الصفحات

الصفحات

السبت، 4 يوليو 2026

حادثة صنعاء وجنازة خامنئي: مؤشرات تصعيد أم إعادة ترتيب لموازين قائمة؟ بقلم الناصر خشيني


 أولاً: الوقائع كما جرت

فجر الجمعة 3 يوليو 2026، حطّت طائرة تابعة لشركة "ماهان الإيرانية" (رحلة IRM1199) في مطار صنعاء الدولي، في أول رحلة معلنة من طهران إلى العاصمة اليمنية منذ سنوات الحرب. الطائرة كانت تنقل، حسب بيان الحوثيين، أكثر من 200 يمني عالق ومريض، إلى جانب وفد لحضور جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي اغتيل في ضربة أمريكية-إسرائيلية مشتركة بتاريخ 28 فبراير 2026.

أعلنت القوات المسلحة اليمنية (الحوثيون) أن تشكيلاً من الطيران الحربي السعودي حاول عند الساعة 5:20 فجراً منع هبوط الطائرة، وأنها ردت باستخدام صواريخ دفاع جوي أجبرت المقاتلات على مغادرة المجال الجوي. المتحدث العسكري يحيى سريع هدد بـ"رد شامل" يستهدف مطارات ومصالح سعودية حيوية في البر والبحر إذا تكرر أي "خرق" مماثل. هذه هي أول مواجهة جوية مباشرة منذ هدنة أبريل 2022 التي بقيت هشة لكنها صمدت نسبياً حتى الآن.

بالتوازي، تشهد طهران وبغداد والنجف وكربلاء ومشهد مراسم جنازة تمتد من 4 إلى 9 يوليو، وصفتها تقارير غربية بأنها "رسالة تحدٍ" لواشنطن، مع توقعات إيرانية رسمية بحضور ملايين المشيعين ومشاركة وفود من نحو 90 دولة.

ثانياً: كيف تقرأ إيران والحوثيون هذا المشهد

من زاوية طهران وصنعاء، حادثة صنعاء تمثل اختباراً للهيبة: طائرة مدنية إيرانية تهبط رغم اعتراض سعودي، والحوثيون يقدّمون ذلك كدليل على أن "الحصار" لم يعد مطلقاً، وأن الجهة التي تتحكم بالمجال الجوي اليمني هي صنعاء لا الرياض. تصريحات مسؤولين إيرانيين سابقة، مثل حديث علي أكبر ولايتي عن قدرة "المقاومة" على التأثير في مضيقي هرمز وباب المندب، تندرج في نفس المنطق: تحويل ممرات الطاقة والتجارة إلى أداة ردع لا تتطلب مواجهة عسكرية مباشرة مع القوى الكبرى.

ثانياً (ب): لكن الصورة أكثر تعقيداً من "انتصار كامل"

الحذر هنا ضروري، لأن السردية القائلة بأن "محور المقاومة" أصبح "مسيطراً على المضائق" و"فرض أجندته" وأن أمريكا وإسرائيل "خابت وذهبت قوتهما" تتجاوز ما تدعمه الوقائع المتاحة حتى الآن، لأسباب عدة:

حادثة واحدة لا تعني سيطرة: هبوط طائرة واحدة تحت حماية دفاع جوي، وسط تهديد بالتصعيد، هو حدث رمزي مهم لكنه ليس إغلاقاً فعلياً لباب المندب ولا لمضيق هرمز. التحليلات المتخصصة تصف "الورقة" الحوثية بأنها أداة ردع قائمة على التهديد أكثر منها إغلاقاً منفذاً بالفعل، وأن حتى التلويح بها يكفي لإرباك أسواق التأمين والشحن دون تنفيذ كامل.

كلفة إيران وحلفائها باهظة: خامنئي نفسه اغتيل، وإيران خسرت، بحسب تقديرات محللين عسكريين، بنية عسكرية وأمنية كبيرة في الحرب التي بدأت أواخر فبراير. هذا لا يتوافق مع صورة "قوة أمريكية وإسرائيلية ذهبت بالكامل".

رد الفعل السعودي لم يُحسم: "التحالف" توعّد برد "حازم وغير مسبوق" على أي تهديد لسيادته، وهذا يعني أن المواجهة لا تزال مفتوحة على التصعيد المتبادل، لا أنها انتهت لصالح طرف واحد.

قرارات دولية قائمة: مجلس الأمن سبق أن أدان أي تهديد لحرية الملاحة في هرمز أو باب المندب بأغلبية كبيرة (135 دولة راعية)، ما يعني أن أي إغلاق فعلي سيقابل بضغط دولي واسع، لا فقط أمريكي-إسرائيلي.

جنازة خامنئي نفسها تعكس هشاشة لا قوة مطلقة: التقارير تشير إلى تأجيلات متكررة لأسباب أمنية، وقلق من تكرار سابقة اغتيال إسماعيل هنية في ظروف مشابهة، وتردد وفود حزب الله والحوثيين في الحضور خوفاً من استهدافها. هذا مؤشر على أن الطرف الإيراني وحلفاءه ما زالوا يتصرفون من موقع حذر أمني شديد، لا من موقع تفوق ساحق.

ثالثاً: قراءات متعددة للمشهد الإقليمي

يمكن رؤية ما يجري من زاويتين متنافستين على الأقل، وكل واحدة لها من يدافع عنها:

الزاوية الأولى (رواية "محور المقاومة"): كل حادثة – هبوط طائرة، تهديد بإغلاق مضيق، ضربة صاروخية – تُراكم "معادلة ردع" جديدة تُقيّد حرية حركة السعودية وإسرائيل وأمريكا في المنطقة، وتُظهر أن التفوق التكنولوجي الغربي لا يترجم بالضرورة إلى حسم سياسي أو عسكري كامل.

الزاوية الثانية (رواية "التصعيد المحدود والمكلف"): هذه أحداث تصعيد تكتيكي ورمزي في صراع أطول وأكثر استنزافاً لجميع الأطراف، بما فيها إيران وحلفاؤها، الذين خسروا قيادات كبرى (خامنئي، سليماني سابقاً، وقادة آخرون) وبنية عسكرية مهمة. "التهديد" بإغلاق المضائق أداة ضغط تفاوضي أكثر من كونه إعلان سيطرة فعلية، ووجود حاملات طائرات أمريكية وحشد عسكري في المنطقة يعني أن موازين القوة التقليدية لم تُقلب.

الأرجح، بحسب متابعين للملف، أن الحقيقة تقع بين الروايتين: صنعاء وطهران تمكنتا من فرض تكلفة وحضور رمزي لا يمكن تجاهله، بينما لا تزال واشنطن والرياض وتل أبيب تحتفظ بقدرات عسكرية واقتصادية وازنة، والمواجهة أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات مفتوحة النتائج، لا إلى معركة محسومة لأي طرف.

رابعاً: ما يستحق المتابعة القادمة

هل تتكرر الرحلات الإيرانية إلى صنعاء؟ الحوثيون أعلنوا أنهم سيواصلونها "مهما كانت النتائج"، وهذا سيحدد إن كانت الحادثة استثناءً أم بداية نمط.

رد السعودية العملي: هل يقتصر على تصريحات التهديد أم يتطور إلى إجراءات عسكرية أو دبلوماسية فعلية؟

مآل خلافة خامنئي: التسريبات تشير إلى مجتبى خامنئي كخيار مرجّح، وهذا سيؤثر على منهج إيران القادم في التعامل مع الملفات الإقليمية.

مسار المضائق: أي حادثة استهداف فعلي لسفن أو ناقلات في باب المندب أو هرمز، بخلاف التهديدات اللفظية، ستكون نقطة تحول اقتصادية عالمية حقيقية،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق