النموذج من المصنفات الفقهية ظل، في غالب أبوابه، حبيس لحظته التاريخية، وكأن الحياة لم تتطور، وكأن الفقه الإسلامي لا ينبغي أن يساير تطورها [11].
المحور الرابع: أثر هذا الجمود على الوعي الإسلامي المعاصر
إن خطورة كتاب من هذا النوع لا تكمن في كونه مرجعا معيبا تقنيا فحسب، بل في كونه ساهم — بفعل انتشاره الواسع في المكتبات والمعاهد الشرعية وأوساط الدعاة غير المتخصصين — في ترسيخ وهم مفاده أن ما اجتهد فيه الأئمة الأربعة في زمانهم هو الإسلام نفسه، وأن أي محاولة لمراجعته أو تطويره هي خروج عن الدين. وهذا خلط منهجي خطير بين النص المقدس المطلق وبين الفهم البشري النسبي له، خلط ساهم في تعطيل ملكة الاجتهاد عند المسلمين لقرون طويلة، وحوّل الفقه من أداة لخدمة الحياة وتنظيمها إلى قيد يكبّل الحياة ويحاكمها إلى معايير عصر غابر.
خاتمة
إن المراجعة النقدية لكتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" تكشف، بما لا يدع مجالا للشك، أن هذا التراث الفقهي إنما هو اجتهاد بشري محدود بظروف زمانه ومكانه، وليس نصا دينيا مقدسا يحرم الاقتراب منه. والفقه، بحكم طبيعته الاجتهادية، ليس غاية في ذاته بل وسيلة لفهم النص المطلق وتطبيقه على واقع متغير. فإذا تجمد الفقه عند صيغ القرنين الثاني والثالث للهجرة وظروفهما الاجتماعية والمعرفية، فإنه يفقد وظيفته الأصلية ويتحول من أداة لخدمة الحياة إلى عائق أمام تطورها.
ولذلك فإننا نؤكد، في ختام هذا المقال، أن الفقه الإسلامي يجب أن يكون متطورا تبعا لنسق الحياة ومتغيراتها، فلا يُعقل أن يستمر المسلمون في الاحتكام إلى ما كتبه الأولون قبل أكثر من اثني عشر قرنا، ونحن اليوم نعيش عصر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وثورة المعلومات والتحليل العلمي الدقيق. فالقرآن الكريم، بصفته النص المطلق الوحيد، يبقى صالحا لكل زمان ومكان بقدر ما يُحسن المسلمون تجديد فهمهم له بما يتناسب مع معارف عصرهم، أما الفقه فهو اجتهاد بشري قابل دوما للمراجعة والتطوير والتجاوز، وإلا تحول من خادم للدين إلى حاجب بينه وبين الحياة.
الهوامش والمراجع
[1] عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، الطبعة الأولى، 1939، مع الإشارة إلى تواريخ وفاة مؤسسي المذاهب الأربعة: أبو حنيفة (150ه)، مالك بن أنس (179ه)، الشافعي (204ه)، أحمد بن حنبل (241ه).
[2] انظر السياق التاريخي العام لنشأة المذاهب الفقهية في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وما رافقه من ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية خاصة بتلك المرحلة.
[3] عبد الرحمن الجزيري، مقدمة كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
[4] ملاحظات باحثين متعددين حول عدم تحرير المؤلف للمعتمد من أقوال المذاهب واعتماده في بعضها على المرجوح، مع وقوع أخطاء في نسبة بعض الأقوال إلى أصحابها.
[5] الشيخ يوسف الشبيلي، فتوى/جواب حول كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
[6] محمد البلتاجي، مقالة منشورة في مجلة "الدارة"، 1977.
[7] عبد الكريم الخضير، تعليق منقول حول نقص الكتاب واعتماده على روايات غير معمول بها في بعض المذاهب.
[8] الإمام النووي، المجموع شرح المهذب (لم يُتمّه)؛ ابن قدامة، المغني؛ الموسوعة الفقهية الكويتية، إصدار جماعي بمشاركة عشرات الباحثين والعلماء.
[9] قياس مضامين الفقه الموروث في باب المرأة بمقارنتها بما تضمنه القرآن الكريم من تقدير للمرأة ومراجعة لموروثات المجتمع الجاهلي.
[10] مقارنة معيار الطهارة الفقهي التقليدي (عدم تغير اللون والرائحة والمذاق) بإمكانات التحليل الكيميائي والبيولوجي الحديث لتقييم سلامة المياه.
[11] الحديث المعتمد فقهيا في تحديد سقف الوصية بالثلث ومنعها على الورثة، في مقابل عموم النصوص القرآنية المتعلقة بالميراث.

 





مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

 


   مقدمة

أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره.

أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة

خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور:

بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹)

أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²)

صلح الحديبية: في سورة الفتح (³)

الخندق: في سورة الأحزاب (⁴)

حنين وتبوك: في سورة التوبة (⁵)

وهذا التوزيع المحدود والمدروس يكشف أن القرآن لم يكن يقصد تأريخاً شمولياً لكل معاركه، بل إشارات وظيفية مرتبطة بدلالات تربوية وتشريعية محددة.

ثانياً: الوقائع التي فصّلها القرآن

1. غزوة بدر

جاء ذكرها بالتفصيل في سورة الأنفال، وبإيجاز في سورة آل عمران (⁶).

2. وقعة أُحد

فُصّلت في سورة آل عمران دون أن يُذكر اسمها صريحاً، في آيات طويلة تتناول دروس الهزيمة الجزئية، وابتلاء المؤمنين، وكشف المنافقين، والثناء على الصابرين (⁷):

﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

3. غزوة الخندق (الأحزاب)

فُصّلت في سورة الأحزاب، في سياق التذكير بنعمة الله على المؤمنين حين دفع عنهم عدوهم بقوى غير منظورة (⁸):

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.

ثالثاً: الوقائع التي أجملها القرآن

تبوك وحنين: ذُكرت تبوك في سورة التوبة، وذُكرت حنين باقتضاب شديد في آيتين من السورة نفسها (⁹).

بنو قينقاع: أشار القرآن إليها إجمالاً في سورة آل عمران: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (¹⁰).

خيبر: في قوله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (¹¹).

الطائف: في قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (¹²).

رابعاً: محورا العداء — قريش وخيانة يهود المدينة

بالعودة إلى مجمل هذه الوقائع، يتبيّن بوضوح أن جميعها كانت ردود فعل على عداء محورين بعينهما، لا فعلاً ابتدائياً بدافع التوسع أو طلب الغزو. وهذا المحوران يستحقان وقفة تفصيلية لأنهما يفسّران بنية الصراع كاملة في السيرة النبوية:

1. محور قريش: المصادرة والإخراج القسري

كانت قريش هي الطرف الذي بدأ بالعدوان، لا الرسول. فقد أخرجت الرسول من مكة بعد أن ضيّقت عليه وعلى أصحابه سنوات طويلة من الحصار الاجتماعي والاقتصادي، ثم صادرت أموال المهاجرين وأرزاقهم وديارهم التي تركوها فارّين بدينهم إلى المدينة المنورة، تنفيذاً لأمر الرسول لهم بالهجرة حفاظاً على حياتهم وعقيدتهم. وهذا الإخراج القسري من الديار، مع مصادرة الأموال، هو بالضبط ما ميّزه القرآن بوصفه "الظلم" الذي يستوجب الإذن بالقتال الدفاعي لا غيره، كما في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ و﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (¹³). فبدر، وأحد، والخندق، والطائف، وفتح مكة نفسه، كانت جميعها حلقات في صراع فرضته قريش بمصادرتها وعدوانها المتكرر، لا رغبة من الرسول في غزو قومه أو الاستحواذ على ديارهم.

2. محور يهود المدينة: من الميثاق إلى الخيانة العظمى

أما المحور الثاني فهو يهود المدينة، الذين كانت علاقتهم بالرسول في الأصل علاقة تعاهد مدني لا عداء. فقد وقّع معهم الرسول صحيفة المدينة، وهي أول دستور مدني مكتوب في التاريخ الإسلامي، نظّم بموجبه العلاقة بين المسلمين واليهود بوصفهم مواطنين في الدولة الفتية، لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم، على قاعدة الدفاع المشترك عن المدينة من أي عدوان خارجي. إلا أن بطون اليهود الثلاثة — بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة — نقضت هذا العهد تباعاً، وتواطأت بعضها مع أعداء الدولة الخارجيين (قريش والأحزاب)، وهو ما يشكّل في صريح القانون السياسي خيانة عظمى من مواطنين في دولة وقّعوا ميثاقها الدستوري بأيديهم. ولذلك جاءت الإشارة القرآنية إلى بني قينقاع في سياق التذكير بأن نقض العهد هو الذي استدعى رد الدولة الفتية عليه (¹⁴)، وليس لأن الرسول كان يطلب الغزو أو يستهدف اليهود بصفتهم الدينية.

والخلاصة أن الفحص الدقيق لهذين المحورين يُسقط بالكامل فرضية "الرسول الغازي": فقريش هي البادئة بالعدوان والمصادرة، واليهود هم الناقضون للعهد المدني الذي وقّعوه طوعاً. ولم تكن هناك في أي من الحالتين حملة ابتدائية بدافع التوسع.

خامساً: مراسلة ملوك العصر — الدعوة بالحجة لا الغزو بالسيف

يقدّم منهج الرسول في التعامل مع القوى الكبرى لعصره أوضح دليل عملي على أن مهمته كانت الهداية والتبليغ، لا الغزو والاستحواذ. فبعد توطّد الدولة في المدينة، لم يُقدّم الرسول على أي حملة عسكرية ابتدائية ضد القوى الإقليمية الكبرى المحيطة به، بل اختار وسيلة الدعوة بالرسالة المكتوبة، فأرسل رسلاً يحملون كتباً إلى عدد من ملوك عصره وأمرائه يدعوهم فيها إلى الدخول في الإسلام بالحجة والبيان، من أبرزهم:

إمبراطور الروم (هرقل).

إمبراطور فارس (كسرى).

النجاشي، ملك الحبشة.

المقوقس، عظيم القبط في مصر.

حاكم البحرين والمناذرة وغيرهم من أمراء العرب وملوك الأطراف.

وهذه المراسلات، التي اتسمت جميعها بلغة الدعوة والبيان لا التهديد بالحرب، تؤكد أن منهج الرسول الأصلي مع القوى التي لم تُعاده ولم تخرجه من دياره ولم تنقض معه عهداً كان منهج التبليغ بالرسالة، تماماً كما قرر القرآن في القاعدة العامة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (¹⁵). فلم يكن هناك أي توجّه لغزو هذه الدول أو إخضاعها بالسيف، بل كانت الوسيلة الوحيدة المعتمدة معها هي الكلمة والحجة، بينما اقتصر القتال الفعلي على من بدأ بالعدوان أو نقض العهد من قريش واليهود فحسب.

سادساً: القاعدة القرآنية في القتال — الدفاع لا الغزو

يؤكد القرآن هذا المبدأ في مواضع عدة:

أصل العلاقة هو السلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (¹⁶).

لا قتال إلا مع المحاربين، أما المسالمون ولو اختلفوا في الدين فالبر والقسط هو طريقة التعامل معهم: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (¹⁷).

الإذن بالقتال مشروط بالدفاع الشرعي عن النفس دون أي مسوّغ آخر: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (¹⁸).

خاتمة

يكشف هذا المسح المنهجي لمواقع السيرة في القرآن، مقروناً بفحص محوري العداء الفعليين ومنهج الرسول في مراسلة ملوك عصره، أن النص القرآني والممارسة النبوية كلاهما يرسمان صورة مختلفة جذرياً عن صورة "الرسول الغازي" التي رسّختها كتب التراث. فالقتال الذي خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل محدوداً على عدوان قريش الذي أخرجه وأخرج أصحابه من ديارهم وصادر أموالهم، وعلى خيانة يهود المدينة لميثاق مدني وقّعوه طوعاً. أما مع كل من لم يعتدِ عليه أو يخرجه من دياره، من ملوك وأمراء عصره، فلم يكن منهجه إلا الدعوة بالكتاب والحجة. وهذا يقرر القاعدة الكلية التي ينص عليها القرآن: السلم هو الأصل، والقتال استثناء مشروط بالدفاع عن النفس ورد العدوان، لا أداة للتوسع أو الغزو كما صوّرته كتابات لاحقة كانت في كثير منها استجابة لحاجات السلطة السياسية أكثر من التزامها بالنص المقدس.

الهوامش

١. سورة آل عمران؛ سورة الأنفال (غزوة بدر).

٢. سورة آل عمران (وقعة أحد، دون ذكر اسمها صريحاً).

٣. سورة الفتح (صلح الحديبية).

٤. سورة الأحزاب (غزوة الخندق).

٥. سورة التوبة (غزوتا حنين وتبوك).

٦. سورة الأنفال؛ سورة آل عمران (إيجازاً).

٧. سورة آل عمران، الآيات 149-180.

٨. سورة الأحزاب، الآيات 9-22.

٩. سورة التوبة (حنين وتبوك).

١٠. سورة آل عمران، الآيتان 12-13.

١١. سورة الفتح، الآية 19.

١٢. سورة الفتح، الآية 21.

١٣. سورة الحج، الآيتان 39-40.

١٤. سورة آل عمران، الآيتان 12-13؛ يُنظر أيضاً مصادر السيرة المتعلقة بنقض بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة لصحيفة المدينة.

١٥. سورة الممتحنة، الآية 8.

١٦. سورة البقرة، الآية 208.

١٧. سورة الممتحنة، الآيتان 8-9.

١٨. سورة الحج، الآيتان 39-40.