التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي ​بقلم: الناصر خشيني



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي
​مقدمة
​إذا كان الشرق قد استيقظ في القرن التاسع عشر على صيحات جمال الدين الأفغاني الثورية والسياسية، فإن تحويل تلك الصيحات إلى مشاريع عمل، ومناهج تعليم، وتجديد فقهي ومؤسسي على أرض الواقع، كان ثمرة العبقرية الهادئة لتلميذه البار الإمام الشيخ محمد عبده. فلم يكن الإمام مجرد عالم دين تقليدي، بل كان المجدد الفكري الأول الذي واجه جمود الماضي وتحديات الحداثة الغربية معاً، تاركاً أثراً عميقاً في مسار الفكر الإسلامي المعاصر عبر إصلاح التعليم، وتطوير القضاء، وتجديد مؤسسة الفتوى.
​أولاً: النشأة والتحول من الثورة إلى المؤسسة
​وُلد محمد عبده عام 1849 في دلتا مصر لأسرة فلاحية، وتلقى تعليمه في جامع السيد البدوي بطنطا ثم في الجامع الأزهر. عانى الإمام في بداياته من المناهج العقيمة القائمة على الحفظ والجمود، حتى التقى بالشيخ درويش خضر الذي حبب إليه التصوف المستنير، ثم جاء اللقاء الفاصل بالأفغاني ليفجر طاقاته العقلية.
​انخرط الإمام في العمل الحركي، وشارك أستاذه في تأسيس جريدة "العروة الوثقى" في باريس بعد نفيه إثر فشل الثورة العرابية (1882). إلا أن تجربة المنفى قادت الشيخ إلى قناعة تاريخية جديدة: "إن إصلاح الأمة لا يأتي بانقلابات سياسية فوقية، بل بإصلاح التعليم وتربية العقول وتجديد الفكر الديني من الداخل". ومن هنا، عاد إلى مصر ليبدأ رحلة الإصلاح المؤسسي الهادئ والطويل.
​ثانياً: رائد التجديد الإفتائي وعصرنة الفقه
​تجلت عبقرية الإمام محمد عبده عند توليه منصب "مفتي الديار المصرية" عام 1899م، حيث استمر في هذا المنصب ست سنوات كاملة حتى وفاته عام 1905م. ويُعد أول مفتٍ عام مستقل عن مشيخة الأزهر، محولاً الفتوى من مجرد نقل للنصوص القديمة إلى أداة لحل مشكلات العصر والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
​وإذا ألقينا نظرة تحليلية على تراثه الإفتائي، نجد تنوعاً هائلاً يعكس التزام الإمام بقضايا المجتمع الواقعية:
​الفتاوى المالية والاقتصادية (80% من نتاجه): بلغت فتاواه في هذا الباب 728 فتوى، شملت قضايا الوقف، والميراث، والمعاملات المالية كالبيع والشراء، والرهن، والإجارة، والوصاية، والشركة، واستقلال المرأة المالي والاقتصادي. وتميز بجراءة فقهية واقتصادية بالغة أثارت ضجة في عصره، مثل فتواه الشهيرة بتحليل أرباح وصناديق التوفير المودعة في مصلحة البريد (معتبراً إياها نوعاً من المضاربة الاستثمارية لا الربا المحرم)، فضلاً عن فتواه الجريئة بإباحة التصوير والنحت كوسيلة للعلم والفن والتوثيق لا للعبادة.
​الأحوال الشخصية وقضايا الأسرة: بلغت 100 فتوى، تناولت تنظيم الزواج، والطلاق، والنفقة، والإرضاع، والحضانة، ساعياً لحماية الأسرة والمرأة من التعسف في استخدام الحقوق الشرعية.
​الجنايات والقصاص: بلغت 29 فتوى ركزت على قضايا القود، والقتل، والقصاص بتدقيق قانوني وشرعي رفيع.
​موضوعات متنوعة: بلغت قرابة 87 فتوى أجاب فيها على نوازل العصر الفكرية والاجتماعية.
​ثالثاً: جهود إصلاح القضاء والأزهر والأثر الامتدادي
​لم يكتفِ الإمام بالفتوى، بل امتدت يده الإصلاحية إلى شرايين الدولة التعليمية والقضائية:
​إصلاح المحاكم الشرعية: قدم الإمام في عام 1899م "تقرير إصلاح المحاكم الشرعية"، وهو دراسة سوسيولوجية وقانونية عميقة لتطوير الجهاز القضائي، وتحديث صياغة القوانين، والارتقاء بأداء القضاة الشرعيين وتدريبهم.
​تحديث التعليم الأزهري: خاض معارك ضارية لإدخال العلوم الحديثة (كالجغرافيا، والتاريخ، والرياضيات، والعلوم الطبيعية) إلى مناهج الأزهر، محارباً التمذهب الضيق والجمود العقلي.
​الأثر والامتداد (مدرسة محمد عبده): ترك الإمام مدرسة فكرية تفرعت وتأثر بها نوابغ الأمة؛ فامتد أثره وتأثير تلميذه المقرب الشيخ مصطفى عبد الرازق (شيخ الأزهر لاحقاً) الذي قاد حركة تجديد الفلسفة الإسلامية والدفاع عن منهج أستاذه داخل أروقة الأزهر الشريف، كما تأثر به قادة الحركة الوطنية والاجتماعية كسعد زغلول وقاسم أمين.
​رابعاً: الثروة الفكرية والمؤلفات
​ترك الإمام محمد عبده مدرسة بيانية وفلسفية رفيعة المستوى، تجلت في مؤلفاته وتحقيقاته التي أعادت إحياء أمهات الكتب العربية بأسلوب عصري رصين، ومن أبرزها:
​في العقيدة والفلسفة والردود الحضارية:
​"رسالة التوحيد": صاغ فيها العقيدة الإسلامية بأسلوب عقلاني مبسط يبتعد عن تعقيدات المتكلمين الجافة.
​"الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية": صدر عام 1902م، وهو رد علمي وفلسفي عميق على أطروحات المؤرخ الفرنسي إرنست رينان وهانوتو، أثبت فيه أن الإسلام دين يحث على العلم والمدنية والتقدم.
​في البلاغة واللغة والأدب:
​تحقيق وشرح "دلائل الإعجاز" و**"أسرار البلاغة"** للإمام عبد القاهر الجرجاني (لإعادة بعث الذوق البلاغي العربي).
​شرح "نهج البلاغة" للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
​شرح "مقامات بديع الزمان الهمذاني".
​في المنطق والتنظيم التنفيذي:
​تحقيق وشرح "البصائر النصيرية في علم المنطق" للطوسي.
​"تقرير إصلاح المحاكم الشرعية" سنة 1899م.
​تراثه الصحفي والوحدوي في مجلة "العروة الوثقى" بالاشتراك مع معلمه جمال الدين الأفغاني.
​الموسوعات التجميعية لأعماله:
​حظي تراث الشيخ بعناية فائقة من المحققين المعاصرين لإخراجه بدقة، ومن أهمها:
​"الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده" (في خمسة أجزاء)، بتحقيق المؤرخ والمفكر الدكتور محمد عمارة (نشر دار الشروق)، وهي الموسوعة الأعم التي جمعت شتات فكره وفتاواه.
​"سلسلة الأعمال المجهولة: محمد عبده"، بتحقيق الدكتور علي شلش (نشر دار رياض الريس)، والتي كشفت عن مقالات ورسائل نادرة للإمام.
​"ديوان الإمام محمد عبده"، بتحقيق الأستاذ ماجد صلاح الدين (نشر دار الفكر الإسلامي)، لتوثيق الجانب الأدبي والشعري في حياته.
​خاتمة المقال
​رحل الإمام محمد عبده عام 1905م، لكن معالمه الإصلاحية بقيت حية. لقد نجح في تقديم نموذج فريد للمسلم المعاصر: مستمسك بأصول دينه وعقيدته، ومنفتح على علوم عصره ومدنيته دون ذوبان أو تبعية. لقد أثبت بفتاواه ومواقفه أن الشريعة مرنة وقادرة على قيادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في كل زمان ومكان، ليظل إمام المجددين في العصر الحديث.
​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:
​عمارة، د. محمد. الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده (خمسة أجزاء)، دار الشروق، القاهرة.
​شرف الدين، د. أحمد. فتاوى الإمام محمد عبده ومأثوراته الفقهية والشرعية.
​أمين، أحمد. زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت.
​شلش، علي. سلسلة الأعمال المجهولة: محمد عبده، دار رياض الريس، بيروت.
​صلاح الدين، ماجد. ديوان الإمام محمد عبده، دار الفكر الإسلامي.


 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...