الصفحات

الصفحات

الأحد، 5 يوليو 2026

ساطع الحصري.. مهندس الفكر القومي العربي الحديث ​بقلم: الناصر خشيني



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي

​مقدمة

​شهد القرن العشرين تحولات جيوسياسية وفكرية كبرى أعادت رسم خارطة الشرق الأوسط بعد سقوط الخلافة العثمانية. وفي خضم البحث عن هوية جامعة تجمع الشتات وتواجه المد الاستعماري الغربي، برز اسم أبو خلدون "ساطع الحصري" ليس كمنادٍ بالوحدة فحسب، بل كمنظّر وعالم اجتماع صاغ الأركان الفلسفية والتربوية للقومية العربية، محولاً إياها من عاطفة وجدانية إلى أيديولوجيا سياسية ومشروع تعليمي عابر للحدود الإقليمية.

​أولاً: النشأة والتعليم (بين الهوية العثمانية والوجدان العربي)

​تعتبر السيرة المبكرة للحصري نموذجاً فريداً للمفارقات التاريخية التي تصنع كبار المفكرين:

​الميلاد والبيئة الأولى: وُلد ساطع الحصري في أغسطس 1879 في مدينة صنعاء باليمن، حيث كان والده (المنحدر من أسرة حلبية عريقة) يعمل قاضياً معيناً من قِبل الدولة العثمانية. هذا التنقل المبكر منحه أفقاً جغرافياً واسعاً منذ صغره.

​التعليم في الحاضرة العثمانية: انتقل إلى إسطنبول وتلقى تعليمه في أرقى معاهدها، متخرجاً من "المدرسة الملكية الشاهانية" عام 1900، وهي مدرسة مخصصة لإعداد كبار رجال الإدارة والسياسة في الدولة. ركزت دراسته هناك على العلوم الطبيعية، والاجتماع، والتاريخ الأدبي والسياسي.

​المفارقة اللغوية: نشأ الحصري وتعلّم وتخرّج وهو لا يجيد اللغة العربية إجادة تامة؛ فكانت اللغة التركية العثمانية هي لغة تفكيره، وكتابته، وعمله الإداري كحاكم محلي وتربوي في البلقان لسنوات طويلة. إلا أن نقطة التحول الكبرى حدثت عقب سيادة النزعة الطورانية (القومية التركية المتطرفة) داخل حزب الاتحاد والترقي، مما دفعه، كغيره من المثقفين العرب، إلى إعادة اكتشاف هويته والانحياز التام لأرومته العربية، مكرساً بقية حياته لتعلم لغة الضاد والذود عنها.

​ثانياً: الفلسفة والنظرية القومية عند الحصري

​بنى الحصري فلسفته القومية استناداً إلى المنهج العلمي والمدارس الفكرية الأوروبية، متأثراً بشكل خاص بالنظرية الألمانية (فيشته وهيردر) التي تُعلي من شأن الروابط العضوية والروحية للأمة، ومخالفاً للمدرسة الفرنسية القائمة على العقد الاجتماعي والسياسي.

​وتتلخص نظريته في عدة أركان ثابتة:

​ثنائية (اللغة والتاريخ): اعتبر الحصري أن الأمة تتشكل وتستمر بوجود عنصرين أساسيين لا غنى عنهما:

​اللغة: هي روح الأمة، وأداة التفكير، والوجدان المشترك. وقد صاغ قاعدته الشهيرة: "كل من يتكلم العربية هو عربي، يجب عليه أن يشعر بذلك، ويجب علينا أن نعتبره كذلك".

​التاريخ: هو شعور الأمة بذاتها، وذاكرتها المشتركة التي توحد آمالها وآلامها عبر العصور.

​علمانية القومية: تميز فكر الحصري بأنه لم يربط القومية بالدين. فالإسلام عنده يمثل إطاراً ثقافياً وحضارياً عظيماً حمى اللغة العربية وساهم في نشرها، لكن الهوية القومية جامعة تشمل المسلم والمسيحي على حد سواء دون تفرقة.

​محاربة النزعات الإقليمية: وقف الحصري حجر عثرة أمام الحركات الانعزالية التي بدأت تظهر بعد الاستقلال؛ فهاجم بشدة "الفِرعونية" في مصر، و"الفينيقية" في لبنان، و"الآشورية" في العراق، معتبراً هذه النزعات مجرد أوهام تاريخية تصب في مصلحة الاستعمار وتفتت الكيان العربي الواحد.

