يطرح هذا المقال مفارقة جوهرية في التراث السردي الإسلامي: فبينما يُقرّ كبار المصنفين، ومن بينهم ابن كثير في "البداية والنهاية"، بأن القرآن هو المعجزة الوحيدة التي تحدى بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم قومه، وأنه معجزة عقلية مستمرة لا تنقضي بانقضاء صاحبها، إلا أن هؤلاء المصنفين أنفسهم يعمدون إلى حشد عشرات بل مئات الروايات الحسية المادية بوصفها "دلائل نبوة" موازية أو مكمّلة. وسنحاول في هذه المحاور تفكيك هذه المفارقة، بدءًا من تأصيل فكرة التحدي القرآني، ومرورًا بنظرية تطور الأديان تبعًا لتطور المجتمعات، وانتهاءً بنماذج من حشد ابن كثير في الجزء السادس من "البداية والنهاية"، وقراءة في دلالة هذا الحشد التاريخية.
المحور الأول: القرآن آية التحدي العقلي الوحيدة
إنزال القرآن على الرسول هو أعظم المعجزات وأبين الحجج، لما اشتمل عليه من تركيب معجز تحدى به الإنس والجن: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء: 88)، وفي سورة الطور: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} (الطور: 33-34).
ولما عجز المعارضون عن ذلك مع توافر دواعي العداوة والفصاحة، تنازل التحدي إلى عشر سور: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} (هود: 13)، ثم إلى سورة واحدة، حتى أصغر سورة وهي الكوثر: {فأتوا بسورة من مثله} (البقرة: 23-24). وقد ربط القرآن هذا العجز بدعوى الافتراء والسحر: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} (الفرقان: 5)، فجاء الرد: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} (الفرقان: 6).
والدلالة المنهجية لهذا التدرج أن المعجزة الوحيدة التي ارتضاها الله لإقناع البشرية برسالة خاتم الأنبياء هي القرآن لا غيره، لأن الإنسانية بلغت من النضج العقلي ما لم يعد يقنعها بالوسائل الحسية التي اعتمدها الرسل السابقون.
المحور الثاني: التطور الاجتماعي للأديان وتدرج المعجزات
تتطور الأديان السماوية تبعًا للتطور الاجتماعي للبشرية، من الأسرة فالعشيرة فالقبيلة فالأمة فالمجتمع الإنساني ككل. ولذلك كانت الديانات السابقة على الإسلام محدودة بحدودها القبلية والعشائرية، ومعجزاتها مادية حسية تناسب العقل الطفولي لتلك الأطوار، كما في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا} (النمل: 45)، و{وإلى مدين أخاهم شعيبا} (هود: 84)، و{وإلى عاد أخاهم هودا} (الأعراف: 65). وكانت دعواتهم محدودة زمانًا ومكانًا وأهدافًا، كالنهي عن تطفيف الكيل عند مدين أو الفواحش عند قوم لوط.
ويمثّل موسى عليه السلام طورًا وسطًا بين القبلية القديمة والتكليف بالتوجه إلى غير قومه، فهو يطلب من ربه أن يشدّ أزره بأخيه هارون تناسقًا مع المنحى القبلي الذي لا يزال بنو إسرائيل يعيشونه حتى اليوم، كما تؤكده ممارسات الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة: {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا} (القصص: 35)، ثم يكلَّف بتبليغ دعوته إلى شعب مصر في شخص فرعون: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} (طه: 43)، فيكون قد دشّن عهدًا جديدًا بالخروج عن النطاق القبلي الضيق.
ثم يأتي طور أعمّ بدعوة عيسى عليه السلام رمز الرحمة والتسامح، إذ يدعو إلى أن "يدير الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن"، ففتح بعدًا إنسانيًا أوسع تهيئة للدور المناط بخاتم الرسالات. وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم يكتمل هذا التطور الجدلي، فتصبح الرسالة عامة لكافة الناس: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} (سبأ: 28)، ملكية مشتركة للبشرية جمعاء، تناهض العصبية والقبلية والعنصرية التي وصفها الرسول بأنها "منتنة"، بخلاف الديانات السابقة التي ظلت موجهة لأقوام رسلها وقبائلهم وعشائرهم دون سائر الناس.
المحور الثالث: التعريف بـ"البداية والنهاية" ومنهجه
"البداية والنهاية" لابن كثير، أبي الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي (ت 774هـ)، تحقيق علي شيري، طبعة دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408هـ/1988م[1]، عمل موسوعي ضخم في 14 جزءًا، يستعرض التاريخ من بدء الخلق إلى نهايته: من خلق السماوات والأرض والملائكة، إلى خلق آدم، فقصص الأنبياء مختصرة، فالتفصيل في الأحداث منذ مبعث النبي حتى سنة 767هـ بطريقة التبويب السنوي (ثم دخلت سنة...)، يتلوها ذكر أبرز من توفي فيها. أما جزء "النهاية" فيتناول علامات الساعة إلى يوم الحساب.
والمحور الذي يهمّنا هنا هو الجزء الثامن، عند الحديث عن السنة الحادية عشرة للهجرة، حيث يورد ابن كثير "شمائل ودلائل النبوة الحسية والأخلاقية"، وقبله الجزء السادس الذي يضمّ 54 بابًا في دلائل النبوة، وفيها من التهويل والتضخيم ما يصعب تصديقه.
المحور الرابع: ابن كثير بين الإقرار بإعجاز القرآن وحشد الدلائل الحسية
اللافت أن ابن كثير نفسه يفتتح باب "البينة" بالتأكيد على أن معجزات النبي مماثلة لمعجزات من قبله من الأنبياء، بل أعلى منها، خارجة عما اختُصّ به من معجزات عظيمة، وفي مقدمتها القرآن العظيم الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فهو معجزة مستمرة على الآباد، تحدى به الثقلين، وقد عجزوا. ويستشهد بالحديث المتفق على إخراجه في الصحيحين: "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"[2]، ويعلّق بأن القرآن لا يبيد ولا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء بانقضاء أيامهم، بخلاف معجزته هو، فهي متواترة مسموعة لكل من ألقى السمع.
وبالرغم من هذا الإقرار الصريح بأن القرآن هو الإعجاز الجامع الكافي، يعمد ابن كثير إلى حشد عشرات الروايات في 54 بابًا، يضاف إليها معجزات نوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وإدريس وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام، في مفارقة منهجية بين التنظير لكفاية القرآن والممارسة السردية التي تكدّس الحسي إلى جانبه.
المحور الخامس: نموذج شق القمر بين الرواية والتشكيك
من أبرز هذه الدلائل رواية انشقاق القمر في عهد النبي، وفيها عن ابن عباس، عن الطبراني بسنده: "كُسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر، فنزلت: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}"[3]. واللافت أن ابن كثير نفسه لا يسلّم بهذه الرواية تسليمًا تامًا، بل يستدرك قائلًا إن هذا "سياق غريب"، وإنه قد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف، فيدلّ ذلك على أن الانشقاق كان في ليالي إبداره. وهذا التشكيك الداخلي من المصنف نفسه يكشف عن وعي بضعف بعض الروايات حتى وهو يوردها.
المحور السادس: نماذج تكثير الماء واللبن
يورد ابن كثير في باب المعجزات الأرضية المتعلقة بالجمادات، ص 102 من الجزء السادس، حديث أنس بن مالك: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله بوضوء فوضع رسول الله يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم"، رواه البخاري، ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح[4].
كما يورد في باب تكثير الأطعمة حديث أبي هريرة الطويل عن تكثير اللبن، حيث يصف جوعه الشديد وعجزه عن الاستتباع من أبي بكر وعمر، حتى يلقاه النبي فيدعوه ويأمره بدعوة أهل الصفّة، فيشرب الجميع من قدح واحد حتى يرويهم، ثم يبقى هو وأبو هريرة، رواه الإمام أحمد[5]. وتتكرر هذه البنية الروائية في عدة مواطن: حاجة ملحّة، تدخل نبوي، ووفرة معجزة تتجاوز المنطق المادي.
المحور السابع: نماذج كلام الحيوانات وانقيادها
يذكر ابن كثير، ص 149 من الجزء السادس، رواية أنس بن مالك عن جمل استصعب على أهله، فجاءوا إلى النبي شاكين، فدخل الحائط نحو الجمل، فحذّرته الأنصار من صولته، فقال: "ليس عليّ منه بأس"، فلما نظر الجمل إليه "خرّ ساجدًا بين يديه"، فعلّق النبي: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، رواه الإمام أحمد[6].
ويضيف رواية ثانية عن عبد الله بن جعفر، أن جملًا أتى النبي "فجرجر وذرفت عيناه"، فمسح النبي سراته وذفراه فسكن، وسأل عن صاحبه، فإذا هو فتى من الأنصار، فقال له النبي: "أما تتقي الله في هذه البهيمة... إنه شكا إليّ أنك تُجيعه وتُدئبه"، رواه أيضًا الإمام أحمد[7]. ويضيف ابن كثير إلى هذه السلسلة قصص الغزالة المرضعة، وحمار النبي يعفور، وانقياد الشجر والجذع، وتسبيح الحصى، وتكلّم الرضّع شهادة برسالته، فضلًا عن الإخبار بالمستقبل كمقتل الحسين وموقعة الحرّة، مع تعليقه أحيانًا بالتضعيف على بعضها.
المحور الثامن: في دلالة الحشد التاريخي لزمن ابن كثير
إن حشد ابن كثير لهذا الكم الهائل من الروايات الحسية، في القرن الثامن الهجري، لا ينفصل عن سياقه التاريخي: فهو يكتب بعد نكسات متتالية ألحقتها بالأمة حروبها مع الصليبيين والتتار والمغول، وفي ظل ابتلائها بحكام ظلمة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة هذا الحشد السردي بوصفه آلية تعويضية، تستعيض بها الأمة عن واقعها المنكسر باستعادة أمجاد متخيَّلة، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والصدق في النسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
خاتمة
يكشف هذا العرض عن مفارقة بنيوية في التراث السردي: إقرار نظري بكفاية القرآن وحده آية وتحديًا عقليًا مستمرًا، يقابله حشد سردي حسي يتضخم مع تراكم الأزمات التاريخية للأمة. وهذا التضخّم، وإن كان مفهومًا من زاوية علم النفس الجماعي للأمم المنكسرة، إلا أنه يظل عبئًا منهجيًا على القراءة العقلانية للتراث، يستدعي إعادة تمحيص هذه الروايات بمعايير نقد السند والمتن، وردّها إلى الميزان القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثبت المراجع
[1] ابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1408هـ/1988م، الجزء السادس والجزء الثامن.
[2] حديث "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات..."، متفق عليه في الصحيحين، من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.
[3] رواية انشقاق القمر عن ابن عباس، أخرجها الطبراني بسنده عن أحمد بن عمرو البزار عن محمد بن يحيى القطيعي عن محمد بن بكير عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس.
[4] حديث تكثير الماء، عن أنس بن مالك، رواه البخاري عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ورواه مسلم والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[5] حديث تكثير اللبن، عن أبي هريرة، رواه الإمام أحمد عن روح عن عمر بن ذر عن مجاهد.
[6] حديث سجود الجمل، عن أنس بن مالك، رواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد عن خلف بن خليفة عن حفص بن عمر عن عمه أنس بن مالك.
[7] حديث الجمل الشاكي، عن عبد الله بن جعفر، رواه الإمام أحمد عن يزيد، وعن بهز وعفان، عن مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق