الأحد، 31 مايو 2026

الحبوب والبذور في تونس: ثروة أخرى منهوبة بين سوء التخزين والتبعية الخارجية بقلم: الناصر خشيني



مقدمة: من "سلة روما" إلى قفة المستورد
كانت تونس تُعرف في العهد القرطاجي والروماني بـ"سلة الحبوب"، تلك التسمية التي أهّلتها لأن تكون مورد الغذاء الأول لإمبراطورية ممتدة من المحيط إلى الخليج. اليوم، وبعد قرون من هذا التاريخ المجيد، باتت تونس تستورد أكثر مما تنتج، وتتسوّل الحبوب من أسواق عالمية متقلبة، وتدفع ثمنها بعملة صعبة شحيحة، بينما تُضيّع ما أنتجته أرضها بين مخازن متهالكة ومنظومة فاسدة ولوبيات متربصة. هذا المقال محاولة لكشف طبقات هذا النهب المزدوج: نهب الحبوب بفعل سوء التخزين والإهمال، ونهب البذور بفعل التبعية والاستسلام للوبيات الدولية.
أولاً: أرقام تكشف حجم الكارثة
تستهلك تونس سنوياً ما يقارب 3.4 مليون طن من الحبوب موزعة على القمح الصلب والقمح اللين والشعير، في حين لا يغطي إنتاجها المحلي في أفضل السنوات سوى 40 إلى 45 بالمائة من هذه الحاجيات. ومن أبرز المفارقات المؤلمة:
تستورد تونس أكثر من 90 بالمائة من حاجتها من القمح اللين  (AA.com.tr) ، وهو المادة الأساسية لصنع الخبز.
ارتفع حجم واردات الحبوب بين 2011 و2020 من 15.7 مليون قنطار إلى 27.5 مليون قنطار  (Arabi21) ، أي بنسبة تجاوزت 75 بالمائة.
الحبوب الموردة تمثل 50.8 بالمائة من الواردات الغذائية لتونس في سنة 2022 بكلفة بلغت 4552 مليون دينار من جملة 8954 مليون دينار  (Nawaat) .
وصل دين ديوان الحبوب إلى 1.1 مليار دولار  (Al-Ain) ، مما يضيّق هامش المناورة أمام الدولة لتأمين احتياجاتها.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي قراءة في خريطة استنزاف وطني ممنهج.
ثانياً: سوء التخزين — الصابة تضيع قبل أن تصل المائدة
منظومة متهالكة بنيوياً
تبلغ القدرة الوطنية لتجميع وتخزين الحبوب للموسم 2024/2025 نحو 1578 ألف طن، تتوزع بين قدرة التجميع في مناطق الإنتاج بـ780 ألف طن، وقدرة على التخزين بحجم 798 ألف طن  (Radionationale) ، وهي أرقام تظل قاصرة في مواسم الوفرة.
تنقسم إشكاليات التخزين إلى عدة محاور:
1. غياب الصوامع الحقلية: يعيب الخبراء على السلطات عدم الاهتمام ببناء صوامع تخزين جديدة في مناطق الإنتاج، والاكتفاء بالأساليب القديمة المتمثلة في نقل المحصول إلى مناطق أخرى تضم مخازن تجميع، مما يؤدي إلى تواصل الإهدار وزيادة التكاليف في ظل الظروف المالية الصعبة  (Al Arab) .
2. ضعف منظومة النقل: أشار خبراء إلى ضرورة تحسين البنية التحتية الإضافية لربط الصوامع عن طريق السكك الحديدية لتسهيل النقل، وتجديد الصوامع في الموانئ الرئيسية التي تستقبل الواردات من الحبوب  (Ciessm) ، غير أن هذا التحديث لم يُنجز حتى الآن.
3. التلف على مراحل متعددة: تتعرض الحبوب المنتجة لخسائر كبيرة على مراحل عدة: يجب طرح كميات كبيرة تذهب للاستهلاك الذاتي للفلاحين المنتجين وأخرى تخزن للبذر، فضلاً عن كميات يصيبها التلف بسبب الأمراض وظروف التجميع والنقل والتخزين  (Nawaat) .
4. العجز الهيكلي المزمن: تونس تعاني عجزاً هيكلياً مزمناً ومتنامياً في قطاع الحبوب، إذ لا يغطي الإنتاج المحلي إلا 40 أو 45 بالمائة من احتياجات البلاد، مما يجعلها مجبرة على استيراد حوالي 3 مليون طن من الحبوب سنوياً  (Nawaat) .
الحرائق: عدو الصابة الصامت
لا يمكن تجاهل ظاهرة حرائق الحبوب التي تتكرر كل موسم حصاد، تاركةً وراءها خسائر فادحة. بسبب عوامل متداخلة تتقدمها سوء إدارة القطاع وموجة الجفاف والحرائق، تلجأ تونس إلى التوريد من السوق العالمية لتغطية الطلب المحلي من الحبوب، مما يضغط على الميزانية السنوية الضعيفة للدولة  (Al Arab) . وبعض هذه الحرائق يطرح تساؤلات جدية حول وجود جهات منتفعة من إتلاف المحصول لصالح تضخيم فاتورة الاستيراد.
ثالثاً: مفارقة التصدير والاستيراد — معادلة العار
تُنتج تونس قمحاً صلباً ذا جودة عالية يُصدَّر إلى الأسواق الأوروبية، في حين تستورد هي قمحاً أدنى جودةً لتغذية مواطنيها. هذه المفارقة ليست محض مصادفة، بل هي نتاج منظومة مشبوهة يتقاطع فيها الفاسدون في الداخل مع شركات الاستيراد في الخارج. برزت خلال السنوات الأخيرة أزمة السيادة الغذائية في تونس وتعمّقت، خاصة مع هيمنة لوبيات الفساد على أبرز مسالك الإنتاج والتوزيع وتحويل السوق الفلاحي الوطني من منتج إلى مستورد لجميع مستلزمات الفلاح في مسار تدميري ممنهج للقطاع الفلاحي ككل  (Kapitalis) .
يشير خبراء إلى أن معدل المردودية الوطني للحبوب لا يتجاوز 16 قنطاراً لكل هكتار، وهو معدل ضعيف لا يمكن من خلاله تحقيق الاكتفاء الذاتي  (Arabi21) ، رغم أن الإمكانية الإنتاجية للأرض التونسية أوسع بكثير مما تُعطيه حالياً.
رابعاً: البذور المحلية — ثروة وراثية في مواجهة الإبادة الممنهجة
من الاكتفاء إلى التبعية الكاملة
لعل أخطر ما يتهدد الأمن الغذائي التونسي هو ما يجري بصمت بعيداً عن الأضواء: إبادة البذور المحلية الأصيلة واستبدالها بأخرى هجينة مستوردة. وتكشف الأرقام هول المأساة:
تراجع معدل استعمال البذور المحلية الأصيلة في تونس من 65% عام 1975 إلى 25% عام 2004، وما يقارب 5% فقط حالياً  (Alaraby) .
وصلت نسبة استيراد تونس لبذور الخضار المهجنة من الخارج إلى 90%، مما يعني أن البلاد باتت في تبعية مفرطة للخارج  (Al Jazeera) .
قدّرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة أن نحو 75% من التنوع الجيني للمحاصيل في العالم اندثر في القرن الماضي، إذ تحوّل المزارعون إلى زراعة أصناف وراثية موحدة والتخلي عن الأصناف المحلية المتعددة  (Annabaa) ، وتونس لم تكن بمعزل عن هذا الخراب.
آلية الإحلال: كيف تعمل اللوبيات؟
تعمل اللوبيات الخارجية من خلال ثلاثة مسارات متداخلة:
المسار الأول — الإغراء بالمردودية: الأصناف المحلية القديمة معروفة بطعمها اللذيذ وتأقلمها الجيد مع التربة والمناخ التونسيين، حيث تتحمل حرارة وبرودة الطقس ونقص المياه وفقر التربة، وهي أيضاً تقاوم بكفاءة عديد الأمراض والآفات الزراعية ولا تكاد تحتاج إلى المدخلات من الأسمدة والمبيدات  (Kapitalis) . لكن الشركات الأجنبية تُروّج لبذورها الهجينة بحجة الإنتاجية العالية، متجاهلةً هشاشتها أمام المناخ التونسي.
المسار الثاني — فخ التبعية التقنية: الشركات العالمية تستغل خاصية البذور الهجينة العلمية لمنع الفلاحين من إكثار البذور التي تنتجها، وبذلك تحمي حقوق الملكية الفكرية لأصنافها  (Kapitalis) ، مما يُكبّل الفلاح بشراء بذور جديدة في كل موسم ويُحوّله من منتج مستقل إلى "مستهلك" دائم.
المسار الثالث — التشريع الموجَّه: سياسة التخلي عن البذور المحلية والاعتماد على بذور هجينة بدأت منذ أكثر من 30 عاماً، وكانت تجد تحفظاً من قبل المزارعين الذين كانوا يعولون على أنفسهم في تخزين جزء من المحاصيل لإعادة استعمالها في البذر للموسم التالي  (Alaraby) ، غير أن ضغوطاً تشريعية متواصلة تهدد هذه العادة الصحية.
لوبيات الداخل: الشريك الصامت
لا تعمل اللوبيات الخارجية وحدها. طالب ناشطون زراعيون رئيس الجمهورية عديد المرات بترسيم البذور التونسية الأصيلة  (Dhadpost) في الفهرس الوطني، غير أن هذه المطالب ظلت حبيسة الرفوف البيروقراطية بفعل متنفذين يجدون في استمرار التبعية للخارج مصلحة مباشرة.
استرداد ما نُهب: دلالة مؤلمة
في دلالة صارخة على حجم ما فُقد، أعلن بنك الجينات التونسي عن استرجاع 1705 عينات من البذور الأصيلة التي كانت موجودة في بنك جينات أستراليا، واصفاً هذه الخطوة بالإنجاز القيّم الذي سيعزز مخزوناته بنوعيات اندثرت  (Al Jazeera) . وهو أمر يجعل المرء يتساءل بمرارة: كيف وصلت بذور تونس إلى أستراليا؟ ومن نقلها؟ ولمصلحة من؟
خامساً: الحلول العاجلة والآجلة
حلول عاجلة (المدى القريب: 1-2 سنة)
1. إعلان حالة طوارئ غذائية زراعية: إعلان رسمي يُلزم الحكومة بإيلاء قطاع الحبوب الأولوية القصوى في الميزانية والقرار.
2. بناء صوامع حقلية طارئة: تركيز صوامع معدنية في مناطق الإنتاج الكبرى كباجة وسليانة وجندوبة وبنزرت لاستيعاب الصابة فور حصادها.
3. توفير بذور معتمدة مدعومة: دعم مباشر يُتيح للفلاحين الحصول على بذور جيدة بأسعار في متناولهم، ووقف الاعتماد العشوائي على بذور مستوردة غير معتمدة.
4. تجريم استيراد الحبوب الفاسدة: تفعيل دور الرقابة والمختبرات الجهوية لفحص كل شحنة مستوردة والتشهير بكل مخالفة.
5. إعادة هيكلة ديوان الحبوب: إخضاعه لمراجعة شاملة لماليته وعقوده وصفقاته، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في مخالفات.
حلول آجلة (المدى المتوسط والبعيد: 3-10 سنوات)
1. استراتيجية وطنية شاملة لقطاع الحبوب: وضع خطة وطنية على 5 سنوات تمكّن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة الحبوب  (AA.com.tr) ، وتقليص التبعية في القمح اللين إلى أدنى مستوياتها.
2. إنشاء شبكة صوامع حديثة: رفع القدرة الإجمالية للتخزين إلى ما يكفي لموسمين كاملين، مع ربط مناطق الإنتاج بالسكك الحديدية.
3. إحياء بنك الجينات الوطني وتوسيعه: استكمال استرداد البذور الأصيلة من بنوك الجينات الدولية، وإنشاء شبكة لامركزية من بنوك البذور الجماعية يُديرها الفلاحون أنفسهم.
4. مراجعة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالبذور: مراجعة الانخراط في اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية النباتية، وتكريس حق الفلاح في تبادل البذور وتخزينها بحرية.
5. دعم البحث العلمي في تطوير الأصناف المحلية: رفع ميزانيات المعهد الوطني للبحوث الزراعية لتطوير أصناف هجينة تونسية الهوية تجمع بين إنتاجية عالية وتأقلم مع المناخ المحلي.
6. التوسع في الزراعات المروية: تطوير شبكة الري لتغطية مساحات أوسع من زراعة القمح، مما يقلص الاعتماد على الأمطار ويضمن استقرار الإنتاج.
7. تكريس السيادة الغذائية في التشريع: سنّ قانون خاص يحمي البذور المحلية ويعاقب على تهريبها أو إتلافها، ويُكرّس السيادة الغذائية حقاً مقدساً لا تنازل عنه.
خاتمة: الحبّة كرامة وطن
لا يمكن فصل ملف الحبوب والبذور عن الصورة الأشمل للسيادة الوطنية. فالبلد الذي لا يملك حبته يرهن قراره السياسي لمن يملك القمح، والأمة التي تفقد بذورها الأصيلة تفقد معها ذاكرتها الزراعية وتنوعها البيولوجي الذي راكمته لآلاف السنين.
ما يجري في تونس اليوم ليس مجرد إخفاق في إدارة قطاع، بل هو نهب ممنهج لثروة استراتيجية، تتقاطع فيه إهمال الدولة مع جشع اللوبيات وغياب الوعي الشعبي بحجم الخطر. الوقت لا يزال سانحاً لاسترداد ما يمكن استرداده، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية جادة لا تتوقف عند الخطابات الموسمية، وصحوة مجتمعية تُعيد للفلاح التونسي كرامته وللبذرة التونسية هويتها.
المراجع والمصادر
ديوان الحبوب التونسي — البيانات الرسمية لمواسم الإنتاج والتخزين 2021-2025، وكالة تونس إفريقيا للأنباء.
وكالة الأناضول — "أزمة في قطاع الحبوب تهدد خبز التونسيين"، ديسمبر 2021. متاح على: aa.com.tr
جريدة النهار — "التغيّر المناخي أبرز الأسباب... زراعة الحبوب في تونس تتراجع والأمن الغذائي مهدَّد"، مارس 2022. متاح على: annahar.com
موقع عربي21 — "كيف تنعكس أزمة الحبوب في تونس على أمنها الغذائي؟"، فبراير 2022. متاح على: arabi21.com
موقع نواة — "أزمة الحبوب في تونس: كيف أينعت سنابل العجز؟ (الجزء الثاني)"، أغسطس 2023. متاح على: nawaat.org
صحيفة العرب اللندنية — "المشكلات اللوجستية وقلة المخازن تهددان محصول الحبوب في تونس"، يونيو 2021. متاح على: alarab.co.uk
Carnegie Endowment for International Peace — "تراكم العوامل المؤدية إلى الأزمة: تونس بين المشاكل الحالية والمسارات المستقبلية"، يناير 2024. متاح على: carnegieendowment.org
الجزيرة نت — "معركة أمن غذائي قادها المرزوقي.. تونس تسترد جزءاً من بذورها المنهوبة"، ديسمبر 2020. متاح على: aljazeera.net
القدس العربي — "اندثار البذور المحلية يهدد زراعة تونس"، أبريل 2017. متاح على: alaraby.co.uk
موقع كابيتاليس (أنباء تونس) — "تونس: معركة البذور والشتلات والأصناف لا مبرر لها"، يوليو 2022. متاح على: kapitalis.com
موقع كابيتاليس (أنباء تونس) — "تونس: إطلاق تجربة زراعة بذور أصلية من أجل تكريس السيادة الغذائية"، فبراير 2024. متاح على: kapitalis.com
المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية (CIESSM) — "قطاع الحبوب وضعف منظومة التخزين في تونس: ثروة مهدورة بفعل الفقر الغذائي"، يوليو 2024. متاح على: ciessm.org
منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO) — تقارير سنوية حول الأمن الغذائي وتبذير الطعام.
الراديو الوطني التونسي — "موسم الحبوب 2024/2025: القدرة الوطنية لتجميع وتخزين الحبوب"، مارس 2025. متاح على: radionationale.tn
الترا تونس — "موسم الحبوب في تونس: الكميات المجمعة تتجاوز 11 مليون قنطار"، يوليو 2025. متاح على: ultratunisia.ultrasawt.com
مقال تحليلي للكاتب الناصر خشيني — 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق