الصفحات

الصفحات

السبت، 4 يوليو 2026

الإسلام والدولة المدنية بقلم الناصر خشيني



أولاً: حوار الأديان — تطور الرسالات تبعًا لتطور المجتمع
تشير الأديان السماوية، في نشأتها وتتابعها، إلى تطور مواكب للتطور الاجتماعي للإنسان: من الأسرة إلى العشيرة فالقبيلة فالأمة، وصولًا إلى المجتمع الإنساني الجامع كآخر أطوار هذا التطور. لذلك جاءت الديانات السابقة على الإسلام محكومة بحدود اجتماعية ضيقة، إذ كانت خطابات قبلية أو عشائرية تناسب البنية الاجتماعية السائدة آنذاك. ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة حين يخاطب كل قوم برسولهم منهم: «ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا» (النمل: 45)، و«وإلى مدين أخاهم شعيبًا» (هود: 81)، و«وإلى عاد أخاهم هودًا» (الأعراف: 65). وكانت معجزات هؤلاء الرسل، تبعًا لذلك، معجزات مادية ملموسة تناسب المستوى الفكري البسيط لأقوامهم، كما كانت معالجاتهم لمشكلات مجتمعاتهم محدودة النطاق. فلم تكن دعوات الرسل قبل الإسلام عامة شاملة، بل محدودة زمانًا ومكانًا وهدفًا، في إطار تدرج إلهي يساير تطور المجتمعات.
وقد مثّل موسى عليه السلام طورًا وسيطًا بين النزعة القبلية القديمة والتكليف الإلهي بالتوجه إلى غير قومه، فطلب من ربه أن يؤازره بأخيه هارون، مصداقًا لقوله تعالى: «سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانًا» (القصص: 35)، وقوله: «اذهبا إلى فرعون إنه طغى» (طه: 43). وبذلك دشّن موسى عهدًا جديدًا بالخروج عن النطاق القبلي الضيق.
ثم جاءت رسالة عيسى عليه السلام لتفتح بعدًا أكثر شمولًا قوامه الرحمة والتسامح، تمهيدًا للدور الأعظم المنوط بخاتم الرسالات: رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي رسالة عامة لكافة الناس، لا تخص جنسًا أو أمة أو قبيلة، مصداقًا لقوله تعالى: «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا» (سبأ: 28).
ويتميز الإسلام كذلك بشموله لجوانب الحياة الدنيوية والأخروية معًا: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا» (المائدة: 3)، فلا يفصل بين الدين والدنيا، بل يجعل العمل عبادة، والبحث العلمي عبادة. وهو أيضًا دين اليسر لا العسر: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» (البقرة: 256).
وقد فهم السلف هذه الحقيقة القائمة على الحرية، فانطلقوا فاتحين لا مستعمرين، مجتهدين لا متعسفين، فاختلفوا في العقيدة والشريعة اجتهادًا بشريًا دون خروج عن قاعدة الاحتكام إلى القرآن وصحيح السنة، وبنوا حضارة لا تزال آثارها قائمة.
ثانيًا: الدين الخاتم
جاء الإسلام في مرحلة بلغت فيها الإنسانية نضجها العقلي. ومثّلت الهجرة النبوية منعطفًا حاسمًا: ففي حين كان الله يتدخل مباشرة في العصور السابقة لنصرة رسله، جاءت الرسالة المحمدية لتقرر أن يتحمل المؤمنون مسؤولية التغيير بأنفسهم: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (الرعد: 11). ووُصفت هذه الأمة بأنها خير الأمم لقيمها لا لعرقها: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» (آل عمران: 110).
ثالثًا: الهجرة النبوية — فعل إنساني بامتياز
لم تكن الهجرة نتاج معجزة مادية، بل إعدادًا بشريًا عقلانيًا محكمًا رغم ضعف الإمكانيات المادية للمسلمين. سبقتها سنوات الدعوة المكية الثلاث عشرة، ثم بيعتا العقبة الأولى والثانية. ويُلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغامر بأصحابه، وأن القيادة النبوية لم تنسحب قبل أتباعها بل ظلت معهم حتى آخر لحظة.
رابعًا: قيام دولة المدينة
من أبرز منجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة تأسيس أول كيان سياسي عربي إسلامي قائم على التعاقد، عبر وثيقة عُرفت باسم «الصحيفة». ينقل ابن هشام عن ابن إسحاق أن رسول الله كتب كتابًا (1) بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيه يهود المدينة وعاهدهم على دينهم وأموالهم.
أبرز بنود الصحيفة (بتصرف، مع مواضع الهوامش الأصلية):
إنهم أمة واحدة من دون الناس، وكل طائفة من المهاجرين والأنصار على ربعتهم (2) تتعاقل وتفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
لا يترك المؤمنون مُفرَحًا (3) بينهم دون إعانته بالمعروف في فداء أو عقل (4).
المؤمنون المتقون يد واحدة على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (5) ظلم، ولو كان على ولد أحدهم.
لا يقتل مؤمن مؤمنًا بسبب كافر، ولا ينصر مؤمن كافرًا على مؤمن، والمؤمنون يُـبيء (6) بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
من اعتبط (7) مؤمنًا قتلًا عن بيّنة فعليه القِصاص إلا أن يرضى ولي المقتول.
لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (8) إلا نفسه وأهل بيته — وينسحب هذا على سائر القبائل اليهودية المذكورة.
ما اختلف فيه أهل هذا العهد فمردّه إلى الله وإلى محمد، ويثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
من خرج آمنًا ومن قعد آمنًا بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، والله جار لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله.
خامسًا: دلالة الصحيفة وأركان الدولة في المدينة
يرى أغلب الباحثين، قدامى ومحدثين، أن الصحيفة كما وصلتنا وحدة مجمّعة من أقسام صدر كل منها في وقت مختلف: فالأقسام المتعلقة بتنظيم العرب المسلمين تُرجَّح عند بدر، والمتعلقة بتنظيم القتال عند الخندق أو بعده بقليل. وقد أشار القرآن إلى وجوب الوفاء بالعهود: «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا» (الإسراء: 34)، و«الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق» (الرعد: 20)، في مقابل الذم الشديد لناقضي العهود في آيات آل عمران والبقرة.
وبالنظر إلى الفقه القانوني المعاصر، استوفت دولة المدينة أركان الدولة الثلاثة:
الشعب — تؤكده الصحيفة الصادرة عن جميع سكان المدينة وضواحيها.
الإقليم — وإن لم تكن للدول حينها حدود دولية بالمعنى الحديث.
السلطة — أي ممارسة السيادة على الأرض دون تسلط أجنبي.
واخلص نهاية  أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤسس "دولة دينية" بالمعنى الذي يتصوره من يحلم بدولة تحكم بحق إلهي مقدس.
خاتمة: الترابط الاستراتيجي
ارى الربط بين حماية يثرب وإسقاط الشرك في مكة، وبين حماية الجزيرة وتحرير الشام من الروم، وبين استقرار الشام وإزاحة النفوذ الروماني عن مصر، ثم شمال إفريقيا — وهو ترابط اراه تعبيرًا عن فهم استراتيجي مبكر لما يُعرف اليوم بالجغرافيا السياسية.
قائمة الهوامش والمراجع
(1) اختُلف في تسمية هذا النص بين الوثيقة والدستور والصحيفة والكتاب، وقد ناقش د. جاسم محمد راشد العيساوي هذه المسألة بإسهاب في بحثه «الوثيقة النبوية»، ص27 وما بعدها.
(2) أي حالهم وشأنهم الذي كانوا عليه. انظر: ابن الأثير، النهاية، 2/189.
(3) المُفرَح: من أثقله الدَّين والغُرم (النهاية، 3/424).
(4) العَقل: الدية. انظر: النهاية، 2/117.
(5) الدسيعة: العطية، والمراد طلب عطية على سبيل الظلم. انظر: النهاية، 2/117.
(6) يُبيء: يلتزم. انظر: النهاية، 1/159.
(7) اعتبط: قتله بغير جناية ولا جريرة. انظر: النهاية، 3/172.
(8) يوتغ: يُهلك. انظر: النهاية، 5/149.
(9) المصدر الأصلي لنص الصحيفة كاملًا: ابن هشام، السيرة النبوية، 3/31-35.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق