الصفحات

الصفحات

السبت، 4 يوليو 2026

ملخص كتاب: "مشروع مخطط التنمية 2026-2030 – التوجهات العامة والأهداف التنموية" بقلم هشام اللهيوي


  قبل الخوض في تفاصيل مشروع مخطط التنمية 2026-2030.   (708 صفحة) ، لا بد من التأكيد على أن أي قراءة اقتصادية وسياسية جادة لا ينبغي أن تكتفي بتقييم الأهداف المعلنة، وإنما عليها أن تتناول الأسس الفكرية للنموذج التنموي، ومدى قدرته على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن التنمية ليست مجرد ارتفاع في نسب النمو أو زيادة في حجم الاستثمارات، بل هي مشروع حضاري متكامل يعيد صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، ويحدد موقع الأمة في موازين القوى الإقليمية والدولية 


1)  ملخص كتاب: "مشروع مخطط التنمية 2026-2030 – التوجهات العامة والأهداف التنموية"

يمثل هذا الكتاب الوثيقة المرجعية لمشروع مخطط التنمية التونسي للفترة 2026-2030، الصادر عن وزارة الاقتصاد والتخطيط، ويهدف إلى رسم التوجهات الكبرى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الخمس المقبلة، انطلاقًا من رؤية تقوم على العدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية والسيادة الوطنية والتعويل على الذات. 


ينطلق المخطط من تشخيص شامل للواقع التنموي، فيقر بأن تونس حققت مكاسب مهمة منذ الاستقلال في مجالات البنية الأساسية والتعليم والصحة، غير أن الخيارات التنموية السابقة لم تنجح في الحد من التفاوت بين الجهات ولا في معالجة البطالة وضعف الاستثمار وتراجع أداء المؤسسات العمومية، مما أفرز اختلالات اقتصادية واجتماعية وهيكلية. 


ويقدم المخطط رؤية جديدة للتنمية تقوم على التخطيط التشاركي التصاعدي، حيث تنطلق الأولويات من المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، ثم تُدمج في رؤية وطنية، بما يجعل المواطن شريكًا في تحديد المشاريع والسياسات العمومية، ويكرس اللامركزية في صياغة القرار التنموي. 


ويرتكز المشروع على خمسة توجهات استراتيجية كبرى هي:

ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة.

تحقيق تنمية مجالية متوازنة بين مختلف الجهات.

تعصير الاقتصاد الوطني وتطوير البنية التحتية.

تحقيق الأمن المائي والغذائي والطاقي مع المحافظة على البيئة.

تحديث الإطار المؤسساتي وتحسين نجاعة المرفق العام. 


كما يرسم المخطط أهدافًا اقتصادية طموحة، من أبرزها:

رفع معدل النمو الاقتصادي إلى نحو 4.2% خلال الفترة 2026-2030.

التحكم في التضخم في حدود 5%.

تقليص عجز الميزانية إلى أقل من 3%.

المحافظة على نسبة الدين العمومي في حدود 80%.

تحسين القدرة الشرائية وخلق مواطن شغل جديدة، مع دعم الاستثمار والإنتاج الوطني. 


ويولي المخطط أهمية خاصة لتنمية رأس المال البشري عبر إصلاح التعليم والتكوين المهني والتعليم العالي، وتحسين الخدمات الصحية، ودعم الحماية الاجتماعية، والرفع من نسب الإدماج الاقتصادي للشباب والنساء، إلى جانب تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والشركات الأهلية. 


وفي الجانب الاقتصادي، يدعو إلى تحديث النسيج الصناعي، وتحفيز الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتسريع الانتقال الرقمي، ودعم الابتكار، وتحقيق الأمن الطاقي والمائي والغذائي، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات الخارجية. 


كما يتضمن المخطط محفظة واسعة من المشاريع العمومية، تم اختيارها بعد آلاف الجلسات التشاورية مع المجالس المنتخبة، مع إعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، وخاصة في النقل والطرقات والمياه والطاقة والخدمات الأساسية. 


ويؤكد الكتاب أن نجاح المخطط يبقى رهينًا بتحقيق إصلاحات هيكلية، ومقاومة الفساد، وتحسين الحوكمة، ورفع إنتاجية المؤسسات العمومية، وتعزيز التمويل الذاتي، مع متابعة دورية لمؤشرات الإنجاز وإمكانية مراجعة الأهداف وفق المتغيرات الاقتصادية الدولية. 


الخلاصة: يطرح مخطط التنمية 2026-2030 تصورًا جديدًا للتنمية في تونس يقوم على العدالة الاجتماعية، والتنمية الجهوية، والتخطيط التشاركي، وتعزيز السيادة الاقتصادية، مع السعي إلى تحقيق نمو مستدام وتحسين مستوى عيش المواطنين. وفي الوقت نفسه، فإن بلوغ أهدافه يبقى مرتبطًا بمدى نجاح الإصلاحات، وتوفير التمويلات اللازمة، ونجاعة التنفيذ والمتابعة خلال سنوات المخطط.


2) دراسة اقتصادية سياسية للكتاب الأول: 


مخطط التنمية 2026-2030: هل يمثل بداية لاقتصاد وطني منتج أم مجرد إعادة صياغة لخطاب الدولة؟

قراءة اقتصادية سياسية من منظور عروبي قومي تقدمي 


إن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل، في جوهره، محاولة لإعادة الاعتبار للدولة الوطنية كفاعل مركزي في قيادة التنمية بعد عقود من هيمنة المقاربات الليبرالية التي أضعفت وظيفة الدولة الاقتصادية، وفتحت المجال أمام اقتصاد ريعي واستهلاكي أكثر منه اقتصادًا منتجًا. ومن هذا المنطلق، فإن المخطط يستحق التوقف عنده بوصفه وثيقة سياسية بقدر ما هو وثيقة اقتصادية، لأنه يعكس صراعًا بين نموذجين متناقضين: نموذج الدولة الاجتماعية المنتجة، ونموذج السوق الذي يخضع لمنطق العولمة والمؤسسات المالية الدولية.


ومن منظور الفكر العروبي القومي التقدمي  فإن التنمية ليست مجرد تحسين لمؤشرات الاقتصاد الكلي، بل هي مشروع للتحرر الوطني، لأن الأمة التي لا تنتج غذاءها ولا طاقتها ولا دواءها ولا تكنولوجيتها، تبقى أسيرة لإرادة الخارج مهما رفعت من شعارات السيادة السياسية. فالسيادة الاقتصادية ليست شعارًا دعائيًا، بل هي الشرط الموضوعي للاستقلال الوطني.


لقد شخص المخطط بدقة عددا من الاختلالات البنيوية التي راكمتها السياسات السابقة، وفي مقدمتها التفاوت الجهوي، وتراجع الاستثمار العمومي، وتدهور الإنتاجية، واتساع الاقتصاد الموازي، وارتفاع المديونية، وانكماش دور المؤسسات العمومية. غير أن تشخيص الأزمة، مهما بلغت دقته، لا يكفي ما لم يقترن بإرادة سياسية تمتلك الجرأة على مراجعة الخيارات الاقتصادية التي كرست التبعية للخارج منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي.


إن الاقتصاد التونسي لا يعاني من أزمة موارد، بل من أزمة خيارات. فقد تحولت البلاد تدريجيًا من اقتصاد يسعى إلى بناء قاعدة إنتاجية وطنية إلى اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الاستيراد، والاقتراض، والخدمات منخفضة القيمة المضافة، مما أدى إلى تآكل النسيج الصناعي، وإضعاف الفلاحة، وارتفاع العجز التجاري، واستنزاف احتياطي العملة الصعبة. لذلك فإن أي مخطط تنموي لا يضع إعادة بناء الاقتصاد المنتج في صدارة أولوياته سيظل عاجزًا عن إحداث التحول التاريخي المنشود.


ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في رفع نسبة النمو إلى 4 أو 5 بالمائة، وإنما في تغيير طبيعة النمو نفسه. فالنمو الذي تصنعه المضاربات العقارية أو الاستهلاك أو الخدمات الهامشية لا يبني اقتصادًا قويًا، بينما النمو القائم على الصناعة، والفلاحة، والاقتصاد المعرفي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، هو وحده القادر على خلق الثروة المستدامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز السيادة الوطنية.


ومن المنظور القومي ، فإن الدولة ليست مراقبًا محايدًا للسوق، بل هي قاطرة التنمية. ولذلك فإن إعادة الاعتبار للمؤسسات العمومية الاستراتيجية ليست مسألة أيديولوجية، وإنما ضرورة اقتصادية وأمن قومي. فالماء والطاقة والنقل والسكك الحديدية والموانئ والصناعات الأساسية يجب أن تبقى أدوات بيد الدولة، لأنها تمثل مفاتيح القرار الاقتصادي الوطني، ولا يجوز أن تخضع لمنطق الربح أو لإملاءات الخصخصة.


وفي المقابل، فإن القطاع الخاص الوطني المنتج يمثل شريكًا أساسيًا في معركة التنمية، شرط أن يكون استثماره موجهًا نحو الإنتاج والتصدير والتشغيل، لا نحو الاحتكار والريع والمضاربة. فالدولة الوطنية لا تعادي المبادرة الخاصة، لكنها ترفض أن تتحول السوق إلى سلطة فوق الدولة، أو أن يصبح رأس المال المالي هو المتحكم في القرار السياسي.


كما أن الحديث عن الأمن الغذائي والمائي والطاقي يجب ألا يبقى في حدود البرامج القطاعية، بل ينبغي أن يتحول إلى عقيدة اقتصادية وطنية. فالأرض الزراعية ليست مجرد وسيلة إنتاج، بل هي عنصر من عناصر السيادة. والمياه ليست مورداً طبيعياً فحسب، بل قضية أمن قومي. والطاقة ليست سلعة، وإنما أساس للاستقلال الاقتصادي. ولذلك فإن الاستثمار المكثف في الفلاحة العصرية، والسدود، وتحلية مياه البحر، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، يمثل الخيار الاستراتيجي الذي يجب أن يحظى بالأولوية المطلقة.

غير أن المخطط، رغم طموحه، يظل مطالبًا بالإجابة عن أسئلة جوهرية. فمن أين ستأتي الموارد المالية اللازمة لإنجاز آلاف المشاريع المبرمجة؟ وهل يمكن الجمع بين تقليص العجز المالي، والحد من المديونية، وزيادة الإنفاق العمومي دون إصلاح جبائي جذري يستعيد الأموال المنهوبة، ويكافح التهرب الضريبي، ويُخضع الاقتصاد الموازي لمنظومة الدولة؟


إن الإصلاح الجبائي، في الرؤية التقدمية، ليس مجرد إجراء محاسبي، بل هو أداة لإعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية. فلا يمكن أن تستمر الأجراء والطبقة الوسطى في تحمل العبء الأكبر من الضرائب، بينما تبقى قطاعات واسعة من الاقتصاد خارج المنظومة الجبائية أو تستفيد من امتيازات غير مبررة.


كما أن نجاح المخطط يظل رهينًا بإصلاح الإدارة العمومية، لأن الإدارة هي الذراع التنفيذية للدولة. فلا قيمة لأفضل المخططات إذا بقيت المشاريع حبيسة التعقيدات الإدارية، وتضارب الصلاحيات، وضعف المتابعة، والفساد، وغياب ثقافة الإنجاز. فالمعركة ضد البيروقراطية ليست أقل أهمية من المعركة ضد الفساد، لأن كليهما يستنزف مقدرات الدولة ويقوض ثقة المواطن.


ومن زاوية قومية عربية، فإن المخطط كان يمكن أن يكون أكثر جرأة في طرح مشروع للتكامل الاقتصادي المغاربي والعربي. فالسوق التونسية وحدها محدودة، بينما يشكل الفضاء العربي، بما يمتلكه من موارد بشرية وطبيعية ومالية، مجالًا استراتيجيًا لبناء سلاسل إنتاج مشتركة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي الجماعي. إن المشروع القومي لا ينفصل عن المشروع التنموي، لأن وحدة المصير الاقتصادي هي أحد أعمدة النهضة العربية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه تونس اليوم ليس فقط تجاوز الأزمة الاقتصادية، وإنما الانتقال من اقتصاد التبعية إلى اقتصاد السيادة، ومن اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج، ومن دولة إدارة الأزمة إلى دولة صناعة المستقبل.

وعليه، فإن مخطط التنمية 2026-2030 يمثل خطوة إيجابية في اتجاه استعادة دور الدولة الوطنية، لكنه لن يحقق أهدافه إلا إذا تحول إلى مشروع نهضوي شامل يقوم على إعادة الاعتبار للتخطيط الاقتصادي، وإحياء القطاع العام المنتج، وتحفيز الاستثمار الوطني، وتعبئة الكفاءات العلمية، وربط الجامعة بالصناعة، وإرساء عدالة جبائية، وتعزيز التكامل المغاربي والعربي، مع تحرير القرار الاقتصادي من كل أشكال الارتهان للخارج.

إن المشروع القومي التقدمي  يؤمن بأن التنمية ليست غاية اقتصادية فحسب، بل هي فعل تحرري يعيد للإنسان كرامته، وللدولة سيادتها، وللأمة قدرتها على صنع مستقبلها. وعندما تصبح العدالة الاجتماعية، والسيادة الاقتصادية، والوحدة الوطنية، والتكامل العربي مكوناتٍ متلازمة في السياسة العامة، آنذاك فقط يمكن الحديث عن ميلاد نموذج تنموي جديد، يقطع مع إرث التبعية، ويؤسس لجمهورية الإنتاج والعمل والكرامة الوطنية.


3) ملخص كتاب: "مخطط التنمية – التنمية المجالية 2026-2030"

يمثل هذا الكتاب الوثيقة المرجعية لسياسة التنمية المجالية في تونس خلال الفترة 2026-2030، ويطرح تصورا جديدا للتخطيط التنموي يقوم على الانتقال من المركزية التقليدية إلى التخطيط التصاعدي الذي ينطلق من المستوى المحلي، ثم الجهوي، فالإقليمي، وصولا إلى المستوى الوطني، بما يجعل المواطن والمجالس المنتخبة شريكا مباشرا في تحديد الأولويات التنموية. 


أولاً: فلسفة التنمية المجالية

يرتكز المخطط على بناء نموذج تنموي جديد يهدف إلى:

تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات.

تعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

تثمين الخصوصيات والموارد المحلية لكل إقليم.

تحسين جودة الحياة والخدمات الأساسية.

إرساء تكامل بين السياسات القطاعية والسياسات الترابية. 


ثانياً: التقسيم الترابي الجديد

اعتمدت الدولة تقسيم البلاد إلى خمسة أقاليم تنموية، تضم مختلف الولايات وفق منطق اقتصادي وجغرافي جديد يهدف إلى:

خلق أقطاب تنموية متكاملة.

تعزيز التضامن بين الولايات.

تجاوز الحدود الإدارية التقليدية.

رفع القدرة التنافسية للأقاليم. 


ثالثاً: تشخيص الواقع التنموي

يعرض المخطط تشخيصا شاملا للوضع التنموي أبرز من خلاله:

استمرار التفاوت التنموي بين الجهات.

ضعف إنجاز المشاريع العمومية مقارنة بالمبرمج.

تمركز الاستثمار الخاص في الأقاليم الساحلية.

ضعف البنية الأساسية في العديد من المناطق الداخلية.

ارتفاع نسب البطالة والهجرة الداخلية.

تفاوت واضح في النفاذ إلى الماء الصالح للشراب والتطهير والخدمات الأساسية.

استمرار الفوارق في مؤشر التنمية الجهوية بين الولايات والمعتمديات. 


رابعاً: أهم الإشكاليات

حدد المخطط خمس مجموعات كبرى من التحديات:

إشكاليات تنموية: استمرار الفوارق المجالية.

إشكاليات اجتماعية: تفاوت الخدمات، السكن، الانقطاع المدرسي، والهجرة.

إشكاليات اقتصادية: ضعف الاستثمار، نقص المناطق الصناعية، هشاشة اللوجستيك، محدودية تثمين الموارد.

إشكاليات بيئية: الجفاف، التصحر، الفيضانات، تدهور الموارد الطبيعية والتلوث.

إشكاليات مؤسساتية: تعدد المتدخلين، ضعف التنسيق، بطء إنجاز المشاريع وضعف الحوكمة. 


خامساً: مقومات التنمية

يرى المخطط أن تونس تمتلك رصيدا مهما يمكن البناء عليه، ويتمثل في:

ثروة بشرية شابة وكفاءات علمية.

تنوع الموارد الفلاحية والمنجمية والبحرية.

شبكة نقل وموانئ ومطارات قابلة للتطوير.

تراث ثقافي وسياحي غني.

إمكانات كبيرة في الاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة.

إطار مؤسساتي جديد يدعم اللامركزية والتخطيط الترابي. 


سادساً: التوجهات الاستراتيجية الخمسة

يعتمد المخطط خمسة محاور كبرى هي:

مجالات ترابية قادرة على إدارة شؤونها التنموية.

مجالات تحقق العدالة الاجتماعية وتنمية رأس المال البشري.

مجالات صامدة أمام التغيرات المناخية والبيئية.

مجالات دافعة للحركية الاقتصادية والاستثمار.

مجالات متكاملة ومتضامنة فيما بينها وطنيا وإقليميا. 


سابعاً: المخططات الإقليمية والجهوية

يخصص الجزء الثاني من الكتاب عرضا لكل إقليم ثم لكل ولاية، ويتضمن:

التشخيص التنموي.

نقاط القوة والضعف.

المشاريع ذات الأولوية.

البرامج القطاعية.

آفاق الاستثمار.

مؤشرات التنمية المستهدفة إلى سنة 2030. 


الخلاصة

يمثل مخطط التنمية المجالية 2026-2030 تحولا نوعيا في الفكر التنموي التونسي، إذ يسعى إلى جعل التنمية منطلقة من القاعدة المحلية، مع إعادة توزيع الاستثمار وفق حاجيات الجهات، وتحقيق تنمية أكثر توازنا وعدالة. ويؤكد أن نجاح هذا التوجه يبقى رهينا بقدرة الدولة على تجاوز العراقيل الإدارية، وتسريع إنجاز المشاريع، وتعبئة الموارد المالية، وتحقيق تنسيق فعّال بين مختلف مستويات الحكم، حتى تتحول الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في مختلف مناطق البلاد.


4) قراءة اقتصادية سياسية استراتيجية في "مخطط التنمية المجالية 2026-2030" من منظور عروبي قومي تقدمي 


ليس من قبيل الصدفة أن تعود الدولة التونسية، بعد أكثر من عقد ونصف من الاضطرابات السياسية والاقتصادية، إلى الحديث عن التخطيط والتنمية المجالية والأقاليم الاقتصادية. فهذا التحول يعكس، بصورة ضمنية، اعترافا بأن العقيدة الاقتصادية التي هيمنت خلال العقود الماضية، والقائمة على تحرير الأسواق، والانفتاح غير المنضبط، وتقليص الدور الاجتماعي للدولة، قد وصلت إلى حدودها التاريخية، وعجزت عن إنتاج التنمية العادلة أو ضمان الاستقرار الاجتماعي.


غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرحه كل مفكر اقتصادي قومي هو: هل يمثل هذا المخطط قطيعة حقيقية مع النموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي عمّق التبعية والاختلالات، أم أنه مجرد إعادة تنظيم ترابي لسياسات اقتصادية لم تتغير في جوهرها؟


إن التنمية ليست عملية هندسية لإعادة توزيع المشاريع بين الجهات، وإنما هي مشروع سياسي سيادي يعيد تشكيل الاقتصاد الوطني على أسس الإنتاج والعدالة والاستقلال. ولذلك فإن أي مخطط تنموي لا يجيب بوضوح عن سؤال من ينتج؟ ولمن ينتج؟ ومن يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يتحكم في القرار الاقتصادي؟ يبقى معرضا لأن يتحول إلى وثيقة إدارية مهما بلغت دقتها الفنية.


لقد أصاب المخطط في تشخيصه لاختلالات التنمية المجالية، لكنه لم يذهب بعيدا في تشخيص الأسباب البنيوية التي أفرزت تلك الاختلالات. فالتفاوت بين الساحل والداخل لم يكن قدرا جغرافيا، وإنما كان نتيجة خيارات اقتصادية وسياسية متراكمة، قامت على تركيز الاستثمار والبنية الأساسية والخدمات في مناطق محددة، وربط الاقتصاد الوطني بالمراكز الرأسمالية الخارجية، مقابل تهميش فضاءات واسعة تحولت إلى خزانات للبطالة والهجرة والفقر.


ومن المنظور القومي، فإن القضية ليست قضية "تنمية جهوية" فحسب، بل هي قضية تحرير اقتصادي وطني. فلا يمكن الحديث عن عدالة مجالية في ظل اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض الخارجي، ويخضع لشروط المؤسسات المالية الدولية، ويستورد معظم احتياجاته الصناعية والغذائية، بينما تتراجع مساهمة الصناعة التحويلية والإنتاج الفلاحي ذي القيمة المضافة في الناتج الوطني.

إن الدولة الوطنية ليست مجرد منظم للسوق، بل هي قائد للتنمية، ومخطط للاستثمار، وحام للقطاعات الاستراتيجية. ولذلك فإن أي مخطط تنموي يفصل بين التنمية والسيادة الاقتصادية يبقى ناقصا، لأن القرار الاقتصادي المستقل هو الشرط الأول لنجاح أي مشروع تنموي.


كما أن التقسيم الجديد إلى أقاليم تنموية يمكن أن يشكل فرصة تاريخية إذا تم تحويله إلى أداة لبناء أقطاب إنتاج متكاملة، لا مجرد وحدات إدارية جديدة. فكل إقليم ينبغي أن يمتلك قاعدة إنتاجية متخصصة، ترتكز على موارده الطبيعية، وكفاءاته البشرية، وموقعه الجغرافي، ضمن رؤية وطنية تجعل الأقاليم متكاملة لا متنافسة، ومتضامنة لا متصارعة على الموارد.


ومن هذا المنطلق، فإن الجنوب التونسي، بثرواته النفطية والطاقية، لا يجوز أن يبقى مجرد مصدر للمواد الأولية، بل ينبغي أن يتحول إلى قطب للصناعات البتروكيميائية والطاقات المتجددة. كما يجب أن يصبح الوسط الغربي مركزا للصناعات الغذائية والتحويلية، وأن يستعيد الشمال الغربي مكانته كخزان للأمن الغذائي الوطني، بينما يتحول الساحل إلى منصة صناعية ولوجستية تخدم الاقتصاد الوطني بأكمله، لا أن يحتكر الاستثمار والثروة.


وفي المقابل، فإن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون إعادة الاعتبار للقطاع العام. فقد أثبتت التجارب العالمية، من الصين إلى فيتنام، ومن ماليزيا إلى العديد من الاقتصادات الصاعدة، أن الدولة عندما تقود الاستثمار الاستراتيجي، وتوجه رأس المال نحو القطاعات المنتجة، تصبح التنمية أكثر استدامة وعدالة. أما ترك مصير الاقتصاد لقوى السوق وحدها، فقد أدى في عديد الدول إلى اتساع الفوارق الاجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى، وازدياد التبعية للخارج.


إن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة عدد المشاريع، وإنما في تغيير طبيعتها. فتونس ليست بحاجة إلى اقتصاد يقوم على الاستهلاك والخدمات وحدها، بل إلى اقتصاد منتج يرتكز على التصنيع، والبحث العلمي، والاقتصاد الرقمي، والصناعات الدوائية، والطاقات المتجددة، والصناعات العسكرية المدنية، والتكنولوجيا الزراعية، حتى تتحول من اقتصاد تابع إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة.


كما أن الاستثمار الأجنبي، مهما كانت أهميته، يجب أن يبقى مكملا للاستثمار الوطني، لا بديلا عنه. فالسيادة الاقتصادية تقتضي أن يكون رأس المال الوطني، العام والخاص، هو المحرك الأساسي للتنمية، مع إخضاع الاستثمارات الأجنبية لأولويات الاقتصاد الوطني، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتحقيق القيمة المضافة داخل البلاد، لا الاكتفاء بدور المناولة منخفضة القيمة.


ولا يمكن إغفال البعد العربي والإفريقي في هذا السياق. فمن منظور قومي ناصري، لا ينبغي أن تنغلق التنمية التونسية داخل حدودها الضيقة، بل يجب أن تكون جزءا من مشروع تكامل اقتصادي عربي وإفريقي، يقوم على تحرير المبادلات، وإنشاء سلاسل إنتاج مشتركة، وتنسيق السياسات الصناعية والغذائية والطاقية، بما يخفف من الارتهان للأسواق الأوروبية ويمنح الاقتصاد التونسي فضاءات أوسع للنمو.


إن أخطر ما يواجه هذا المخطط ليس نقص الأفكار، وإنما غياب الإرادة السياسية القادرة على مواجهة شبكات الريع والاحتكار والفساد، وإعادة الاعتبار للتخطيط الاستراتيجي طويل المدى. فالتنمية لا تصنعها التقارير، بل تصنعها الدولة الوطنية القوية، والإدارة الكفؤة، والقيادة السياسية التي تمتلك رؤية حضارية تجعل الإنسان المنتج محور العملية التنموية، لا مجرد مستهلك أو رقم في الإحصاءات.


وفي الختام، فإن مخطط التنمية المجالية 2026-2030 يمثل خطوة تستحق التقدير من حيث تشخيص الاختلالات واعتماد المقاربة الترابية، لكنه لن يبلغ أهدافه إلا إذا ارتبط بمراجعة شاملة للنموذج الاقتصادي الوطني، تقوم على استعادة الدولة لدورها القيادي، وبناء اقتصاد إنتاجي مستقل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصون السيادة الاقتصادية، وتوجيه التنمية نحو خدمة المشروع الوطني والقومي. فالأمة التي لا تملك قرارها الاقتصادي لا تستطيع أن تملك قرارها السياسي، والدولة التي لا تنتج ثروتها بيدها ستظل رهينة لإملاءات الخارج مهما حسنت وثائقها وخططها.


5) ملخص كتاب: "السياسات التنموية – مشروع مخطط التنمية 2026-2030"

يقدم هذا الكتاب الإطار العام للسياسات العمومية التي تعتزم الدولة التونسية اعتمادها خلال الفترة 2026-2030، ويترجم رؤية تنموية شاملة تستند إلى الدستور وإلى منهج التخطيط التصاعدي المنطلق من احتياجات الجهات والأقاليم، بهدف بناء نموذج تنموي أكثر عدالة ونجاعة واستدامة. 


ويرتكز المخطط على أربعة محاور استراتيجية كبرى:


أولاً: ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة

يضع المخطط الإنسان في صدارة العملية التنموية، من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، والارتقاء بمنظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والصحة والثقافة والشباب والرياضة. كما يركز على:

تحسين جودة الخدمات الاجتماعية.

توسيع الحماية الاجتماعية.

دعم التشغيل والعمل اللائق.

تمكين المرأة والشباب.

رعاية الأسرة والطفولة وكبار السن وذوي الإعاقة.

توفير السكن اللائق وتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. 


ثانياً: تعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية

يستهدف المخطط تحديث الاقتصاد الوطني عبر:

إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية.

دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

تحسين مناخ الاستثمار.

رقمنة الاقتصاد والإدارة.

توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.

تطوير الموانئ والطرقات والمطارات والمناطق الصناعية واللوجستية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني واستقطاب الاستثمار. 


ثالثاً: تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والمحافظة على البيئة

يعتبر المخطط الأمن الغذائي والمائي والطاقي جزءاً من الأمن القومي، ولذلك يدعو إلى:

تطوير الإنتاج الفلاحي وتحسين مردوديته.

حسن استغلال الموارد المائية ومواجهة ندرتها.

التوسع في الطاقات المتجددة.

تقليص التبعية الطاقية للخارج.

مكافحة التلوث.

حماية التنوع البيولوجي.

تشجيع الاقتصاد الأخضر والدائري والأزرق باعتباره محركاً جديداً للتنمية وخلق مواطن الشغل. 


رابعاً: تحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام

يركز هذا المحور على إصلاح الإدارة والدولة عبر:

تعميم الرقمنة.

تبسيط الإجراءات.

تعزيز الحوكمة والشفافية.

مكافحة البيروقراطية.

إصلاح الوظيفة العمومية.

تطوير المنظومة الأمنية والعدلية.

دعم الدور التنموي للدفاع الوطني.

توظيف الدبلوماسية الاقتصادية لفتح الأسواق واستقطاب الاستثمارات وتنويع الشراكات الدولية. 


أبرز التوجهات الاستراتيجية للمخطط

يراهن المشروع على:

جعل المواطن محور التنمية.

تقليص الفوارق بين الجهات.

تحقيق تنمية مجالية متوازنة.

تعزيز السيادة الوطنية اقتصادياً وغذائياً وطاقياً.

الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والابتكار.

رقمنة الإدارة والخدمات العمومية.

تحسين مناخ الأعمال.

خلق اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على الصمود أمام الأزمات. 


خلاصة عامة

يعد هذا الكتاب وثيقة توجيهية شاملة ترسم ملامح السياسات العمومية للدولة التونسية خلال الفترة 2026-2030. ويجمع بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والمؤسساتية، واضعاً نصب عينيه بناء اقتصاد منتج، ومجتمع أكثر عدالة، وإدارة أكثر نجاعة، وتنمية جهوية متوازنة.

وفي المجمل، يقدم المخطط رؤية طموحة لإعادة هيكلة النموذج التنموي التونسي، غير أن نجاحه سيظل رهيناً بمدى توفر التمويلات اللازمة، ونجاعة الحوكمة، وسرعة تنفيذ الإصلاحات، والقدرة على تحويل الأهداف المعلنة إلى مشاريع وإنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.


6) قراءة اقتصادية سياسية للكتاب الثالث: 


قبل الخوض في تفاصيل مشروع مخطط التنمية 2026-2030، لا بد من التأكيد على أن أي قراءة اقتصادية وسياسية جادة لا ينبغي أن تكتفي بتقييم الأهداف المعلنة، وإنما عليها أن تتناول الأسس الفكرية للنموذج التنموي، ومدى قدرته على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن التنمية ليست مجرد ارتفاع في نسب النمو أو زيادة في حجم الاستثمارات، بل هي مشروع حضاري متكامل يعيد صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، ويحدد موقع الأمة في موازين القوى الإقليمية والدولية.


ومن هذا المنطلق، فإن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل عودة مهمة إلى فكرة التخطيط الوطني بعد عقود من هيمنة اقتصاد السوق المنفلت وسياسات التكييف الهيكلي التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي أفضت إلى تراجع دور الدولة الإنتاجي، وبيع عدد من المؤسسات العمومية، وتهميش القطاع الفلاحي، واتساع الفوارق الاجتماعية والجهوية، وارتفاع المديونية، وتآكل السيادة الاقتصادية.


إن الفكر القومي العربي التقدمي، المستلهم لتجربة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ينطلق من مسلمة أساسية مفادها أن التنمية ليست نشاطاً اقتصادياً معزولاً، وإنما هي أداة لتحرير الإرادة الوطنية. فالأمة التي لا تنتج غذاءها، ولا تتحكم في طاقتها، ولا تمتلك قرارها المالي والنقدي، تبقى رهينة مراكز القرار الخارجية مهما رفعت من شعارات الاستقلال.

وفي هذا السياق، يحسب للمخطط أنه أعاد الاعتبار لمفاهيم الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الطاقي، وربطها بالتنمية المستدامة. غير أن هذه المفاهيم لا ينبغي أن تبقى مجرد عناوين في وثيقة رسمية، بل يجب أن تتحول إلى خيارات استراتيجية ملزمة، تُترجم في سياسات عمومية تجعل من القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة والصناعات التحويلية أولويات مطلقة في الاستثمار العمومي.


لكن القراءة النقدية تكشف في المقابل أن المخطط، رغم لغته السيادية، لم يحسم بصورة واضحة طبيعة النموذج الاقتصادي الذي سيقود هذه المرحلة. فهل ستقود الدولة عملية التنمية بنفسها باعتبارها المستثمر الاستراتيجي والمخطط والمنظم؟ أم سيظل القطاع الخاص، المحلي والأجنبي، هو المحرك الرئيسي، بينما تكتفي الدولة بدور المنظم؟ إن هذا السؤال ليس تقنياً، بل هو جوهر الصراع بين نموذج الدولة التنموية ونموذج الدولة الحارسة للسوق. 


ومن منظور قومي لا يمكن بناء اقتصاد وطني قوي دون استعادة الدولة لدورها القيادي في القطاعات الاستراتيجية؛ كالنقل، والطاقة، والمياه، والموانئ، والاتصالات، والصناعات الأساسية، والمؤسسات المالية العمومية. فهذه القطاعات ليست مجرد أدوات لتحقيق الأرباح، بل هي ركائز للأمن القومي، ولا يجوز أن تخضع لمنطق الربح السريع أو لضغوط الخصخصة.


كما أن الحديث عن تحسين مناخ الاستثمار يجب ألا يتحول إلى مرادف لتقديم التنازلات الجبائية والمالية للمستثمرين الأجانب. فالاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق قيمة مضافة داخل البلاد، وينقل التكنولوجيا، ويكوّن الكفاءات الوطنية، ويزيد من نسبة الإدماج الصناعي المحلي، ويعزز الصادرات، لا الاستثمار الذي يحول البلاد إلى سوق استهلاكية أو منصة لتجميع المنتجات الأجنبية.


وفي الجانب المالي، يلاحظ أن المخطط يتحدث عن تعبئة الموارد دون أن يقدم تصوراً واضحاً لإصلاح المنظومة الجبائية، أو لاسترجاع الأموال المنهوبة، أو لمراجعة السياسات النقدية، أو لإعادة توجيه الجهاز البنكي نحو تمويل الاقتصاد المنتج. فالتنمية لا يمكن أن تقوم على الاقتراض المستمر، لأن المديونية، مهما كانت مبرراتها، تظل قيداً على القرار الوطني، وتمنح الدائنين أدوات للتأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.


إن التجارب الدولية، سواء في شرق آسيا أو في عدد من الاقتصادات الصاعدة، تؤكد أن التنمية الناجحة قامت على ثلاثة أعمدة مترابطة: دولة قوية، وإنتاج وطني تنافسي، واستثمار كثيف في المعرفة والبحث العلمي. ولم تحقق أي دولة نهضتها اعتماداً على الخدمات وحدها أو على الاستهلاك أو على التمويلات الخارجية.


ومن الزاوية الجيوسياسية، لا يمكن فصل التنمية عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، حيث تتشكل موازين قوى جديدة مع صعود تكتلات اقتصادية ومالية خارج الهيمنة الغربية التقليدية. ومن ثم فإن تونس مطالبة بانتهاج دبلوماسية اقتصادية متعددة الأبعاد، تنفتح على الفضاء العربي والإفريقي والمتوسطي، وتستثمر في الشراكات مع الاقتصادات الصاعدة، بما يوسع هوامش استقلال القرار الوطني ويقلل من الارتهان لمصدر واحد للتمويل أو التجارة.


كما أن التنمية الجهوية لا ينبغي أن تقتصر على توزيع المشاريع، وإنما يجب أن تؤسس لاقتصادات إقليمية متكاملة، تستثمر الخصوصيات الطبيعية والبشرية لكل جهة، وتربطها بشبكات النقل واللوجستيك والأسواق الداخلية والخارجية. فالعدالة المجالية ليست شعاراً سياسياً، بل هي شرط للاستقرار الاجتماعي والوحدة الوطنية.


ويبقى الرهان الأكبر هو التنفيذ. فقد أثبتت التجربة التونسية أن الأزمة ليست في نقص التشخيص أو غياب الرؤى، وإنما في ضعف الإدارة، وتعقد الإجراءات، وتداخل الصلاحيات، وغياب منظومة صارمة للمساءلة وربط المسؤولية بالنتائج. لذلك فإن نجاح مخطط التنمية لن يقاس بعدد المشاريع المبرمجة، بل بنسبة الإنجاز الفعلية، وقدرته على تحسين الإنتاجية، ورفع الدخل الوطني، وتقليص البطالة، وتحقيق التوازن بين الجهات.


إن المشروع القومي العربي التقدمي يرى أن الاقتصاد ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء دولة قوية، ومجتمع عادل، وإنسان حر. ولذلك فإن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنتاج الوطني أساس الثروة، والعلم أساس القوة، والعدالة أساس الاستقرار، والسيادة الاقتصادية أساس الاستقلال السياسي.


وعليه، فإن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة التنموية، لكنه سيظل معرضاً لأن يتحول إلى وثيقة نظرية إذا لم يُدعم بإصلاحات هيكلية جريئة، وبإرادة سياسية مستقلة، وبمشروع اقتصادي وطني يقطع مع اقتصاد الريع والتبعية، ويؤسس لاقتصاد إنتاجي سيادي يجعل من تونس دولة فاعلة في محيطها العربي والإفريقي، لا مجرد متلقية لتقلبات الاقتصاد العالمي. ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بحجم استهلاكها، بل بقدرتها على الإنتاج والابتكار وصناعة القرار المستقل، وهي الغاية التي ينبغي أن تظل البوصلة الحقيقية لأي مشروع تنموي وطني.


بقلم هشام اللهيّوي 

3 جويلية 2026

Hichem Lihioui مكتب هشام اللهيوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق