الصفحات

الصفحات

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية المستدامة ​بقلم: الناصر خشيني


 ​تُعدّ الجالية التونسية بالخارج (التي تتجاوز اليوم 1.8 مليون مغترب) أحد أهم الروافد الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وفي حين تُثمن الدولة دورهم التقليدي عبر التحويلات المالية التي توفر العملة الصعبة، إلا أن المقاربة الرسمية ما زالت قاصرة عن استيعاب "الثروة اللامادية" التي تمثلها الكفاءات العالية. إن تونس اليوم لا تصدّر فائض عمالة، بل تنزف نخبتها العلمية والتقنية.

​أولاً: تشخيص الإشكاليات (أرقام تترجم حجم النزيف)

​الواقع الحالي يكشف عن فجوة عميقة بين ما تنفقه الدولة وما تستفيده في المقابل، وتتلخص الأزمات في النقاط التالية:

​كلفة التعليم العالية وهدر الاستثمار: وفقاً لتقديرات المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية، تكلف تنشئة وتعليم مهندس واحد في تونس (منذ الابتدائي حتى التخرج) ما يقارب 100 ألف دينار تونسي. عندما يغادر هذا المهندس فور تخرجه، فإن تونس تقدم هبة مجانية للدول المستقطبة تقدر بمليارات الدينارات سنوياً.

​أرقام مفزعة في قطاعات حيوية:

​الأطباء: تشير تقارير عمادة الأطباء التونسيين إلى أن أكثر من 80% من الأطباء الشبان (المسجلين الجدد) يغادرون البلاد سنوياً، وخاصة نحو فرنسا وألمانيا، مما تسبب في شغورات حادة في مستشفيات المناطق الداخلية.

​المهندسون وخبراء الرقمنة: غادر تونس في السنوات الأخيرة أكثر من 40 ألف مهندس، بمعدل يقارب 20 مهندساً يومياً، مما يخلق عجزاً كبيراً في الشركات المحلية التي تحاول قيادة الانتقال الرقمي.

​قصور المنظومة الحالية:

​الدبلوماسية التقليدية: لا تزال البعثات القنصلية والدبلوماسية تركز على الجوانب الإدارية (جوازات سفر، حال مدنية) وعاجزة عن خلق "شبكات كفاءات" (Networking) لربط الطيور المهاجرة بالمشاريع الوطنية.

​البيروقراطية المقيتة: عند رغبة أي كفاءة بالخارج في الاستثمار أو نقل التكنولوجيا لتونس، يصطدم بجدار من الإجراءات الإدارية المعقدة وقوانين الصرف البالية (قانون الصرف التونسي يُعد من أكبر العوائق).

​ثانياً: البدائل التشريعية والإجرائية المقترحة (الحلول المثلى)

​لم يعد من الممكن منع الهجرة في عصر العولمة، ولكن الحل يكمن في تحويل "نزيف الأدمغة" إلى "تلاقح الأدمغة" (Brain Gain) عبر إجراءات ثورية وشجاعة:

​1. إصلاحات تشريعية واقتصادية جريئة

​مراجعة جذرية لقانون الصرف: السماح للكفاءات التونسية بفتح حسابات بالعملة الأجنبية في تونس دون قيود بيروقراطية، لتسهيل تمويل المشاريع الناشئة والبحث العلمي.

​قانون "استقطاب الطيور المهاجرة": سن تشريع يمنح امتيازات ضريبية وجمركية كبرى (مثل الإعفاء الضريبي للسنوات الخمس الأولى) لكل كفاءة تونسية تقرر العودة لإنشاء شركة مبتكرة أو مركز بحث وتطوير بالبلاد.

​مفهوم "المواطنة الرقمية" (Digital Citizenship): إتاحة الفرصة للمغتربين لإدارة معاملاتهم القانونية، العقارية، والاستثمارية في تونس إلكترونياً بنسبة 100% عبر الهوية الرقمية، دون الحاجة للتنقل العطل السنوية لإتمام ورقة إدارية.

​2. بدائل إجرائية ومؤسساتية

​إعادة هيكلة الدبلوماسية التونسية: تحويل السفارات والمستشاريات إلى "مكاتب ذكاء اقتصادي". يجب أن يكون لكل سفارة ملحق خاص بالكفاءات والابتكار تكون مهمته حصر الكفاءات التونسية في بلد الاعتماد وتسهيل تواصلهم مع الجامعات ومراكز الابتكار التونسية.

​التعاقد عن بُعد (Outsourcing): إذا كان الكفاءة التونسية لا يريد العودة للعيش في تونس لأسباب مادية أو عائلية، فلماذا لا تستفيد منه الدولة وهو في الخارج؟ يمكن إبرام عقود استشارية معهم عن بُعد لتدريس طلبة الدكتوراه، أو الإشراف على مشاريع وطنية (مثل الطاقات المتجددة أو التحول الرقمي للإدارة) بعقود مرنة.

​صندوق الابتكار السيادي للمغتربين: إنتاج آلية استثمارية (صندوق استثماري) يشرف عليه البنك المركزي، يُسمح للتونسيين بالخارج بالاكتتاب فيه بالعملة الصعبة، وتُوجه هذه الأموال حصراً لتمويل المشاريع البنيوية الكبرى والشركات الناشئة في تونس، مع ضمان أرباح مجزية لهم.

​خاتمة:إن وطناً كتونس، ضحى آباؤه وأمهاته بقوت يومهم لتعليم أبنائهم، لا يجب أن يكتفي بدور "المُصدِّر المجاني للذكاء". الحل ليس في لوم المهاجر، بل في تغيير البيئة الطاردة داخل الوطن وتحويل المقاربة من "رعاية شؤون الجالية التقليدية" إلى "شراكة إستراتيجية بين كفاءات الخارج ومشاريع الداخل". بدون هذه الثورة التشريعية، سنظل ننتج العقول لتستهلكها اقتصاديات الغرب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق