الصفحات

الصفحات

الأحد، 28 يونيو 2026

بغداد: منارة المجد التليد والجرح العربي الذي لم يندمل بقلم الناصر خشيني



إذا كانت دمشق أقدم عواصم التاريخ، والقيروان درع المغرب العربي، فإن بغداد هي قلب الخلافة العباسية النابض ودار السلام التي ألهمت العالم لقرون بعلومها وفنونها. لكن الحديث عن بغداد اليوم يمزج بين الفخر بالماضي العظيم، والأسى العميق على حاضرها الذي يمثّل جرحاً نازفاً في الوجدان العربي منذ الغزو والاحتلال الأمريكي الغاشم عام 2003.
 التأسيس والنشأة: عاصمة الدنيا ودار السلام
أُسست بغداد عام 145 للهجرة (762 ميلادي) على يد الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور، الذي اختار لها موقعاً عبقرياً على ضفاف نهر دجلة.
  • المدينة المدورة: بُنيت بغداد في البداية على شكل دائري هندسي فريد يرمز للكمال، وأُحيطت بأسوار منيعة ولها أربعة أبواب لضمان حمايتها.
  • عصرها الذهبي: بلغت المدينة ذروة مجدها الإنساني والحضاري في عهد الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، حيث تحولت إلى عاصمة العالم الثقافية والسياسية، ومقصداً لطلبة العلم من الشرق والغرب.
شواهد الحضارة: أبرز معالم بغداد التاريخية والأثرية
رغم تعرضها لعدة نكبات عبر التاريخ (أبرزها الغزو المغولي بقيادة هولاكو عام 1258)، حافظت بغداد على شواهد حضارية تؤكد أصالتها:
  • المدرسة المستنصرية: أقدم جامعة إسلامية متكاملة في العالم، أسسها الخليفة المستنصر بالله عام 1233 للميلاد، وكانت تُدرس فيها علوم الطب، الفلك، الفقه، واللغة العربية، وتمتاز بهندستها المعمارية البديعة على ضفاف دجلة.
  • جامع الإمام الأعظم (أبو حنيفة النعمان): يقع في منطقة الأعظمية، وهو صرح إسلامي وعلمي كبير يضم مرقد الإمام أبي حنيفة، ويُعد مركزاً روحياً وثقافياً بارزاً في تاريخ المدينة.
  • شارع المتنبي وسوق السراي: الشريان الثقافي والفكري لبغداد، حيث يلتقي الأدباء والشعراء والمفكرون بين مئات المكتبات والمقاهي التراثية الشهيرة مثل مقهى الشابندر.
  • قصر العباسي ونصب الحرية: معالم تجمع بين عبقرية العمارة العباسية القديمة، والتعبير عن روح التحرر والنهضة في العصر الحديث من خلال نصب الفنان جواد سليم في ساحة التحرير.
 مأساة بيت الحكمة وبناء الحضارة
كانت بغداد حاضنة "بيت الحكمة"، أعظم خزانة كتب ومؤسسة علمية وترجمية في العصور الوسطى، والتي بفضلها أُنقذت العلوم اليونانية والفارسية وصُهرت في قالب اللغة العربية، لتقدم للعالم علماء غيروا مجرى التاريخ كـ "الخوارزمي" في الرياضيات، و"الكندي" في الفلسفة.
 خاتمة المقال: الجرح المستمر منذ 2003
يبقى اسم بغداد مرادفاً للشموخ، غير أن التأمل في واقعها الحالي يثير غصة وألماً لا يزولان. فمنذ احتلالها المشؤوم في عام 2003 على يد قوى الاستعمار الغربي، فُتح في جسد هذه الحاضرة العريقة جرحٌ عميق لم يندمل بعد. لقد تعرضت بغداد لعملية ممنهجة لتدمير دولتها، وتخريب هويتها العربية، ونهب متاحفها وآثارها التي توثق فجر الحضارة البشرية.
إن بغداد اليوم، وهي تعاني من تبعات المحاصصة والتدخلات الإقليمية والدولية التي مزقت نسيجها، تقف شاهدة على حجم المؤامرة التي تستهدف مراكز الثقل القومي العربي. ومع ذلك، فإن قلم الكاتب العربي المؤمن بأمته يثق تماماً بأن دجلة والفرات سيبقيان يغذيان روح المقاومة والعروبة في هذه المدينة العظيمة، لتنفض عنها يوماً غبار التبعية والاحتلال، وتستعيد مكانتها كتاج على رأس الأمة العربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق