الصفحات

الصفحات

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

كتب السحر العربية ودورها في تخريب العقل الجمعي وتعميق التخلف بقلم الناصر خشيني


 المقدمة  

تُعدّ كتب السحر العربية مجموعة من المخطوطات والمطبوعات التي تتناول أعمال السحر والشعوذة، وتتمتع برواجٍ واسع بين شرائح اجتماعية متعددة، يتعامل معها المؤمنون بمصداقيتها بذات الاندفاع الذي يتعامل به عشاق الفن والأدب مع إنتاجهم المفضل. وقد اختلفت المواقف الدينية تجاهها بين المسلمين والمسيحيين واليهود، حيث ذهب الغالبية إلى تحريمها، إما لاعتبارها ذات تأثير سحري فعلي، أو لأنها تندرج تحت الوصف القائل: "مسخطة للرب، مضيعة للوقت، منفذة للمال".


غير أن ما يُقدَّم في هذا المقال ليس استعراضًا شاملاً لكل ما كُتب في هذا المجال، وإنما محاولة لتسليط الضوء على جزء من تراثنا العربي الذي ساهم—بشكل أو بآخر—في تزييف وعي الإنسان العربي والمسلم، ودفعه نحو الحلول السهلة والغيبية بدلاً من السعي والعمل الجاد لعمارة الكون واستحقاق الخلافة.

---

التنديد القرآني بالسحر 

يُعدّ القرآن الكريم أول منبّه إلى خطر السحر وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع، وقد ورد التنديد به في مواضع متعددة، منها:

أولاً: التحذير من اتباع الساحرين

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102].

تُشير هذه الآية إلى أن السحر صفقة خاسرة بكل المقاييس، إذ يتضرّر فيها الساحر والمتعامل معه على السواء. فالساحر يبيع نفسه—كما يُعبّر النص—مقابل حطام دنيوي زائل، فيفقد حظّه في الآخرة ويُحبط عمله. وهذا التصوير القرآني يُفضي إلى استنتاج جوهري: أن السحر ليس مجرد "معرفة" أو "مهارة"، بل هو ارتهان للنفس لقوى ضارة تُبعد الإنسان عن مسار التكريم الإلهي.

ثانيًا: التحذير من استحضار الشياطين

قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: 82].

يُبيّن هذا النص أن السحر مرتبط بعلاقة استغلالية بين الساحر والشياطين، حيث يُقدّم الساحر خدماته مقابل "غوص" الشياطين واستخراج ما يُريدونه. هذه العلاقة تُذلّ الإنسان وتُسقطه من مكانة الاستخلاف إلى مكانة التبعية والاسترقاق للقوى المظلمة، وهو ما يُناقض صريحًا مفهوم "تكريم" الإنسان الذي أكّدت عليه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

ثالثًا: التحذير من التأثير الضار على العلاقات الاجتماعية

قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102].

تُفضي هذه الآية إلى إدراكٍ بالغ الأهمية: أن السحر كان سببًا في "تعليم" الناس ما يُفرّق بين الزوجين، ويُؤذي الأبدان، ويُفسد العلاقات الاجتماعية. وهذا يُبرز أن السحر ليس "لعبة" أو "فنًا"، بل هو أداة تدمير اجتماعي ممنهجة، تُفضي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإضعاف مؤسسة الأساس.

رابعًا: التأكيد على العقل والنظر

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20].

يُوجّه القرآن البصر والعقل نحو "النظر" في الكون لاستخلاص القوانين والحكمة، لا نحو "الغيب" المُبهَم والتسليم للقوى الخفية. هذا التوجيه العقلاني يُشكّل نقيضًا صارخًا لمنطق كتب السحر التي تُحلّل مكان العقل والنظر والاستدلال بـ"الطلاسم" و"الأوفاق" و"تسخير الجان".

التناقض مع الرؤية القرآنية للإنسان

يُبرز القرآن الكريم تكريم الإنسان واستخلافه في الأرض بمقتضى المؤهلات التي زوّده الله بها، وفي مقدمتها العقل والإرادة الحرة والتكوين الجسماني الذي يُمكّنه من العمل والتفكير. غير أن سيادة فكر نقلي أحادي، استبعد كل عمل عقلي مستنير، فسح المجال لانتشار كتب السحر والشعوذة التي خالطت عقولنا قرونًا طويلة، مُحلّية مكان العقل والاجتهاد بحلول بلهاء تُنزّل الإنسان من مقام الفاعل والمؤثر في حركة التطور والنماء.

إن القرآن يُقدّم الإنسان كـ"خليفة" في الأرض، أي فاعلًا مُخيّرًا مسؤولًا، لا كائنًا مُستسلمًا للقوى الغيبية. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا فَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. فالإنسان—بعقله وإرادته—هو من حمل "الأمانة" التي امتنعت عنها السماوات والأرض والجبال، وهذا يُفضي إلى استنتاج منطقي: أن الاحتماء بكتب السحر يُمثّل هروبًا من هذه الأمانة وإحلال الضعف مكان القوة.


المضار على الأصعدة المختلفة: إحصائيات وأمثلة حية

1. الصعيد الاقتصادي: خمسة مليارات دولار سنويًا في مهب الريح

لقد تحوّل السحر والشعوذة إلى "قطاع اقتصادي" ضخم في العالم العربي، يستنزف موارد الشعوب ويُعمّق الفقر. تشير دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة إلى أن حجم الإنفاق العربي السنوي على الشعوذة والعرافين يتجاوز 5 مليارات دولار، وأن عدد السحرة والمشعوذين وقرّاء الكف والفنجان في الوطن العربي يُقدّر بنحو 250 ألف شخص، يستهلكون هذه الثروة الهائلة في بيع الوهم. (1)

وفي مصر وحدها، يُقدّر عدد الدجالين والمشعوذين بـ 300 ألف شخص، أي دجال لكل 240 مواطنًا، ويتركز نصفهم تقريبًا في القاهرة. ويُنفق المصريون سنويًا نحو 1.4 مليار دولار (ما يُعادل 10 مليارات جنيه مصري) على هذه الممارسات، حيث احتلّت الشعوذة المرتبة الخامسة في الإنفاق الأسري، إذ يُخصّص المصريون 10% من مداخيلهم لهذا الغرض. (2)

هذه الأرقام تُبيّن أن السحر ليس ظاهرة هامشية، بل هو صناعة رابحة تحوّل الفقراء المدقعين إلى أثرياء فاحشين بين ليلة وضحاها، بينما يزداد الفقراء فقرًا ويُفقَرون أكثر.

2. الصعيد الاجتماعي والأخلاقي: جرائم قتل واستغلال وتمزيق للأسر

لقد أدّى انتشار هذه الكتب إلى استفحال الجرائم المرتبطة بالسحر، من تفريق بين الأزواج، وإيذاء للأبرياء، واستغلال للنساء والأطفال. وفي اليمن، أشار مركز الأبحاث والدراسات الاجتماعية إلى أن عدد الممارسين للشعوذة تجاوز 15 ألف شخص، يستقبلون أكثر من 300 ألف زائر سنويًا. (3)

ومن الأمثلة الحية المروّعة: مقتل شاب عشريني في اليمن على يد مشعوذ يُدعى "نبيل الحارثي"، الذي شخّص معاناة الشاب النفسية بأنها "مسّ شيطاني"، ثم داس بقوة على رقبته حتى فارق الحياة اختناقًا، بحجة أن "الجن لا يزال متلبّسًا روحه". وفي حادثة مشابهة، فارقت امرأة حامل حياتها هي وجنينها بعد ضربها لمدة أسبوع كامل بحجة "إخراج الجن". (4)

وفي العراق، توثّق دراسات حالات ابتزاز جنسي منظّم، حيث يُجبر المشعوذ ضحاياه من النساء على كتابة طلاسم على أجسادهن وتصويرها، ثم يحتفظ بالصور لابتزازهن. وتراوحت الأجور بين 150 ألف و800 ألف دينار عراقي، بل وصلت إلى ما يعادل 12-20 ورقة نقدية من فئة المئة دولار. (5)

3. الصعيد العقلي والمعرفي: أمية مقنّعة وإعاقة للتطور العلمي

لقد ساهمت هذه الكتب في ارتفاع منسوب الأمية المقنّعة، إذ حلّت محلّ العلوم النافعة والمعارف المُنتجة. فبدلًا من تعلّم الطب والهندسة والفلك، انصرفت الطاقات إلى حفظ "الحروف" و"الأعداد" و"أسماء الجان"، مما أدّى إلى تخريب منظومة المعرفة وإعاقة التطور العلمي. إن الاعتماد على السحر في "حل" المشكلات يُعدّ ضربًا من الأمية الباطنية، إذ يُضعف القدرة على التحليل المنطقي والاستدلال العلمي.

وتُشير دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر إلى وجود أكثر من 470 خرافة يتعامل معها الناس باعتبارها مسلّمات لا سند لها عقليًا ولا دينيًا. كما أثبتت دراسة أجراها الباحثان رشدي منصور ونجيب إسكندر في المركز القومي للبحوث النفسية في القاهرة أن 63% من المصريين يؤمنون بالخرافات، وأن نحو 50% من النساء المصريات يعتقدن بقدرة الدجالين على حل مشاكلهن. (6)

4. الصعيد السياسي والحضاري: إلهاء الشعوب وإضعاف الدولة

إنّ السلطات المستبدة عبر التاريخ كانت تشجّع—بشكل مباشر أو ضمني—على انتشار هذه الكتب، إذ تُلهي الشعوب وتُبعدها عن مسائل الحكم والعدل وتوزيع الثروات. فالشعب المشغول بـ"تسخير الجان" و"كشف الطلاسم" لا يُفكّر في "حقوقه" و"واجباته" و"مطالبته بالعدل". وهكذا أُبقيَت الثروة والسلطة حكرًا على الأسر والقبائل المتحكمة، بينما بقي الشعب أسير الوهم والتخلف.

ولعلّ المفارقة الأعظم أن 38% من مشاهير الفن والسياسة والرياضة في مصر هم من روّاد محلات السحرة والمشعوذين، مما يُعطي هذه الظاهرة "شرعية" اجتماعية ويُعمّقها في النسيج الثقافي. (7)


الخاتمة

وبما أننا في عصر التقدم العلمي والمعرفي، فالأولى بنا التفطّن لمخاطر هذه الكتب التي لا تُفضي إلا إلى مزيد من التخلف والتخريب لعناصر القوة في الأمة. إنّ استعادة العقل النقدي وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج يظلّ السبيل الوحيد للخروج من دائرة الجهل والتأخر.

إنّ القرآن الكريم—بآياته الواضحة—قد سبق كل نقد حضاري معاصر في تفنيد السحر وكشف آثاره، ودعا إلى النظر والتفكير والسعي، وهو ما يُشكّل المنطلق الصحيح لإعادة بناء وعي الأمة وتحريرها من أوهام الماضي.


نماذج من هذه الكتب

من بين أشهر هذه الكتب وأكثرها رواجًا في أسواق المخطوطات: "شمس المعارف الكبرى" و"شمس المعارف الصغرى" لأبي العباس أحمد البوني، و"السحر العظيم" و"السحر الأحمر" و"سحر الكهان في حضور الجان" لعبد الفتاح الطوخي، و"منبع أصول الحكمة" للبوني المغربي، و"شموس الأنوار وكنوز الأسرار الكبرى" للتلمساني المغربي، و"كتاب الأجناس" المنسوب لآصف بن برخيا، فضلًا عن عشرات الكتب الأخرى التي تتناول تسخير الجان والأوفاق والطلاسم والرمل والفنجان.


الهوامش والمراجع
(1) دراسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة، حول حجم الإنفاق العربي على الشعوذة.
(2) تقرير المركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر حول عدد الدجالين والإنفاق المصري على الشعوذة.
(3) مركز الأبحاث والدراسات الاجتماعية، اليمن، حول انتشار الشعوذة وعدد الممارسين.
(4) تقارير صحفية يمنية عن جرائم السحر وضحاياها (حادثة نبيل الحارثي والمرأة الحامل).
(5) دراسات حول الابتزاز الجنسي المرتبط بالشعوذة في العراق وأسعار الخدمات المشعوذة.
(6) دراسة الباحثين رشدي منصور ونجيب إسكندر، المركز القومي للبحوث النفسية، القاهرة، حول انتشار الخرافات في مصر.
(7) دراسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر حول توجه المشاهير للمشعوذين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق