الصفحات

الصفحات

الأحد، 19 يوليو 2026

فرحات حشاد.. عبقرية الممارسة النقابية والشهادة في سبيل السيادة الوطنية التونسية بقلم: الناصر خشيني

 


يمثل الشهيد القائد فرحات حشاد (1914-1952) أحد أبرز رموز النضال الوطني والقومي في المغرب العربي؛ إذ نجح بعبقريته الفكرية والتنظيمية في صهر النضال الاجتماعي المطلبي مع معركة التحرر الوطني والسياسي ضد الاستعمار الفرنسي [5]. حشاد لم يكن مجرد نقابي تقليدي ينحصر دوره في تحسين شروط الاستغلال، بل كان طليعة تقدمية استوعبت أن تحرر الطبقة العاملة التونسية لا ينفصل عن طرد المستعمر وبناء الدولة الوطنية المستقلة ذات الأفق العروبي [5].
النشأة العمالية وتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل
ولد فرحات حشاد عام 1914 في بلدة العباسية بجزر قرقنة التونسية لأسرة كادحة تمتهن الصيد البحري [6]. اضطر لترك دراسته مبكراً والعمل في شركة النقل بالساحل (سوسة)، حيث عايش عن قرب بؤس العمال التونسيين والتمييز العنصري والمادي الذي كان يمارسه المستعمر لصالح العمال الأجانب [6].
انخرط حشاد في البداية داخل نقابة "الكونفدرالية العامة للشغل" (CGT) الفرنسية، لكنه سرعان ما اكتشف عجزها وتبنيها للمركزية الفرنسية وإهمالها لحقوق العمال التونسيين وقضيتهم الوطنية [7]. قاده هذا الوعي التقدمي المبكر رفقة ثلة من رفاقه إلى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) في 20 جانفي 1946، ليكون أول منظمة نقابية عمالية مستقلة تماماً في العالم العربي وإفريقيا [7].
المنهج التقدمي لحشاد: صهر الاجتماعي بالوطني
تميز المنهج الفكري لحشاد برؤية ثاقبة تختزلها مقولته الشهيرة: "أحبك يا شعب" [5]. جعل حشاد من الاتحاد العام التونسي للشغل القوة التنظيمية الأكثر تماسكاً وتأثيراً في البلاد [7]. وعندما أقدمت السلطات الاستعمارية الفرنسية على اعتقال قيادات الحزب الحر الدستوري الجديد ونفيهم عام 1952، تحول الاتحاد بقيادة حشاد إلى القائد الفعلي والعمود الفقري للمقاومة الوطنية والتعبئة الشعبية [8].
لم يقتصر دور حشاد على الساحة المحلية؛ بل امتد نشاطه إلى الفضاء المغاربي والعربي، ساعياً إلى بناء جبهة نقابية مغاربية موحدة ضد الاستعمار الفرنسي، ومدافعاً عن القضية الفلسطينية وقضايا التحرر القومي في المحافل النقابية الدولية (مثل الجامعة العالمية للنقابات الحرة) [8].
الاغتيال والخلود: اليد الحمراء وتأجيج الثورة
شكل فرحات حشاد، بعبقريته التنظيمية وقدرته الفائقة على تحريك الشارع وتدويل القضية التونسية، تهديداً وجودياً للمصالح الاستعمارية الفرنسية [9]. وأمام عجزها عن ترويضه أو ثنيه، أوعزت المخابرات الفرنسية لعصابتها الإرهابية السرية المعروفة باسم "اليد الحمراء" (La Main Rouge) لتصفيته جسدياً [9].
في صباح 5 ديسمبر 1952، تعقبت العصابة سيارته في ضواحي تونس العاصمة وأطلقت عليه وابلاً من الرصاص، ثم أجهزت عليه لتصعد روحه شهيدة شاهدة على بشاعة الفاشية الاستعمارية [9].
فجّر اغتيال حشاد موجة عارمة من الاحتجاجات والإضرابات الهائلة ليس في تونس فحسب، بل في الدار البيضاء، والجزائر، والقاهرة، وبيروت، وتحول دمه إلى الوقود الذي عجّل باندلاع الكفاح المسلح في تونس حتى نيل الاستقلال والسيادة [8]. يظل فرحات حشاد في الذاكرة القومية التقدمية نموذجاً فريداً للقائد العمالي الذي جعل من عرق الشغالين وبنادق المقاومين طريقاً واحداً لكرامة الوطن والأمة [5].

الهامش والمصادر (مقال فرحات حشاد)
[5] التيمومي، الهادي، تاريخ تونس الحديث والمعاصر 1881-1956، تونس: دار التنوير، 2007، ص 142-148.
[6] بن حميدة، أحمد، الحركة النقابية التونسية: النشأة والتطور، تونس: مؤسسة علي بلهوان، 1984، ص 65-72.
[7] الاتحاد العام التونسي للشغل، فرحات حشاد: حياته، جهاده، استشهاده، تونس: منشورات الاتحاد، 1977، ص 18-24.
[8] بلاغ، منصف، الحركة الوطنية التونسية وفضاء التحرر العربي، تونس: دار سراس للنشر، 1999، ص 105-110.
[9] كازاماجور، سيرج، الاغتيالات السياسية في تونس الاستعمارية: ملف فرحات حشاد، باريس: منشورات لارماتان، 2002، ص 88-95.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق