الصفحات

الصفحات

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

د. هدى صالح مهدي عماش: ناصية العلم في مواجهة العواصف الرقمية بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة: أعلام العرب

 


مقدمة 
إن الكتابة عن قامات أمتنا العربية في أوقات المحن والمواجهات الكبرى ليست مجرد تدوين للتاريخ، بل هي فعل مقاومة بالكلمة واسترداد للوعي. في هذه السلسلة "أعلام العرب"، نفتح ملفات الرموز الذين تعرضوا لمحاولات التغييب والشيطنة لأنهم رفضوا التبعية واختاروا طريق السيادة العلمية. ومن واجبنا تجاه القارئ العربي أن نعيد تسليط الضوء على هذه العقول المهاجرة والمحاصرة، لنستلهم من مسيرتها قيم العطاء والصمود في زمن التحديات المصيرية.
في تاريخ أمتنا العربية الحديث، ارتبط اسم العديد من الكفاءات العلمية بساحات النضال والصمود، ولم يقتصر دورهم على غرف المختبرات وقاعات الجامعات، بل أصبحوا خط الدفاع الأول عن مقدرات أوطانهم وسيادتها. ومن بين هذه القامات السامقة، تبرز العالمة والأكاديمية العراقية الدكتورة هدى صالح مهدي عماش، كنموذج للمرأة العربية التي جمعت بين أعلى الدرجات العلمية والالتزام القومي بقضايا أمتها.
سليلة النضال والتميز الأكاديمي
ولدت هدى عماش في بغداد عام 1953، ونشأت في كنف بيئة وطنية؛ فهي ابنة القائد والمؤرخ العسكري المعروف صالح مهدي عماش. لم تركن هدى إلى إرث عائلتها السياسي، بل شقت طريقها بجد واجتهاد في ميدان العلم. بعد تخرجها من جامعة بغداد، توجّهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتنهل من علوم العصر، فحصلت على الماجستير من جامعة تكساس، ثم الدكتوراه في علم الأحياء المجهرية (الميكروبيولوجي) من جامعة ميسوري عام 1983.
عادت الدكتورة هدى إلى وطنها العراق محملة بخبرات علمية نادرة، وسخرت علمها لخدمة الأجيال الصاعدة، فتدرجت في المناصب الأكاديمية حتى أصبحت عميدة لكلية العلوم بجامعة بغداد، ورئيسة لجمعية علم الأحياء الدقيقة العراقية، لتقود مسيرة تطوير البحث العلمي في أحلك الظروف التي مر بها العراق.
النضال البحثي: معركة اليورانيوم المنضب والأثر البيئي
لم يكن دور الدكتورة عماش مجرد عمل وظيفي أكاديمي؛ بل كان نضالاً علمياً حقيقياً لحماية بلدها من آثار الحروب والحصار الجائر الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي. فبينما كانت المختبرات تعاني شح الإمكانيات، قادت الدكتورة هدى جبهة بحثية لدراسة الأثر البيئي والصحي الخطير الناتجة عن استخدام القوات الغربية للأسلحة المحرمة دولياً، وعلى رأسها ذخائر اليورانيوم المنضب خلال حرب عام 1991.
أعدت الدكتورة عماش ونشرت سلسلة من الأبحاث وأوراق العمل الدقيقة التي وثقت علمياً الارتفاع الحاد في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية، والتشوهات الخلقية لدى المواليد الجدد، وتلوث التربة والمياه الجوفية في جنوب العراق. لم تكن هذه الأبحاث مجرد أرقام، بل كانت وثيقة إدانة دولية وصوت استغاثة علمي أطلقته للعالم لكشف حجم الكارثة البيئية والإنسانية التي حلت بالبلاد، معتبرة أن الدفاع عن سلامة البيئة والمواطن هو أسمى درجات الواجب القومي.
الاستهداف الغربي والصمود والإنصاف
بسبب مكانتها العلمية المرموقة وصعودها السياسي كأول امرأة تنال عضوية القيادة القطرية، وضعتها دوائر الاستهداف الغربي في قفص الاتهام. ومع غزو العراق عام 2003، شنت وسائل الإعلام الأمريكية حملة تشويه ممنهجة ضدها، مطلقة عليها ألقاباً تحريضية بهدف تبرير تدمير البنية التحتية العلمية للعراق، وتم إدراجها ضمن قائمة المطلوبين الـ 55.
رغم الاحتجاز الظالم الذي تعرضت له لقرابة عامين ونصف، ثبتت الدكتورة هدى على مواقفها، ورفضت كل محاولات الابتزاز السياسي. وجاء النصر الأخلاقي والعلمي لها في ديسمبر 2005، عندما أُجبرت القوات الأمريكية واللجان المشتركة على إطلاق سراحها دون توجيه أي تهمة رسمية، واعترافهم صراحة بخلو سجلها من أي برامج تسليحية محظورة، ليكون الإفراج عنها بمثابة وثيقة براءة وشهادة صمود لعالمة عربية واجهت آلة الدعاية الحربية بعزة وكرامة.
خاتمة: درس للأجيال وثبات على المبدأ
إن مسيرة الدكتورة هدى عماش تظل صفحة مضيئة في سجل أعلام العرب. إنها تثبت أن العلم في عالمنا العربي ليس ترفاً فكرياً، بل هو أداة تحرر وسلاح لحماية الهوية والوجود. ورغم استقرارها الحالي في عمان واعتزالها العمل العام بعد رحلة عطاء مريرة، تظل قصتها وبحوثها درساً حياً للأجيال الجديدة؛ درس يؤكد أن العقل العربي قادر على التفوق، وأن العالم الحقيقي هو من يربط مصيره بمصير أمته، مدافعاً عن حقها في التطور والعيش الكريم والسيادة على أرضها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق