الصفحات

الصفحات

الأحد، 19 يوليو 2026

الإمام عبد الحميد بن باديس.. باني القلعة الثقافية والعمق العروبي للثورة الجزائرية بقلم: الناصر خشيني



   لم يكن الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940) مصلحاً دينياً بالمعنى التقليدي الانكفائي، بل كان مهندساً استراتيجياً تقدمياً أدرك مبكراً أن مواجهة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي -الذي استهدف مسخ وتجريف الهوية الوطنية- تتطلب أولاً بناء الوعي القومي والتحرري وإعداد "الإنسان البديل" القادر على خوض معركة التحرير الشاملة. لقد قاد ابن باديس ثورة ثقافية واجتماعية كانت بمثابة التمهيد اللوجستي والفكري لاندلاع الكفاح المسلح.
أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة ابن باديس:
  • التعليم كأداة تحرر اجتماعي وتحرير للمرأة: حوّل ابن باديس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (تأسست 1931) من مجرد إطار وعظي إلى تنظيم جبهوي شعبي ممتد عبر شبكة واسعة من المدارس والمساجد والنوادي الثقافية. ولم يقصر المناهج على العلوم الدينية، بل أدخل بقوة العلوم الحديثة، والتاريخ العربي، والجغرافيا السياسية لربط الناشئة بامتدادهم الحضاري. وفي قفزة تقدمية رائدة، أولى ابن باديس أهمية قصوى لـ"تعليم المرأة وإشراكها في النهضة"، فأسس مدارس خاصة بالإناث ودافع عن حقوقهن الاجتماعية، إيماناً منه بأن المجتمع لا يمكن أن يتحرر ونصفه مكبل بالجهل والتبعية.
  • إسقاط أوهام الاندماج والتبعية الحضارية: في مرحلة تاريخية عصيبة انزلقت فيها بعض النخب البرجوازية والسياسية الجزائرية وراء سراب "الاندماج والمواطنة الفرنسية الكاملة"، وقف ابن باديس بصلابة مبدئية ليعلن في مقاله التاريخي الشهير عام 1936: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا... بل هي أمة لها تاريخها، ودينها، ولغتها". هذا الموقف الحاسم قطع الطريق تماماً أمام محاولات الذوبان الفكري والثقافي، وحصّن الوجدان الشعبي ضد مشاريع "الفرنسة" الممنهجة.
  • الالتزام بالقضايا القومية (فلسطين بوصلةً): لم تنغلق حركة ابن باديس داخل الأطر المحلية الضيقة، بل كان الفكر العروبي التحرري حاضراً بقوة في قلب أدبيات الجمعية ونشاطها اليومي. تجسد ذلك في الدعم المطلق لـ"الثورة الفلسطينية الكبرى" عام 1936؛ حيث أفردت جريدتا "الشهاب" و"البصائر" مساحات واسعة لتوعية الشعب الجزائري بمخاطر المشروع الصهيوني الاستيطاني. واعتبر ابن باديس أن الدفاع عن عروبة فلسطين واجباً قومياً مقدساً لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن معركة تحرير الجزائر، مرسخاً مبدأ ترابط النضال القومي العربي.
  • صناعة الجيل الحاضن لثورة نوفمبر الخالدة: إن المقاومة الثقافية الشرسة التي خاضها ابن باديس تحت شعاره التاريخي "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا" هي التي صانت الشخصية الوطنية الجزائرية من خطر الإبادة الثقافية. وبشهادات موثقة لقادة الثورة التحريرية العظمى (1954-1962) كالعربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد، فإن تلك المدارس والنوادي الباديسية هي التي تخرج منها آلاف الشباب الوعاة الذين شكلوا العمود الفقري اللوجستي والسياسي لجيش التحرير الوطني، مما يجعل من ابن باديس المهندس الحقيقي لحاضنة الثورة.
هوامش ومراجع 
  • [1] سعد الله، أبو القاسم (1992). الحركة الوطنية الجزائرية، بيروت: دار الغرب الإسلامي، الجزء الثالث، ص 145-150.
  • [2] خير الدين، محمد (1985). مذكرات الشيخ محمد خير الدين: من رواد الحركة الإصلاحية الجزائرية، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 65-72.
  • [3] مرتاض، عبد الملك (1983). الشيخ عبد الحميد بن باديس: رائد النهضة الفكرية في الجزائر الحديثة، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، ص 104-108.
  • [4] جريدة الشهاب الجزائرية، العدد الصادر في أفريل 1936، مقال افتتاحي بقلم الشيخ عبد الحميد بن باديس.
  • [5] البلاغ، أحمد (1999). البعد القومي العربي في فكر جيل الإصلاح الجزائري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 210-216.
  • [6] ابن باديس، عبد الحميد (1968). آثار عبد الحميد بن باديس (تجميع وتحقيق عمار طالبي)، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، المجلد الأول، ص 88-

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق