الصفحات

الصفحات

الأحد، 19 يوليو 2026

دعاة على أبواب الجحيم: من يبيع الزهد ويركب الترف؟ بقلم: الناصر خشيني



مدخل

في زمن تتقاطع فيه المنابر الدينية مع منصات المال والسلطة، يصعب أحيانًا التمييز بين صوت الداعية وصوت الوسيط السياسي. فحين يعتلي رجل الدين منبره ليطالب الناس بالزهد والتقشف، بينما يمضي هو ذاته على وقع الرفاهية والامتيازات، تنكشف المسافة الفاصلة بين الخطاب والممارسة، بين الوعظ والواقع. هذا هو حال الشيخ محمد حسان، أحد أبرز رموز الدعوة السلفية في مصر والعالم العربي، الذي لم يسلم من مساءلة الرأي العام حول ثروته وسيارته الفاخرة، ولا من اتهامات أثقل وطأة تربط خطابه الديني بمسارات التطرف.

أولًا: التقشف للعامة، والترف للخاصة

أطلق الشيخ حسان في وقت من الأوقات حملة تبرع دعا فيها المصريين إلى المساهمة الجماعية بدل الاعتماد على المساعدات الخارجية(1). غير أن هذه الدعوة اصطدمت بصورة متداولة له وهو يستقل سيارة فارهة، ما أشعل موجة سخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تساءل خلالها ناشطون عن مصدر الثراء الذي ينعم به كثير من الدعاة الذين يدخلون "مجال الدعوة" بدخل متواضع ليصبحوا خلال سنوات قليلة من أصحاب الثروات(2). وحين واجهه أحد الإعلاميين بشأن ثروة قُدّرت بمليارَي دولار وسيارة بقيمة مليون ونصف، اكتفى الشيخ بالقسم أنه لم يسكن قصرًا في حياته، وبتبرير سيارته بأنها من طراز متوسط الثمن(3). سواء صحّت الأرقام أو بولغ فيها، فإن المفارقة الرمزية تبقى قائمة: خطاب يدعو الجماهير إلى شدّ الأحزمة، بينما يتزين صاحبه بعلامات الترف ذاتها التي يُفترض أنه يحذّر منها.

ثانيًا: حين يتحول الوعظ إلى وقود للتطرف

الأخطر من مفارقة الثراء هو الأثر الذي خلّفه خطاب الشيخ حسان على شريحة من الشباب المصري. فقد وثّقت تقارير صحفية أن فتاواه، لا سيما تلك المتعلقة بـ"الجهاد" في سوريا، كانت من بين العوامل التي دفعت شبانًا للانخراط في صفوف تنظيم داعش، بحسب شهادة أحد المنضمين السابقين للتنظيم الذي أكد أن فتوى الشيخ هي ما "ملأ عقله" قبل التحاقه بالتنظيم(4). ورغم أن الشيخ نفى أمام القضاء أن تكون فتاواه سببًا في تطرف الشباب، حين استُدعي شاهدًا في قضية "خلية داعش إمبابة"، فإن الوقائع والمتابعات تشير إلى تناقض بين الخطاب المعلن والأثر الفعلي لهذا الخطاب على الأرض(5).

ثالثًا: الخطاب حول المرأة

في محاضراته المفرغة، يقدّم الشيخ حسان رؤية تقليدية محافظة للمرأة، تحصر دورها ووجودها الاجتماعي ضمن أطر "الحجاب" و"العفة" ومحاربة "التبرج والسفور"، معتبرًا أن الاختلاط والتبرج من أبواب الفتنة التي يجب سدّها(6). وإذا كان هذا الخطاب يُقدَّم في سياقه الديني كحماية للمجتمع، فإنه من منظور تقدمي يُنظر إليه كأداة لتكريس تبعية المرأة ووصايةٍ ذكورية تُقيّد حريتها الشخصية باسم الفضيلة.

خاتمة

ليس الشيخ حسان استثناءً، بل هو نموذج لظاهرة أوسع: دعاة يمتطون المنابر باسم الدين، فيحصدون النفوذ والثروة، بينما يُبقون الجماهير أسيرة خطاب الزهد والطاعة. والفارق بين الوعظ والممارسة هو بالضبط ما يفتح الباب أمام مساءلة هذا النمط من الخطاب الديني، لا من موقع العداء للدين، بل من موقع الدفاع عن مجتمع يستحق قادة فكر ودين أكثر اتساقًا بين ما يقولونه وما يعيشونه.

المراجع:

الراكوبة، "انتقادات ساخرة للشيخ محمد حسان الداعية السلفي وصاحب حملة تبرع أخي المؤمن بسبب عربته الفاخرة"، 2012.

بانوراما الشرق الأوسط، "التعليقات الساخرة علي الشيخ محمد حسان بسبب سيارة فاخرة"، 2012.

الوطن، "محمد حسان يرد على امتلاكه 2 مليار دولار وسيارة فارهة"، 2021.

سكاي نيوز عربية، "رغم إنكاره.. كيف خدمت فتاوى محمد حسان التنظيمات الإرهابية؟"، 2021.

المصدر نفسه.

إسلام ويب، التفريغ النصي لمحاضرة "التبرج والسفور" للشيخ محمد حسان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق