التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دعاة على أبواب الجحيم: من يبيع الزهد ويركب الترف؟ بقلم: الناصر خشيني



مدخل

في زمن تتقاطع فيه المنابر الدينية مع منصات المال والسلطة، يصعب أحيانًا التمييز بين صوت الداعية وصوت الوسيط السياسي. فحين يعتلي رجل الدين منبره ليطالب الناس بالزهد والتقشف، بينما يمضي هو ذاته على وقع الرفاهية والامتيازات، تنكشف المسافة الفاصلة بين الخطاب والممارسة، بين الوعظ والواقع. هذا هو حال الشيخ محمد حسان، أحد أبرز رموز الدعوة السلفية في مصر والعالم العربي، الذي لم يسلم من مساءلة الرأي العام حول ثروته وسيارته الفاخرة، ولا من اتهامات أثقل وطأة تربط خطابه الديني بمسارات التطرف.

أولًا: التقشف للعامة، والترف للخاصة

أطلق الشيخ حسان في وقت من الأوقات حملة تبرع دعا فيها المصريين إلى المساهمة الجماعية بدل الاعتماد على المساعدات الخارجية(1). غير أن هذه الدعوة اصطدمت بصورة متداولة له وهو يستقل سيارة فارهة، ما أشعل موجة سخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تساءل خلالها ناشطون عن مصدر الثراء الذي ينعم به كثير من الدعاة الذين يدخلون "مجال الدعوة" بدخل متواضع ليصبحوا خلال سنوات قليلة من أصحاب الثروات(2). وحين واجهه أحد الإعلاميين بشأن ثروة قُدّرت بمليارَي دولار وسيارة بقيمة مليون ونصف، اكتفى الشيخ بالقسم أنه لم يسكن قصرًا في حياته، وبتبرير سيارته بأنها من طراز متوسط الثمن(3). سواء صحّت الأرقام أو بولغ فيها، فإن المفارقة الرمزية تبقى قائمة: خطاب يدعو الجماهير إلى شدّ الأحزمة، بينما يتزين صاحبه بعلامات الترف ذاتها التي يُفترض أنه يحذّر منها.

ثانيًا: حين يتحول الوعظ إلى وقود للتطرف

الأخطر من مفارقة الثراء هو الأثر الذي خلّفه خطاب الشيخ حسان على شريحة من الشباب المصري. فقد وثّقت تقارير صحفية أن فتاواه، لا سيما تلك المتعلقة بـ"الجهاد" في سوريا، كانت من بين العوامل التي دفعت شبانًا للانخراط في صفوف تنظيم داعش، بحسب شهادة أحد المنضمين السابقين للتنظيم الذي أكد أن فتوى الشيخ هي ما "ملأ عقله" قبل التحاقه بالتنظيم(4). ورغم أن الشيخ نفى أمام القضاء أن تكون فتاواه سببًا في تطرف الشباب، حين استُدعي شاهدًا في قضية "خلية داعش إمبابة"، فإن الوقائع والمتابعات تشير إلى تناقض بين الخطاب المعلن والأثر الفعلي لهذا الخطاب على الأرض(5).

ثالثًا: الخطاب حول المرأة

في محاضراته المفرغة، يقدّم الشيخ حسان رؤية تقليدية محافظة للمرأة، تحصر دورها ووجودها الاجتماعي ضمن أطر "الحجاب" و"العفة" ومحاربة "التبرج والسفور"، معتبرًا أن الاختلاط والتبرج من أبواب الفتنة التي يجب سدّها(6). وإذا كان هذا الخطاب يُقدَّم في سياقه الديني كحماية للمجتمع، فإنه من منظور تقدمي يُنظر إليه كأداة لتكريس تبعية المرأة ووصايةٍ ذكورية تُقيّد حريتها الشخصية باسم الفضيلة.

خاتمة

ليس الشيخ حسان استثناءً، بل هو نموذج لظاهرة أوسع: دعاة يمتطون المنابر باسم الدين، فيحصدون النفوذ والثروة، بينما يُبقون الجماهير أسيرة خطاب الزهد والطاعة. والفارق بين الوعظ والممارسة هو بالضبط ما يفتح الباب أمام مساءلة هذا النمط من الخطاب الديني، لا من موقع العداء للدين، بل من موقع الدفاع عن مجتمع يستحق قادة فكر ودين أكثر اتساقًا بين ما يقولونه وما يعيشونه.

المراجع:

الراكوبة، "انتقادات ساخرة للشيخ محمد حسان الداعية السلفي وصاحب حملة تبرع أخي المؤمن بسبب عربته الفاخرة"، 2012.

بانوراما الشرق الأوسط، "التعليقات الساخرة علي الشيخ محمد حسان بسبب سيارة فاخرة"، 2012.

الوطن، "محمد حسان يرد على امتلاكه 2 مليار دولار وسيارة فارهة"، 2021.

سكاي نيوز عربية، "رغم إنكاره.. كيف خدمت فتاوى محمد حسان التنظيمات الإرهابية؟"، 2021.

المصدر نفسه.

إسلام ويب، التفريغ النصي لمحاضرة "التبرج والسفور" للشيخ محمد حسان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...