​ثالثاً: الإنجازات التنفيذية والمشاريع التربوية

​لم يكن الحصري مجرد فيلسوف يقبع وراء الكتب، بل امتاز بقدرة إدارية وتنفيذية فذة تجلت في عدة محطات رئيسية:

​(1919 - 1920) معارف الدولة العربية (سوريا): بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط العثمانيين، التحق بالملك فيصل الأول في دمشق وعُين وزيراً للمعارف في الحكومة العربية القصيرة العمر. وضع هناك اللبنات الأولى لتعريب المناهج والإدارة.

​(1921 - 1941) الهندسة التربوية والتعليم (العراق): انتقل مع الملك فيصل إلى بغداد لتأسيس المملكة العراقية، وتولى منصب "مدير المعارف العام". في هذه المحطة الذهبية، وضع الحصري مناهج تعليمية قومية صارمة ركزت على التاريخ العربي المشترك والجغرافيا الموحدة، واستقطب المعلمين من كافة أرجاء الوطن العربي، لينشأ جيل عراقي كامل متشرب بالفكرة الوحدوية.

​(فترة الثلاثينيات) التعليم العالي وعمادة الحقوق: أدار كلية الحقوق في بغداد وحولها إلى مركز إشعاع فكري وقانوني رفد الدولة العراقية والعربية بكفاءات وقيادات سياسية بارزة.

​(1947 - 1957) العمل الثقافي في جامعة الدول العربية (مصر): بعد خروجه من العراق إثر أحداث عام 1941، استقر لاحقاً في القاهرة مستشاراً ثقافياً لجامعة الدول العربية، وتولى إدارة "معهد الدراسات العربية العالية"، مواصلاً نشر مؤلفاته وتوحيد الجهود الثقافية العربية.

​رابعاً: الأثر في حركة التاريخ والأمة والنقد الأكاديمي

​يمتد أثر ساطع الحصري إلى الأجيال التي قادت حركات التحرر الوطني والمد القومي في الخمسينيات والستينيات؛ فمناهجه التربوية في العراق أنتجت النواة الأولى للضباط والمفكرين الذين قادوا التحولات السياسية اللاحقة. كما أن أدبياته شكلت المرجعية الأساسية لحزب البعث العربي الاشتراكي وللتيارات الناصرية والوحدوية.

​النقد الأكاديمي الموجه لأطروحته:

​بمنظور التحليل الأكاديمي الموضوعي، واجه فكر الحصري عدة انتقادات من مؤرخين وعلماء اجتماع:

​إغفال الحرية والديمقراطية: ركز الحصري بشكل مطلق على "الدولة والوحدة" مضحياً أحياناً بـ "الفرد وحريته السياسية"، حيث كان يرى أن مصلحة المجموع تلغي التعددية الحزبية إن كانت تسبب الفرقة.

​الحتمية اللغوية الصارمة: انتُقدت نظريته لكونها صارمة جداً وصهرت التنوع العرقي والثقافي الموجود في العالم العربي (كالأكراد، والأمازيغ) في قالب واحد دون مراعاة كافية لخصوصياتهم الثقافية المحلية.

​خاتمة المقال

​رحل ساطع الحصري في بغداد عام 1968، تاركاً خلفه مكتبة ضخمة من المؤلفات وصرحاً فكرياً لا يمكن تجاوزه عند دراسة الفكر العربي المعاصر. لقد أثبت الحصري أن الأمة لا تحيا فقط بالحدود السياسية، بل بالذاكرة المشتركة واللسان الموحد، ليظل بحق "الأب الروحي وعرّاب القومية العربية".

​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:

​الحصري، ساطع. آراء وأحاديث في القومية العربية، دار العلم للملايين، بيروت.

​الحصري، ساطع. مذكراتي في العراق (بجزأيه)، دار الطليعة، بيروت.

​الحصري، ساطع. أبحاث مختارة في القومية العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

​كوثراني، وجيه. ساطع الحصري: من الوعي العثماني إلى الفكر القومي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

​هلال، علي الدين. الفكر السياسي العربي المعاصر: دراسة نقادية، دار الشروق، القاهرة.

​Cleveland, William L. The Making of an Arab Nationalist: Sati' al-Husri, Princeton University Press.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق