السبت، 30 مايو 2026

الملح التونسي: "الذهب الأبيض" المنهوب.. من قيد التبعية إلى رهان السيادة والتنمية الجهوية بقلم: الناصر خشيني

 



لا يمكن قراءة ملف الثروات الطبيعية في تونس، وعلى رأسها "الملح"، إلا بوصفه جرحاً مفتوحاً في جسد السيادة الوطنية. إن هذا "الذهب الأبيض" ليس مجرد سلعة تُصدّر، بل هو شاهد عيان على عقود من النهب المشرعن والتبعية الهيكلية التي صُممت لتبقى تونس مجرد خزان للمواد الخام لفائدة المركز الاستعماري القديم.
خطيئة 1949: جذور الاستنزاف
إن السبب الحقيقي وراء ضياع هذه الثروة يكمن في اتفاقية 3 أكتوبر 1949. تلك الاتفاقية التي وُقعت في ظلام الحقبة الاستعمارية، ومنحت شركة "كوتوزال" الفرنسية حق استباحة مساحات شاسعة من سواحلنا ومن حيزنا الجغرافي الوطني مقابل معاليم رمزية تكرس الإذلال الاقتصادي. إن استمرار هذه العقود لعقود بعد الاستقلال يعكس "هشاشة هيكلية" في المعالجة السياسية والتشريعية، حيث غابت الإرادة الحقيقية لفك الارتباط مع موروث الاستعمار، وبقيت الإدارة أسيرة نصوص قانونية تجاوزها الزمن والمنطق الوطني.
غياب التصنيع وهشاشة البناء التشريعي
رغم الشعارات، ظلت الدولة تتعامل مع الملح كقطاع منجمي ثانوي، فغاب التوجه نحو "التصنيع الوطني" للملح، وبقينا نُصدّر الملح الخام بأسعار بخسة لنشتري مشتقاته الكيميائية والطبية بأغلى الأثمان. هذا العجز لم يكن تقنياً، بل هو نتاج منظومة تشريعية وإدارية هشة فضلت الحلول الترقيعية والغموض على الوضوح والسيادة المطلقة التي نص عليها الفصل 13 من دستور 2014، والذي ظل في كثير من الأحيان حبراً على ورق أمام قوة اللوبيات والمصالح العابرة للحدود.كما ان دستور الجمهورية التونسية لعام 2022 تضمن عدة فصول صريحة تؤكد على سيادة الشعب على ثرواته الوطنية ووجوب حسن إدارتها وتوزيعها، وأبرز هذه الفصول هي:
التوطئة (المقدمة): أشارت التوطئة  إلى رفض الشعب التونسي لـ "نهب الثروات الطبيعية" والمال العام، معتبرة أن تصحيح مسار التاريخ يهدف لاسترجاع هذه الحقوق
الفصل 16 (الأهم): ينص صراحة على أن "ثروات الوطن ملك للشعب التونسي". كما يُلزم الدولة بالعمل على:
توزيع عائدات هذه الثروات على أساس العدل والإنصاف بين المواطنين في جميع جهات الجمهورية.
إخضاع عقود الاستثمار والاتفاقيات المتعلقة بالثروات الوطنية لموافقة مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم.
الفصل 43: يركز على السيادة والموارد الحيوية، حيث نص على أن الدولة تضمن حق المواطنين في الماء، وتسعى لتحقيق السيادة الغذائية عبر توفير الموارد الفلاحية والطاقية من داخل حدود الوطن. كما جعل المحافظة على الموارد الطبيعية (الفلاحية والبيئية والطاقية) وترشيد استغلالها واجباً على الدولة والمجتمع.
الفصل 44: يؤكد على أن "الحق في الماء مضمون"، وأن ترشيد استهلاكه والمحافظة عليه واجب مشترك.
الفصل 45: يربط بين الثروات والبيئة، حيث يضمن الحق في بيئة سليمة ومتوازنة، ويُلزم الدولة بتوفير الوسائل اللازمة للقضاء على التلوث.
التنمية الجهوية: الحلقة المفقودة والعدالة الغائبة
إن المعالجة الهيكلية الحقيقية لهذا الملف لا تكتمل إلا برد الاعتبار للمناطق المستخرجة لهذه الثروة. فمن المفارقات الصارخة أن المناطق التي تحتضن الملاّحات والشطوط، من الساحل إلى الجنوب (مثل شط الجريد)، تعاني من تهميش تنموي وبطالة متفاقمة وبنية تحتية متهالكة.
إن الرؤية الوطنية التي ننشدها يجب أن تقوم على "العدالة المنجمية"؛ بحيث يتم توجيه جزء سيادي من عائدات الملح لخلق أقطاب تنمية جهوية حقيقية. إن ربط استخراج الملح بإنشاء وحدات تحويلية وصناعية في قلب تلك الجهات هو الكفيل بتحويل الملح من "مادة منهوبة" إلى "رافعة للتنمية"، مما يخلق مواطن شغل قارة ويقطع مع سياسة التهميش الممنهج التي طالت تلك الربوع لسنوات طويلة.
الخلاصة: نحو ثورة في إدارة الثروات
إن استعادة "الذهب الأبيض" تتطلب قراراً سيادياً شجاعاً يتجاوز مجرد إنهاء العقود، إلى إرساء استراتيجية وطنية شاملة تقوم على:
السيادة التشريعية: صياغة مجلة مناجم وطنية بامتياز تنهي كل أشكال الامتيازات الاستعمارية.
التثمين الصناعي: منع تصدير الملح في شكله الخام وفرض تصنيعه محلياً لرفع القيمة المضافة.
العدالة الجهوية: تخصيص نسبة ثابتة من الموارد لتنمية المناطق المنتجة، وجعلها شريكاً في الثروة لا مجرد مسرح لاستخراجها.
إنها معركة استكمال الاستقلال، وبناء اقتصاد وطني متحرر من كل قيود التبعية.
المراجع والمصادر:
اتفاقية 3 أكتوبر 1949: المبرمة بين الدولة التونسية (تحت الحماية) والشركة العامة للملاحات التونسية (COTUSAL).
دستور الجمهورية التونسية 2014: الفصل 13 المتعلق بملكية الشعب للثروات الطبيعية.                                  دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022
مجلة المناجم التونسية: والنصوص الترتيبية المنظمة للاستغلال المنجمي.
تقارير هيئات الرقابة: تقارير دائرة المحاسبات حول قطاع الطاقة والمناجم (2018-2020).
الأرشيف الوطني التونسي: وثائق تتعلق بتاريخ الامتيازات الاستعمارية في قطاع الملح

البحر المنهوب: تونس وثرواتها البحرية بين الاحتكار الداخلي والنهب الخارجي بقلم الناصر خشيني

صورة

مدخل: الفارق المفضوح بين الإمكان والواقع
ثمة مفارقة صارخة تطرح نفسها على كل تونسي يقف أمام رفّ السمك في السوق: كيف يكون السردين — الذي كان يُعرَّف بـ"سمك الفقراء" — بعيد المنال عن شريحة واسعة من المواطنين، في بلد تمتد سواحله على أكثر من 1300 كيلومتر، وتحتضن مياهه الإقليمية ثروة سمكية تُقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان سنوياً؟ هذا التناقض لا يُفسَّر بشحّ الطبيعة، بل بفداحة سوء الحوكمة وضراوة النهب، من الداخل والخارج معاً.
تونس ليست دولة فقيرة بحرياً. هي دولة أُفقِرت من بحرها.
أولاً: ثروة بحرية حقيقية تُقاس بأرقام لا بأوهام
قبل تشريح جراحات القطاع، لا بد من تثبيت حجم ما يُنهَب. تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية لقطاع الصيد البحري في تونس نحو 147 ألف طن، غير أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 138 ألف طن وفق أرقام 2024، وهو رقم يخفي تذبذباً واضحاً وتراجعاً ملموساً في أنشطة الصيد الساحلي التقليدي الذي يعتمد عليه صغار البحارة (1).
والأشد دلالة مما تقوله الأرقام هو ما يرويه أصحاب الشبك أنفسهم؛ إذ يؤكد رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بالمهدية أن الإنتاج السمكي تراجع بأكثر من 70% مقارنة بالسنوات الماضية، وأن عدداً من البحارة لم يعودوا قادرين حتى على تغطية تكاليف الإبحار (1).
أما في باطن هذا البحر، فتمتد ثروة أعمق وأبعد أثراً. أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بوجود حوضين كبيرين للنفط والغاز يمتدان على مساحات واسعة بين ليبيا وتونس، مع احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي ومكثفات الغاز (2). فضلاً عن ذلك، تزخر السواحل الشمالية الغربية لتونس، لا سيما طبرقة، بالشعاب المرجانية الحمراء التي تُعدّ من الأهم في حوض المتوسط، ويحظى المرجان التونسي بسمعة عالمية بفضل لونه الأحمر القاني وجودته العالية، ما يجعله مطلوباً في أسواق المجوهرات والتحف الفاخرة أوروبياً وآسيوياً وعربياً (3).
هذا هو الوجه الأول للحقيقة: ثروة موجودة، قابلة للقياس، مرئية. والوجه الثاني: هي مصادرة، مهدورة، أو منهوبة.
ثانياً: الاحتكار الداخلي — العدو الذي يسكن داخل الأسوار
السمكة التي يصطادها البحّار في الفجر لا تصل إلى مائدة المواطن إلا بعد أن تمر عبر شبكة وسطاء ومحتكرين تمتص القيمة وتُضاعف السعر. فقد تجاوز سعر السردين 10 دنانير للكيلوغرام في عدة مناسبات، بعد أن كان في حدود 3 إلى 5 دنانير، فيما بلغت أسعار أنواع كالدوراد والقاروص مستويات تتراوح بين 30 و50 ديناراً للكيلوغرام (1). ويرى المهنيون أن هذا الارتفاع يعكس اختلالاً واضحاً بين العرض والطلب، لكنه يعكس كذلك فشلاً مقصوداً في تنظيم السوق.
بيد أن الاحتكار ليس وحيد المصدر. ثمة منظومة فساد أعمق تتمثل في الصيد الجائر الداخلي نفسه؛ إذ يُسجَّل استعمال شباك غير مطابقة للمواصفات القانونية، ذات عيون ضيقة، تؤدي إلى صيد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها الحجم التجاري، مما يهدد استدامة الثروة البحرية على المديين المتوسط والبعيد (1). ويُضاف إلى ذلك عدم احترام فترات "الراحة البيولوجية" المخصصة لتجديد المخزون السمكي، خاصة بالنسبة لأنواع حساسة كالأخطبوط وبعض الأسماك الساحلية.
ويحذر مختصون من أن هذه الممارسات تُسرّع من وتيرة استنزاف المخزون في وقت يعمل فيه في القطاع نحو 45 ألف شخص، أكثر من 60% منهم في الصيد التقليدي (1). والأنكى أن الدولة ذاتها تقدّم الذريعة للمحتكرين، إذ يعاني القطاع من تقادم الأسطول واهتراء البنية التحتية وبيروقراطية مفرطة تُعقّد عمل المنتجين (1). فحين يُترك صغار البحارة بلا موانئ ولا أسطول متجدد ولا دعم لوجستي، يُضطرون إلى بيع إنتاجهم بأثمان بخسة لفائدة وسطاء يمتلكون رأس المال والتخزين والنقل، فيكون الاحتكار نتيجة طبيعية لغياب السياسة العامة لا لقانون السوق.
ثالثاً: النهب الخارجي — السفن الأوروبية في مياهنا
لا يقتصر النزيف على الداخل. ترسّخ الاتفاقيات الأوروبية المتتالية مع دول الجنوب نمطاً عالمياً غير عادل، تُستنزف بموجبه ثروات الجنوب البحرية لتغذية حاجات الشمال الاستهلاكية، في وقت يعاني فيه المواطنون المحليون من غلاء السمك ونقصه (4). وإذا كان المغرب قد خاض مفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي وصلت إلى حدود إلغاء الاتفاقية دفاعاً عن سيادته البحرية، فإن تونس لم تبلغ بعد هذا المستوى من الوعي السيادي في التفاوض.
ومن أبرز تجليات هذا النهب ما يُسجَّل في خليج قابس تحديداً، الذي يُعدّ من أخصب المناطق السمكية في المتوسط بأسره. وقد اعتبر رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري أن تهديدات الاتحاد الأوروبي بمنع استيراد المنتوجات البحرية التونسية بسبب تواصل الصيد العشوائي تشكّل خطراً يداهم منظومة الصيد البحري ككل (5). هذا الخطر يكشف عن ورطة بنيوية: تونس تُصدّر ثروتها السمكية إلى أوروبا بأسعار مجحفة لكسب العملة الصعبة، بينما يعجز مواطنوها عن اقتنائها في أسواقهم الداخلية.
والمفارقة الجارحة أن الاتحاد الأوروبي يُهدّد بعقوبات تجارية في وجه الصيد العشوائي التونسي، بينما تواصل سفنه المتطورة جنيَ ما تطاله شباكها في المياه المتوسطية المشتركة، بذريعة اتفاقيات "الشراكة" الواجب إعادة النظر فيها من أساسها.
رابعاً: النفط والغاز البحري — كنز يُوزَّع بلا حساب
إذا كانت المأساة السمكية مرئية يومياً، فإن مأساة الثروات الباطنية تجري في الخفاء. فقد كُشف عن قائمة تضم أكثر من 25 شركة أجنبية وتونسية مُرخَّصة للاستكشاف النفطي والتنقيب، من بينها شركات إيطالية وبريطانية وسويدية وأسترالية وكندية ونرويجية وهولندية وفرنسية وغيرها (6).
وتتّسم العلاقة مع هذه الشركات بالهشاشة السيادية المزمنة؛ إذ لم تستقطب تونس منذ نحو 15 عاماً أي شركة كبيرة الحجم متخصصة في الاستكشاف، وتتشكل خريطة الآبار من 1100 بئر، أكثر من 80% منها غير منتجة، ولا تتخطى نسبة النجاح 10% (2). وهذا يعني أن عقود الامتياز تُمنح بسخاء لشركات أجنبية في حين تبقى الثروة في معظمها حبيسة الباطن أو خارجة عبر منافذ لا تعكس عائداً عادلاً للشعب.
والمفارقة أن تونس بدأت استخراج النفط والغاز الطبيعي منذ 1966 بمساعدة شركات أجنبية (7)، وستون عاماً مضت دون أن تبني كفاءة وطنية حقيقية تُمكّنها من التفاوض من موقع ندّيّ. والدليل على العطش الشعبي لهذه العدالة الثروية أن احتجاجات اندلعت في منطقة الفوار بمحافظة قبلي تعبيراً عن السخط من إعلان اكتشاف بئر نفطية في تلك المنطقة وتخصيص عائداتها لمنطقة أخرى، وسط ارتفاع البطالة والفقر بالجنوب رغم احتوائه على مخزون كبير من الثروات (8).
خامساً: المياه المحلاّة — الحل الذي تأخّر جيلاً كاملاً
من أبشع مظاهر هدر الموارد البحرية أن تونس تعاني من أزمة مياه مزمنة وهي مطلّة على البحر بأكثر من ألف وثلاثمائة كيلومتر من الشريط الساحلي. فقد استكشفت تونس سُبُل تحلية المياه منذ 1983، لكن المشاريع ظلت موجهة كلياً لمعالجة المياه الجوفية لا مياه البحر، وأُجِّلت لعقود بسبب تشابك المصالح والفساد (9). ولعل أفضح مثال على ذلك أن مشروع أول محطة لتحلية مياه البحر في جربة كان مُقرراً بالشراكة مع مجمع تونسي مملوك لصهر الرئيس بن علي ومجموعة إسبانية، وكان مُزمَعاً التوقيع عليه في يناير 2011 قبل أن تسبقه الثورة (9).
وتُشكّل الطاقة حوالي 40% من تكلفة إنتاج متر مكعب واحد من المياه المحلاة في تونس (10)، وهو ما يجعل الدولة في حاجة إلى الجمع بين الطاقة الشمسية وتحلية المياه في منظومة متكاملة — خيار يبقى ممكناً لو توفّرت الإرادة السياسية والسيادة على القرار الاستراتيجي. غير أن المسار انحرف مرة أخرى حين قفز خيار "الهيدروجين الأخضر" بدفع أوروبي واضح إلى رأس قائمة الأولويات الطاقية، ليُحوَّل ماء البحر — مرة أخرى — إلى خدمة أوروبية قبل أن يكون خدمة للمواطن التونسي (9).
نحو المقارنة: ماذا تفعل الدول التي تحترم بحرها؟
لا يحتاج المرء إلى البحث بعيداً. المغرب خاض مفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي وأوقف التمديد في اتفاقيات الصيد حين رأى فيها إخلالاً بسيادته البحرية. موريتانيا ضمنت لصيّاديها احتكار أصناف محددة ولم تمنح أوروبا إلا ما تجاوز الحاجة الداخلية (11). النرويج تُقيّد الصيد الأجنبي في مياهها بيد من حديد وتبني كفاءتها التقنية ذاتياً. أما الصين وكوريا الجنوبية فقد حوّلتا تربية الأسماك إلى صناعة قائمة بذاتها تُكمل الصيد الطبيعي وتستوعب ملايين العمال.
القاسم المشترك في هذه التجارب: الإرادة السيادية، وسياسة وطنية واضحة، وإدارة تحمي المواطن أولاً. كل ذلك غائب في تونس، لا لأن الأرض لم تُعطِ، بل لأن الحكم لم يُبنَ على الخدمة.
خاتمة: البحر لا يكذب
البحر التونسي لم يُخن مواطنيه. الذين خانوه هم من استلموا مفاتيح إدارته: صانعو القرار الذين أسبغوا رخص التنقيب على الأجانب دون حساب ولا شفافية، والوسطاء الذين يُحوّلون نِعمة البحر إلى أداة احتكار، والسياسيون الذين أجّلوا تحلية المياه جيلاً كاملاً لأن المشاريع كانت ريعاً خاصاً لا خدمة عامة، والمفاوضون الذين مضوا إلى أوروبا دون أن يحملوا من القاموس السيادي ما يعادل شبكة صيد واحدة.
مكمن الأزمة ليس في البحر. مكمنها في من يُحكم قبضته على الشاطئ.
المراجع
(1) الجزيرة نت، "بين شح البحر وأزمات البحارة.. لماذا ترتفع أسعار الأسماك في تونس؟"، أبريل 2026.
(2) موقع الطاقة، "تونس تحسم الجدل حول اكتشاف احتياطيات ضخمة للنفط والغاز قبالة سواحل البلاد"، مارس 2023.
(3) وكالة الأنباء السعودية (واس)، "المرجان في تونس.. ثروة بحرية نادرة تسعى السلطات لحمايتها"، سبتمبر 2025.
(4) موقع الأيام 24، "اتفاقيات الصيد مع أوروبا.. نظام نهب وتكريس للتبعية"، يوليو 2025.
(5) أفريكان مانجر، تصريح رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري حول تهديدات الاتحاد الأوروبي، 2024.
(6) موقع الجمهورية / المصدر تونس، "قائمة الشركات التونسية والأجنبية المرخص لها لاستكشاف البترول والتنقيب عنه"، مايو 2015.
(7) وزارة الطاقة والمناجم التونسية، "الاستكشاف والبحث وإنتاج المحروقات"، الموقع الرسمي.
(8) الجزيرة نت، "أين البترول؟.. فقراء تونس يتساءلون عن ثرواتهم"، مايو 2015.
(9) Legal Agenda، "تحلية مياه البحر في تونس: خيار مرّ أم هروب إلى الأمام؟"، يوليو 2025.
(10) Swiss Info، "تحلية مياه البحر ومعالجة الصرف الصحي.. الحل الوحيد لدول المغرب العربي"، فبراير 2024.
(11) الجزيرة نت، "اتفاق موريتاني أوروبي في مجال الصيد البحري"، يوليو 2015.

 



 



هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت "دليس" منافسيها واعتلت عرش الغذاء والمياه في تونس؟ بقلم: الناصر خشيني



هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت "دليس" منافسيها واعتلت عرش الغذاء والمياه في تونس؟

بقلم: الناصر خشيني
تتحول منظومة الأمن الغذائي والمائي في تونس تدريجياً من ركيزة سيادية تضمن كرامة المواطن وديمومة الفلاح، إلى حلبة مغلقة تديرها كارتلات مالية نجحت على مدار عقود في فرض معادلة احتكارية صارمة. لم يكن تربع مجموعة "دليس" على عرش قطاع الحليب ومشتقاته -ثم توسعها لاحقاً لفرض نفوذها في قطاع المياه المعلبة- وليد صدفة اقتصادية، بل هو نتاج استراتيجية توسع هجومية شرسة اعتمدت على آليات "تجفيف المنابع"، و"الإغراق السعري"، وتوظيف القوة المالية والآلة الإعلامية لفرض منتجات عادية غصباً في الأسواق وسحق النسيج الإنتاجي المحلي. يضاف إلى هذا المشهد الاحتكاري بعدٌ آخر غاية في الحساسية يتعلق بالتبعية الرأسمالية لشركات عالمية متورطة في دعم منظومة الاحتلال الصهيوني. يبحث هذا التحقيق الاستقصائي الشامل في "الهندسة الخفية" التي اتبعتها المجموعة لإفلاس المعامل الجهوية والمؤسسات الحكومية، مع تشريح البنية الرقمية الراهنة التي تحكم خريطة النفوذ، والوقوف على التواطؤ التشريعي الذي جعل من أجهزة الدولة الرقابية هياكل بلا أنياب.

أولاً: كواليس تدمير "ستيل" وإخلاء الساحة من الرقابة السيادية
شكلت الشركة التونسية لصناعة الألبان "ستيل" (STIL) تاريخياً خط الدفاع الأول عن منظومة الإنتاج الوطني؛ إذ كانت هذه المؤسسة العمومية تلعب دوراً تعديلياً يحمي الفلاح عبر قبول الحليب بأسعار عادلة، ويضمن للمستهلك منتجاً مدعماً بأسعار مدروسة.
مع انطلاق سياسات الخصخصة وإعادة الهيكلة في تسعينات القرن الماضي، تقاطعت الضغوط الاقتصادية لتسريع وتيرة تفكيك "ستيل" وإغراقها في الديون لتبرير غلقها. ومع زوال هذا العملاق الحكومي، لم تجد مجموعة "دليس" أي رادع سيادي يمنعها من الاستحواذ على الحصص السوقية الشاغرة وشبكات التوزيع الممتدة عبر كامل تراب الجمهورية، لتتحول من مجرد مصنع خاص إلى "محتكر فعلي" يتحكم في مسار المادة الحيوية الأولى للتونسيين.

ثانياً: سياسة "التسعير الافتراسي" (Predatory Pricing) وسحق المعامل الجهوية
عندما حاولت بعض المصانع الجهوية والتعاونيات الفلاحية الصمود وتقديم بدائل محلية للمستهلك، اصطدمت بآلية اقتصادية مدمرة تُعرف بـ "التسعير الافتراسي":
  • الإغراق المؤقت: اعتمدت "دليس" -مستندة إلى السيولة المالية الضخمة وشراكتها الاستراتيجية مع عملاق الألبان الفرنسي "دانون"- على ضخ كميات هائلة من مشتقات الألبان في المناطق الجهوية بأسعار منخفضة جداً تقل عن كلفة الإنتاج الحقيقية للمصانع الصغرى.
  • خنق السيولة: لم تتحمل المالية الهشة لمعامل مثل "لينو" في بوسالم، و"ثالجة" في صفاقس وبن عروس، و"بلدي" بوادي الليل هذا النسق من حرب الأسعار.
  • النتيجة الحتمية: عجزت هذه المعامل عن تغطية مصاريفها الثابتة، مما قادها إلى التوقف الإجباري والإفلاس، لتقوم "دليس" فور خروج المنافس من السوق بإعادة رفع الأسعار لتعويض خسائرها المؤقتة وفرض شروطها الاحتكارية.

ثالثاً: التحكم في المنبع ومعاقبة مراكز التجميع
لم تقتصر استراتيجية الخنق على واجهات البيع والمساحات الكبرى، بل ركزت بشكل أساسي على التحكم الصارم في المادة الخام (الحليب الطازج) عبر هندسة عقود حصرية تمنع المنافسين من الحصول على الإمدادات:
  1. العقود الاحتكارية: فرضت المجموعة على أغلبية مراكز تجميع الحليب في أحواض الإنتاج الكبرى (مثل الشمال والوسط الغربي) توقيع اتفاقيات توريد حصرية لـ "دليس" دون سواها.
  2. سلاح المقاطعة الفورية: أي مركز تجميع كان يحاول بيع فائض إنتاجه اليومي أو تزويد مصانع صغرى منافسة (مثل مصنع كانديا أو مصنع سيدي بوعلي لاحقاً)، كان يواجه بالتهديد المباشر بفسخ العقد وإيقاف قبول الشحنات منه نهائياً.
  3. الانصياع القسري: نظرًا لعدم وجود بديل قادر على استيعاب تلك الكميات الضخمة غير "دليس"، اضطر أصحاب مراكز التجميع للانصياع، مما أدى عملياً إلى قطع شريان الحياة عن المشاريع المنافسة حتى تلاشت تماماً.

رابعاً: النفوذ الرياضي والشعبي كـ "درع حماية قانوني"
تمثل ظاهرة الجمع بين رئاسة المجموعات الاقتصادية الكبرى وإدارة الأندية الرياضية الجماهيرية (مثل ترؤس حمدي المدب لنادي الترجي الرياضي التونسي) آلية بالغة الذكاء لبناء "حصانة ناعمة".
تُستخدم هذه المكانة الرياضية كقوة ضغط غير مباشرة على الحكومات ومؤسسات الدولة. إن أي محاولة جدية من مجلس المنافسة التونسي أو وزارة التجارة لفتح ملفات الاحتكار، أو فرض خطايا مالية ثقيلة، أو إعادة هيكلة منظومة الدعم بما يضمن تكافؤ الفرص، كانت تصطدم دائماً بالتخوف من إثارة القواعد الجماهيرية الرياضية العريضة. هذا التداخل بين التجاري والرياضي وفّر للمجموعة مظلة أمان سياسية سمحت لها بمواصلة التمدد واحتواء السوق دون خشية من التبعات القانونية أو المحاسبة القانونية الصارمة.

خامساً: مغالطة "المستحضرات الغذائية" والالتفاف على كلفة الإنتاج
مع تفاقم الأزمات الهيكلية لمنظومة الحليب في تونس، لجأت "دليس" إلى آلية تصنيعية بالغة الربحية على حساب جودة الغذاء وصحة المستهلك، وتمثلت في تعويض الأجبان الحقيقية بما يسمى "المستحضرات الغذائية":
  • التلاعب بالمكونات: تعمد هذه العملية إلى سحب المواد الدهنية اللبنية الطبيعية واستبدالها بزيوت نباتية رخيصة ومعالجة (مثل زيت النخيل)، مع إضافة نكهات اصطناعية ومثبتات كيميائية لمنح المنتج ملمس وطعم الجبن.
  • هوامش ربح خيالية: توفر هذه المستحضرات هوامش ربح اقتصادية تتجاوز 200% مقارنة بالأجبان الحقيقية.
  • تدمير الحرفيين: بفضل الكلفة البخسة لهذه المستحضرات، أغرقت المجموعة السوق بمنتجات رخيصة الثمن عجز أمامها صغار الحرفيين ومصنعي الأجبان التقليدية (الذين يعتمدون على الحليب الخالص 100%) عن المنافسة، مما دفعهم للغلق، وأجبر المستهلك التونسي على استهلاك دهون نباتية مهدرجة تحت مسمى "الأجبان".

سادساً: قراءة تحليلية مقارنة في توازنات القوى وحصص السوق الراهنة
عند تفكيك بنية السوق التونسية للألبان حالياً، يتضح أننا لسنا أمام حالة تنافسية بالمعنى الاقتصادي، بل أمام "شبه احتكار مطلق" (Monopoly Power) تقوده مجموعة دليس، بينما تتقاسم بقية الشركات الفتات عبر سياسة التعايش القسري.(14)
تُشير التقديرات المسجلة في تقارير الممارسات الاحتكارية إلى أن مجموعة "دليس" تستأثر بحصة أسد تتجاوز الـ 65% من إجمالي الاستهلاك الوطني للحليب المعبأ. في المقابل، تحل مجموعة "فيتالي" (المركزية اللبنية بالمهدية) في المرتبة الثانية بحصة سوقية تقارب الـ 20% إلى 25%، تاركةً ما لا يزيد عن 10% إلى 15% موزعة على بقية المتدخلين الصغار والتعاونيات الجهوية.(15)
وتكشف قراءة توزيع هذه الحصص عن هرمية احتكارية واضحة المعالم. تتربع مجموعة دليس القابضة على القمة بهيمنة شاملة تتجاوز 65% من السوق، موزعة على قطاعات الحليب المعبأ والأجبان والياغورت معاً، مستندةً في ذلك إلى شراكتين أجنبيتين استراتيجيتين هما دانون وسافينسيا الفرنسيتان، اللتان تمنحانها تفوقاً تكنولوجياً ومالياً يعجز عنه أي منافس محلي. وتحتل مجموعة فيتالي بالمهدية المرتبة الثانية بحصة تتراوح بين 20% و25%، مقتصرةً على الحليب المعبأ دون سواه، مستقلةً عن أي شراكة أجنبية مما يُضعف قدرتها التنافسية أمام الآلة المالية للمجموعة الأولى. أما لاندور (Land'Or) فتكتفي بحصة متواضعة لا تتعدى 5% إلى 8%، محصورةً في قطاع الأجبان التقليدية التي تشكّل ملاذها الأخير للبقاء. وفي ذيل الهرم تقبع التعاونيات الجهوية المستقلة، تتقاسم فيما بينها بقية الحصص المتناثرة في سوق يضيق عليها يوماً بعد يوم.
هذا الفارق الشاسع يمنح "دليس" القدرة على توجيه السوق؛ فإذا قررت خفض وتيرة الإنتاج أو توجيهه نحو المشتقات، أصيبت البلاد بأزمة ندرة خانقة فوراً. أما في قطاع "الياغورت" ومشتقات الألبان الطازجة، يظهر الأثر المباشر للشراكة مع "دانون" الفرنسية؛ إذ تسيطر دليس على أكثر من 70% من السوق، تليها "فيتالي" و"ناتيل" بنسب متواضعة جداً لا تسمح لهما بتشكيل جبهة ضغط سعرية.
مقارنة إقليمية: كيف تُدار قطاعات الألبان في الجوار؟
لفهم عمق الأزمة التونسية، يكفي مقارنتها بنموذجين إقليميين قريبين:
النموذج المغربي: تحتفظ الدولة المغربية بحضور تعديلي فاعل في قطاع الألبان عبر مجموعة "حليب المغرب" التابعة للقطاع شبه العام، التي تعمل كضابط سعري يحمي صغار الفلاحين ويمنع التسعير الافتراسي.(16) كما يتضمن قانون المنافسة المغربي آليات رقابية أكثر صرامة بما يجعل هيمنة أي كيان تجاري على أكثر من 40% من السوق مثار تدقيق تلقائي من سلطة المنافسة.
النموذج المصري: حافظت مصر على دور عام مباشر في قطاع الألبان عبر "شركة مصر للألبان والأغذية" (بيكو)، فضلاً عن منظومة التعاونيات الفلاحية التي تحمي الفلاح الصغير من الاستغلال. وقد أصدر جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية قرارات بتغريم شركات عدة بسبب تنسيق الأسعار، مما يشير إلى حضور رقابي حقيقي لا صوري.(17)         سابعاً: غزو قطاع المياه.. القوة المالية والإعلامية تفرض الماء العادي غصباً
لم تقف شهية التوسع الاحتكاري للمجموعة عند حدود الألبان؛ بل امتدت لتشمل قطاع المياه المعلبة عبر إطلاق منتجها "ماء دليس" (Eau Délice). عند إخضاع هذا المنتج للتفكيك والتحليل الميداني، تتجلى الحقائق التالية:
  • ماء عادي بآلة ترويجية خارقة: من الناحية الفيزيائية والجيولوجية، لا يقدم "ماء دليس" أي ميزة تفاضلية صحية أو تركيبة معدنية نادرة تفوق بقية المياه في تونس. بل إن الشهادات الميدانية والتقارير الاستقصائية تشير إلى أنه ماء عادي مستخرج من آبار عادية (مثل منطقة جلمة بسيدي بوزيد)، وتواجه عمليات استخراجه اتهامات محلية باستنزاف المائدة المائية على حساب عطش الأهالي وصغار الفلاحين في الجهة.
  • الفرض القسري بالقوة الناعمة والصلبة: رغماً عن عادية المنتج، نجحت الشركة في فرضه "غصباً" على المستهلك التونسي عبر محورين:
    1. السطوة المالية واللوجستية: وظفت المجموعة شبكة توزيع الألبان العملاقة الخاصة بها لفرض "البيع المشروط" بطرق غير مباشرة على تجار التفصيل والمساحات الكبرى. فمن يريد الحصول على حصته الكافية من حليب دليس السريع النفاد، يجد نفسه مجبراً لوجستياً على غمر محله بـ "ماء دليس".
    2. القصف الإعلامي الممنهج: سُخرت ترسانة إعلامية دعائية ضخمة لصناعة هالة وهمية حول المنتج تسوقه كـ "مصفٍّ للبدن" ومطهر من السموم، مما أدى إلى غسل دماغ جماعي للمستهلك الذي أصبح يقتني ماءً عادياً بسعر مرتفع مدفوعاً ببريق العلامة التجارية لا بجودة المضمون Facebook.

ثامناً: التبعية الرأسمالية وشبهة "التطبيع بالوكالة"
لا يكتمل تشريح الامتداد الأخطبوطي لمجموعة "دليس" دون النبش في خلفيات ملف باليد الحساسية، يثير نقاشاً حقوقياً وسياسياً واسعاً في تونس، وهو ملف ارتباطها غير المباشر بالشركات الداعمة للكيان الصهيوني:
  • ارتباط وثيق بـ "دانون" (Danone): على الرغم من عدم وجود تعامل تجاري أو تصديري مباشر ومعلن بين دليس ودولة الاحتلال، إلا أن الشبهة الرئيسية والخطيرة تنبع من طبيعة شراكتها الهيكلية والرأسمالية مع عملاق الأغذية الفرنسي "دانون"، الذي يمتلك حصة ضخمة من فرع المنتجات الطازجة للمجموعة (دليس دانون).
  • جائزة اليوبيل الصهيونية لـ دانون: في عام 1998، تم تكريم شركة "دانون" الفرنسية رسمياً من قِبل حكومة الكيان الصهيوني بمنحها "جائزة اليوبيل" (Jubilee Award)، نظراً لدورها التاريخي والبارز في دعم وتعزيز الاقتصاد الإسرائيلي عبر الاستثمار المباشر في شركات كبرى داخل الكيان (مثل شركة معجنات شتراوس) وشراكتها مع معاهد بحوث وتطوير تكنولوجي تابعة للاحتلال.
  • التبعات والتحركات الوطنية: بالنظر إلى هذه التبعية، تؤكد الهيئات المناهضة للتطبيع (مثل BDS Tunisia والاتحاد العام لطلبة تونس UGET) أن المستهلك التونسي الذي يشتري هذه المنتجات يساهم دون وعي في تدوير عجلة رأس مال يصب جزئياً في خزانة الشركة الأم الداعمة للاحتلال. وقد تجلى هذا الاحتقان في إصدار الاتحاد العام لطلبة تونس لبيانات استنكارية رسمية تندد بإبرام دواوين الخدمات الجامعية لصفقات توزيع منتجات دليس-دانون داخل المطاعم الجامعية، معتبرين ذلك ضرباً لجهود المقاطعة وتواطؤاً بالوكالة، خاصة في ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني. ورغم هذه التحركات، تنجح الآلة الإعلامية والمالية للشركة في فرض جدار الصمت حول هذا الملف داخل وسائل الإعلام الكبرى بصفة الشركة الممول الإعلاني الأول لها.

تاسعاً: التحليل القانوني لثغرات قانون المنافسة والأسعار التونسي
إن استمرار هذا التمدد الاحتكاري يطرح تساؤلاً جوهرياً: أين هي الدولة وأجهزة الرقابة؟ الإجابة تكمن في البنية الهيكلية لـ قانون إعادة تنظيم المنافسة والأسعار (قانون عدد 36 لسنة 2015)، والذي يحتوي على ثغرات جعلت منه نصاً بلا أنياب:
  1. إثبات الوضع المهيمن ضد إساءة استغلاله: يعاقب القانون التونسي على "إساءة استغلال" الموقع المهيمن وليس على امتلاك الموقع المهيمن في حد ذاته. هذه الثغرة تمنح المحامين غطاءً؛ إذ يتم تسويق الممارسات الاحتكارية على أنها "إجراءات لوجستية لتحسين الجودة".
  2. ضعف آليات التقديم وبطء التقاضي: يعاني "مجلس المنافسة التونسي" من نقص حاد في الإمكانيات البشرية واللوجستية، مما يجعله عاجزاً عن فتح تحقيقات استقصائية استباقية ومعقدة. أضف إلى ذلك أن القضايا المرفوعة أمام المجلس تستغرق سنوات طويلة، وهي فترة تكون كافية اقتصادياً للمصنع المحتكر لسحق المنافس الصغير وإخراجه من السوق نهائياً قبل صدور أي قرار قضائي.
  3. هزالة العقوبات المالية مقارنة بالأرباح: حتى في الحالات النادرة التي تثبت فيها التجاوزات، فإن الخطايا المالية المرصودة قانوناً تُعتبر ضئيلة جداً مقارنة بالأرباح الخيالية التي تجنيها المجموعة. تصبح هذه الخطايا بالنسبة للكارتل مجرد "تكلفة تشغيلية بسيطة" يتم دفعها ومواصلة نفس النهج التدميري للمنافسة.

خاتمة واستنتاجات ومقترحات تشريعية لصناع القرار
إن تربع مجموعة "دليس" على قطاعات الألبان والمياه في تونس ليس قصة نجاح اقتصادي بقدر ما هو نموذج صارخ لغياب آليات التعديل التنافسي وضعف الرقابة السيادية للدولة. ولإنقاذ ما تبقى من سيادة غذائية ومائية، نرفع لصناع القرار المقترحات التشريعية والإجرائية العاجلة التالية:
  1. تعديل القانون عدد 36 لسنة 2015: بوضع سقف محدد للحصة السوقية لأي مجمع اقتصادي (لا تتجاوز 40%)، واعتبار تجاوز هذا السقف احتكاراً موجباً للتفكيك القسري بقوة القانون لمنع الهيمنة المطلقة.
  2. استقلالية ومنح الأنياب لمجلس المنافسة: عبر إلحاقه مباشرة برئاسة الجمهورية أو القضاء العدلي، وتزويده بضابطة عدلية اقتصادية قادرة على مداهمة الشركات وتفتيش عقود التوزيع الحصرية والسرية وفرض عقوبات تصل إلى مصادرة الأصول المرتكبة للممارسات الاحتكارية.
  3. حظر المستحضرات الغذائية الضارة ومنع البيع المشروط: إصدار أمر وزاري صارم يمنع تسويق المستحضرات النباتية تحت مسميات الأجبان، وفرض رقابة ميدانية صارمة من وزارة التجارة لمعاقبة المصانع التي تفرض على التجار شراء مياهها لمعادلة حصص الحليب.

الهوامش والمراجع
(1) تقارير المعهد الوطني للإحصاء حول قطاع الصناعات الغذائية في تونس (1990-2000)؛ وأرشيف الشركة التونسية لصناعة الألبان (ستيل - STIL) المحفوظ في مركز التوثيق الوطني بتونس.
(2) وثائق وزارة الصناعة التونسية حول برامج الخصخصة وإعادة الهيكلة الصناعية في إطار سياسات التكيف الهيكلي للفترة 1990-2000.
(3) شهادات نقابية منشورة للاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) - الفدرالية العامة للصناعات الغذائية - حول تداعيات تصفية ستيل على قطاع التشغيل.
(4) شهادات نقابية ومهنية لمتضرري الفلاحين وصغار المصنعين حول إفلاس مصانع "ستيل" و"لينو" و"ثالجة"؛ منشورة في الصحافة المحلية لمنطقة جندوبة (2000-2005).
(5) التقرير الفصلي للديوان الوطني للفلاحة (OEP) حول وضع قطاع تربية المواشي وإنتاج الحليب في المناطق الداخلية؛ البيانات الإحصائية للفترة 2005-2015.
(6) التحليلات الاقتصادية لآليات "التسعير الافتراسي" واستراتيجيات الإغراق في السوق التونسية ومفهوم الاحتكار الفعلي؛ تقارير المعهد الوطني للاستهلاك ومجلس المنافسة التونسي.
(7) شهادات نقابية ومهنية منشورة حول إفلاس مصنع "لينو" في بوسالم، ومصنع "ثالجة" في صفاقس وبن عروس، ومصنع "بلدي" بوادي الليل.
(8) تقارير المعهد الوطني للاستهلاك ومجلس المنافسة التونسي بشأن قطاع الألبان والممارسات التنافسية في السوق؛ بيانات الهيكلة والشراكات من الموقع الرسمي لمجموعة دليس القابضة وبورصة تونس.
(9) التقارير الصحفية الاستقصائية المنشورة حول الامتدادات الرياضية لمجموعة دليس ودور رئاسة الأندية الجماهيرية في بناء الحصانة السياسية.
(10) شهادات صحفيين تونسيين (طلبوا إخفاء هويتهم) حول ممارسات الضغط الإعلاني وإيقاف التحقيقات الاستقصائية المتعلقة بملفات الاحتكار.
(11) تقارير المرصد التونسي للإعلام حول توزيع الإنفاق الإعلاني في القطاع الإعلامي التونسي وتأثيره على الاستقلالية التحريرية.
(12) الدراسات الفنية والتقنية الصادرة عن وزارة الصحة التونسية والمركز الوطني للتقنين (INNORPI) حول مواصفات المستحضرات الغذائية ومكوناتها مقارنة بالأجبان الحقيقية.
(13) التحليلات الاقتصادية لهوامش الربح في صناعة الأجبان والمستحضرات الغذائية؛ تقارير اتحاد الصناعة التونسية والتجارة والصناعات التقليدية (UTICA) - الفدرالية الوطنية للمواد الغذائية.
(14) تقارير مجلس المنافسة التونسي والمعهد الوطني للاستهلاك بشأن بنية السوق ودرجات التركز في قطاع الألبان.
(15) الموقع الرسمي لمجموعة دليس القابضة وبورصة تونس (بيانات الهيكلة والتقارير المالية السنوية)؛ تقديرات المعهد الوطني للإحصاء حول حجم الاستهلاك الوطني.
(16) المجلس الأعلى للحسابات المغربي: تقرير قطاع الحليب ومشتقاته في المغرب؛ البيانات الرسمية لمجموعة حليب المغرب (Centrale Laitière).
(17) تقارير جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في مصر؛ البيانات السنوية لشركة مصر للألبان والأغذية (بيكو).
(18) دراسات وتقارير المرصد التونسي للمياه (مؤسسة نوماد 08) والتحقيقات الصحفية المنشورة حول احتكار قطاع المياه واستنزاف الموائد المائية في جلمة وسيدي بوزيد.
(19) بيانات المندوبية الجهوية للفلاحة بسيدي بوزيد حول منسوب المياه الجوفية وتأثير رخص الاستغلال الصناعي على الموائد المائية.
(20) دراسات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES) حول العدالة المائية وإشكاليات توزيع الثروات الطبيعية في تونس الداخلية.
(21) شهادات ميدانية لتجار تجزئة وأصحاب مساحات صغرى حول ممارسات البيع المشروط المرتبطة بحصص الحليب؛ منشورة في منتديات المهنيين ووسائل التواصل الاجتماعي.
(22) بيانات المعهد الوطني للاستهلاك والديوان الوطني للمياه المعدنية حول تركيبة المياه المعبأة وأساليب تسويقها.
(23) الموقع الرسمي لمجموعة دليس القابضة وبورصة تونس: التقارير المالية السنوية وبيانات الهيكلة والشراكات الأجنبية مع دانون وسافينسيا.
(24) أدبيات وبيانات الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع (BDS Tunisia) والتقارير المتعلقة بجائزة اليوبيل الممنوحة لشركة دانون الفرنسية من قبل حكومة الكيان الصهيوني عام 1998.
(25) البيانات الرسمية الصادرة عن الحملة التونسية لمناهضة التطبيع BDS Tunisia حول الارتباطات الرأسمالية لمجموعة دليس-دانون.
(26) البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس (UGET) حول مقاطعة المنتجات والمطالبة بإلغاء عقود التوريد للمطاعم الجامعية.
(27) نص القانون عدد 36 لسنة 2015 المتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار في تونس والقراءات النقدية الفقهية لثغراته الإجرائية؛ الرائد الرسمي للجمهورية التونسية.
(28) التقرير السنوي لمجلس المنافسة التونسي حول الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة ونسبة القضايا المُعالَجة مقارنة بالمقدَّمة.
(29) الأرشيف العلني لمجلس المنافسة التونسي (القرارات والتوصيات المنشورة على موقعه الرسمي)؛ مراجعة منهجية لملفات قطاع الألبان.
(30) تقارير منظمة أنا يقظ ومنظمة I Watch حول استقلالية هيئات الرقابة الاقتصادية في تونس ومدى مقاومتها لضغوط اللوبيات المالية.
(31) دراسات المعهد العربي لرجال الأعمال حول نماذج تشريعية مقارنة في قوانين المنافسة الناجحة في المغرب والأردن وتونس.
(32) تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES) حول آليات التعويض وإعادة التأهيل في الجهات المتضررة من التحولات ج


توابيت تسير على العجلات: كيف تحولت مافيا "الشنطري" ولوبيات السيارات إلى مهدد للأمن القومي التونسي؟ تونس ــ الناصر خشيني



لم يعد شراء سيارة في تونس مجرد خطوة لتحسين جودة الحياة، بل تحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر المادية والجسدية، يواجه فيها المواطن التونسي شبكات معقدة بدأت من احتكارات الوكلاء المعتمدين والمضاربة التشريعية، وصولاً إلى مافيات الورشات العشوائية (الشنطري) وسماسرة قطع الغيار المتآكلة في أسواق "الفراي". هذا التحقيق الاستقصائي يزيح الستار عن أساليب التحيل الأكثر بشاعة، مدعومة بالأرقام الرسمية الصادمة لحوادث الطرقات، ويفكك الثغرات القانونية التي يستغلها الجناة للإفلات من العقاب.

أولاً: من الوصل إلى "البلاك".. الاحتكار المؤسساتي وقهر الطبقة الوسطى
تبدأ رحلة المعاناة من قمة الهرم، حيث تتحكم لوبيات وكلاء السيارات في حصص الاستيراد (Quotas) الممنوحة من الدولة. هذه المنظومة أنشأت سوقاً سوداء موازية لـ "السيارات الشعبية"، الملاذ الأخير للمواطن محدود الدخل.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن طوابير الانتظار الرسمية للحصول على سيارة شعبية تجاوزت حاجز الـ 5 سنوات لدى بعض الوكلاء. هذا البطء المتعمد فتح الباب لشبكات السماسرة المتواطئين مع أطراف داخلية لإنشاء ما يُعرف بـ "مافيا الوصولات". يتم تسجيل أسماء وهمية أو أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط الجبائية، وعند اقتراب دور السيارة في المنظومة الرقمية، يتم ابتزاز المواطن الحقيقي وإجباره على دفع مبالغ إضافية تحت الطاولة (تُعرف محلياً بـ "البلاك") تتراوح بين 8,000 و 12,000 دينار تونسي مقابل التنازل عن الدور، مما يفرغ الآلية الاجتماعية للسيارات الشعبية من جوهرها.

ثانياً: توابيت "القصان واللحام".. الموت المشرعن وأرقام فاجعة على الأسفلت
إذا نجا المواطن من جحيم الانتظار وتوجه إلى سوق السيارات المستعملة، فإنه يصطدم بأبشع طرق التحيل الميكانيكي وأخطرها على الإطلاق: سيارات "القصان واللحام" (Les voitures coupées). تعتمد هذه الجريمة على شبكات تهريب ديوانية تجلب سيارات تعرضت لحوادث مدمرة في أوروبا وتم تصنيفها من شركات التأمين الغربية كخردة غير قابلة للإصلاح (Épave). تدخل هذه السيارات تونس كقطع غيار مفككة، لتبدأ الورشات العشوائية (الشنطري) في تجميعها؛ حيث يتم قص سيارتين متضررتين (واحدة مصدومة من الأمام والأخرى من الخلف) وإعادة لحام النصفين السليمين معاً وإخفاء العيوب بمادة "المعجون" والطلاء [5].
وتظهر الأرقام الرسمية الصادرة عن المرصد الوطني لسلامة المرور بوزارة الداخلية مدى كارثية الوضع؛ حيث سجلت تونس سنة 2025 لوحدها 5,249 حادث مرور، أسفرت عن فاجعة بشرية تمثلت في 1,233 قتيلاً و6,939 جريحاً، مسجلة ارتفاعاً لافتاً في عدد الوفيات بنسبة 5.84% [1]. ولم يتوقف النزيف عند هذا الحد، إذ تشير أحدث البيانات الإحصائية المحيّنة إلى حدود ماي 2026، أن عدد قتلى حوادث الطرقات شهد قفزة مرعبة أخرى بنسبة 14.59% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي [2].
ورغم أن "السهو وعدم الانتباه" والسرعة يتصدران الأسباب المعلنة بنسب مئوية هامة [3]، إلا أن خبراء السلامة المرورية يؤكدون أن العيوب الهيكلية الخفية الناتجة عن الغش، وتلاشي أنظمة الأمان في السيارات "المفبركة والمغشوشة"، تضاعف من "معدل الخطورة" وقاتلية الحوادث عند وقوعها، حيث تصنف منظمة الصحة العالمية طرقات تونس كإحدى أخطر الطرقات بمعدل وفيات يصل إلى 16.3 قتيل لكل 100 ألف ساكن [4].

ثالثاً: التزوير الميكانيكي والرقمي لمحركات "الفراي"
لا تتوقف الجريمة عند هيكل السيارة، بل تمتد إلى أحشائها. في أسواق قطع الغيار المستعملة (مثل الملاسيين، اليهودية، وبن عروس)، يُمارس التحيل بأساليب كيميائية وتكنولوجية متقدمة:
  1. مكياج المحركات التالفة: يتم غسل المحركات المستهلكة بمركبات أسيدية لإزالة ترسبات الكربون والزيوت لإيهام الزبون بأنها بحالة المصنع ومستوردة من أوروبا (Moteur Importé).
  2. إضافات الزيت الكثيفة (Les Additifs): يوضع داخل المحرك زيوت ذات لزوجة صناعية فائقة تخفي أصوات "التكتكة" وتمنع انبعاث الدخان الأزرق مؤقتاً، وتزول فعاليتها تماماً بعد قطع مسافة لا تتجاوز 50 كيلومتراً.
  3. جريمة "التلاعب بالعداد" (Kilométrage): وهي الجريمة الرقمية الأكثر انتشاراً؛ حيث تُستخدم برمجيات صينية رخيصة لتقليص مسافات السير من 300 ألف كم إلى 90 ألف كم، مما يرفع ثمن السيارة بشكل وهمي بما قيمته 10 إلى 15 ألف دينار.
  4. حشو علب السرعة بالنشار والموز: لامتصاص ضجيج علب التروس المتآكلة تماماً، يعمد بعض الغشاشين إلى حشو علبة السرعة بنشارة خشب ناعمة جداً مخلوطة بموز مهروس، وهي حيلة ميكانيكية بشعة تؤدي لتصلب العلبة وتحطمها كلياً بعد أيام من البيع الفعلي للضحية.

رابعاً: الثغرات التشريعية.. المظلة القانونية للغشاشين
لماذا تفلت هذه اللوبيات والعصابات من العقاب؟ الإجابة تكمن في ترسانة قانونية قديمة تشوبها ثغرات قاتلة يستغلها المحامون والسماسرة:
  • غياب السجل الرقمي التراكمي: تكتفي وكالة النقل البري التونسية بفحص الحالة الراهنة للسيارة يوم المعاينة [5]. على عكس الدول المتقدمة، لا يوجد ربط شبكي بين مراكز الفحص الفني، شركات التأمين، والورشات، مما يمنع كشف التلاعب بالعدادات أو معرفة ما إذا كانت السيارة قد تعرضت لحادث سابق.
  • بند المعاينة القاتل في عقود البيع: يتم تضمين بند تقليدي في عقود البيع البلدية ينص على: "أقر المشتري بأنه عاين العربة المعاينة التامة والنافية للجهالة وقبلها بحالتها" [5]. ورغم أن مجلة الالتزامات والعقود التونسية تضمن حق المشتري في القيام بدعوى "العيوب الخفية" (Vice caché)، إلا أن إثبات تعمد البائع إخفاء العيب يتطلب تقارير خبراء واختبارات معقدة وقضايا تستغرق في المحاكم التونسية بين 3 إلى 5 سنوات، مما يدفع معظم الضحايا للتنازل عن حقوقهم بسبب طول الإجراءات وتكلفتها المادية.
  • القطاع غير المصنف للورشات: تعمل أكثر من 70% من ورشات ميكانيك السيارات والتصليح في تونس خارج الأطر القانونية (دون معرف جبائي أو فواتير رسمية). هذا التعتيم يجعل من المستحيل إثبات من قام بعملية اللحام أو إلغاء أنظمة الأمان (EGR/FAP) وتعديل لوحة القيادة لطمس لمبات التحذير (Check Engine)، مما يقيد القضايا ضدهم ضد مجهول.

خاتمة وتوصيات
إن تفكيك لوبيات السيارات ومافيات "الشنطري" في تونس لم يعد مجهوداً حمائياً للمستهلك فحسب، بل هو معركة أمن قومي لإنقاذ أرواح التونسيين على الطرقات. إن إصلاح هذا القطاع يتطلب فوراً:
  1. إرساء منظومة رقمية وطنية موحدة لتاريخ السيارات (Car-Pass تونسية) تربط بين الفحص الفني، الديوانة، وشركات التأمين [5].
  2. فرض رقابة صارمة وفجئية على ورشات التصليح ومحلات بيع قطع الغيار المستعملة "الفراي".
  3. تعديل القوانين المتعلقة بالعيوب الخفية لتقصير آجال التقاضي وإنشاء محاكم اقتصادية سريعة تفصل في قضايا التحيل التجاري.

الهوامش والمراجع:
  • [1] تقرير الحصيلة السنوية الشامل، المرصد الوطني لسلامة المرور بوزارة الداخلية التونسية، جانفي 2026.
  • [2] التقرير الإحصائي الدوري لضحايا حوادث الطرقات، المرصد الوطني لسلامة المرور، ماي 2026.
  • [3] قاعدة البيانات الرقمية لتوزيع حوادث السير حسب المسؤولية والأسباب، المرصد الوطني لسلامة المرور، 2026.
  • [4] تقرير مؤشرات السلامة المرورية العالمي، المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (OMS)، مارس 2026.
  • [5] كراس الشروط ونظم الفحص الفني والمعاينة، وكالة النقل البري التونسية (ATTT)، ومجلة الالتزامات والعقود التونسية.