الحرية اولا صحيفة الحرية والوحدة للامة العربية من الخليج للمحيط
مدخل: كسر العظم وتبدّل الموازين
تجتاز المنطقة اليوم لحظة فارقة يمكن وصفها بـ"كسر العظم"، حيث أعادت جبهات المقاومة رسم خطوط الاشتباك وموازين القوى، مستندة إلى روح قومية تقدمية تجاوزت العناوين المذهبية الضيقة التي طالما وظّفها الاستعمار لتفتيت الصف الواحد. فالمشهد الممتد من الضربات الإيرانية الدقيقة إلى الحصار البحري اليمني الشامل على النظام السعودي، ليس سلسلة أحداث متفرقة، بل بنية متكاملة تكشف أن محور المقاومة يملك اليوم اليد العليا: عسكرياً في الميدان، واقتصادياً عبر خنق مفاصل الإمبراطورية العالمية.
والأهم من ذلك أن هذا التكامل بين الجبهات يحدث دون أن تذوب خصوصية كل جبهة في الأخرى. فإعلان اليمن حصار السعودية لم يكن تنفيذاً لإملاء خارجي، ولا مجرد "انتصار بالوكالة" لإيران كما تروّج الأبواق المضادة، بل هو نتيجة مباشرة وحتمية لسلسلة من الأخطاء الاستراتيجية السعودية، تُوّجت بقصف مطار صنعاء وتشديد الحصار الجوي والبري على الشعب اليمني.
قراءة الحصار: من الدفاع إلى المبادرة
هنا تكمن دقة القراءة التي يطرحها هذا التحليل: لقد نجح اليمن في تحويل الاعتداء عليه إلى فرصة استراتيجية، مستثمراً أخطاء التحالف المعادي ليفرض معادلة ردع جديدة، حصار بحري يقابل الحصار الجوي والبري المضروب عليه. هذا التناغم بين الفعل ورد الفعل جعل واشنطن تدرك أنها تغرق في مستنقع بلا قاع، فدفعها ذلك إلى السعي الحثيث، خلف الكواليس الدبلوماسية، لانتزاع هدنة عاجلة ولو لعشرة أيام، فرصة لالتقاط الأنفاس فحسب. غير أن القراءة التحليلية هنا تذهب إلى أن طهران لن تمنح واشنطن هذه الفرصة، حرصاً منها على قطع الطريق أمام أي محاولة أمريكية للالتفاف أو المناورة أو إعادة ترتيب الأوراق.
الكلفة الرقمية التقديرية: استمرار التصعيد يهدد بانهيار المنظومة المعادية
إذا تواصل هذا المسار التصعيدي، ورفض المحور المعادي شروط المقاومة القائمة على تصفير أزم
ات المنطقة وإنهاء الظلم المسلط على شعوبها، فإن التقديرات الاقتصادية والعسكرية لعام 2026 تشير إلى خسائر فادحة وغير مسبوقة على الجانبين الأمريكي والسعودي معاً.
أولاً: نزيف الاستنزاف الأمريكي — مليارات تُحرق في الرمال
على الصعيد العسكري المباشر، أقر البنتاغون رسمياً بأن كلفة العمليات ومواجهة الصواريخ والمسيرات بلغت 25 مليار دولار خلال أشهر قليلة فقط. غير أن هذا الرقم الرسمي لا يعكس سوى الواجهة الظاهرة للأزمة؛ إذ تؤكد تقديرات الخبراء الاقتصاديين في الكونغرس أن الكلفة الحقيقية على الاقتصاد الأمريكي والمنظومة الدفاعية تتراوح بين 630 مليار دولار وتريليون دولار كامل في حال استمرار الحرب، وهو ما دفع إدارة ترامب لطلب ميزانية دفاعية قياسية بلغت 1.5 تريليون دولار في محاولة لاحتواء هذا النزيف المستدام.
أما على صعيد كلفة السلاح والذخائر، فإن المعادلة تكشف عن اختلال بنيوي في ميزان الكلفة والعائد: فقصف المنشآت الحصينة يستدعي استخدام قاذفات استراتيجية كطراز B-2، التي تبلغ قيمة الطائرة الواحدة منها 2.1 مليار دولار، في حين يتطلب صد المسيرات الرخيصة استهلاك صواريخ دفاع جوي اعتراضية تفوق كلفة الصاروخ الواحد منها 3 ملايين دولار. هذه المعادلة، بكل بساطة، هي معادلة تدمير مالي ذاتي تفرضها طبيعة المواجهة غير المتكافئة على الطرف الأقوى تقنياً والأضعف استراتيجياً.
ثانياً: شلل الاقتصاد السعودي وانتحار "رؤية 2030"
على مستوى الناتج المحلي، تشير تقارير الأمم المتحدة وبرامجها التنموية (UNDP) لعام 2026 إلى أن استمرار التصعيد العسكري يهدد باقتطاع ما بين 3.7% و6% من الناتج المحلي الإجمالي الجماعي لدول المنطقة، وهو ما يترجم إلى خسائر مالية تتراوح بين 120 و194 مليار دولار.
وفيما يخص الاستثمارات والبنية التحتية، فإن فرض الحصار البحري وضرب العمق يعنيان الإطاحة الفورية بكل التعديلات التي أدخلتها الرياض مؤخراً على خططها الاقتصادية لجذب الاستثمار الأجنبي وتنشيط السياحة ضمن "رؤية 2030". فرأس المال، بطبيعته، جبان لا يقيم في مناطق الخطر، واستهداف بنى الطاقة والمياه التحتية يدفع بالعجز المالي نحو مستويات قياسية قد تتجاوز 17% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما على صعيد مضايق الملاحة وأسعار النفط، فرغم محاولات الرياض الاعتماد على أنابيب شرق-غرب لتفادي إغلاق مضيق هرمز، فإن امتداد الحصار البحري اليمني إلى البحر الأحمر يضع هذه البدائل نفسها تحت رحمة نيران المقاومة. وأي قفزة جنونية لأسعار النفط فوق حاجزي 90 و100 دولار للبرميل، نتيجة تعطل ما يقارب 25% من إمدادات الطاقة العالمية، ستعيد إنتاج تضخم عالمي خانق قد يصل إلى 4.7%، يرتد بالوبال في النهاية على واشنطن وحلفائها قبل غيرهم.
خلاصة التحليل: النفط مقابل الحرية والسيادة
إن الصورة باتت في غاية الوضوح وفق هذه القراءة التقدمية المناهضة للمذهبية: لقد ولّى زمن الحروب الموضعية التي يدفع ثمنها أبناء شعوبنا وحدهم بينما تُدار المعادلات من بعيد. فاستمرار الغطرسة الأمريكية، مقروناً بالغباء الاستراتيجي السعودي، يعني تلقائياً تفعيل معادلة شلل الاقتصاد العالمي بأسره، لا اقتصاد المنطقة فحسب.
وبناءً على هذه المعطيات مجتمعة، لم يعد أمام قوى الاستكبار سوى خيارين لا ثالث لهما: إما النزول عن شجرة المكابرة والقبول بتصفير مشاكل المنطقة، عبر إنهاء الاحتلال والظلم ورفع الحصار الشامل عن اليمن وإيران، وإما المضي في غيهم ودفع الثمن باهظاً من أمنهم القومي واقتصادهم المتهاوي. والنصر، في النهاية، ليس إلا حليف الشعوب الحرة التي امتلكت شجاعة الرد والردع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق