الصفحات

الصفحات

الجمعة، 3 يوليو 2026

قسنطينة.. عاصمة الجسور المعلقة وعنفوان الصمود الأسطوري بقلم الناصر خشيني


تاريخ المدينة

تُعد مدينة قسنطينة، أو "سيرتا" القديمة، واحدة من أعرق الحواضر التاريخية في المغرب العربي، حيث تمتد جذورها إلى العهد الفينيقي والنوميدي لتكون عاصمة للملك ماسينيسا. بنيت المدينة فوق صخرة عاتية يشقها وادي الرمال، مما منحها حصانة طبيعية فريدة جعلتها عصية على الغزاة عبر العصور. ومع دخول الإسلام، تحولت إلى منارة علمية وثقافية رائدة. ورغم سقوطها في يد الاستعمار الفرنسي عام 1837 بعد مقاومة شرسة قادها الحاج أحمد باي، إلا أن قسنطينة ظلت قلعة للهوية العربية والإسلامية وعاصمة للعلم والعلماء بقيادة الإمام عبد الحميد بن باديس.
أهم معالمها
تتميز قسنطينة بـ "الجسور المعلقة" الشاهقة التي تربط ضفتي صخرتها العتيقة في مشهد هندسي وطبيعي ساحر، ومن أشهرها جسر سيدي مسيد وجسر ملاح سليمان. كما تضم المدينة "مسجد الأمير عبد القادر" الذي يعد تحفة معمارية إسلامية فريدة ومنارة علمية كبرى، إلى جانب "قصر الحاج أحمد باي" الذي يعكس أوج العمارة الإسلامية في العهد العثماني، فضلاً عن أحيائها العتيقة وحاراتها الضاربة في عمق التاريخ التي تفوح بعبق الأصالة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت قسنطينة صفحات مجيدة من الصمود الأسطوري في وجه محاولات الطمس والفرنسة؛ وتجلى دورها النضالي بأبهى وأقسى صوره في "مجازر 8 ماي 1945" النكراء. فحين خرج أبناء المدينة بصدور عارية يطالبون بالحرية، واجههم الاستعمار الفرنسي بوحشية مفرطة وحملات إبادة جماعية لم تزد المدينة إلا إصراراً على الثورة. وشكلت قسنطينة الحاضنة الفكرية لـ "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، التي قادت معركة الدفاع عن لغة الضاد والدين الإسلامي، وكانت ركيزة أساسية انطلقت منها قوافل الثوار في ثورة التحرير المظفرة.
خاتمة
تبقى قسنطينة مدينة لا تنحني للعواصف؛ فجسورها الشامخة ليست مجرد ممرات بين الصخور، بل هي صلة وصل بين ماضٍ مجيد وحاضر حر، لتظل دائماً عاصمة الفكر والصمود التي تثبت أن إرادة الشعوب الحرة أقوى من جدران السجون والآلات العسكرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق