الصفحات

الصفحات

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني



نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت زلزالاً جيو-سياسياً أعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط والعالم الثالث. إن قراءة مسيرة القائد الخالد جمال عبد الناصر (1918 - 1970) من منظور قومي تقدمي تفرض علينا تفكيك هذه الظاهرة الاستثنائية، ليس كحدث عابر، بل كمنهج وفكر زاوج بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة القومية.
1. من حصار الفلوجة إلى القاهرة: ولادة الوعي الثوري
لم تبدأ ثورة يوليو في ثكنات القوات المسلحة، بل ولدت من رحم المأساة القومية في فلسطين عام 1948. فخلال حصار الفلوجة الشهير، وتحت دوي المدافع، صاغ جمال عبد الناصر ورفاقه أولى لبنات وعيهم السياسي والطبقي. هناك، وسط الخيانة الرسمية ونقص الذخيرة الفاسدة، أطلق عبد الناصر مقولته الاستراتيجية التي غيرت مجرى التاريخ: "إن المعركة الحقيقية ليست هنا، بل هناك في القاهرة" [1]. كان هذا الإدراك يمثل قفزة فكرية تقدمية؛ فالتحرر من الصهيونية يمر حتماً عبر تصفية عروش الفساد وإسقاط النظم الرجعية العميلة للاستعمار داخل العواصم العربية.
2. تنظيم الضباط الأحرار وصياغة المبادئ الستة
عقب العودة من فلسطين، شرع عبد الناصر في مأسسة هذا الوعي عبر تنظيم سري دقيق وهو "الضباط الأحرار". وفي ليلة 23 يوليو 1952، تحركت الطليعة الثورية لتسقط الملكية والوجود الإنجليزي وتعلن الجمهورية. ولم تكن الثورة عشوائية، بل تبلورت استراتيجيتها في المبادئ الستة الخالدة التي شكلت العقد الاجتماعي والسياسي للنظام الجديد، وهي:
  1. القضاء على الاستعمار وأعوانه.
  2. القضاء على الإقطاع.
  3. القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
  4. إقامة عدالة اجتماعية.
  5. إقامة جيش وطني قوي.
  6. إقامة حياة ديمقراطية سليمة [2].
3. الصدام مع الثورة المضادة: محاولة اغتيال المنشية 1954
أمام التوجهات التقدمية للثورة، كان الصدام حتمياً مع القوى المحافظة والرجعية. وفي أكتوبر 1954 في ميدان المنشية بالإسكندرية، تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال فاشلة برصاص تنظيم الإخوان المسلمين [1، 3]. لم تكن تلك الرصاصات استهدافاً لشخصه، بل كانت محاولة لإجهاض المشروع التقدمي برمته وإعادة مصر إلى مربع التبعية، غير أن رد فعل عبد الناصر الشجاع ثبّت أركان الثورة وفكك شبكات الثورة المضادة، ممهداً الطريق لبناء الدولة الوطنية الخالصة.
4. معارك السيادة: كسر احتكار السلاح وتأميم القناة 1956
انطلقت الثورة نحو انتزاع السيادة المطلقة عبر محطات تاريخية متتالية:
  • اتفاقية الجلاء (1954): التي أنهت 74 عاماً من الاحتلال البريطاني ليدخل آخر جندي إنجليزي في يونيو 1956 [2، 3].
  • كسر احتكار السلاح (1955): في خطوة هزت العواصم الغربية، عقد عبد الناصر صفقة الأسلحة التشيكية-السوفيتية، محطماً الفيتو الاستعماري الذي كان يمنع تسليح الجيوش العربية [1].
  • تأميم قناة السويس (26 يوليو 1956): جاء الرد الناصري ممتشقاً الكرامة الوطنية إثر سحب البنك الدولي تمويل السد العالي، ليعلن إعادة القناة إلى مالكها الشرعي الشعب المصري [1، 2].
  • الانتصار على العدوان الثلاثي (1956): تكالبت قوى الإمبريالية (بريطانيا، فرنسا، والكيان الصهيوني) لإسقاط النظام التحرري، غير أن صمود المقاومة الشعبية في بورسعيد والالتفاف القومي حول القيادة حول الهزيمة العسكرية إلى نصر سياسي مؤزر أنهى العصر الامبراطوري لبريطانيا وفرنسا [1].
5. المد القومي والوحدة العربية 1958: إدارة الأزمات بحكمة
بلغت الناصرية ذروتها القومية بإعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 دمجاً بين مصر وسوريا، لتتحول الوحدة من حلم رومانسي إلى حقيقة دستورية وجغرافية [2]. وعندما وقعت مؤامرة الانفصال عام 1961 بتواطؤ رجعي وإقليمي، تجلت حكمة عبد الناصر التقدمية؛ حيث رفض توجيه الجيش المصري لضرب السوريين، معلناً أن "الوحدة لا يمكن أن تحمى بقوة السلاح، وأن الدم العربي على الأرض العربية محرم"، مفضلاً صون الفكرة القومية في الوجدان على خوض حرب أهلية تخدم الأعداء.
6. القلعة الاقتصادية: 1200 مصنع والاشتراكية العلمية
لم تكن الاشتراكية عند عبد الناصر ترفاً فكرياً، بل كانت أداة لتمكين الطبقات المسحوقة من العمال والفلاحين. عبر "القرارات الاشتراكية الموجهة"، تم بناء أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث بتأسيس 1200 مصنع شملت الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب في حلوان، ومصانع الألومنيوم في نجع حمادي، وصناعات الغزل والنسيج [3]. وتوجت هذه الملحمة ببناء السد العالي وتأسيس برج القاهرة الذي بُني بأموال الرشوة التي قدمتها المخابرات الأمريكية (CIA) عبر رجلها "كوبلاند" للتأثير على مواقف مصر، فحولها ناصر إلى صرح إسمنتي يخلد سخرية الثورة من الدبلوماسية الدولارية الأمريكية [2].
7. البعد الأممي وثورة اليمن واللااءات الثلاث
تجاوزت الناصرية الأفق المحلي لتصبح قبلةً لكل حركات التحرر في العالم. فدعمت مصر بالمال والسلاح ثورة المليون ونصف المليون شهيد في الجزائر، وثورات إفريقيا (لومومبا في الكونغو، ونكروما في غانا)، وصولاً إلى قيادة تأسيس حركة عدم الانحياز (مؤتمر باندونج 1955) رفقة تيتو ونهرو [1]. ولم تتوانَ الثورة عن خوض معركتها ضد الرجعية العربية، فدفعت بالجيش المصري إلى اليمن عام 1962 لحماية الثورة اليمنية الوليدة وتثبيت كرامة الإنسان العربي هناك.
وعندما وقعت نكسة يونيو 1967 كطعنة إمبريالية غادرة لإيقاف هذا المد التحرري، رفض عبد الناصر الاستسلام والتوقيع على صك الهزيمة. تنحى عن الحكم فخرجت الجماهير تهتف "لا تنحى"، ليعود واضعاً مبادئ الصمود في مؤتمر الخرطوم باللاءات الثلاث: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل" [1، 4]، ويبدأ فوراً في التأسيس لـ حرب الاستنزاف البطولية وبناء حائط الصواريخ، مؤكداً أن "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".
هوامش ومراجع المقال:
  1. هيكل، محمد حسنين (1983). ملفات السويس: خفايا وأسرار الثورة والعدوان، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ص 89-102.
  2. عبد الناصر، جمال (1954). فلسفة الثورة، القاهرة: دار المعارف، ص 34-40.
  3. أنيس، محمد (1975). دراسات في تاريخ ثورة 23 يوليو، القاهرة: مكتبة مدبولي، ص 142-150.
  4. شرف، عبد العزيز (1988). الفكر السياسي والاجتماعي في عهد جمال عبد الناصر، بيروت: دار الطليعة، ص 210-218.

صرخة تنويرية في مهب التحولات: عندما تسبق السياسةُ الوعيَ الاجتماعي بقلم: الناصر خشيني



الأجيال العربية القادمة بحاجة إلى معرفة الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تزييف. والتاريخ لا يرحم الذين صمتوا، كما أنه لا ينسى الذين خاضوا معارك التنوير عندما كان الفكر المتشدد والتيارات المؤدلجة في أوج سطوتها.
منذ خمسة عشر عاماً خلت، أخذت على عاتقي —من واقع تخصصي في الشريعة الإسلامية وفهمي لمقاصدها الحقيقية— مهمة تفكيك وتخطئة الأفكار الوهابية المتشددة وخطاب تيارات الإسلام السياسي. أسستُ رفقة الدكتور رياض الصيداوي "صحيفة التقدمية" في سويسرا، وجعلناها منبراً لفضح الفتاوى التي اعتبرناها ضالة ومشوهة لجوهر الدين. انتقدنا بشدة النظرة الدونية للمرأة، وسيادة الرجل المطلقة عليها، والفتاوى الممعنة في الغرابة والتي وصلت إلى حد تحريم استخدام المرأة للإنترنت إلا بوجود مَحرم (كما نُسب للشيخ سعد الغامدي)، أو تحريم قيادة السيارة، وصولاً إلى فتاوى تحريم كرة القدم، والتصوير، والفنون التشكيلية.
ولم يتوقف نقدنا عند الفتاوى الاجتماعية والاجتهادات الخاطئة، بل امتد ليفضح الانحراف الأخلاقي والسياسي في فتاوى النوازل والحروب. ولقد وقفتُ بقلمي شاهداً وناقداً ومندداً بتلك المحطة التاريخية الخطيرة عام 2013، حين اجتمع في القاهرة —إبان عهد محمد مرسي— أكثر من 500 عالم وممثل لـ 70 جمعية ومنظمة إسلامية في مؤتمر جرى فيه توجيه الأمة نحو اقتتال داخلي مدمر.
لقد انتقدتُ بشدة مخرجات ذلك الاجتماع الذي أعلن "وجوب الجهاد في سوريا" بالنفس والمال والسلاح، في وقت كانت فيه بوصلة فلسطين تُنسى وتُهمش. كان هذا التوجه انسجاماً مع الفتاوى والخطابات التحريضية الصادرة عن الشيخ يوسف القرضاوي، الذي لم يكتفِ بشرعنة الاقتتال الداخلي، بل دعا علانية إلى اغتيال القادة (مثل القذافي وبشار الأسد) وشرعن التدخلات العسكرية وقصف العواصم العربية كطرابلس ودمشق. لقد تسببت تلك الفتاوى في "أفغنة" الصراعات العربية، وسالت بسببها دماء مئات الآلاف من الأبرياء، ودُمرت أوطان بأكملها تحت غطاء ديني زائف برر الاستقواء بالخارج لتدمير الداخل.
كنا نبحث —عبر صحيفتنا وكتاباتنا— عن "إصلاح ديني وجذري" يعيد للمجتمع توازنه، ويصون دماء المسلمين، وينصف المرأة، ويصوب بوصلة الأمة نحو قضاياها الوجودية العادلة كقضية فلسطين، ويفتح الباب أمام الفنون والعلوم لمواكبة العصر ضمن إطار اجتهادي تنويري أصيل. وضغطنا بكل ما نملك من قوة الكلمة والحجة الشرعية، وانتظرنا أن تثمر هذه الجهود عن نهضة فكرية وعقلانية يقودها المثقفون المتنورون.
لكن المفارقة التاريخية المريرة، هي أن التغيير في المنطقة عندما جاء، لم يأتِ نتيجة نضج مجتمعي أو حراك فكري تقوده النخب التنويرية، بل جاء بقرار سياسي فوقي تحول بموجبه المشهد من أقصى اليمين المتشدد إلى النقيض الآخر تماماً. وبدلاً من الانفتاح العقلاني المدروس، شهدنا تحولات اتسمت بالسطحية، حيث فُتحت الأبواب لما وُصف بمهرجانات العري، وتجاوزت التنازلات الثوابت السياسية والقومية لتصل إلى التطبيع مع الكيان المحتل.
إن المرارة التي أستشعرها اليوم —والتي وثقتها في كتابي "فتاوى التقدمية" المنشور رقمياً— تنبع من رؤية التوجه الغالب وهو ينقاد لإرادة الحكام والتقلبات السياسية، لا لإرادة وفكر المثقفين المتنورين.
أكتب هذا للأجيال القادمة ليعلموا أن تحرير العقل وبناء الأوطان لا يحدث بالقفز من التشدد الأعمى والفتن المذهبية إلى الانفتاح السطحي والتطبيع، بل بالوعي، والتعليم، والاجتهاد المقاصدي الحقيقي الذي يحقن الدماء ويحفظ الهوية. ستبقى مواقفنا شهادة على مرحلة صعبة، ولن يتوقف قلم المثقف عن النقد، لأن معركة التنوير الحقيقية هي معركة بناء الإنسان وحماية الأوطان، لا معركة ترفيه عابر أو مصالح سياسية متقلبة.

الاثنين، 20 يوليو 2026

صالح بن يوسف :  معركة الهوية وثمن الإرادة القومية في تونس بقلم: الناصر خشيني

   


  لم يكن اغتيال القائد والرمز العربي التونسي صالح بن يوسف في أغسطس 1961، ومن بعده إعدام قادة انتفاضة ديسمبر 1962، مجرد تصفية جسدية لمعارضين سياسيين، بل كان محاولة مبكرة لـ"اغتيال المشروع القومي التقدمي" في شمال إفريقيا. لقد كان ذلك ضربة وجهتها قوى الارتهان بالغرب لقطع الجسور بين تونس وعمقها العربي النابض في القاهرة وبغداد ودمشق. إن قراءة هذه المحطة الدامية من تاريخنا تفرض علينا تفكيك طبيعة الصراع الوجودي بين تيار التحرر الشامل والتيار البورقيبي التفتيتي.

أولاً: الجذور والوعي النضالي المبكر

ولد صالح بن يوسف في جزيرة جربة الأبية عام 1907، وحمل في وجدانه إرث المعاناة لشعب يرزح تحت نير الاستعمار الفرنسي. نال شهادة الحقوق والعلوم السياسية من السوربون، لكنه لم يفتن بالنموذج الغربي الاستعلائي؛ بل سخر معرفته لخدمة شعبه، متدرجاً في صفوف الحركة الوطنية حتى أصبح الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد [1]. لم يكن بن يوسف رجل قانون بيروقراطي، بل كان مناضلاً ميدانياً يدرك أن الحقوق لا تُستجدى في أروقة باريس، بل تُنتزع بنضال الجماهير وكفاحها المشترك.

ثانياً: معركة الهوية.. مرسيليا في مواجهة القاهرة

تمثّل الخلاف اليوسفي-البورقيبي عام 1955 حول "اتفاقيات الاستقلال الداخلي" المنعرج الحاسم الذي كشف زيف "الوطنية الضيقة" المفصولة عن عمقها القومي. هنا تجلت جبهتان ومآلان:

التيار البورقيبي التغريبي: الذي جسد عقلية "الخطوة خطوة" والتنازل المبدئي، معلناً بوضوح أن "مرسيليا أقرب إلى تونس من القاهرة". كانت هذه الرؤية انبتاتاً فكرياً يربط مستقبل البلاد الاقتصادي والثقافي بالعجلة التبعية للغرب الإمبريالي، ويؤصل لجمهورية قطرية معزولة عن قضايا أمتها.

التيار اليوسفي العروبي والتقدمي: بقيادة بن يوسف، الذي رفض أنصاف الحلول والاتفاقيات المذلة التي ترهن تونس لفرنسا [2]. انطلق الشهيد من وعي قومي ناصع يرى أن معركة تونس جزء لا يتجزأ من ثورة التحرر العربي؛ ويمم وجهه شطر قاهرة جمال عبد الناصر، منحازاً لخط الكفاح المسلح، ومدركاً أن الاستقلال الحقيقي هو الاستقلال التام وغير المشروط [3].

ثالثاً: الإقصاء الدامي والمكيدة الغادرة

حين عجز النظام البورقيبي الناشئ عن مقارعة الحجة اليوسفية ديمقراطياً وفكرياً، وحين روعته شعبية بن يوسف في صفوف الجماهير والفلاحين والمقاومين (الفلاقة)، لجأ إلى آلة القمع والإقصاء. طُرد بن يوسف من الحزب، ولوحق أنصاره بالتصفية والتعذيب، مما دفعه للمنفى مواصلاً التحريض الفكري والسياسي ضد دولة الفرد والتبعية [4].

ولأن صوت بن يوسف كان يهدد عروش الارتهان، دُبّرت له المكيدة الكبرى. في 12 أغسطس 1961، وفي غمرة انشغال الشعب التونسي بدمائه في معركة بنزرت، استُدرج القائد العروبي إلى فندق في مدينة فرانكفورت بألمانيا تحت غطاء الصلح الكاذب. وهناك، بأيدي الغدر وبتخطيط من أجهزة أمن السلطة البورقيبية، أطلقت الرصاصات على رأسه المفكر، ليسقط شهيداً غريباً عن أرضه، شاهداً بدمه على دموية التيار القُطري [5].

رابعاً: انتفاضة الشرفاء و"مجزرة ديسمبر 1962" القضائية

لم يمر اغتيال القائد بن يوسف دون أن يهز ضمير الحركة الوطنية المسلحة. ففي أواخر عام 1962، قاد ثوار وفلاقة شرفاء وعسكريون تقدميون، وعلى رأسهم المقاوم البطل لزهر الشرايطي ورفيقه صالح الحشاني، محاولة ثورية لقلب نظام بورقيبة وإنهاء عهد الارتهان والتبعية وتصفية الحساب مع قتلة بن يوسف [6].

لكن الآلة القمعية للنظام القُطري الناشئ كانت بالمرصاد لهذه الانتفاضة؛ فنصبت بورقيبية الحكم محاكمة عسكرية صورية افتقرت لأدنى شروط العدالة في يناير 1963. ولم يتأخر نظام بورقيبة في إظهار وجهه الديكتاتوري الدموي، فأصدر أحكاماً بالإعدام نُفذت سريعاً بحق 10 من قادة الحركة، وعلى رأسهم رمز المقاومة الشعبية لزهر الشرايطي [7]. كانت تلك المحاكمة الصورية محاولة بائسة لدفن الفكرة اليوسفية العروبية، واستكمالاً لمسلسل تصفية كل من يرفع راية الكفاح المسلح والانتماء للأمة.

خامساً: مآلات الدم وانتصار الفكرة

حتى بعد اغتيال بن يوسف وإعدام الشرايطي ورفاقه الشرفاء، ظلت أجسادهم الطاهرة ترعب سلطة الاستبداد؛ فرُفض دفن بن يوسف في تونس، ليحتضنه التراب المصري في "مقبرة الشهداء" بالقاهرة، الشاهدة على هويته القومية التي قُتل من أجلها، قبل أن يعود لرفاته في مقبرة الجلاز عام 1991 [8].

اليوم، ونحن نقرأ هذه الصفحة الدامية من تاريخنا من موقعنا التقدمي، ندرك أن "اليوسفية" وحراك "ديسمبر 1962" لم يكونا مجرد أحداث عابرة، بل كانا صرخة مبكرة ضد الهيمنة وتزييف الهوية وتأسيس الاستبداد. إن استحضار هؤلاء الشهداء اليوم هو تأكيد على أن معركة التحرر الوطني لا تكتمل إلا ببعدها القومي العربي، وأن دماء صالح بن يوسف ولزهر الشرايطي ستبقى منارات تضيء طريق الأجيال نحو الانعتاق التام والسيادة الوطنية الحقيقية.

عاش نضال أمتنا، والمجد والخلود لشهداء الفكر والإرادة القومية.

الهوامش والمراجع:

د. عبد اللطيف الحناشي، الحركة اليوسفية في تونس: الجذور الفكرية والسياسية، دار المعرفة، تونس، ص. 45.

د. عميرة علية الصغير، اليوسفية ومآلات الاستقلال المنقوص، منشورات المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية، تونس، ص. 112.

د. علي المحجوبي، تاريخ تونس المعاصر: الصراع حول الهوية والخيارات السياسية، سراس للنشر، تونس، ص. 89.

د. خالد عبيد، تونس 1955-1956: وثائق صامتة في الصراع البورقيبي اليوسفي، منشورات شهريار، ص. 134.

توفيق المديني، الاغتيال السياسي في تونس: ملف صالح بن يوسف، الدار العربية للعلوم، بيروت، ص. 201.

د. مصطفى التليلي، المقاومة المسلحة والفلاقة في تونس: من بوابات التحرير إلى غرف الإعدام، دار التنوير، ص. 175.

أرشيف المحاكمات العسكرية بتونس (جانفي 1963)، وثائق ملف "مؤامرة لزهر الشرايطي وعمر البنبلي لقلب نظام الحكم".

تقرير هيئة الحقيقة والكرامة التونسية (2019)، الملف القضائي والتحقيقي لشهداء الحركة اليوسفية وانتفاضة 1962.

معادلات الاستكبار وكلفة الحماقة الأمريكية-السعودية بقلم الناصر خشيني

خداع ترامب الجديد... وإيران التي لقّنت واشنطن درس الردع بقلم: الناصر خشيني



مدخل

كل اتفاق وقّعته واشنطن مع طهران في العقود الأخيرة كان جسراً إلى خرق جديد، لا إلى سلام حقيقي. هذه ليست مصادفة، بل بنية متكررة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يرى في المفاوضات أداة لكسب الوقت، لا التزاماً بالكلمة. وها هي الإدارة الأمريكية، بعد أشهر من التلويح بالتفاوض، تُقدم على ما وصفه ترامب نفسه بأن إيران "ستدفع الثمن"، في تصعيد عسكري مباشر تجاوز كل الخطوط التي كانت تُرسم سابقاً كحدود للاشتباك غير المعلن.

الرد الذي لم يكن ينتظره أحد بهذا الاتساع

المعطيات الواردة من مصادر إيرانية ومقاومة تتحدث عن عملية متعددة الجبهات، طالت في وقت متزامن تقريباً قواعد ومنشآت أمريكية في سوريا والكويت والأردن والبحرين، إضافة إلى استهداف مواقع في قطر وعُمان والعراق بحسب تقارير دولية موثقة. وبحسب بيان الحرس الثوري، استُهدف 21 موقعاً أمريكياً، من بينها حظيرة لطائرات F-35 في قاعدة الأزرق الأردنية، إلى جانب ضربات صاروخية ومسيّرة طالت قاعدة "علي السالم" في الكويت والأسطول الخامس في البحرين.

هذه ليست "مناوشة" بالمعنى العسكري التقليدي. إنها رسالة ردع مركّبة، صيغت لتقول لواشنطن إن أي عدوان على الأراضي الإيرانية سيُقابَل بثمن يتوزع على كامل الخريطة التي تنتشر فيها القواعد الأمريكية في المنطقة — لا في إيران وحدها.

التنف: رمزية الأرض التي لا تُنسى

الرواية الإيرانية تتحدث عن استهداف "التنف" كرد على ما وصفته بضربة أمريكية قرب مستشفى للأطفال المصابين بالسرطان في إيران. صحيح أن القوات الأمريكية كانت قد أعلنت انسحابها الرسمي من هذه القاعدة في فبراير الماضي ضمن إعادة انتشار أوسع، لكن الرمزية هنا أهم من التفاصيل اللوجستية: التنف كانت لعقد كامل عنوان الوجود الأمريكي غير الشرعي على الأرض السورية، واستهدافها — ولو رمزياً أو جزئياً — يحمل رسالة أن "الاستكبار" لا يملك أرضاً آمنة في هذا الإقليم، حتى بعد أن أخلاها.

الخليج: حين تتحول القواعد إلى عبء أمني على مضيفيها

الأخطر في هذا التصعيد ليس فقط الخسائر المادية المزعومة في الكويت والأردن والبحرين، بل السؤال الذي بات يُطرح بإلحاح متزايد في دول الخليج نفسها: إلى متى تبقى هذه القواعد ثمناً تدفعه شعوب لا ناقة لها ولا جمل في حرب لا تخوضها؟ حين تتحول مدن مثل الدوحة والمنامة إلى ساحات تُطلق فيها صفارات الإنذار وتُغلق فيها الأجواء، يصبح السؤال عن جدوى استضافة القواعد الأمريكية سؤالاً وجودياً لا سياسياً فقط.

قراءة في الخطاب لا في الحقائق وحدها

من المهم، كصحافيين وكتّاب رأي، أن نميّز بين ما تؤكده المصادر الدولية المستقلة وما تعلنه الأطراف المتحاربة عن نفسها. الحرس الثوري يتحدث عن نجاح شبه كامل في ضرب أهدافه؛ واشنطن، في المقابل، لم تصدر حصراً رسمياً شاملاً للخسائر. هذا الغموض بالذات هو سلاح إيراني بامتياز: فحتى لو كانت الأضرار الفعلية أقل مما تصفه البيانات الإيرانية، فإن مجرد قدرة طهران على تنفيذ ضربة متعددة الجبهات، متزامنة، وصلت إلى ست دول في وقت واحد تقريباً، هي بحد ذاتها رسالة ردع تفوق قيمتها العسكرية المباشرة.

السر الذي يتكتم عليه البنتاغون: صمت يتحدث أكثر من أي بيان

في مقابل الحماس الإعلامي الإيراني بنشر تفاصيل كل ضربة ومعداتها ونتائجها، يلتزم البنتاغون بصمت مطبق يثير أكثر مما يهدئ. فمنذ الليلة الأولى للتصعيد، لم تصدر واشنطن حصيلة رسمية شاملة للخسائر البشرية أو المادية في قواعدها بالمنطقة، مكتفية ببيانات مقتضبة تتحدث عن "اعتراض ناجح" لمعظم التهديدات، دون تفاصيل تُذكر عن حجم الأضرار الفعلية أو عدد المصابين.

هذا النمط ليس جديداً على العقيدة العسكرية الأمريكية. فمنذ حرب فيتنام، ومروراً بالعراق وأفغانستان، دأب البنتاغون على تبني سياسة "التعتيم الانتقائي": الإعلان السريع عن أي نجاح عسكري، مقابل تأخير أو تجزئة أو حتى حجب الأرقام الحقيقية للخسائر، تحت ذريعة "الأمن التشغيلي" أو "عدم منح العدو معلومات استخباراتية". لكن خلف هذه الذريعة التقنية، تكمن حسابات سياسية أعمق: فالرأي العام الأمريكي، الذي أنهكته حروب الشرق الأوسط الطويلة، لا يحتمل صوراً جديدة لتوابيت ملفوفة بالعلم الأمريكي وهي تعود من قواعد لم يسمع بأسمائها أغلب الناخبين أصلاً.

أما دور الإعلام الغربي السائد في هذا المشهد فليس بريئاً بدوره. فالتغطية التي تصف الضربات الإيرانية بـ"محدودة" أو "رمزية"، دون انتظار تأكيد مستقل لحجم الأضرار، تعكس انحيازاً بنيوياً أقرب إلى الاصطفاف السياسي منه إلى الحياد المهني. حين تتحول عبارات مثل "مصادر دفاعية رفضت التعليق" إلى الصيغة الوحيدة المتاحة للجمهور الغربي، فإن الفراغ الذي يتركه هذا الصمت الرسمي والإعلامي يصبح مساحة مفتوحة للتساؤل المشروع: هل الحصيلة الحقيقية للضربات الإيرانية أكبر بكثير مما تعترف به واشنطن؟ وهل يخشى البنتاغون أن الاعتراف الكامل بحجم الأضرار سيكشف هشاشة منظومة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بعد عقود من الترويج لها كدرع لا يُخترق؟

خاتمة: معادلة "الرد بالرد"

ما يجري اليوم ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، بل اختبار حقيقي لمعادلة جديدة تحاول طهران فرضها: كل عدوان أمريكي أو إسرائيلي سيُقابَل برد يتجاوز الحدود الإيرانية نفسها ليطال شبكة الوجود العسكري الأمريكي بأكملها في المنطقة. وفي المقابل، صمت البنتاغون لا يخدم الشفافية بقدر ما يخدم سردية سياسية داخلية تحاول إدارة ترامب من خلالها تجنب الإحراج، وتأجيل لحظة الحساب أمام كونغرس وناخبين متعبين من حروب لا نهاية لها. سواء نجحت هذه المعادلة في ردع واشنطن أو لا، فإنها تعيد كتابة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وتضع شعوب المنطقة — لا حكوماتها فقط — أمام سؤال الثمن الحقيقي لاستضافة حروب الآخرين على أراضيها.

الأحد، 19 يوليو 2026

​مالي ومحيطها العربي: من تقليم النفوذ الفرنسي إلى فخ التوترات الإقليمية ​بقلم: الناصر خشيني



​أولاً: تقليم النفوذ الاستعماري الفرنسي (التحول نحو السيادة الصلبة)

​شهدت جمهورية مالي في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في عقيدتها السياسية والأمنية، تجسد في انتفاضة الإرادة الوطنية ضد أدوات الهيمنة الغربية. ووفقاً للتحليل القومي التقدمي، فإن ما شهدته باماكو لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان خطوة تاريخية لتقليم أظافر الاستعمار الفرنسي التقليدي والجديد (Françafrique) الذي نهب ثروات الساحل لعقود [1].

​لقد نجحت الإرادة الحرة في مالي في طرد القوات الفرنسية الغازية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، متحررةً من السردية النمطية التي جعلت من مالي حديقة خلفية لباريس. وفي محاولة لكسر الطوق والحصار الاقتصادي والأمني الذي فرضته القوى الإمبريالية عبر أدواتها الإقليمية مثل منظمة (إيكواس)، اتجهت مالي نحو صياغة تحالفات دولية بديلة وبناء "تحالف دول الساحل" (AES) مع بوركينا فاسو والنيجر، ككتلة جغرافية مناهضة للهيمنة تسعى لاستعادة السيادة الوطنية الصلبة على الأرض والثروات والمصير [2].

​ثانياً: جذور التوتر الراهن مع الجزائر (صدام الأجندات وسقوط الاتفاقيات)

​رغم العمق التاريخي الذي يربط مالي بمحيطها العربي، وبخاصة الجزائر التي قادت مسارات دبلوماسية لرأب الصدع في الشمال، إلا أن العلاقات بين البلدين دخلت مؤخراً نفقاً مظلماً من التوترات التصاعدية وتراشق الاتهامات [3]. ويرى التحليل التقدمي أن هذا التوتر يرجع بالأساس إلى صدام الأجندات وسقوط المقاربات التقليدية لإدارة الأزمات:

​إعلان وفاة "اتفاق الجزائر" (2015): جاء قرار باماكو الرسمي بإنهاء العمل بهذا الاتفاق نتيجة لشعور القيادة المالية بأن الاتفاق بات يشكل أداة لتقسيم المقسم، والتدخل في الشؤون الداخلية عبر احتضان حركات انفصالية مسلحة، مما يمس بالسيادة الترابية للدولة الوطنية [4].

​عسكرة الحل وسقوط التوازنات: تتبنى مالي حالياً استراتيجية الحسم العسكري وبسط نفوذ الجيش المالي على مدن الشمال (مثل كيدال)، وهو ما تراه الجزائر تهديداً مباشراً لأمنها القومي وحزامها الجنوبي، خشية أن يؤدي العنف إلى تدفق هائل للاجئين وانفجار البيئة الحدودية [5].

​صراع المحاور والإستراتيجيات البديلة: إن التوجس الجزائري من التغلغل الروسي المكثف على حدودها، يقابله توجس مالي من محاولات فرض الوصاية الإقليمية. هذا الاستقطاب تفاقم مع دخول أطراف عربية أخرى على خط الأزمة عبر تقديم بدائل ومبادرات اقتصادية لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، مما جعل مالي ساحة للتجاذب الجيوسياسي بدلاً من أن تكون شريكاً في تنمية متكافئة [6].

​ثالثاً: ما السبيل لعلاقات متميزة ومستدامة بين مالي ومحيطها العربي؟

​من منظور قومي تقدمي، لا يمكن فك الارتباط الاستعماري وبناء فضاء أمني وتنموي مستقل في منطقة الساحل والصحراء دون صياغة عقد جديد يربط مالي بمحيطها العربي على أسس الندية والتكامل:

​1. الاحترام المطلق للسيادة الوطنية

​يجب على دول الجوار العربي (وخاصة الجزائر وموريتانيا) التخلي عن مقاربات "الوصاية الأمنية" الموروثة عن حقبة الحرب الباردة، والتعامل مع باماكو كدولة كاملة السيادة، واحترام خياراتها الوطنية في صياغة تحالفاتها الدولية والدفاع عن وحدة أراضيها وضبط حدودها دون تدخل خارجي.

​2. الاقتصاد التنموي كبديل للمقاربة الأمنية الفرنسية

​إن الفكاك من التبعية للشمال يتطلب استبدال المقاربة الأمنية الصرفة بـ "استراتيجية الممرات التنموية". ويتطلب ذلك:

​تفعيل الشراكات الجيواقتصادية: دعم دمج مالي (كدولة حبيسة) في المعابر البحرية والموانئ العربية (المغربية والموريتانية) لتسهيل تصدير ثرواتها من الذهب والقطن، مما يحررها من الابتزاز الغربي ويمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم كسر "التبادل غير المتكافئ" [7].

​الاستثمارات السيادية المشتركة: توجيه الرساميل العربية للاستثمار الحقيقي في البنية التحتية، الفلاحة، والتعدين داخل مالي، لخلق تنمية حقيقية تقضي على البيئة الحاضنة للجريمة المنظمة والإرهاب الذي تغذيه القوى الاستعمارية لضمان بقائها.

​3. صياغة آلية أمنية قومية وإقليمية مستقلة

​بدلاً من الارتهان للقوى الأجنبية (سواء كانت غربية أو شرقية)، تبرز الحاجة إلى بناء آلية تنسيق أمني واستخباراتي مباشر ودائم بين دول الجوار العربي وتحالف دول الساحل (AES)، ترتكز على ضبط الحدود المشتركة وتجفيف منابع الإرهاب، باعتبار أن أمن الساحل هو امتداد عضوي للأمن القومي العربي.

​4. إحياء الدبلوماسية الثقافية والروحية

​استثمار العمق الروحي والتاريخي المشترك الذي تمثله مراكز الإشعاع الحضاري الإسلامي (مثل تمبكتو) عبر تفعيل دور المؤسسات التعليمية والدينية العربية الكبرى والروابط الصوفية المشتركة، لبناء سد منيع ضد الاختراقات الفكرية الاستعمارية وتعزيز اللحمة الشعبية بين شعوب المنطقة [8].

​رابعاً: المصادر والمراجع (الهوامش)

​[1] أمين، سمير. (1980). الأزمة الراهنة للنظام الرأسمالي والإمبريالية في إفريقيا. دار الطليعة، بيروت، ص. 142-145 (لتأصيل مفهوم التحرر والفكاك من الاستعمار الجديد في الساحل).

​[2] تحالف دول الساحل (AES). (2023). ميثاق ليبتاكو-غورما التأسيسي لهيكلة الدفاع المشترك والسيادة الاقتصادية. باماكو.

​[3] مجلة السياسة الدولية. (2024). التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل: مالي ونهاية الدور الفرنسي. مؤسسة الأهرام، القاهرة، العدد 235، ص. 88.

​[4] وزارة الشؤون الخارجية المالية. (يناير 2024). البيان الرسمي للحكومة الانتقالية بشأن إنهاء العمل باتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر. باماكو.

​[5] وكالة الأنباء الجزائرية. (ديسمبر 2023). تقارير وتصريحات رسمية حول التطورات الأمنية في شمال مالي وتداعياتها الإقليمية.

​[6] بن حمو، محمد. (2024). صراع المحاور في الساحل الإفريقي والمبادرات الاقتصادية الإقليمية البديلة. مركز الصحراء للدراسات الاستراتيجية، ص. 67-71.

​[7] أمين، سمير. (1985). التبادل غير المتكافئ والتنمية غير المتكافئة. دار الطليعة، بيروت (إسقاط نظري على ضرورة تحرير اقتصادات الساحل وإدماجها في محيطها الإقليمي).

​[8] التريكي، فتحي. (2002). العلاقات الثقافية العربية الإفريقية: التاريخ والمستقبل. الدار التونسية للنشر، تونس، ص. 110-114.

عز الدين القسام.. طليعة الكفاح القومي المسلح ومنارة المقاومة الفلسطينية بقلم: الناصر خشيني



في مسيرة التحرر العربي ضد الاستعمار والصهيونية، يمثل الشيخ عز الدين القسام (1882-1935) المنعطف الاستراتيجي الأبرز في تاريخ المقاومة الفلسطينية [1]. لم يكن القسام مجرد قائد محلي، بل كان تجسيداً حياً للفكر القومي التقدمي العابر للحدود المصطنعة؛ إذ ربط بين التعبئة الفكرية الروحية والممارسة الثورية المسلحة على الأرض، مدركاً باكراً أن مواجهة المشروع الاستعماري البريطاني-الصهيوني الإحلالي تتطلب تنظيماً طليعياً صلباً يعتمد على الجماهير الكادحة [1].
من جبلة إلى حيفا: شمولية المعركة والقومية الميدانية
ولد محمد عز الدين القسام عام 1882 في بلدة جبلة الساحلية السورية، وتلقى تعليمه في جامع الأزهر بالقاهرة، حيث تشرب فكر الإصلاح والنهوض العربي والتصدي للهيمنة الأجنبية [2]. لم يكتفِ القسام بالوعي النظري، بل شارك ميدانياً في دعم الثورة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي عام 1911، وقاد ثورة مسلحة ضد الاحتلال الفرنسي في الساحل السوري (1919-1920) [2].
بعد صدور حكم الإعدام بحقه من قبل السلطات الفرنسية، لجأ إلى فلسطين عام 1921 مستقراً في مدينة حيفا [2]. هذا التنقل النضالي يبرهن على أن القسام عاش العروبة كواقع نضالي موحد، معتبراً أن المعركة ضد الاستعمار في أي قطر عربي هي معركة الأمة بأسرها [2].
الاستراتيجية التنظيمية: الانحياز للطبقات الكادحة
في حيفا، تولى القسام الخطابة في جامع الاستقلال ورئاسة جمعية الشبان المسلمين، لكن عبقريته التقدمية تجلت في توجهه المباشر نحو العواطلية والعمال والفلاحين المقتلعين من أراضيهم والذين قطنوا أحياء الصفيح المحيطة بحيفا نتيجة السياسات البريطانية والصهيونية [3].
لم يتجه القسام إلى النخب الإقطاعية أو القيادات التقليدية التي كانت تميل للمساومة مع الانتداب، بل بنى تنظيمه السري الحركي (الحركة القسامية) من صلب الطبقة العاملة والكادحة [3]. أسس خلايا سرية عنقودية دقيقة (خلايا الدعوة، التدريب، شراء السلاح، والاستخبارات)، مغيراً بذلك مفهوم النضال النخبوي إلى "حرب الشعب" المنظمة [3].
ثورة اليعبد والاستشهاد: الدرس التاريخي والخلود
أدرك القسام أن الهجرة الصهيونية وتدفق السلاح يتطلبان حسم المواجهة؛ ففي نوفمبر 1935، أعلن رفقته الخروج المسلح إلى أحراش يعبد بقضاء جنين لإطلاق شرارة الثورة المسلحة الشاملة ضد الانتداب البريطاني وعصابات الصهيونية [4].
حاصرت القوات البريطانية المتفوقة عسكرياً القسام ورفاقه في 20 نوفمبر 1935 [4]. خاض القسام معركة غير متكافئة ورفض الاستسلام مطلقاً، موجهاً عبارته الشهيرة لرفاقه: "إنه جهاد.. نصر أو استشهاد"، ليسقط شهيداً مقبلاً غير مدبر [4].
لم تكن معركة يعبد هزيمة، بل كانت الشرارة التقدمية الكبرى التي فجرت الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) [4]. وبقي اسم القسام محفوراً في الوجدان الجمعي العربي كرمز للمقاومة الجسورة التي لا تخضع لحسابات موازين القوى المادية عندما تتعلق القضية بالوجود والكرامة القومية [1].

الهامش والمصادر (مقال عز الدين القسام)
[1] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 - 1948، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981، ص 312-315.
[2] علوش، ناجي، الحركة الوطنية الفلسطينية من قسام إلى عرفات، بيروت: دار الطليعة، 1974، ص 45-52.
[3] كنفاني، غسان، ثورة 1936-1939 في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل، بيروت: منشورات الرمال، 1972، ص 22-28.
[4] الصايغ، أنيس، فلسطين والقومية العربية، بيروت: مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1967، ص 89-93.